مختبر المسرح العربي للذكاء الإصطناعي

«أرى القصص التي أشاركها كرؤى محتملة للمستقبل.» — أولريكه كوادي كتب: هايل المذابي (اليمن)

«أرى القصص التي أشاركها كرؤى محتملة للمستقبل.» — أولريكه كوادي كتب: هايل المذابي (اليمن)

 

 

«أرى القصص التي أشاركها كرؤى محتملة للمستقبل.»

— أولريكه كوادي

كتب: هايل المذابي (اليمن)

 

في قلب التحولات الجذرية التي يشهدها الفن الأدائي المعاصر، تبرز تجربة المخرجة والسينوغراف الهولندية “أولريك كويد” كجسرٍ يربط بين عراقة التقاليد ودقة التكنولوجيا. وقد انطلقت كويد في تجربتها من خلفية كلاسيكية في فن العرائس الياباني، لكنها أدركت أن طموحها في تجسيد “التحول الحقيقي” يتجاوز حدود المواد الساكنة كالخشب والقماش.

لا تكتفي كويد بالرؤية الفنية البحتة، بل ترتكز تجربتها على أسس علمية رصينة من خلال شراكات أكاديمية ممتدة؛ أبرزها تعاونها المستمر منذ سبع سنوات مع البروفيسورة مايكي بليكر في جامعة أوتريخت. هذا التعاون أثمر برامج بحثية رائدة مثل “التمثيل كالأبط” (Acting Like a Robot) والبرنامج الحالي “دراماتورجيا الأجهزة” (Dramaturgy for Devices)، الممول من الأجندة العلمية الهولندية.

لا تبحث كويد عن استبدال الإنسان بالآلة، بل تسعى لاستكشاف “الذكاء التعاوني” في ذلك الفضاء الفاصل بين اللحم والمعدن. 

 

في هذا الحوار، تأخذنا كويد في رحلة خلف الكواليس لتكشف كيف يتحول الروبوت الصناعي “كوكا” (KUKA) من أداة للمصانع والأسلحة إلى مؤدٍ يمتلك “وهم الحياة”، يتنفس ويلامس ويحاكي الشاعرية البشرية. نناقش معها كيف يمكن للمسرح أن يظل حارساً للروح الإنسانية في عصر الذكاء الاصطناعي، وكيف يمكن للتقاليد المسرحية -بما فيها الفلكلور العربي- أن تكون هي “الخارطة” التي تقودنا عبر مجهول التكنولوجيا. كما تسمح لنا أجاباتها بأن نغوص في فلسفتها العميقة حول “تحول الشكل”، وكيف يمكن للتقنيات الحديثة -مثل محركات الألعاب وأنظمة الذكاء الاصطناعي- أن تصبح أدوات لتعزيز روح الفن لا لابتلاعه. كما نناقش رؤيتها الملهمة لكيفية جسر الهوة بين التكنولوجيا الحديثة والموروثات الثقافية، مثل مسرح “البونراكو” الياباني وقصص الفلكلور العربي، لخلق مسرحٍ يواجه تعقيدات المستقبل بقلبٍ يفيض بالإنسانية. فإلى الحوار.

 

 

السؤال 1: بصفتكِ لاعبة دمى (Puppeteer) مدربة كلاسيكياً، ما هي اللحظة الحاسمة التي قادتكِ من “الخشب والقماش” إلى “الفولاذ والبرمجيات”؟

 

أولريك: اكتشفتُ أن القيود المادية للدمى كانت هي ذاتها قيودي كصانعة مسرح.

 

بصفتي لاعبة دمى تدربت في اليابان وحصلت على الماجستير في السينوغرافيا، قضيت سنوات في تحريك ليس فقط الأشياء، بل مساحات بأكملها.

 

لطالما ركزت عروضي على تصميم بيئة الدمية بقدر تركيزي على الدمية نفسها.

 

أردتُ إظهار التحول الحقيقي – ما أسميه “تغيير الهوية/الشكل” (shapeshifting).

 

الدمية الخشبية يمكنها الإيحاء بالتغيير، لكنها لا تستطيع أن تتحول إلى شيء آخر أمام عينيك؛ فالمادة نفسها تقاوم ذلك.

 

منحتني العرائس الرقمية والشخصيات الافتراضية (Avatars) أجساداً قادرة على التحول.

