الرئيسية / عين على المسرح العربي / مأساة الحلاج.. محاولة لإصلاح واقع عصر وعلاج نكسة العقل العربى

مأساة الحلاج.. محاولة لإصلاح واقع عصر وعلاج نكسة العقل العربى

دار الشروق تصدر طبعة جديدة من مسرحيات صلاح عبدالصبور

عبدالله محمد:

«لا أظن أن شاعرا معاصرا شغلته العلاقة مع الشعر بهذا القدر من الوعى والقدرة على التساؤل كما شغلت صلاح عبدالصبور الذى أخلص إخلاصا نادرا لفنه الأثير على مستوى القصيدة وعلى مستوى المسرح الشعرى» فاروق شوشة معبرا عن مكانة الشاعر الكبير صلاح عبدالصبور،
أخيرا أعادت دار الشروق إصدار ديوانى المسرحيات، والأعمال الشعرية للشاعر الكبير صلاح عبدالصبور. وديوان المسرحيات فى حدود 350 صفحة، يشتمل على خمس مسرحيات، مأساة الحلاج التى نشرت عام 1964، مسافر ليل وهى كوميديا سوداء نشرت فى عام 1969، الأميرة تنتظر وهى مسرحية شعرية نشرت عام 1969، ليلى والمجنون نشرت عام 1970، وبعد أن يموت الملك 1973، وفى ختام الديوان بعض الأقوال عن صلاح عبدالصبور. وفى السطور التالية نستعرض مسرحية واحدة وهى «مأساة الحلاج»، إذ لا تتسع الكلمات للحديث عن بقية المسرحيات المهمة التى يضمها الكتاب..
مأساة الحلاج ومحاولته إصلاح واقع عصره.
مأساة الحلاج.. مأساة الجهل التى لم ننفك منه حتى الآن مأساة رجل تألم من جهل الناس قدمه عبدالصبور بشكل بارع، فى مشهد المحكمة الذى صوره لنا الشاعر الكبير، على لسان الحلاج. و«مأساة الحلاج» مسرحية شعرية تناول فيها عبدالصبور حكاية المنصور بن حسين الحلاج بن منصور المتصوف الذى ولد فى منتصف القرن الثالث الهجرى، وكان أبوه يشتغل بصناعة الحلج وعمل هو بها زمنا، ومن هنا أتاه اللقب.
يقول صلاح عبدالصبور: «ترك الحلاج لنا مجموعة من الأشعار تتحدث عن مواجده الصوفية ومجموعة من الأشعار النثرية فى كتابه الممتع العظيم «الطواسين». وقد كان لمقال ماسينيون «المنحنى الشخصى فى حياة الحلاج» ولكتاب أخبار الحلاج الذى حققه ماسينيون وعلق عليه مع بول كرواس أكبر الأثر فى لفتى إلى سيرة هذا المجاهد الروحى العظيم وفى مقال ماسينيون إشارة إلى الدور الاجتماعى للحلاج فى محاولته إصلاح واقع عصره.
تتكون المسرحية من فصلين الجزء الأول بعنوان «الكلمة»، والثانى «الموت»ـ وتعد هذه المسرحية إلى الآن من أروع المسرحيات الشعرية التى عرفها العالم العربى، تمزج ما بين السياسى والدينى وتدرس طبيعة العلاقة بين السلطة المتحالفة خلف أيدلوجية «دينية» وما قد يخلفه هذا تجاه المعارضة، وتطرق فيها شاعرنا الكبير إلى محنة العقل.
قد أدرج النقاد هذه المسرحية فى مدرسة المسرح الذهنى ورغم ذلك لم يسقط عبدالصبور الجانب الشعرى فجاءت المسرحية موزونة بصور شعرية ثرية بالموسيقى، وتمتاز كذلك بالإسقاط الرمزى إذ يصنفها النقاد أنها تنبأت بالهزيمة المؤلمة فى تاريخنا العربى هزيمة 67 «النكسة»، إذ مثلت صوتا خارجا عن السرب فى مرحلة كان فيها الأدب العربى يعيش أحلامه القومية مع المد الناصرى، وكانت الرموز السائدة هى رموز وأساطير البعث الفرعونية والفينيقية والبابلية فكان عبدالصبور الوجه الآخر الذى يشرق فى فجر يوم جديد؛ حيث شكل رمزية حديثة لتكون هذه الموجة الثقافية من خلال شخصية الحلاج.
