أخبارنا

حين يستعيد المسرح المغربي ذاكرته مشروع توثيقي سيرى النور إلكترونياً في مستهل سنة 2027 بعد مسار بدأ منذ سنة 2018 أحمد طنيش

حين يستعيد المسرح المغربي ذاكرته مشروع توثيقي سيرى النور إلكترونياً في مستهل سنة 2027 بعد مسار بدأ منذ سنة 2018 أحمد طنيش

حين يستعيد المسرح المغربي ذاكرته
مشروع توثيقي سيرى النور إلكترونياً في مستهل سنة 2027 بعد مسار بدأ منذ سنة 2018
أحمد طنيش
ليس المسرح ما يحدث فوق الخشبة فقط، المسرح أيضاً ما يبقى بعد أن تنطفئ الأضواء: النص، والصورة، والملصق، والبرنامج، والتذكرة، والشهادة الشفاهية والمكتوبة، والمقالة النقدية، والقراءة التطبيقية والوثيقة الإدارية، وذاكرة الجمهور والفنانين، وأسماء الذين مروا من الخشبة، وما قالوه وما كتبوه وما تركوه وراءهم من أثر، وغيره.
من هنا تكتسب مبادرة توثيق ذاكرة المسرح العربي أهميتها، باعتبارها محاولة لاستعادة ما قد يبدو متناثراً في أرشيفات الأشخاص والمؤسسات والصحف والمهرجانات، وتحويله إلى رصيد معرفي متاح للأجيال والباحثين.
في هذا الإطار يأتي مشروع توثيق المسرح المغربي الحديث على الأقل ما بعد مائويته التي استلهمت سنة 2013 من معلمة مسرح سيرفانتيس تلك البناية الشامخة بحضورها في مدينة طنجة المغربية، المؤرخ له بتاريخ 1913.
في 15 أكتوبر 2018 وقّعت الهيئة العربية للمسرح والنقابة المغربية لمهنيي الفنون الدرامية بالدار البيضاء اتفاقية تعاون لتوثيق التجربة المسرحية المغربية، في إطار مشروع الهيئة “خزانة ذاكرة المسرح العربي”. ووقّع الاتفاقية عن الهيئة الأستاذ إسماعيل عبد الله، بحضور ذ.غنام غنام وذ.الحسن النفالي (كان حينها موظفا في الهيئة العربية للمسرح) وعن النقابة ذ. مسعود بوحسين، (كان رئيسا للنقابة في تلك الفترة)، بمعية عدد من مسؤولي النقابة.
منذ ذلك التاريخ، وقرابة 9 سنوات، ظل المشروع يراكم مادته ويشتغل على سؤال يبدو بسيطاً في صياغته، عميقاً في دلالته: كيف يمكن أن نحفظ المسرح المغربي من النسيان؟ وكيف يمكن أن نوثق ذاكرته الغنية والمتعددة المصادر والمراجع والأجيال؟
اعتمد العمل التوثيقي كما توصلت لجنة التوثيق الحاملة للمشروع، على معيارين، تاريخي وجغرافي، اشتغل فيه قرابة 30 باحثا أكاديميا، منهم من لديه اشتغال قبلي على خاصية توثيقية ضمن المشروع، تم الاستناد على وثائق من الأرشيف المغربي والدولي، وبذلك أعدت تقارير وصفية بدون خلفية تحليلية أو نقدية، ومن ومن إكراهات العمل أن معظم الوثائق بين يدي أفراد وليست مؤسسات؛ لذا كانت هذه المغامرة التي أنتجت مشروعا حالما يضم وثائق هامة للمسرح المغربي هي الآن كنز بين يدي الباحث المغربي والعربي والدولي، من الأكيد حين صدروها والاطلاع عليها ستخلق جدلا وإضافات وإغناء للمعطيات وتحيين يواكب مابعد الوثيقة وهي مرحلة تسمى عند المؤرخين تحقيق الوثيقة.
في لقاء تقديمي وإخباري احتضنته فعاليات الدورة الثامنة لمهرجان الدار البيضاء للمسرح الأمازيغي، يوم الجمعة 2 أكتوبر 2026، عاد المشروع إلى الواجهة، لا بوصفه فكرة مؤجلة، وإنما باعتباره عملاً توثيقياً قطع مسافة طويلة، وأصبح يستعد الآن لأن يرى النور إلكترونياً في مستهل سنة 2027.
تولى إدارة اللقاء الذي قدم المشروع في مرحلته التجميعية، الأستاذ عبد المجيد شكير، الذي بسط لأهمية اللقاء وتعالقاته بين البحث والتنقيب والتحقيق وحقوق الملكية وغيرها، وقد جمع اللقاء عدداً من الوجوه المرتبطة بالمشروع ومساره، من بينهم الأستاذ مسعود بوحسين، النقيب السابق للنقابة المغربية لمهنيي الفنون الدرامية، والذي ارتبط اسمه بالمرحلة التأسيسية للشراكة التي وضعت المشروع على سكة الإنجاز، داعيا إلى استعادة هذا الأفق بشكل مختلف، يلتقي مع الحلم الأول الذي ودت فيه النقابة أن تنفتح على مؤسسات أخرى غير أن التماطل وعدم الاستجابة جعل المشروع يقف عند هذا التجميع بهذا الشكل عبر التقارير التوثيقية، على أمل أن يصل المشروع إلى فكرة المتحف.
كان حضور بوحسين في هذا اللقاء استعادة للحظة التأسيسة، حين انتقل التوثيق من مجرد حاجة متداولة في الأوساط المسرحية إلى مشروع مؤسساتي له شركاء وأهداف ومسارات متطورة.
أما الأستاذ عز الدين بونيت، منسق لجنة التوثيق ومن صاغ المشروع، والذي تحمل الجزء الأكبر من العمل المنهجي الذي يقف وراء هذا الرصيد، بمداخله الخمس الكبرى التي تحتوي على قرابة 5000 صفحة، ويضم توجهات واتجاهات ومجايلات وتعالقات متعددة للمسرح المغربي.
وعليه يعتبر هذا التوثيق محاولة لجمع أجزاء من زمن مسرحي مغربي طويل، وإعادة ترتيبها حتى يصبح بالإمكان قراءتها، ومساءلتها، والعودة إليها، حيث أن التوثيق هنا ليس تكديساً وتجميعا للوثائق فقط، بل إنه هو تركيب منهجي للذاكرة. ربما كان أكثر ما يلفت في فلسفة هذا المشروع أن الحاجة إلى التوثيق لم تأت من الرغبة في الاحتفال بالماضي فقط، وإنما من وعي بمخاطر ضياعه.
فالمسرح ممارسة عابرة ومتنقلة بطبيعته: عرض يبدأ وينتهي، جمهور يدخل ويغادر، ممثلون يتغيرون، فضاءات تغلق، مهرجانات تتوقف، وأخرى تنطلق ومبدعون يرحلون، وآخرون يأتون وآخرون يحلمون، وآخرون يتوقفون بسبب أو آخر، لكن ما ينتج عن هذه الحركة يبقى قابلاً لأن يتحول إلى ذاكرة.
لهذا فإن الوثيقة المسرحية ليست هامشاً على العمل الفني؛ إنها إحدى المواد التي تسمح بإعادة بناء تاريخه.
وقد عبّرت الهيئة العربية للمسرح، منذ انطلاق مشروع “خزانة ذاكرة المسرح العربي”، عن هذا المنظور من خلال جمع البرامج، والصور، والتغطيات الصحفية، والوثائق، والشهادات، وما يتصل بالمهرجانات والتجارب المسرحية. وقد بدأ المشروع بإصدار يوثق ذاكرة مهرجان المسرح الأردني في الفترة 1991–2012، في ثلاثة مجلدات ضمت نحو 1700 صفحة وحوالي 3600 وثيقة مصورة.
“مهرجان بدون ذاكرة”… الجملة التي تختصر الحاجة إلى التوثيق
في التجربة العربية، تبدو هذه الحاجة أكثر وضوحاً حين ننظر إلى المهرجانات التي صنعت تاريخ المسرح العربي، في هذا الإطار خصصت الهيئة العربية للمسرح إصداراً لـ خزانة ذاكرة مهرجان دمشق للفنون المسرحية 1969–2010، في مجلد بلغ 490 صفحة، جمع وقائع المهرجان وبرامجه وندواته وشهاداته وصوره، بهدف حفظ منجز مهرجان ظل لعقود واحداً من المحطات الأساسية في الحركة المسرحية العربية.
ثم جاءت ذاكرة أيام قرطاج المسرحية في مجلدين يقاربان ألف صفحة، وثّقا دورات المهرجان ووثائقه وبرامجه ولجانه ومكرميه ومتوجيه وندواته وتغطياته الصحفية والصور المرتبطة به. ووُصف هذا الإصدار بأنه محطة ثالثة في سلسلة “خزانة ذاكرة المسرح العربي”، بعد الأردن ودمشق، بالتزامن مع العمل على توثيق مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي والمسرح المغربي وغيرها من التجارب.
بهذا التوثيق والتجميع والرصد تتضح فلسفة المشروع أكثر، فالمهرجان الذي لا يترك وراءه وثيقة يصبح معرضاً لأن يكون حدثاً عابراً، أما حينما تحفظ ذاكرته، فإنه يتحول إلى مادة للبحث، والدراسة، والنقد، وإعادة القراءة.
يعد التوثيق تنبيه إلى أن الثقافة التي لا توثق تاريخها تترك جزءاً من مستقبلها بلا مصادر.
حمل اللقاء صوت الهيئة العربية للمسرح، حيث وضع الأستاذ غنام غنام في تدخله، التوثيق المغربي في سياقه الأوسع: مشروع “خزانة ذاكرة المسرح العربي”.
هنا لا يعود المشروع المغربي جزيرة منفصلة، وإنما يصبح حلقة في مشروع عربي يرى أن المسرح العربي، على اختلاف جغرافياته وتجارب مؤسساته ومهرجاناته، يحتاج إلى خريطة ذاكرة مشتركة.
من الأردن بدأت الخزانة بخطوة مبكرة وواسعة، ثم جاءت دمشق، وقرطاج، وتواصل العمل على تجارب ومهرجانات عربية أخرى. في هذا المسار، يصبح المغرب جزءاً من سؤال عربي أكبر:
كيف نكتب تاريخ المسرح العربي من خلال وثائقه، لا من خلال الذاكرة الشفوية وحدها؟
إنها مسألة تتجاوز الحفظ إلى إنتاج المعرفة.
فحين يستطيع الباحث أن يصل إلى برنامج عرض قديم، أو ملصق، أو صورة، أو مقال نقدي، أو قائمة المشاركين، أو محضر ندوة، أو شهادة فنان، فإنه لا يستعيد الماضي فقط؛ بل يستطيع أن يعيد قراءة الحاضر نفسه.
عز الدين بونيت… هندسة الذاكرة
وراء كل مشروع توثيقي كبير يوجد عمل لا تراه الخشبة، عمل الفرز، والجمع، والتحقق، والتصنيف، والترتيب، وربط الوثيقة بسياقها.
في المشروع المغربي، يبرز اسم الأستاذ عز الدين بونيت، منسق لجنة التوثيق ومن صاغ المشروع، باعتباره واحداً من الذين اشتغلوا على تحويل المادة المتناثرة إلى بناء وثائقي متكاملا ومتناسقا تبويبا وتوحيدا للصياغة مستحضرا الأبعاد التالية:
ـ الوثيقة وحدها لا تكفي؛ خارج السياق والمعيار التاريخي والجغرافي ومعايير علمية متعددة؛
ـ صورة بلا تاريخ تظل صورة عامة؛ فاقدة للمناسبة والحدث والفاعلين؛
ـ ملصق بلا سياق يظل ملصقاً فقط؛ يتطلب خبرة التحقيق والمحقق التاريخي بشروط علمية؛
ـ مقال بلا إحالة زمنية يقد جزءاً هاما من قيمته، يتطلب هو الآخر الشاهد التاريخي بمعايير مضبوطة؛
لكن حين ترتبط هذه العناصر ببعضها، تصبح الوثائق شبكة معرفة.
هنا تكمن قيمة مشروع يقارب خمسة آلاف صفحة: ليس في كثرة الصفحات وحدها، وإنما في القدرة على جعلها قابلة للقراءة بوصفها أجزاء من تاريخ واحد.
قد يبدو السؤال مشروعاً: لماذا نحتاج إلى إطلاق هذا الرصيد إلكترونياً في 2027، بعد سنوات من بداية المشروع؟ والجواب أن التوثيق الثقافي ليس في سباق مع الزمن فقط، وإنما هو أيضاً مقاومة للزمن.
كل سنة تمر تعني احتمال فقدان وثيقة، أو رحيل شاهد، أو اختفاء أرشيف شخصي، أو تلف صورة، أو ضياع برنامج، أو انقطاع سلسلة من المعلومات.
لذلك فإن الانتقال إلى الفضاء الإلكتروني لا يعني فقط تسهيل الوصول إلى الوثائق، إنه يعني أيضاً توسيع جمهور الذاكرة، وربما انفتاح الذاكرة على الإغناء ممن لديهم وثيقة في أرشيفهم، لأن الذاكرة المسرحية ليست ملكاً لمن عاش التجربة وحده؛ فهي ملك للطالب والباحث والصحفي والناقد والفنان والمؤسسة الثقافية وكل من يجد تسهيلات لأن يصل إليها، ويعيد استخدامها، ويقارن بينها، ويطرح عليها أسئلة جديدة.
هنا يصبح الأرشيف الإلكتروني فضاءً للإنتاج المعرفي، لا مستودعاً للماضي، ويمكن أن تتجه جهة ما أو مؤسسة إلى توظيف هذا التوثيق الإلكتروني في إنجاز متحف إلكتروني، ولما لا متحف توثيقي حي يوظف كلا المسارين.
ما يلفت في مشروع التوثيق للمسرح المغربي أنه يأتي بعد عقود طويلة من الحركة المسرحية المغربية، ليكتب تاريخ المسرح المغربي الحديث تاريخه، من خلال سيرة ومسار فرقه وتجاربه ومدارسه وفعالياته ومهرجاناته والتحولات التي عرفها في اللغة والرؤية والتنظيم والممارسة وغيرها.
لذلك فإن توثيق هذه الحركة لا يعني كتابة سيرة واحدة للمسرح المغربي.
بل يعني فتح الباب أمام سير متعددة:
ـ سيرة الممثل؛
ـ سيرة المخرج؛
ـ سيرة الكاتب؛
ـ سيرة الفرقة؛
ـ سيرة المهرجان؛
ـ سيرة المؤسسة؛
ـ سيرة النقد؛
ـ سيرة الجغرافيات الإبداعية عبر تاريخانيتها؛
ـ وسيرة الجمهور أيضاً.
لأن المسرح لا تصنعه الخشبة وحدها، بل تصنعه شبكة كاملة من البشر والمؤسسات والفضاءات والأفكار والوثائق وغيرها، وكلما اتسعت هذه الرؤية، اتسعت قيمة التوثيق.
من الذاكرة إلى المستقبل
في لحظة تقديم المشروع، لم يكن الاحتفاء بالماضي هو الغاية الوحيدة.
فالمعنى الأهم ربما هو أن المستقبل يحتاج إلى ذاكرة.
المسرحي الشاب الذي سيبحث غداً عن جذور تجربته يحتاج إلى أن يجدها.
والباحث الذي سيكتب بعد عشرين عاماً عن المسرح المغربي يحتاج إلى مصادر.
والجامعة التي ستدرس تاريخ المسرح المغربي والعربي وغيره يحتاج إلى أرشيف.
والمؤسسة الثقافية التي تريد أن تقيس التحولات تحتاج إلى وثائق.
بل إن المسرح نفسه، حين يريد أن يعرف إلى أين يتجه، يحتاج إلى أن يعرف من أين جاء.
وهذا هو المعنى الأعمق لمشروع “خزانة ذاكرة المسرح العربي”: ألا يكون الماضي مقبرة للأحداث، بل مادة حية للمستقبل.
ثلاثون عاماً من الضوء… وذاكرة تستحق أن تبقى
من الأردن إلى دمشق، ومن قرطاج إلى المسرح التجريبي المصري، ومن هذه المحطات العربية إلى المشروع المغربي، تتشكل أمامنا خريطة تقول إن المسرح العربي لم يكن فقيراً في التجارب، وإنما كان يعاني في أحيان كثيرة من تشتت وثائقه. والتحدي اليوم هو تحويل هذا التشتت إلى معرفة ووثيقة ومتحف.
في المغرب، تأتي الشراكة التي انطلقت سنة 2018 بين النقابة المغربية لمهنيي الفنون الدرامية والهيئة العربية للمسرح لتدخل مرحلة جديدة مع اقتراب إتاحة هذا الرصيد إلكترونياً، إنها لحظة تاريخية تستحق بالفعل التوقف والتنويه، ليس لأن ما يقارب 5 آلاف صفحة ستضاف إلى المكتبة المسرحية المغربية والعربية فحسب، بل لأن هذه الصفحات يمكن أن تعيد ترتيب علاقتنا بماضينا المسرحي، وهي تتطلع للمستقبل.
فالمسرح الذي لا يوثق ذاكرته، يترك الآخرين يروون حكايته بدون مرجعية، أما حينما يضع وثائقه على الطاولة، فإنه يبدأ في كتابة تاريخه بنفسه.
 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

استمارة المشاركة في الدورة 17 من مهرجان المسرح العربي

This will close in 5 seconds