 

استخدمنا ما نسميه “السينوغرافيا المتحركة” (animated scenography) – أي استخدام آليات المسرح لتحويل العالم المحيط بالدمية.

 

دخول تقنيات التقاط الحركة ومحركات الألعاب مثل “Unreal” لاحقاً سمح لي بتغيير بيئات كاملة في الوقت الفعلي.

 

عندما بدأت العمل مع روبوتات “كوكا” (KUKA) الصناعية في عام 2020، لم أكن أتخلى عن تحريك الدمى التقليدي، بل كنت أوسع مفهوم “الدمية”.

 

هذا التعاون جزء من برنامج “دراماتورجيا الأجهزة” (Dramaturgy for Devices)، وهو برنامج بحثي مدته أربع سنوات ممول من الأجندة العلمية الهولندية.

 

بالنسبة لسؤالك عن الخشب مقابل الفولاذ، أود إعادة صياغته ليكون: السكون مقابل السيولة. لقد كان المسرح دائماً يدور حول التحول، والآن أصبحت المواد قادرة أخيراً على مواكبة هذا الطموح.

 

 

السؤال 2: في أعمالكِ، تتحرك أذرع “كوكا” الصناعية بسيولة عضوية. كيف توازنين بين طبيعتها الميكانيكية و”وهم الحياة” المطلوب في فن العرائس؟

 

أولريك: أول سؤال نطرحه هو: كيف يتنفس روبوت “كوكا”؟ 

 

نبدأ بالصوت – ما هي الموسيقى التي يصدرها؟ كيف يبدو صوته؟ 

 

ثم ننتقل إلى أنماط الحركة، ونبحث في وضعين: “التقديم” و”التمثيل”. متى يتحرك الروبوت بكفاءة نحو مهمة ميكانيكية؟ ومتى يستكشف ويبتكر أنماط حركة دون أن تكون الكفاءة هي الهدف؟ 

 

 

هذا الوضع الثاني يمكن التعامل معه كرقص؛ فالروبوت الذي يُخرج من بيئته الصناعية يمكنه أن يتصرف كفنان يلعب ويكتب ويستمع. هنا تنشأ الشاعرية.

 

 

وهم كون الروبوت لاعباً غير بشري على الخشبة يأتي من اكتشاف معنى “الحيوية” عندما يكون المؤدي مصنوعاً من الفولاذ.

 

السؤال 3: كيف تحددين العلاقة على المسرح بين الممثل البشري، والدمية التقليدية، والروبوت؟ مَن يقود مَن في هذه الكوريغرافيا؟

 

أولريك: المادة هي التي تقود الإنسان دائماً. هذا مبدأ جوهري في فن العرائس: الدمية تقود المحرك، وروبوت “كوكا” يحرك الإنسان أيضاً.

 

 

لا يوجد تسلسل هرمي ثابت؛ فالسؤال يتغير حسب ما تحاول ابتكاره.

 

أحياناً يقود المؤدي البشري، وأحياناً يفرض الإيقاع الميكانيكي للروبوت وتيرة العمل.

 

أحياناً تصبح الدمية التقليدية هي الجسر الواصل بين اللحم والفولاذ.

 

الكوريغرافيا هي تمرين على “الاستماع” – للخشب، للشيفرات البرمجية، ولما يمكن أن يعنيه التنفس وصوت المحركات.

 

السؤال 4: هل تتعاملين مع برمجة الروبوت كإعداد تقني، أم ترينها كـ “بروفة” لممثل رقمي؟

 

أولريك: نحن نقوم بالتدريبات مع الروبوت كما نفعل مع أي مؤدي.

 

نبحث عن الحيوية والشاعرية الكامنة داخل الجانب التقني.

 

نبدأ بالاستكشاف والارتجال، ثم نبرمج ما وجدناه؛ لنحفظ تلك اللحظات ونستخدمها في التدريب التالي.

 

هذا يعكس سير العمل المعتاد؛ فبدلاً من برمجة الروبوت مسبقاً، نحن نكتشف أولاً ثم نحفظ.

 

تصبح البرمجة توثيقاً للاكتشاف. في النهاية، الروبوت هو ممثلنا الأكثر قابلية للتنبؤ.

 

السؤال 5: في عرض “أوريتو” (Orito)، ما هي الرسالة التي قدمتها حول مستقبل الجسد البشري وهو يندمج مع التكنولوجيا الرقمية؟

 

أولريك: بين ما هو عضوي وما هو اصطناعي، تنمو صورة جديدة للوجود، ويظهر “شيء ثالث”.

 

لا الإنسان ولا الآلة يظلان دون تغيير بعد هذا اللقاء.

 

نحن نستخدم جملة من رواية ديفيد ميتشل: “الروح ليست اسماً، إنها فعل”. ولإيجاد هذه “الروح”، يجب أن نبحث عن الحركة والعلاقات الديناميكية بين العناصر على المسرح.

 

 

اللحظة التي تذهل الجمهور هي عندما يتحول هذا الروبوت العملاق والمخيف إلى كائن رقيق يمكنه المداهمة والرسم والعناية بالأجساد. هذا التحول من “سلاح” إلى “مقدم رعاية” هو القلب العاطفي للعمل.

 

 

السؤال 6: يعتمد المسرح على “اللحظة الراهنة”. هل تحد البرمجة الصارمة للروبوت من الحرية الارتجالية للممثل البشري؟

 

أولريك: نعم، وهذا القيد ينتج نوعاً مختلفاً من الشاعرية.

 

في فن العرائس، أنت مقيد بالفعل. تعلمتُ من معلمي الأول في اليابان أن تتحرك بنسبة 20% وتترك للدمية 80% لتحقيق التوازن البصري.

 

القيد الأكبر هو قوة ووزن الروبوت؛ فعلى المؤدي أن يكون حذراً جداً لسلامته الشخصية.

 

لكن بمجرد برمجة الحركات، يصبح الروبوت شريك رقص موثوقاً به للغاية.

 

السؤال 7: السينوغرافيا الذكية.. كيف يغير وجود ذراع آلي ضخم إدراككِ لمساحة المسرح والتصميم الكوريغرافي؟

 

أولريك: أجبرني الروبوت على إعادة التفكير في كيفية تحول العوالم.

 

الروبوت “كوكا” صلب وثقيل وليس من السهل تحريكه.

 

لجأنا لاستخدام إسقاطات الفيديو والظلال للإيحاء بوجود روبوتات متعددة دون العبء المادي.

 

الروبوت لا يشغل الحيز فحسب، بل يعيد تنظيم معنى المساحة.

 

السؤال 8: كيف كانت استجابة الجمهور؟ هل شعروا بقلق “الوادي غير المريح” (Uncanny Valley) أم بتعاطف حقيقي مع الآلة؟

 

أولريك: يشعر الناس بقوة الآلة أولاً ثم يتملكهم الخوف لأنهم يربطونها بسياقات عسكرية وصناعة الأسلحة.

 

 

لكن عندما يبدأ الروبوت في “التنفس” واللمس، يشاهد الجمهور آلة كانوا يخشونها وهي تصبح حنونة.

 

ينشأ التعاطف لأننا نظهر ما يمكن أن تصبح عليه التكنولوجيا؛ فنحن من يقرر ما تفعله هذه الآلات.

 

 

السؤال 9: أنتِ معروفة باهتمامك بمسرح “البونراكو” الياباني. كيف توجه تقنيات التلاعب القديمة هذه إخراجك الروبوتي الحديث؟

 

أولريك: علمني “البونراكو” أن أزيح نفسي عن المركز، وهذا يوجه كل شيء.

 

أن أعمل كلاعبه عرائس يعني أنني أستمع للمادة، وأضع نفسي داخل “الوكالة الأخرى” أو “شكل الحياة الآخر” بدلاً من الأنا البشرية.

 

 

المبدأ هو نفسه سواء في التقنيات القديمة أو التكنولوجيا الجديدة: استمع إلى ما تريد المادة أن تصبح عليه.

 

السؤال 10: هل ترين الكابلات والمحركات كجزء من جمالية العرض، أم تفضلين إخفاء التكنولوجيا للحفاظ على “السحر”؟

 

أولريك: أنا أظهر الخيوط دائماً.

 

أريد أن أظهر أن الإنسان هو المحرك، وأن “الآلات المستقلة” هي مجرد حكاية خرافية.

 

كل الآلات مبرمجة ويديرها بشر، وبدونهم تصبح الماكينة فارغة.

 

هذا قرار جمالي وسياسي؛ فعندما ترى المشغل، تفهم معنى الاختيار والمسؤولية.

 

السؤال 11: هل تتوقعين وقتاً يستطيع فيه “ممثل روبوتي” أداء مأساة شكسبيرية معقدة بشكل مستقل؟

 

أولريك: أداءً معقداً، نعم. بشكل مستقل، لا.

 

سوف يتغير هيكل المسرحيات الجديدة، ولن يكون الممثلون بالضرورة هم اللاعبين الأساسيين.

 

ما يهمني هو جعل شخصيات شكسبير تلتقي بهذه البيئة الرقمية الجديدة؛ كيف سيخاطب “هاملت” روبوتاً؟ أو كيف يظهر شبح والده كـ “هولوغرام”؟ 

 

السؤال 12: كيف تكسرين الفجوة بين حدسك الفني وعالم المهندسين والمبرمجين القائم على المنطق؟

 

أولريك: أنا أتعلم لغتهم وهم يتعلمون لغتنا؛ فنبني مفردات مشتركة في المنتصف.

 

على المهندس أن يفهم أن “الجمال” و”الشاعرية” ليست مفاهيم غامضة، بل لها خصائص شكلية محددة.

 

وعلى الفنان أن يفهم أن القيود التقنية ليست عوائق، بل معايير إبداعية للعمل من خلالها.

 

السؤال 13: مع ثورة الذكاء الاصطناعي، هل تفكرين في منح روبوتاتك المستقبلية “عقلاً” لاتخاذ قرارات حركية مستقلة أثناء العرض؟

 

أولريك: الاستقلالية ليست هدفي. ما يهمني هو التفاعل بين الذكاء البشري والآلي في الوقت الفعلي.

 

 

إذا استجاب الروبوت للمؤثرات دون إشراف بشري، فإننا نفقد شيئاً جوهرياً: المسؤولية والأخلاق.

 

المستقبل الذي يهمني هو “الذكاء التعاوني”؛ حيث يفكر البشر والآلات معاً. “العقل” ليس في الروبوت، بل في العلاقة.

 

 

السؤال 14: كممثلة لهيئة المسرح العربي، أتساءل: كيف يمكن للمسرح العربي استخدام تقنياتكِ لجسد الفلكلور التقليدي مع المستقبلية عالية التقنية؟

 

أولريك: الفلكلور والقصص القديمة هي “الخرائط” التي نحتاجها عندما ندخل أقاليم مجهولة مثل أنظمة الذكاء الاصطناعي.

 

بالنسبة للمسرح العربي، أتخيل إمكانيات مذهلة: دمج مسرح الخيال (خيال الظل) مع تقنيات الهولوغرام.

 

استخدام تقاليد “الحكواتي” لصياغة روايات عن الذكاء الاصطناعي، أو تحويل الخط العربي إلى لغة بصرية لحركات الروبوت.

 

ماذا لو أدى الروبوت حركات مستوحاة من رقصة الدراويش؟ التكنولوجيا ستجدد تقاليدنا وتسمح لنا بإعادة كتابة تاريخنا في قصص جديدة أكثر شمولاً وأخلاقية.

 

 

السؤال 15: ما هي النصيحة التي تقدمينها لطلاب المسرح الذين يخشون أن تبتلع التكنولوجيا روح الفن المسرحي؟

 

أولريك: تقبلوا التغيير، وأحبوه وسيبادلكم الحب.

 

الخوف من أن التكنولوجيا “ستبتلع” الروح البشرية يفترض أنها شيء خارجي عنا، لكننا نحن من نبني هذه التقنيات ونختار قيمها.

 

المسرح تطور دائماً عبر العصور، وهذه هي الخطوة التالية من التطور.

 

من المهم جداً أن يصبح صوت الفنان أقوى في هذا المشهد. نحن نعيد تشكيل العالم الآن؛ فلا تتركوا ذلك للآخرين، بل كونوا أنتم اللاعبين الأساسيين.

(تمت الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في إنتاج هذه المادة)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

النسخة السابعة عشرة 2026 من مسابقة تأليف النص المسرحي الموجه للكبار

This will close in 5 seconds