أخبار عاجلة

أدائية النمس.. سخرية موجعة #مهرجان المءرح العربي 12

محمد حسين حبيب – عمان

أدائية ( النمس ) السخرية الموجعة مسرحيا
د. محمد حسين حبيب
من عروض مهرجان المسرح العربي في دورته الثانية عشر والتي تقيمه الهيئة العربية للمسرح هذا العام في المملكة الاردنية الهاشمية للمدة من 10 – 16 يناير 2020 ، هي مسرحية ( النمس ) المعدة عن رواية ( هوت ماروك ) للكاتب المغربي ياسين عدنان ، ولقد قام بمسرحة الرواية ( عبد الاله بنهدار ) واخراج ( أمين ناسور ) ومن انتاج فرقة المسرح المفتوح 2019 .
ينتمي هذا العرض المسرحي الى فن الاداء التجريبي بامتياز ، لا الى فن التمثيل التقليدي ، كونه ارتكز على جماعية أدائية مبهرة كانت هي بطل هذا العرض ففيها من الابتكار الشيء الكثير ، الى جانب ان هذه الادائية الجماعية قدمت لنا ( الممثل الشامل ) الذي جسده ابطال العرض جميعهم حين قدموا لنا الاداء التجريبي بجانب الغناء والرقص والعزف والحركة البهلوانية ببراعة احترافية كانت تتصدرها الدهشة على طول زمن العرض الذي مر بسرعة خاطفة برغم من ان زمنه 90 دقيقة .
كثيرا ما يلجأ بعض الكتاب الى اعداد نص مسرحي ما عن مصدر او مصادر ادبية روائية وقصصية او شعرية ويقومون بمسرحته بغية الخروج بسيناريو مسرحي جديد اقتضاه الدافع الابداعي المرتكن الى ذاتية المعد نفسه وانتمائه للمصدر الاصل ، لكن المادة المعدة هنا تتنوع بمستوياتها الابداعية فهي اما ان تكون باقل من مستوى النص الاصل او تسعى لمستواه ، واحيانا – وهذه قل ما تحدث – تكون بمستوى يفوق النص الاصل ابداعيا ، وهذه الاخيرة – برأينا – تمثلت في اعداد سيناريو نص ( النمس ) المسرحي والذي أضفت عليه الرؤية الاخراجية مستويات أخرى ابداعية زلزلت فيه كيانه الجمالي وبدهشة مسرحية ايقاعية منسجمة ومتناغمة بتحولاتها البصرية والسمعية هيمنت علينا طيلة زمن العرض .
السخرية ليست منهجا أو أسلوبا سهلا يلجأ الى طابعه المخرج المسرحي أو يتورط في استسهال الركون اليه ليقع في فخ الكوميديا المفتعلة ، ولهذا كان المخرج هنا في عرض ( النمس ) قد ولج الى تأثيث سخريته تقنيا وادائيا ايمانا منه بان هذا النص الممسرح بمتنه الحكائي المرتبط بسيرة حياة موجعة لمواطن لا يعرف لحياته بداية او نهاية ، لا ينفع معه ، الا رؤية مسرحية تتواشج وعالمه ، فهو قد تسلل الينا دراميا هنا من اوراق متن روائي مفعم بوجع ساخر هو الاخر ، الى فضاء مسرحي ليقدم سيرته مجموعة من المجانين بحسب قوله وهو لا يعلم كيف سيقدموه ؟ .. ولان رؤية المخرج قد اتفقت مع بطل الرواية الاصل بوصفه الراوي العليم ، في ان طريق نجاتهما ( السخرية ) ولا حل سواها ، ليقفا معا ( المخرج والنمس ) بوجه الظلم والتعسف والاضطهاد والفوضى والعوز والجوع والعنف وجميع مظاهر السلطة الجائرة الذي يحيط بعوالمهما الحياتية المعيشة ، مسرحيا وروائيا .
ولأن المسرح هو فن الابتكار ، فقد جاء عرض النمس مبتكرا ( بفتح الكاف ) لا على صعيد عنصر واحد من عناصر العرض بل على صعيد جميع عناصره التقنية والسينوغرافية والادائية والاخراجية ، جاءت مشاهده المتعددة كانها نصب نحتية برع المخرج في نحتها وأسبر جهده الاخراجي في عمق ذاته ونبضه الروحي في كل جزيئة حركية وصورية وصوتية ، ليصوغ لنا دراميا سيرة مواطن حمل لقب النمس كما في الرواية وكما جاء في بروكرام العرض ، يجد نفسه هذا النمس ( بعد سنوات الجامعة وحصوله على شهادة الاجازة عاطلا عن العمل ، فيعمل في سيبر الفضاء الازرق أو الشبكة العنكبوتية ، وعبره يحاول ان ينتصر في معاركه الحياتية افتراضيا والتي كان منهزما فيها دوما وواقعيا .. كان متنفس النمس فضاء الانترنت يفرغ فيه جميع مكبوتاته تحت اسم مستعار وكذلك الشخصيات المحيطة به ) .. هذا الانغماس في هذه الحتوتة وتبنيها اخراجيا بفضاء سينواغرافي يليق بها ، اذ جاءنا بتأثيث منظري بسيط للوهلة الاولى لكنه كان عميقا في دلالاته وتحولاته وتوظيفاته الجمالية المتفاعلة مع فكرة كل مشهد منفصل بفكرته وشخصياته المتناسقة بألفتها مع بعضها البعض ، وتمكنها واسترخائها الذائب في الحرفية الادائية الشاملة .
لم يغفل المخرج المرجعيات التاريخية والتراثية لبيئة هذا ( النمس ) البطل الكاظم جوعه ومراراته مما حوله ، فراح يلاقح عرضه بفرجة مغربية تراثية نابعة من حارات وبيوتات بيئة النمس ، فجاءت الازياء والملحقات المسرحية والالات الموسيقية والغناء والرقص بشكلها التراثي لتشكل لنا محطات عرض منوعة وايقاعية منضوية ومتن خطاب العرض ، ساردة لنا فلسفة العرض وبريقه الافتراضي الذي امتلك جميع مسوغات الاقناع لدى التلقي وصولا الى التفاعل مع بنية هذا العرض والانتعاش به ، ليظل محفورا في ذاكرة التلقي وبجدارة ، فلا يتشبه بتلك العروض التي ننساها لحظة مغادرتنا صالة العرض .
المؤدون وهم أبطال هذا العرض : ( عبد الله ديدان / حسن مكيات / هاجر الشركي / عبد الله شيشه / مونيه لمكيمل ) قد تنافسوا فيما بينهم في تتمة بعضهم البعض ادائيا وفق انسجام جماعي حميمي مبتكر هو الاخر لان ركيزته الاساس هو الحب دون سواه . واخيرا .. نقول ان هناك بعض المقولات او الطروحات التي نرددها كمسرحيين لكننا لا نقبض عليها دائما في اي عرض مسرحي ، لكنني أزعم انني قبضت عليها هنا في هذا العرض لانها تحققت فيه وتوافرت بتجويد عال ، وهذه المقولات هي : اولا – المسرح فن الابتكار ، ثانيا – المسرح ابداع جماعي ، ثالثا – لا نجومية في المسرح الذي نطمح اليه او الذي ينبغي ان يكون او ذاك الذي نراه في احلامنا احيانا .. تحقق كل ذلك لاننا كنا ازاء عقل اخراجي واعد تفرد في بسط نفوذه الفكري والجمالي على خطاب عرضه وبتفوق لا يختلف عليه احد ، وحقق لنا الدهشة المسرحية التي لا يختلف عليها احد ايضا .

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح