مسرحية “رحل النهار” إخراج محمد العامري الفائزة بجائزة المسرح العربي : المغرب: مفيدة خليل

يمتزج الشعر بالمسرحة لنقد فكرة تلاشي المدن وانهيار الانسان

المسرح مساحة للخيال والشعر فسحة للنقد، بين المسرح والشعر صيغت عوالم مسرحية “رحل النهار” إخراج محمد العامري ونص اسماعيل عبد الله، في العمل يحولون أفكارهم على خشبة المسرح، يعملون على تطويع كل مقومات السينوغرافيا والفرجة لتقديم أعمال ذات طابع ملحمي في الفرجة وتتضمن الكثير من النقد مضمونا، “رحل النهار” هي المسرحية الفائزة في اختتام مهرجان المسرح العربي.

 تجربة مسرحية مختلفة من حيث الفرجة، تعتمد على المسرح الكلاسيكي ومقومات “الملحمة” من حيث الديكور وارتفاع عدد الممثلين والسينوغرافيا، فرجة مختلفة تكشف صراعات الإنسان لأجل الوطن، عمل من إنتاج مسرح الشارقة الوطني ينقل الخلافات التي هددت البلدان في العالم المعاصر.

تخمة سينوغرافية لايصال رسائل العمل

تصنع الإضاءة بهرجا بصريا، تقسم الرّكح حسب المشاهد واللوحات، الإضاءة تكون دليل المتلقي لفهم الحالات النفسية للشخصية وتحيله إلى الحيز الجغرافي لفضاء الأحداث، الإضاءة الحمراء تكون نقطة انطلاق المسرحية، إعلان منذ البداية على معنى الموت والخراب، صوت يأتي من بعيد بجملة “رحل النهار”. تتضح الرؤية تدريجيا، جماجم معلقة ورؤوس مقطوعة متناثرة على كامل الفضاء، إحالة إلى مذبحة ما، الشخصيات الناجية ستتصارع طيلة العمل، صراع يجمع ثنائيتي الحياة والموت، الأبيض والأسود ورحيل النهار ومجيئه.

“رحل النهار” اسم العمل والجملة الأولى المنطوقة داخل النص، المسرحية وفية لعنوانها، نقلت الصراع لأجل البقاء، صراع لأجل الحق في مواصلة الحياة في حياكة سترات من الأمل، لكنّ الاختيار الخاطئ للأفراد يكون مآله حتما التلاشي ثم الموت.

الصراعات التي يعيشها الإنسان كثيرة، تتبعها كاتب النص اسماعيل عبد الله وصنع منها نص مسرحي بلغة شعرية، نصّ تضمن داخله أشعار لبدر شاكر السياب والصغير أولاد احمد ومحمود درويش وأمل دنقل وخلف الخلف واحمد مطر، كلمات لشعراء تغنوا بالأوطان وكتبوا لأجلها، فكان النص شاعري يرثي المدن المنسية وفكرة تلاشي المدن ومعها انهيار انسانية الانسان كما جاء في نصّ العمل:

“عذبتني، مزّقت روحي، أهات نداءات المدائن

تقتفي أثرا تشرّد علّه يوما يؤوب

ولا يؤوب

فالصدى نام على عتبات أبواب المنافي غادرا

خان طهر الصرخات الداميات

مخضّبات بالندوب

والعتمة العمياء اغواها الخواء”

في مدينة ما تدور أحداث المسرحية، المشهد الأول يكون مشهد للعرس، رجل وامرأة يبتسمان للضيوف، الأبيض حاضر في فستان العروس والإضاءة، وفجأة يتحول البياض الى سواد، تنشر الدماء والجثث وتتلاشى فكرة الامل اذ “رحل النهار” فهل سيعود؟ وان عاد هل يعود مشرقا جميلا؟ هل بحلول السواد تتغير الحياة الى الاسوء وتموت انسانية الإنسان؟ وأسئلة عديدة تطرح من خلال ثنائيتي الأبيض والأسود في اللباس والإضاءة الخافتة والداكنة مع تغيرات الإيقاع الموسيقي.

“رحل النهار” نص شاعري مسكون بفكرة النقد، قدمه ثلة من الممثلين اختلفت مهاراتهم الابداعية وطريقة تقمصهم للشخصيات فكانت المناخات المسرحية مختلفة اختلاف الشخصيات ومقدميها، تماهت الإضاءة ومقومات السينوغرافيا مع الموضوع المطروح، فكان الصراع وكأنه حقيقي بين رحيل النهار ومجيئه، صراع البقاء وصراع الفكرة واللاهوت. تناحرات مختلفة مزقت العالم ومزقت الشخصيات وكانت سببا في تلاشي بعض المدن وانهيارها، فكرة الصراع نقلت عبر الموسيقى والضوء فكانت محامل أولى للنقد ولاكتشاف فضاءات فرجة مختلفة تنطلق من المسرح الملحمي وتعود اليه عبر ارتفاع عدد الممثلين، حضور مكثف عناصر الديكور وصياغة الصورة الشعرية في النص المنطوق.

المسرح مساحات حرة لمشاكسة السياسي

“رحل النهار” مسرحية تشاكس الأنظمة السياسية وتضع المواطن على محكّ السؤال، تنقد سوداوية بعض السلط وتحمّل المسؤولية للأفراد لأنهم اصحاب الاختيار الخاطئ، مسرحية تنقد انتشار فكرة “اللاهوت” والايمان في القوى الغيبية وتغييب العقل والرغبة الحقيقية في التغيير ففي نهاية العمل تدعوهم إحدى الشخصيات لإشعال الفوانيس لإضاءة الليل العتيم حتى لا يتحطم الفلك بأبناء الشعب الذين غامروا ودخلوا للبحر، لكنّ لا يستجيبون ويلتفون حول “مجسم” ما يدعون ويطلبون المساعدة ثم يرقصون ويتركوا أبنائهم إلى الصخور والموت.

تحاكم المسرحية فكرة الصراعات التي مزقت العالم ودفعته للتناحر، تنقد الأنظمة التي تسرق أحلام أبنائها، وتنقد السلطة بمختلف مجالاتها، على الركح يبرزون الصراع الديني الذي مزق الشعوب من خلال شيخي دين كلاهما يدّعي أن دينه هو الأفضل ومن يدخله يكون مصيره الجنة، واحد بسبحة طويلة (سأختار شعبي، لن يكون هناك مسارح ولا سينما، لن تكون هناك فوضى فقط الإيمان) وآخر بلحية أطول (انا الإمام، الهادي، اتبعوني تكونون أفضل، سأختار شعبي)، كل يغري جمهوره من المتحلقين حوله للدخول إلى دينه وإتباع خطوات الهدى، ثم يبدؤون باستلاب العقل والدمغجة تدريجيا لتكون الكلمة المطلقة والوحيدة للشيخ.

يتناحرون لأجل القرارات الفردانية وينسون شعوبهم، يبحثون عمن ينفّذ قراراتهم وأفكارهم بينما هم يعيشون بذخ الحياة وفقر الفكرة “ساختار شعبي، حزبنا مختلف” عبرها ينقدون التناحر الايديولوجي بين أحزاب تهمش المواطنين وتبحث فقط عن مزيد من الأضواء والشهرة، اما الجنرالات فهم الأكثر بحثا عن تطويع الأدمغة وسلب الحرية للأفراد، “سأختار شعبي” وقوامهم الديكتاتورية وقمع كل أنواع الحريات.

مشاهد الخطابات لاختيار الشعب كانت الأكثر سخرية، قدمت بشكل هزلي للسخرية من الأحزاب ورجال الدين والجنرالات ومنها السخرية من تراجع وعي الإنسان لاختيار من يمثّله، مشاهد استعمل فيها المخرج “الكوريغرافيا” مع “الماريونات” للاحالة الى قدرة السياسيين للتحكم في الانسان كما يتحكم المحرّك في عروسته، الاضاءة كانت فوقية تسلّط على الشخص المتحدث لتبرزه اضخم من حجمه الحقيقي كاشارة الى فقاعات الشعارات المدوية التي يستهلكها الانسان وتكون نتيجتها فقط الخراب.

“رحل النهار” يتصارع الموت مع الحياة، بياض ضد السواد، فكرة انتحار الفكرة امام تفشي الجهل، رغبة مسرحية في إحياء الأمل لكن الألم والضياع ينتصران، مسرحية تغوص في دواخل شخصيات متنافرة ومتصارعة لاجل البقاء، فهل ينتصر الامل؟.