استطاع الشاعر الكبير أن ينقلنا بصورة شعرية بديعة وشد أذهاننا نحو المسرح الشعرى، ببراعة الأسلوب الفريد الذى يمتاز به ليرسم لنا عالما مغزولا بعناية فهذه المسرحية الصغيرة إلا أن معانيها أوسع أفقا وأكثر رحابة، تنقلنا بعدسة عبدالصبور للسؤال حول، هل لا يزال المجتمع يعانى… ولماذا لا يدركون المعنى؟
تعد أكبر الإشكالات التى يحملها النص وهى واضحة للقارئ أن المجتمع حكم على ظاهر الأمر ولن نكتفى هنا بالنظر على المسرحية بما تحمله بأفكارها عن قصة الحلاج لكننا سنتخطى ذلك أكثر، نتخطى ذلك إلى أن نصل إلى ما نحن فيه الآن؛ حيث نقف متخلفين فى التعليم والاقتصاد والكثير، بسبب أننا نتوقف على ما تقوله الألفاظ ولم نبنِ جسورا من التواصل فيما بيننا. لكن أين الخلل؟
«أنوى أن أنزل للناس
وأحدثهم عن رغبة ربى
الله قوى يا أبناء الله
الله فعول يا أبناء الله
كونوا مثله!»
قضاة وجلادون
«إذ نحن قضاة، لا جلادون ما نصنعه أن نجدل مشنقة من أحكام الشرع والسياف يشد الحبل»
هى بالطبع قد تكون مأساة فاجعة بشتى الطرق إذ آل أمرها لمحاكمة غير عادلة يقف فيها القاضى لينتصر لأيدلوجية بعينها، مشهد المحكمة هو ثورة العقل الإنسانى متمثلا فى شخص ابو سريج، الذى يمثل يقظة الفكر الإنسانى فينشلنا فجأة من وحل التيهة وخيلات الفكر الضال الذى يريد أن ينتصر على حساب الآخر، فالصنعة معروفة والخدعة مجربة من قبل، لن نقترف شيئا بأيدينا نحن فقط نصدر الحكم، هذا ما يراه القاضى أبو عمر.. فهو فى ظاهره حكما مسبق بإشراف مندوب السلطة!!
يفتتح جلسة المحاكمة القاضى أبو عمر الحمادى بمشاركة كل من القاضى ابن سليمان وابن سريج.
ثم يتصاعد نقاش بين القضاة إلى أن يتكلم ابن سريج موجها كلامه للقاضى أبا عمر: «أأبا عمر، قل لى، ناشدت ضميرك؟ أفلا يعنى وصفك للحلاج.. بالمفسد، وعدو الله قبل النظر المتروى فى مسألته أن قد صدر الحكم.. ولا جدوى عندئذ أن يعقد مجلسنا؟
أبو عمر: «هل تسخر يا ابن سريج؟ هذا رجل دفع السلطان به فى أيدينا موسوما بالعصيان وعلينا أن نتخير للمعصية جزاء عدلا فإذا كانت تستوجب تعذيره».
تكثر النقاشات بين القضاة لتخرج عن صلب ما جاء بهم لساحة المحكمة ويستعرض ابو عمر عضلاته العقلية الفذة على حد تعبيره، ولكن ابن سريج يرد بحكمة: «يا مولانا جئنا فى مجلس حكم لا فى مجلس ألغاز وأنا رجل محدود يقصر عقلى عن أن يتسع لتعبيراتك».
إن المتأمل لما يقوله ابن سريج يجد أن هذا القاضى حكيم عاقل، فهو يشعر بالمسئولية التى على عاتقه حتى لا يكون هناك باب ثرثرة تجلب الشك والحيرة من العوام.
يدخل الحلاج لساحة المحكمة ويعرض القاضى أبو عمر عليه موضحا أن القاضى لا يرمى بك إلا أنك «تبغى فى الأرض فسادا تلقى بذر الفتنة» ويزيد القاضى «هل تبغى أن يضع المسلم.. فى عنق المسلم سيف الحقد؟ لينطلق قلب الحلاج بالرد: «لا يا سيد بل أبغى لو مد المسلم للمسلم كف الرحمة والود».
ننتقل بشاعرية عبدالصبور إلى ما بداخل فكر القاضى لندرك عن حقيقة التلفيق وعن عنصرية ظاهرة جدا، حتى ظهر الوضع ولم يلق استحسان القاضى ابن سريج صوت العقل المنصف فى هذه المحكمة قائلا: «يا مولانا هلا أعطى الرجل المهلة أن يتكلم؛ فقد حققت وأحكمت التهمة، ثم أدنت»
ويزيد أبو عمر بقوله ما الحاجة من سماع هذا الكلام فى مجلسنا فهو كلام لغو. ليرد أبو سريج: «قل لى فى لفظ واضح: هل نحن قضاة باسم الله أم باسم السلطان؟».

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح