Click to listen highlighted text!
الرئيسية » الهيئة العربية للمسرح » همزة وصل » همزة وصل ( المملكة الأردنية الهاشمية )
همزة وصل ( المملكة الأردنية الهاشمية )

همزة وصل ( المملكة الأردنية الهاشمية )


تضع الهيئة العربية للمسرح الأوراق التي قدمت في الندوة التي عقدت في الأردن ضمن مهرجان المسرح الأردني بالتعاون مع نقابة الفنانين الأردنيين و المهرجان، بين يدي المسرحيين الأردنيين لمطالعتها و وضع و إرسال أية ملاحظات أو تصويباتو سوف نضعها بين يدي الباحثين للمراجعة قبل النشر

 

همزة وصل

المسرح الأردني نظرة تاريخية

مئة عام من المسرح (1913 – 2013)

بقلم د.فراس الريموني/ الاردن

مقدمة

ان المسرح منبر وفضاء واسع يلجأ له الناس للتعبير عن اشكالياتهم كلما تأزمت مجتمعاتهم فلا يجدون افضل من الخشبة للتعبير عن افكارهم وهواجسهم وتقديم قراءات مختلفة عما هو سائد، فهو ضرورة اجتماعية وفكرية وسياسية ومع تطور هذه المجتمعات تولد رؤى جديدة في المسرح اما تجريبية او تجديدية او تراثية فيصبح المسرح ضرورة جمالية بالاضافة للفكرية.

ومن هنا ولد المسرح الاردني في مرحلة تجتاحها التحولات السياسية والاجتماعية ثورة على الحكم التركي ومخاضا لولادة كيانات سياسية جديدة وتقسيمات لجغرافيات قديمة وارساليات استعمارية وهجرات دينية..حقبة زمنية مشحونة بالمتغيرات دفعت بالمثقف الاردني الى خشبة المسرح لبناء معمارية جمالية تحمل رؤاهم للحاضر والمستقبل…فكانت الولادة الاولى في مادبا ثم اربد ثم السلط وعجلون وجرش والكرك..

اهداف البحث:

  1. التوثيق للمسرح الاردني.
  2. تحليل التجربة المسرحية الاردنية.
  3. القاء الضوء على تاريخ المسرح الاردني.

اهمية البحث:

اضافة للمكتبة المسرحية الاردنية والعربية، لان هذا الجانب يحتاج الى التعمق في رصد تحولات المسرح الاردني.

الحدود الجغرافية:

العروض المسرحية داخل الاردن.

الحدود الزمنية:

بين عام  1913-2013.

الخطوات الاولى

ظهر الفن المسرحي الاردني في بدايات القرن العشرين كوسيلة تعبيرية عما ينبض بين جوانح الناس من مشاعر اتجاه متغيرات الحياة فانطلقوا من وجدانهم وكوامنهم للمورثات الثقافية، والممارسات الطقوسية للوصول إلى  المتلقي. إن الطقوس الدينية أو الدنيوية المنبثقة عن الوجدان الشعبي العام، هي التعبير لما كان يتوحد حوله المجتمع بكل طبقاته من جهة، كما هي الدلالة الحقيقية على مدى تفتح الملكات الشعورية والذوقية التي أسهمت وما تزال في بناء الهوية العربية التي تلامس حدود الشخصية الفردية والجمعية معًا، فكان لهذه الطقوس والعادات والتقاليد التي احتذاها وتمسك بها الدور البارز في صياغة السلوك الجمعي ذي الطابع القومي.

وان الانطلاقة الحقيقية للمسرح الاردني بدأت من ملامحها في الطقوس الدينية والاجتماعية التي كانت تسود في الاعراس والجاهات والاحتفالات.

البداية من انثروبولوجية المجتمع الاردني عاداته وتقاليده وانماطه الروحية..واستمرت مع ولادة الشكل المسرحي بقوانينه وعناصره في بدايات القرن العشرين عام 1913 في المسرحية الكوميدية “هات الكاوي يا سعيد” من خلال مجموعة من شباب مادبا اشرف عليها الكاهن البولوني يوحنا بوتقيل حيث كان راعيا روحيا لطائفة اللاتين في مادبا وقد تم استبعاده الى القدس في نفس العام ثم حل محله الايطالي انطوني فرجاللي وطرد لولائه للفرنسيين وبعدها ارسلت بطريركية اللاتين كاهنا عربيا من بيت لحم الكاهن انطون الحيحي الذي قدم مسرحياته عام 1918 مع ميخائل الطوال ويوسف الصوالحه في مدينة مادبا…

وبعدها اشرف العلامة الاردني روكس العزيزي الرأئد الحقيقي الاول للمسرح الاردني على مجموعة كبيرة من المسرحيات اولها: قاتل ابيه لجميل البحري ومسرحية ابن وائل، ووفاء العرب، ومسرحية صلاح الدين، ويولوس قيصر، وتاجر البندقية، والمسرحيات التي قام هو بنفسه بتأليفها واخراجها منها: العاشقان، والمتمردة، والفيلسوف، وام البنات.(1)

كذلك في شمال الاردن في اربد عروس الشمال حيث السهرات والتعاليل في احتفالاتهم واعراسهم وموالدهم ومواسم حصادهم ولد المسرح طقوسيا بمسرحية سهرات العرب1920 وتحدثت عن مرحلة تاريخية حاسمة عن فترة الاتحاد والترقي وخروج الملك فيصل..

كما ساعد الكاهن الايطالي انطون فرغالي روكس العزيزي عندما انتقل عمله الى السلط لتقديم  في نفس المرحلة اعمالا مسرحية بنفس الاسلوب منها مسرحية  صلاح الدين ومسرحية ونكبة البرامكة  وكانت البدايات متشابهة في معظم المدن الاردنية في عجلون وفي جرش منطقة دبين في دير السيدة العذراء..

وهنا نلاحظ تأثر بدايات المسرح الاردني بتقنية المسرح الغربي التى نقلها الكهنة القادمين من الغرب مع احتفاظه بخصوصيه الافكار والمواضيع وفضاء العرض مما حافظ على روحه المنبثقة من الوجدان الاردني العربي..وهذه الخصوصية دفعته لتناول القضايا العربية بين طياته وتقديمها للمجتمع الاردني بالوانه الثلاثة البدوية والريفية الرعوية والمدنية… والمملكة الاردنية الهاشمية الحديثة منذ تأسيسها ارتبطت بالهم القومي والعربي والاسلامي  وكانت الملجأ الاول لكل الثوار والمستبعدين من اراضيهم  قصرا.

وبقي المسرح ضمن هذه الدائرة مع اتساعها وتنوع مواضيعها واتساقها بالدفاع عن الحرية  وحق الشعوب في تقرير مصيرها في مواجهة الاستعمار البريطاني والتوسع في هجرة اليهود الى فلسطين وازدادت الحركة المسرحية نشاطا بعد هزيمة العرب امام العدو الصهيوني عام 1948 لرفع الهمم وتحريض الناس على العدو المغتصب وكان لاستقلال الاردن عن المستعمر البريطاني دور كبير للمسرح الاردني في تناول القضايا العربية والوقوف معها ضد الاستعمار الجائر واهم هذه الاعمال فنيا والتي مهدت لمرحلة جديدة من المسرح هي مسرحية  دماء في الجزائر عام 1959 في ذروة الثورة الجزائرية حيث تجلت في ادانة المستعمر الكولونيالي وجرائمه ضد الشعب الجزائري ونادت باستقلال الجزائر وحريته كان عرضا يلامس روح الثورة الجزائرية ومواقف الأبطال الذين قدموا أروحهم راية تخفق في سماء الوطن..إنها منبر ثقافي وسياسي لإدانة المستعمر الفرنسي الشرس وتعتبر هذه المسرحية  أول مسرح يومي في الأردن حيث استمرت عامين كاملين جابت كل مناطق الأردن من المدن والقرى والبادية وكانت تؤجج مشاعر الحضور ويهتفون للثور الجزائرية وللأمير عبد القادر الجزائري وينددون بالاستعمار الفرنسي…

انها أول مسرح متنقل بين منصات المساطب وساحات المدارس والخيمة والأديرة

إن المسرح الأردني يتجلى بأبهى صوره وهو يحمل لواء الحرية والمقاومة والثورة..وهذا ما دفع الدولة لتأسيس مسرح ثابت يأتيه الناس..لا مسرح متحرك يذهب اليهم ويحرضهم ويساهم في تغير اتجاهاتهم وتطلعاتهم.

خلاصة المرحلة الأولى للمسرح الأردني:

بعد دراسة تحليلية لتلك المرحلة نلاحظ أنها اتسمت بـ:

1.   إن انطلاقتها جاءت نتيجة الإرساليات الكنسية، والمدارس التبشيرية التي أنشأتها الدول الأوربية في منطقة بلاد الشام منذ القرن الثامن عشر…لهذا ظهرت البدايات في الأديرة والكنائس المسيحية في مادبا وعجلون ومنطقة الحصن في اربد ومنطقة دبين في جرش.

2.  اعتمدت مسرحياتهم على جانبين الوعظ والإرشاد فكانت تدور حول صراع الخير والشر أو محاربة المشعوذين…او على  تناول شخصيات تاريخية مثل الحجاج او صلاح الدين او حاتم الطائي أو ابن وائل أما النصوص الشكسبيرية التي تناولوها فقد كانت لهم إسقاطات اجتماعية وسياسية مثل تقديم انوذجا بشعا لشخصية شايلوك اليهودي في مسرحية تاجر البندقية.

3.  كانت تعرض في الهواء الطلق وعلى منصة خشبية مغطاة بالبسط بالفضاء المفتوح لعدم وجود خيارات أخرى.

4.  كانت تلعب الدراما دورا اجتماعيا وقوميا حيث يذهب ريع بعض المسرحيات لخدمة المجتمع مثل مساعدة القبائل المنكوبة او للتبرع للثورات العربية.

5.  كان الاهتمام الأكبر في سينوغرافيا العرض على الأزياء والماكياج لإظهار البعد الاجتماعي والتاريخي للشخصيات.

  1. غياب الجانب الأكاديمي عن صناعة العرض المسرحي.
  2. الاعتماد الاكبر على الممثل، فهو جوهر المسرح وحامل فكرة النص.
  3. النشاط الكبير في مرحلتها الاخير والاهتمام بالمسرح المقاوم وتنوع مواضيعه واهتماماته.

المرحلة الثانية: المسرح الاكاديمي والجامعي:

وهنا نتحدث عن دخول ميدان الاحتراف يقول “شما إن المسرح لم يبدأ بترسيخ نفسه كحركة فنية تملك مقومات الاستمرار والنمو والانتشار والتطور إلا في بداية الستينات، عندما التقى عاملان مهمان من عوامل تأسيس المسرح الأردني، الأول: تأسيس الجامعة الأردنية عام 1962، التي انبثق عنها نشاط مسرحي تحت عنوان أسرة المسرح الجامعي، والثاني قدوم أول مخرج مسرحي متخصص دارس للفن المسرحي في أمريكا هو المخرج هاني صنوبر، الذي بدا نشاطه الإخراجي من خلال مهرجانات الاصطياف ثم أسرة المسرح الأردني والمسرح الجامعي، حيث قدم المسرحيات العالمية المترجمة على مسرح الجامعة، وشكّل أعضاء أسرتي المسرح الأردني والمسرح الجامعي النواة الصلبة الأولى للحركة المسرحية، بل لحركة التمثيل الإذاعي والتلفزيوني والمسرحي في الأردن، وكان من أعضاء هاتين الأسرتين كل من الفنانين الرواد أمثال: نبيل المشيني، أديب الحافظ، مارغو ملاتجليان، نبيل صوالحه، قمر الصفدي، عنان العامري، مهدي يانس، سهى مناع، صلاح ابوهنود، عمر قفاف، جميل عواد، عروة زريقات، وليد بركات، جوزفين بقيلي، احسان عماشة، سهيل الياس، هشام الهنيدي، هشام يانس، محمود ابوغريب، بهاء ابوطه، أشرف أباظة، عبداللطيف شما، جودت صالح، توفيق مساد، ابراهيم السنتريسي، سميح مطالقة، ميشيل بقيلي. ومع تأسيس دائرة الثقافة والفنون عام 1966، تم إنشاء أسرة المسرح الأردني التي ضمت معظم المشتغلين في حقل التمثيل في ذلك الحين، أمثال أديب الحافظ، مازن القبج، رشيدة الدجاني، هشام هنيدي، احمد قوادري، محمد العبادي، عمر قفاف، شعبان حميد، حسن أبو شعيرة، أسماء خوري، سميرة خوري، مارغو أصلان بالإضافة إلى أعضاء أسرة المسرح الجامعي السابقة وغيرهم من الفنانين.(2)

وللكشف عن سمات واليات عمل الفعل المسرحي في تلك المرحلة لابد من تحليل اعمال المخرج هاني صنوبر لانه يكاد ان يكون المخرج الوحيد الذي تولى قيادة العملية الابداعية المسرحية.

حيث كان مخرج مفسر للنص الأدبي مسخر كل العناصر المسرحية الأخرى لخدمة النص الأدبي فهو بذلك يحافظ على قدسية النص الأدبي وعلى الأمانة في تناوله.

أما الممثلون فلم يكن هناك في تلك الفترة ممثلون محترفون فاعتمد في المرحلة الأولى موظفي وزارة الثقافة وطلاب الجامعات، وهؤلاء بحاجة إلى تدريب طويل وإلى تعليمهم وظيفة المسرح في المجتمع لخلق ثقافة مسرحية عند الممثل وقد كان يعتمد هاني صنوبر طريقة ستانلافسكي في تدريب الممثل ويقول الزيودي أن هاني صنوبر كان “وما يزال يتبع في تدريباته منهج ستانلافسكي.. وقد كانت بروفات الطاولة تصل إلى شهر في بعض الأحيان وذلك بهدف تحليل وتفسير النص الأدبي وقد كان يرسم الخطة الإخراجية قبل التمارين وكان يلزم الممثلين فيها فهو مخرج (دكتاتور) ومساحة الممثل بسيطة على الرغم من أنه اعتمد عليه لأن مكملات العرض المسرحي بسيطة بسبب قلة الإنتاج في تلك الفترة فالديكور (رسومات) والإضاءة بسيطة بسبب قلة المسارح المجهزة. (3)

إن المخرج هاني صنوبر هو الرائد الأول للمسرح الأردني المحترف عمل تحولاً كبيراً في مسيرة هذا المسرح من خلال تدريب الممثلين وخاصة ممثلي الجامعة الأردنية والذين كانوا نجوم المسرح لفترة طويلة وقدم روائع المسرح العالمي الذي لم يعتد عليه الجمهور الأردني ثم قدم هموم وقضايا الواقعيين الأردني والعربي.

ومع قدوم العديد من المخرجين الدارسين لفن التمثيل والإخراج في المعاهد والجامعات العربية والأجنبية منذ بداية السبعينات أصبح واضحا أن المسرح الأردني صار ملمحا أساسيا من ملامح الحركة الفنية الأردنية، خاصة مع تأسيس قسم المسرح في دائرة الثقافة و الفنون، وإنشاء أول قاعة عرض مسرحية تابعة للدائرة في جبل اللويبدة والتي أصبحت تسمى فيما بعد مسرح أسامة المشيني ومن المخرجين في تلك الفترة من السبعينات كل من احمد قوادري، شعبان حميد، حاتم السيد، احمد شقم، توفيق نجم، يوسف الجمل، باسم الدلقموني، طارق برقاوي، محمد حلمي، تيسير عطية وعمر قفاف وجولييت عواد ونعيم حدادين وعمر شاهين وماهر خماش. وانضم الى اسرة المسرح الأردني من الممثلين كل من رشيدة الدجاني وسميرة خوري ومحمد العبادي وعادل عفانة وزهير النوباني وعيسى سويدان، قدم هؤلاء مسرحيات من روائع المسرح العربي وبعض التجارب المسرحية المحلية، من أهمها: الزير سالم، حلاق بغداد لـ ألفريد فرج، “عفاريت القرن العشرين” لعلي سالم، “المسامير”لسعد الدين وهبه، (الزوبعة، الغرباء لا يشربون القهوة، الرجال لهم رؤوس، اضبطوا الساعات، رسول من قرية تميره، ليالي الحصاد، الغائب الزوبعة) للكاتب العربي محمود دياب، “الفرافير”ليوسف إدريس، “الوافد”لمخائيل رومان، “عريس لبنت السلطان و حفلة على الخازوق”لمحفوظ عبد الرحمن، “المفتاح” ليوسف العاني، “المهرج”لمحمد الماغوط.. ومن أهم الأعمال المسرحية الأردنية المحلية ” المفتاح والجراد” عطشان يا صبايا” لجمال أبو حمدان، “المغناة الشعبية المسرحية “خالدة” و”آباء وأبناء” للمرحوم الشاعر عبد الرحيم عمر، “الضباع” و”المحجر” و”مذكرة من جبل النار”، و”معايد القريتين”، “المضبوعون” لمحمود الزيودي. وأعمال الكاتب أمين شنّار “السد” “الليلة يطلع القمر” و”قرية الشيخ حماد”، “ظلام في عين الشمس” والمسرحية الغنائية الاستعراضية “برجاس” للشاعر حيدر محمود، و”الرحالة السندباد” لفؤاد الشوملي، و”المأزق” لبشير هواري، و”تغريبة ظريف الطول ” لجبريل الشيخ، و”لعبة مسرحية اسمها الشحادين” لجميل عوّاد.(4) وقد سيطر على هذه المرحلة المخرج حاتم السيد في العاصمة عمان وباسم دلقموني في مدينة اربد شمال الاردن وتحليل  تجربتهما تنسحب على طبيعة المسرح الاردني في تلك الفترة.

فحاتم السيد الرائد الاكاديمي الثاني بعد هاني صنوبر في المسرح الأردني درس في القاهرة وتتملذ على يد أهم رجال المسرح في مصر في ذلك الوقت وقد توجه حاتم السيد منذ البداية للموضوعات التي تعالج قضايا تلامس الواقعين المحلي والعربي فأخرج مسرحية (رسول من قرية تميره) لمحمود ذياب و(حال الدنيا) لممدوح العدوان ومسرحية (الزير سالم) لألفريد فرج… الخ، وبهذا حاول تقديم أعمال تتناول الهموم السياسية والاجتماعية والثقافية للمجتمع الأردني.(5)

و من أجل ذلك فقد كان يقوم حاتم السيد بإعداد نصوص لتلاءم ما يريد أن يطرحه من أفكار تتناسب مجتمعه فقد كان يحذف ما يريد من النص ويضيف لكي يتلاءم مع رؤيته الإخراجية “فمارس السيد سلطته الإخراجية بمعزل عن فكر المؤلف الذي يصادر أفكار المخرج.. فالنص مشروع خاضع للتطوير.(6) إن حاتم السيد يخضع نصوص المسرحيات التي يخرجها إلى عملية الإعداد وصولاً إلى ما يلاءم رؤيته ويخدم طرحه الفكري.

وقد اهتم (السيد) بالممثل ولكنه قيده ضمن خطته الإخراجية وعمل على تدريب الممثلين على طريقة ستلانلافسكي واتجه اتجاهاً واقعياً  فكان يطلب من ممثليه أن يكون طبيعياً في أدائه غير مصطنع وبلا افتعال يبعده عن الواقع كما كان السيد يعتمد الممثلين المحترفين بعيداً عن الهواة وذلك للتقليل من فترة الإعداد للعرض.(7)

وقد كانت مكملات العرض تشكل البيئة الواقعية التي تجري فيها الأحداث زمنيا ومكانياً وكان ينطلق في تشكيل هذه البيئة من النص وكان يحاول (السيد) إشراك جمهوره في العرض المسرحي لكي يتفاعل مع القضية المطروحة حتى لا يكون المتلقي سلبياً وإنما ايجابياً ويبحث أن ينظر الجمهور بمنظور عقلاني وليس بمنظور عاطفي.

أن السيد ساهم في تطوير حركة المسرح بعد صنوبر باحثاً عن خصوصية للمسرح الأردني نابعة عن فهمه وإدراكه لواقع هذا المجتمع وطبيعته.

اما المخرج باسم دلقموني فقد ساهم في تطوير الحركة المسرحية الأردنية وبالذات عندما أسس مدرسة لتعليم التمثيل وتخرجه منها مجموعة من الممثلين أصبحوا محترفين للفن فيما بعد في الأردن ثم شكل (فرقة المسرح الجامعي) في جامعة اليرموك والتي أسهمت كذلك بتأهيل مجموعة أخرى من الممثلين للمسرح الأردني ثم أسس فرقة (مسرح الفن في اربد) مستقطبا هواة المسرح في شمال الأردن وهو بذلك قاد الحركة المسرحية في الشمال بشكل خاص ورفد الحركة المسرحية الأردنية بكوادر فنية مسرحية.

وقد تناول الدلقموني نصوصاً عالمية، وعربية، ومحلية، وقد حافظ على مضامين هذه النصوص دون محاولة إعدادها ومع ذلك ركز على تحوير النصوص لخدمة واقع مجتمعه دون المساس بها من خلال إسقاطاته، كما اعتمد التأليف الجماعي لبعض نصوصه “حيث كان للدلقموني الريادة والسبق في التأليف الجماعي في غياب المؤلف المسرحي الأردني”(8) أما الممثل فقد كان عنصراً مهما في أعمال الدلقموني وقد كان يجري تدريبات جسدية وصوتية مع الممثلين قبل البدء في العمل ربما لأنه كان يختار في معظم أعماله ممثلين هواة وطلاباً وهم بحاجة إلى تدريب بعيداً عن العمل المسرحي وغالباً ما يعتمد طريق ستلانلافسكي في تدريب الممثلين وقد كان يطلب من ممثله أن يكون واقعياً صادقاً بسيطاً كما كان ينشئ ممثليه على الثقافة المسرحية بشكل يوازي تدريباته من خلال النقاش والحوار والبحث.

إن الدلقموني ساهم في تطوير ورفد الحركة المسرحية الأردنية بالممثلين من خلال تدريبهم وصقل مواهبهم معتمداً مدرسة عالمية في تدريب الممثل.

وقد اهتم بالعناصر الأخرى بشكل بسيط مختزلاً لها، والسبب في ذلك يعود إلى قلة الإنتاج واعتماده على الممثل والنص وقد استخدم الأسلوب الملحمي البريختي التغريبي في بعض أعماله حيث كان الديكور والإكسسوارات مختزلة ورمزية.

وعمل بطريقة واقعية في تقديم عروضه محافظاً على قدسية النص ومعتمداً التأليف الجماعي في أغلب الأحيان والممثلين الهواة وهو بذلك يكون قد ساهم في حركة التأليف وتأهيل الممثلين المحترفين في المسرح الأردني وهنا يلتقي مع صنوبر ويختلف مع السيد بذلك.

خلاصة المرحلة الثانية:

جاءت المرحلة الثانية متشابهة  بابعادها الجمالية والفكرية واسلوب تقديم العرض بطريقة واقعية وبالاعتماد على نظرية ستانسلافسكي في تدريب الممثل فقط كان الاختلاف ان مرحلة الستينات تناولت النصوص العالمية مع الابتعاد الكامل عن النصوص المصرية التي كانت تجتاح الوطن العربي في تلك الفترة وهنا اشير الى الدور السياسي في صراع الرئيس المصري جمال عبد الناصر ورئيس الوزراء الاردني وصفي التل  حول تشكيل الوعي الجمعي السياسي والثقافي للعرب..وبعد رحيل جمال عبد الناصر ووصفي وتخرج مجموعة من المخرجين الاردنيين من المعاهد المصرية كان للنص المسرحي المصري النصيب الاكبر على خشبات المسرح الاردني.

إن الجيل الأول للمسرح المحترف كان متأثراً بالمسرحين العالمي والعربي بشكل مباشر وجاءت تجاربهم ضمن المسرح التقليدي على الرغم من المحاولات الجادة وبالذات المخرج باسم دلقموني الذي انشأ حركة المسرح في الشمال فهذا الجيل قدم مسرحياته بطريق واقعية معتمداً ستانلافسكي في تمارينه وبهذا وضعوا حجر الأساس في المسرح الأردني ومهدوا الطريق لظهور جيل جديد امتاز بتواصله مع المسرحين العالمي والعربي والثورة على المسرح السائد

المرحلة الثالثة: التجديد

تعزز دور المسرح الاردني في الثمانينات خاصة مع إنشاء المركز الثقافي الملكي بمسارحه وقاعاته المتعددة، وإنشاء قسم الفنون المسرحية في جامعة اليرموك لتدريس التمثيل والإخراج، وإنشاء مركز تدريب الفنون التابع لدائرة الثقافة والفنون والذي كان يعقد دورات في فن التمثيل المسرح.

وشهد عقد الثمانينات تزايداً في عدد الخريجين من الأكاديميات والجامعات والمعاهد الفنية العربية والعالمية فأخذ عدد من المخرجين القدامى والجدد يقدمون تجاربهم المسرحية الجديدة متمردين على التأليف والشكل الفني التقليدي، وظهرت عدة فرق مسرحية بالإضافة إلى ما تقدمه وزارة الثقافة من عروض مسرحية، أهم هذه الفرق: الفوانيس، وفرقة مسرح المسرح، ومختبر الرحالة.. ومسرح الـ 60 كرسي، وفرقة مسرح الفن في اربد، ومختبر موال المسرحي، ومسرح الخيمة، وفرقة المسرح الشعبي.. وظهرت مؤسسة نور الحسين كرافد هام في الإنتاج الفني بشكل عام والمسرحي بشكل خاص
ومن أهم المخرجين الذين ظهروا في هذه المرحلة خالد الطريفي، ونبيل نجم، ولينا التل، وفتحي عبد الرحمن، ونعيم حدادين، ومحمود إسماعيل بدر، وسمر دودين، وماهر خماش، ووفاء القسوس وفتحي عبدالرحيم، غنام غنام..وسأتناول اعمالهم حتى منتصف التسعينيات.
من أهم الأعمال المسرحية التي قدمت في هذه المرحلة مسرحية “دم.. دم تك” عن مسرحية بريخت “بونتيلا وتابعة ماتي”، و”فرقة مسرحية وجدت مسرحاً فمسرحت هاملت”، “راوي مسرحي يمسرح أوديب”، و لعبة مسرحية أولها وآخرها اسكابا و ومسرحية تغريبة زريف الطول و”حذاء السيد طافش”، “حال الدنيا”، “يا عنتر”، “الحكم قبل المداولة”… “أفكار جنونية من دفتر هاملت”، “ليلة مصرع جيفارا”، “عاش جلجامش عاش”، “الغابة الخضراء”. كما ظهرت نصوص محلية لعدد من الكتاب الأردنيين الذين كتبوا مسرحيات للكبار، ومنهم الشاعر الأردني د. وليد سيف.

ونأخذ اربعة نماذج من مخرجين تلك المرحلة وسوف اركز  على أهم المخرجين الذين اتسمت أعمالهم بطابع الحد والأصالة ومحاولة هؤلاء المخرجين البحث عن أساليب مسرحية معاصرة تتلاءم والواقع المعاصر التي سعت رفع الذائقة الجمالية عند الجمهور والتي أسست لخروج جيل ثالث في المسرح الأردني (جيل الشباب) الذين قدم أعمالاً متميزة وبعيدة عن التقليدي.

لقد كان هذا الجيل متواصلاً مع المسرح العالمي سواء أكان في التعامل مع النص المسرحي أو الممثل أو العناصر المسرحية الأخرى التي تشكل جمالية العرض المسرحي.

ومن أهم اتجاهات والأساليب هذه التجارب من خلال التعرض إلى أهم مخرجي هذه الفترة وهم خالد الطريفي، ، نادر عمران، غنام غنام، وفتحي عبد الرحمن وبناء على كم هذه العروض وأنواعها.

خالد الطريفي:لقد كان خالد الطريفي يؤمن بضرورة التحرر من قيود المسرح التقليدي فعمل على نسف المسرح السائد محاولاً طرح أسلوب إخراجي جديد في المسرح الأردني “فخالد الطريفي صاحب أسلوب واخرج خاص”.(9)

لقد كانت نصوص معظم مسرحيات خالد الطريفي من تأليفه او مثل مسرحية (عرس الأعراس) ومسرحية (سر المارد) ومسرحية (خريفة شعبية)، و(أنت مش انته).. الخ.

وقد كان يخضع النص المسرحي لعملية الإعداد سواء في النصوص التي ألفها هو أو مؤلف آخر، وقد كانت تمتد عملية الإعداد إلى إسقاط بعض المشاهد، وإضافة غيرها مع تغيير وتبديل بعض الحوارات والشخصيات والأخذ بعين الاعتبار الإبقاء على رؤية النص المسرحي ومضمونه وقد كان هذا الإعداد بشكل جماعي مع فريق العمل لترسيخ العمل الجماعي وكان هدفه تقديم أفكاره، وهموم المجتمع المحلي والعربي لذلك اتجه إلى تأليف نصوصه وإعداد النصوص الجاهزة كما تقف وراء الإعداد أسباب أخرى “لأن إعداد النص المسرحي بالنسبة لخالد الطريفي يعود إلى نقص الكفاءات الفنية عند الممثلين حيث يختصر الشخصيات في المسرحية.(10)

وادخل عملية الإعداد المسرحي على معظم النصوص المسرحية التي تعامل معها سواء أكانت من تأليفه أو تأليف غيره.

والجدير بالذكر أن الإعداد كان في بعض الأحيان يتم للمواءمة بين الرؤيتين النصية والإخراجية وفي بعض الأحيان يعود إلى قلة الممثلين أصحاب الكفاءات.

لقد كان الأهم عند الطريفي هو الممثل حيث أعطاه المساحة الكبرى في تشكيل عرضه المسرحي حيث عمل على تدريب الممثل لإظهار قدرته وطاقاته سواء الجسدية منها أو النفسية أو الصوتية وكان يرتكز على الأساليب الغربية في تدريب الممثل التي درسها واطلع عليها مثل غروتوفسكي وستانلافسكي وغيرهم وقد كان الممثلون من الهواة والمحترفين وقد كانوا غاية ووسيلة في الوقت نفسه فالممثل عنصر أساسي في العرض المسرحي وجميع العناصر تسخر لخدمته.

إن الطريفي في معظم عروضه المسرحية يخلق جواً حميمياً بينه وبين المشاهدين وذلك بكسر الإيهام المسرحي ففي مسرحية (عرار) كان الممثلون يتجولون بين الجمهور ويتحدثون معهم ورائحة البخور يشمها المتفرجون وهذا ما حدث كذلك في مسرحية (أنت مش أنت) وقدمت هذه الأعمال في مسرحة العلبة، والحلبة، وقاعة عادية.

“أما سينوغرافيا العرض فقد أعطى أهمية إلى جميع عناصرها ففي الإكسسوار يعتمد الطريفي طريقة الحذف والمبالغة لتعطي الملابس التأثير نفسه كما تعطيه بقعة الضوء”(11)

ومن يتابع أعمال الطريفي يلاحظ استخدامه مفردات ديكورية بسيطاً محولاً إياه إلى إكسسوارات في أغلب الأحيان حيث في مسرحية (عرار) الديكور مجموعة من الكراسي وصحن فيه نار ومجموعة من الشموع ودفوف وعصي”(12) وفي مسرحية (أنت مش أنت) جاءت الشموع والدف، والنار وفي مسرحية (يا سامعين الصوت) فقد اقتصد المخرج بشكل كبير في الديكور(13) وعليه فالطريفي يختزل الديكور معتمداً على الممثل ليملئ خشبة المسرح بجسده وحضوره..

تجاوز التقليد والجمود في عروضه المسرحية والبحث عن طريقة جديدة في الإخراج سمتها الإبداع والاستفادة من التقنية العالمية للعمل على تكثيف المشاعر عن طريق معالجة حاسة البصر ويشكل بتشكيلات رائعة التي تودي إلى الالتحام المتكامل بين الفكرة والصوت والصورة كما أنه أبدع في التشكيل في الفراغ واستعمال كتل الضوء، والصوت، والصور لتعزز مناطق الظلام لتأكيد المعنى والوصول إلى ذهن المشاهد.(14).

لقد خرج الطريفي عن المألوف في الإخراج في بحثه عن الإبداع والأصالة ليعطي مسرح الثمانينات في الأردن إشارة تفاؤل في فترة مسرحنا المحلي برفد التجارب العربية بتجارب جديدة.

اما فتحي عبد الرحمن:لقد انتصب اهتمامه على مسرح الطفل وعلى مسرح الجوال وعلى الورشات المسرحية وهو مخرج ناقد ومؤلف مسرحي له عدة تجارب إخراجية مسرحية مميزة منها مسرحية (لعبة الشاطر) و(الرمال الناعمة) و(كرد بيك) و(الأقزام السبعة).

يركز فتحي عبد الرحمن على النص المسرحي وقد قام بتأليف معظم أعماله التي أخرجها وهو بذلك يلتقي مع الطريفي كما أنه يعمل على إعداد النصوص العربية والعالمية للموائمة بين الرؤيتين النصية والإخراجية، ويعمل  فتحي عبد الرحمن على إعداد النص بهدف موائمة أكثر وأكثر بين الرؤية النصية والرؤية الإخراجية وقد كان الإعداد بشكل جماعي(15).

أما بالنسبة للممثل كان يعتمد الورشات المسرحية لإعداد الممثل وبالذات الهواة وكان يشرك في أعماله هذه الممثلين الهواة الذين يعمل على إعدادهم وكان يعتمد كطريقة ستانلافسكي في تدريب ممثليه أحياناً وأحياناً الارتجال “إن فتحي عبد الرحمن يرغب بالعمل مع الممثلين الهواة.. والذين تحولوا بعد ذلك إلى ممثلين يمتلكون خيالاً رحباً وجسداً طيعاً” (16).

وكان يعتمد الممثلين الهواة وليس المحترفين ويقوم بتدريبهم ويهيئهم ليصبحوا محترفين وهو بذلك ساهم في رفد الحركة المسرحية الأردنية  بالطاقات الجديدة.

كان خطابه المسرحي إلى الجمهور كافة ولا يخصص عروضه للنخبة ويحاول أن يكون عرضه شعبياً لكل الناس، وقد أسس فرقة مسرحية سماها (فرقة المسرح الشعبي) وكانت مركزاً لإبداعه المسرحي وهو يقدم عروضه في قاعة من قاعات الفرقة استصلحها لتكون مكاناً للتدريبات والعرض.

اما نادر عمران من المخرجين المسرحيين في فترة الثمانينات وقد قدم أعمالاً عديدة منها (طيبة تصعد إلى السماء) و(عاش جلجامش عاش) و(مسرحية رمزية جداً) و(حياة لأجل الموت) و(عيون ماريا والسندباد).

وقد كانت نصوص مسرحياته من تأليفه والجدير بالذكر أن هذه النصوص مكتوبة بقلم المخرج وليس الأديب وهي بذلك تبتعد عن النص الأدبي ولا يمكن بحال من الأحوال التعامل مع نصوص نادر عمران كنص أدبي(17) وإنما كانت أقرب إلى سيناريو مسرحي وكان عمران يستند في نصوصه على التراث المسرحي العالمي مثل أعمال سوفوكليس وشكسبير وبريخت، فهو يصوغ نصوصه من الأدب العالمي والأساطير والتراث الإنساني مبتعداً عن التقليد ولكنه تعامل مع النصوص على أنها خامات يمكن صياغة رؤية معاصرة منها.

أما الممثل فقد أعطاه أهمية كبيرة بوصفه الجزء الواعي في سنيوغرافيا العرض بإيماءاته وإشاراته وحركاته وسكناته، فقد كان نادر عمران يركز على إبراز الصورة المسرحية لأنه في الأصل سينوغرافي مصمم للإضاءة والديكور لذلك كان يركز على جسد الممثل كوسيلة تعبيرية ومتحركة تعطي الحياة لجميع وسائل التعبير الأخرى وقد كان يعتمد عمران الممثلين المحترفين في عروضه لذلك ابتعد عن التدريبات الطويلة للممثلين.

وبما أن عمران كان يركز على  الصورة المسرحية فإنه أعطى أهمية لعناصر العرض الأخرى فقد كان اهتمامه بالجانب التشكيلي للعرض المسرحي سواء أكان مكاناً مسرحياً أو تقنيات من إضاءة وديكور وإكسسوارات.

واهتمامه بتقنيات العرض جعله يقدم أعماله في المسرح العلبة الايطالية واعتماد عمران على الجانب البصري أو التشكيلي للعرض المسرحي هذا يعني أن العرض لا يمكن أن ينجز أو يعرض خارج إطار خشبة المسرح المتعارف عليها…لأن صيغة العرض مصممة ومعدة على ضوء المكان الذي يحتوي كل الإمكانات والتقنيات الفنية التي يفتقدها المكان المسرحي خارج هذا النطاق(18).

لقد استثمر عمران الإضاءة في رسم المكان والديكور الثابت الذي يشكل جزءاً مهماً في تعميق فكرة العرض المسرحي البصري.

إن للمخرج نادر عمران آلية عمل تنحصر ضن تناول فكرة ما مستمدة من نص مسرحي عالمي يعمل على صياغتها بطريقته الخاصة بعد أن يدخل معها في سلسلة جدال ونقاش محاولاً بذلك أن يجد لها (الفكرة) معادلاً بصرياً وسمعياً على خشبة المسرح معتمداً في ذلك تغليب وتدعيم الشكل المسرحي أو المنظومة البصرية في جذب المشاهد إلى عرضه المسرحي. (19)

ويقول مفيد حوامدة عن نصوص عمران ودورها في عملية الإخراج: وقد كرست نصوص عمران مساحة لا بأس بها لعرض العلاقة بين الممثل والمخرج والبحث عن لغة تعبيرية مسرحية تستمد حيويتها من مكتسبات الإنسان الحضاري وتجسدها بشكل جديد لأغراض جديد (20).

اما غنام غنام مخرج ومؤلف مسرحي اعتمد خلال أعماله التراث الشعبي العربي بالذات كمضمون لأعماله التي كان يكتبها وفي الشكل المسرحي الذي يقدمه باحثاً عن تأصيل لمسرح عربي وباحثا عن هوية له، قدم عدة مسرحيات في هذا المجال (عنتر زمانه والنمر) (كأنك يا أبو زيد)، (البحث عن نوفان)…. الخ.

وقد قدم غنام عدة عروض كان أغلبها من تأليفه أو إعداده ثم الصياغة الجماعية للنص وتبقى عملية الحذف والإضافة إلى يوم العرض، وكانت هذه النصوص مستمدة من التراث وتقديمه لها بصورة معاصرة تلاءم واقع المجتمعين الأردني والعربي، ويعتمد النص على القراءة المعاصرة المنفتحة للتراث الأدبي الدرامي العربي واستنباط خصوصيات الرواية، الحكائية، المسخرة الشعبية، المبالغة، واعتماده على الكلمة في امة ديوانها الشعر وثقافتها النقل والشفهي”(21) كان يكتب نصوصه بنفسه ويعيدها بشكل جماعي مع الاحتفاظ بقيمة الحوار والكلمة دورها بالعرض وهنا يتلاقي مع باربا وفتحي عبد الرحمن في عملية الإعداد الجماعي.

لقد استند غنام إلى الأساليب الغربية والعربية لتدريب ممثله لأن الممثل هو العنصر الأساسي في عمله فلابد من إعداده وكان أهم تمرين هو الارتجال للوصل إلى الدور فقد عمل غنام على أن يكون الممثل شاملاً مغنياً وراقصاً وعازفاً “ودراسة أنماط الأداء في الفنون الشعبية الأمر الذي يؤكد جرأة هذه الفنون في اعتماد التشخيص، الإيحاء بالتمثيل كإبراز أنماط الأداء الدرامي، وكذلك اعتمادها على فنون الموسيقى، الغناء، الشعر، الحداء، خيال الظل، الدمى، الارتجال”(22).

ففي مسرحية (عنتر زمانه والنمر) كان الممثلون يتغنون ويرقصون ويشخصون ويقدمون خيال الظل ويرتجلون حتى في العرض وقد كان غنام يعتمد في عروضه الإيحاء بالتمثيل من خلال التركيز على المبالغة والمسخرة الشعبية وذلك لتكوين علاقة مباشرة مع الجمهور.

إن الممثل هو أهم عنصر في العرض لأنه يعد النص أولاً ثم يقدمه بعدة وسائل للتعبير سواء أكان في خيال الظل أو التشخيص أو الإيماءة أو الغناء أو الرواية أو الارتجال.

حاول الابتعاد عن الفضاء التقليدي المسرح الايطالي باحثاً عن مواقع وفضاءات أخرى ليكون العرض أكثر حميمية فقد قدم عرض مسرحية (عنتر زمانه والنمر) في قاعة مستطيلة عادية فهو يحمل شعار (مسرح لكل الناس)، واعتماد الشكل الدائري والحلقة كحيز للفعل كون الحلقة هي الشكل الأساسي للاحتفالات الشعبية بمختلف أهدافها كما أن الدائرة هي أكمل الأشكال الهندسية على الإطلاق (23).

لقد كان غنام يختزل الديكور معتمداً على الاكسسورات التي تأخذ أكثر من شكل ويصوغها الممثل كما يريد وكانت الإضاءة من الشموع والنار والكشافات المحمولة والملابس المسرحية عبارة عن لبس أسود أساسي والطرابيش والعباءات والأردية تعطي الشخصية ملامحها لأن الممثل يمثل أدواراً وليس دوراً واحداً وكان ذلك في معظم المسرحيات.

اعتمد الموسيقى التي كانت تشكل إيقاع العمل والراوي في بعض الأحيان بالإضافة إلى الغناء والموال المصاحب للموسيقى والأغاني الشعبية التي كان يقوم بها دائماً الفنان نصر الزعبي.

اعتمد الفرجة المسرحية الشعبية ومن خلال الأشكال المسرحية الشعبية مثل خيال الظل، وصندوق العجائب، والأراجوز والحداء، والرقص وكما اعتمد الموروث الأدبي الشعبي الذي صاغ فيه نصوصه ليقدمها في أماكن غير تقليدية وهو بذلك ساهم في تطوير الحركة المسرحية الأردنية من خلال اعتماد هذا اللون المسرحي.

ان هذا الجيل واهمهم خالد الطريفي الذي قدم مسرحاً امتاز بخصوصية عالية معتمداً الارتجال والطقسية في العمل وجماليات السينوغرافيا والتشكيل في المسرح وخلق العلاقة الحميمة بينه وبين المتلقي. “إن مسرح الثمانينات تميزت بظهور المخرج خالد الطريفي الذي كان مفاجأة الحركة المسرحية وأعماله ثورة بحق في المسرح الأردني من حيث شكل بنائها ورفضها لكل صيغ وأساليب المسرح الأردني الرسمية والمؤسسية وكانت ثورة على التقاليد المسرحية الموروثة”، وهذا لا يقل من قيمة المخرجين من الجيل الثالث الذين كانت لهم محاولات طورت في حركة المسرح الأردني ولكن جاءت نظيراتهم في بعض الأحيان بعيدة عن تطبيقهم وعلى سبيل

وبهذا يكون خالد الطريفي والجيل الثاني قد ساهموا بولادة الجيل الثالث في المسرح الأردني هذا الجيل الذي تمرد على كل ما هو تقليدي وسائد باحثين عن صيغ تلاءم روح العصر.

إن سبب التراجع في المسرح الأردني للجيلين الأول والثاني يعود إلى:

1. قلة المخرجين الأكاديميين.

2. قلة الكفاءات عند الممثلين والتقنيين.

3. توجه المسرحيين إلى التلفزيون.

4. شح المسارح المجهزة بالتقنيات الحديثة.

5. عدم وجود مهرجانات محلية تدفعهم إلى التنافس.

6. الوضع السياسي الذي سبق الديمقراطية في الأردن.

7. عدم وجود نقابة فنانين ترعاهم.

8. قلة المشاركة الخارجية في المهرجانات العربية والدولية.

9. عدم وجود معهد متخصص في مجال المسرح داخل الأردن.

والأسباب الحقيقية في نهوض المسرح الأردني وتطوره في مرحلة الجيل الثالث الشباب وقيام حركة مسرحية مستمرة وقوية يعود إلى:

1.    كثرة المخرجين الأكاديميين سواء الخريجين من قسم المسرح في جامعة اليرموك أو من الجامعات العربية.

2.    وفرة عدد كبير من الممثلين الجدد المتخصصين بالمسرح.

3.    اهتمام وزارة الثقافة بميزانية المسرح.

4.    افتتاح عدد كبير من المسارح.

5.    إعلان الديمقراطية بالأردن.

6.    ولادة نقابة الفنانين الأردنيين.

7.    كثرة المشاركات في المهرجانات العربية والدولية.

8.    افتتاح قسم المسرح في جامعة اليرموك.

9.    قيام خمس مهرجانات مسرحية: مهرجان المسرح الأردني، مهرجان الشباب، مهرجان الجامعات، مهرجان أيام عمان المسرحية، مهرجان الطفل.

فجميع هذه الأسباب دفعت الشباب إلى التنافس والتمرد على المسرح السائد وتقديم تجارب جديدة معتمدين التجريب المسرحي ومسلحين بالوعي والإطلاع على أحداث التجارب المسرحية العالمية وباحثين عن أسلوب خاص بهم.

المرحل الرابعة:التجريب

شهدت هذه المرحلة ازدهاراً وانتشاراً واسعاً للمسرح الأردني لعبت الفرق والمهرجانات دورا رئيسيا في ذلك مثل فرقة طقوس المسرحية ومهرجانها عشيات طقوس المسرحية الدولي وفرقة المسرح الحر ومهرجانها ليالي المسرح الحر الدولي وفرقة الفوانيس وتاسيسها مهرجان ايام عمان المسرحية الدولي بالاضافة الى نشاط مديرية المسرح والفنون في تنظيم مجموعة من المهرجانات واهمها مهرجان المسرح الأردني، وكذلك مهرجان مسرح الشباب الذي تاسس بالتعاون مع رابطة الفنانين وكذلك مهرجان مسرح الأطفال، ومهرجان الهواة بالاضافة الى مهرجان المسرح الجامعي في جامعة فيلادلفيا. هذه المهرجانات فتحت الابواب امام المسرح الاردني للتعرف على التجربة المسرحية العربية والدولية.


وأفرزت هذه المرحلة الكثير من المخرجين منهم:  محمد الضمور، سوسن دروزة، مخلد الزيودي، محمد خير الرفاعي، فراس الريموني، حسين نافع، خليل نصيرات، حكيم حرب، وحسين نافع، عصمت فاروق، محمد الشرع، مرعي الشوابكة، محمد يوسف نصار، احمد العمري. هاني الجراح، سمير خوالده، علي الجراح، عبد الكريم الجراح، علي الشوابكة، محمد الجراح، محمد الشواقفه، عايد الماضي، وصفي الطويل، محمد الطاهات، زيد القضاة، علي عليان، فراس المصري، رائد شقاح، وحيد القواسمه، صلاح الحوراني، لينا التل، سمر دودين، …الخ كما وظهر مجموعة من مصممي الديكور والاضاءة والسينوغرافيا ومن اهمهم فراس المصري ومحمد المراشدة ومحمد السوالقة وخليل ابو حلتم وعلى صعيد التأليف الموسيقي الدرامي امثال مراد دمرجيان ووليد الهشيم ووسام قطاونه وماهر الحلو وعبد الحليم ابو حلتم…ومن اهم الاعمال المسرحية التي شهدتها تلك الفترة: بياض اعمى، كلاكيت، المتمردة و الارجواز، هاملت يصلب من جديد، السؤال، الصابرون، التعري، الحفرة، في انتظار جودو، طقوس الحرب والسلام، سيدرا، العصاة، شهقة الطين، زخارف الخلخال، عرس الأعراس يويا، سر الماورد، تضاد القمامة، الزبّال، عالأوف مشعل وجبينه، الخيط، ليلة دفن الممثلة جيم، طيبة تصعد الى السماء، الزفاف الملعون، ، كارمن، رحلة حنظلة، عرار، كأنك ياابوزيد، ذاكرة صناديق ثلاثة، ادم وحيد، نيرفانا، سكان الكهف، الوهراني، كوكب الالوان، اطياف النور، من دفاتر 89، وغيرها.

ونأخذ تجارب بعض المخرجين لتلك المرحلة نتناول أوجه الشبه والاختلاف في الأساليب الإخراجية لدى جيل الشباب في المسرح الأردني ومدى تأثير المسرح العالمي والعربي عليهم.

حكيم حرب:أنصب اهتمامه بالكلاسيكيات من الأدب العالمي والتراث الإنساني بأسلوب عصري فقدم مسرحية (ميديا) ومسرحية (أنتغونا) ومسرحية (هاملت)… الخ، وكان يبحث مسرح الدهشة أو مسرح يساعد المتفرج على استعادة القدرة على الدهشة وأن يحطم لديه فكرة اعتياد الأشياء، ولتحقيق ذلك لجأ إلى الخيال، والأسطورة ليقدم أشكالاً وصوراً غير التي اعتاد عليها المتفرج في الواقع.

فالنص المسرحي يهتم دائماً بالقضايا الإنسانية ومعاناة الإنسان والبحث داخل النفس البشرية عن مواطن الضعف والقوة ومحاولاً كشف القناع عن وجه الحياة، ولهذا السبب كان يعتمد في تجاربه المسرحية النصوص الكلاسيكية القديمة سواء اليونانية أو الشكسبيرية وغيرها وهذا ليس لأنها أعمال ذات سمة خاصة أو ذات شهرة واسعة بل لأنها ركزت على الجوهري من الحياة وتركت كل ما هو ظاهري وآني لذلك كتب لها الخلود فقدم مسرحية (أنتغوني) و(ميديا) و(هاملت)… الخ.

والجدير بالذكر أن المخرج لم يأخذ النصوص كما هي بل عمل على إعدادها ومزجها مع نصوص أخرى خالقاً توليفة لعدة نصوص من أزمنة مختلفة ولكنها تلتقي وتتقارب في موضوعاتها، “(24)

إن حرب تجريبياً رافضا للمسرح السائد وباحثاً عن صيغ جديدة لتقديم العرض المسرحي وهو بذلك يكون قد تجاوز الوضع السائد في المسرح الأردني مجارياً ما يحدث للمسرحين العربي والعالمي من تجريب على العرض المسرحي.

اما محمد خير الرفاعي: هنا جاء اهتمام المخرج محمد الرفاعي في النصوص المسرحية العالمية وذات الصيغة الإنسانية فمسرحية (أحلام جنونية) تلقي الضوء على معاناة البشرية والعمل على تخليص الإنسانية من الظلم والمعاناة وتلقي مسرحية (الضوء) الضوء على الهواجس البشرية التي تحفز الإنسان وتضع أمامه حلولاً متعددة لتنقية النفس والروح، وتلقي مسرحية (ألكترا) الضوء على معاناة الإنسان والسلطات القمعية بجميع حالات وذلك في مسرحية (أنتجونا) ومسرحية (ليلة خروج صامت) فموضوع هذه المسرحيات جميعها قضايا إنسانية.

تأخذ شكل السيناريو المسرحي بعيداً عن الرؤية الأدبية مما يسهل من تقليص الفجوة بين الرؤية النصية والرؤية الإخراجية للعرض. كان يستعيض بالحركة والإشارة بدل الكلمة في أحايين كثيرة “فالكلمة لا تستخدم إلا إذا كانت البديل الأفضل لتوصيل الفكرة.

أنه لا يستخدم الحوارات المسرحية بشكل أساسي بل تكاد أن تكون ثانوية فالاعتماد الأكبر على الأصوات، المؤثرات، والحركة، وبهذا يكون قد أسقط قدسية النص متوجهاً للشكل كبديل عن الحوار.

إن العرض توليفة من المايم، والرقص، والتمثيل، والكلام والموسيقى، فالجوهر يتكون من مهارات جسدية والحركة ترتكز على الطبيعة الداخلية للممثل لخلق أحداث مسرحية قوية مع مكون بصري سمعي مميز، فشكل العرض تعبيري متعدد الأوجه أساسه ممثل خلاق يجيد التعبير بلغة الحركة أو الكلمة محتوياً لغة الموسيقى والإضاءة والديكور.

إن الرفاعي يتعامل مع المسرح بالدوافع والاحتياجات الإنسانية الأولية لذا رفض استخدام اللغة المنطقية واكتفى بتجمعات الأصوات التي تخلق الدلالة أو الحركات الإيمائية التي تنقل الأفكار من خلال الإشارة والإيماءة الجسدية وعن طريق الضوء واللون والحركة ينقاد المخرج للممثل ويتوحد مع مصيره للخلاص من نوازعه المكبوتة”(25).

اما محمد الضمور:تمثل حركة البحث عن هوية أو صيغة شعبية للمسرح إحدى المحاور الأساسية للتجريب في المسرح العربي

يرتكز على التراث الشعبي والتاريخ ليصوغ به نصوصاً المسرحية معتمداً الأغاني الشعبية والأمثال والحكايات والملاحم والنصوص العربية القابلة للمسرحة والتي تحمل مخزوناً شعبياً.

يخترق السرد أو ألحكي التقليدي باختراقات غير تقليدية.. غير منطقية باستخدام الأحلام الشخصية والفنتازيات مما يترتب على ذلك اهتزاز منطق السرد أو الحك التقليدي وبالتالي تكسر سلسلة التتابع الزمني.

ومن جانب آخر حاول الضمور أن ينفرد في أسلوب تدريب الممثل من خلال اعتماده الموسيقى والشموع وخلق أجواء تساعد على الانسلاخ عن الذات ثم استفزازه ذهنيا ووجدانياً وهذا يساعد الممثل على تفجير الطاقة الفنية المختزنة لديه ليصل إلى حالة الإبداع.

الممثل الشامل فهو يغني ويرقص ويعزف ويشخص ويقدم الأشكال التراثية.. الخ، وهذا يتطلب تدريباً طويلاً للوصول إلى الحالة المطلوبة وهذه التدريبات كانت تأخذ وقتاً يصل إلى ثلاث ساعات في اليوم ولمدة شهر أو شهرين، وهذا الأسلوب في اعتماد الممثلين الجدد ساهموا في رفد الحركة المسرحية في الأردن الفضاء المسرحي لوحة تشكيلية يرسم بها المخرج بوساطة جسد الممثل من خلال التكوينات وحالات الانكسارات في جسده والرقص والأجواء الاحتفالية، وبالجدير بالذكر أن هذه التشكيلات في الفضاء المسرحي تؤدي في بعض الأحيان وظيفة جمالية فقط ويؤكد ذلك الضمور بقوله “أميل إميل إلى التكوينات الجمالية في مسرحياتي أكثر” وقد كانت الحركة تخضع لعملية الهدم والبناء أثناء البروفة فما ينبني اليوم قد يهدم غداً مع وضع بناء جديد للوصول إلى الحالة الأكثر قرباً للممثل.

إن اعتماد حركة الممثلين هذا وفي تشكيلاتهم وتكويناتهم الجماعية فرض على المخرج اختزال الديكور فمن يتابع تجاربه يلاحظ دائماً أن خشبة المسرح عارية إلا من بعض الديكورات البسيطة التي تدل على الحالة المسرحية وتساهم في صناعة الشكل المسرحي وتأخذ أهميتها من تعامل الممثل معها بحيث تعطي أكثر من دلالة خلال الوظيفة الواحدة فهي جزء من الحالة التقنية العامة ومرتبطة بباقي العناصر وهي متحولة وتأخذ أكثر من شكل فالسيف هو (حصان وهو العصا والبندقية).. الخ، من التحولات(26).

إن المخرج محمد الضمور اهتم كثيراً بعمليات العرض فهو من المخرجين الذين ركزوا على الرؤية التشكيلية، رافضاً المسرح السائد ومعتمداً التراث العربي مادة للإنشاء الأدبي والشكلي وداعياً إلى العمل الجماعي ومن خلال الارتجال سواء أكان في النص أو في العناصر الأخرى فقدم عروضه في أماكن مفتوحة وهو بذلك يقدم تصورات جديدة في التمثيل والفضاء المسرحي والإخراج وإنشائية المكان.

اما المخرج فراس الريموني فانصب اهتماهه على القضايا والمواضيع التاريخية والاسطورية المثيولوجية فكانت اعماله المسرحية تحمل البعد الانساني من خلال النزعة البدائية والطقوس الانثروبولوجية لتأسيس قاعدة متينة لبناء معماريته الجمالية في الفضاءات الممتدة من القلاع والساحات العامة وارصفة الشوارع والبيوت القديمة.

لقد كتب وتناول المخرج نصوص دينية واسطورية وتاريخية انسانية ناقشت وجود الانسان وصراعه مع الآله والميلاد والموت والكهنة والعرافين والطواطم والاصنام والابطال من خلال ورشات تجريبية على هذه الطروحات.

ففي مسرحية طقوس الحرب والسلام ارتكز المؤلف المخرج الى حكايات مثولوجية اسطورية وسحرية فرجع الى اسطورة إلهة التمر عند العرب حيث كان العرب البدائيون عبدة الاوثان يصنعون آلهتهم من التمور يعبدونها ويتقربون منها ويطلبونها النصر والعون، وفي سنين القحط يبدأون بنهشها شيئا فشيئا حتى ياكلونها، وعلى الجانب آخر ارتكز النص على مواسم الحصاد ففي تموز من كل عام يبدأ الفلاحون بحصاد القمح من الحقل في جو من الفرح والبهجة مطلقين العنان لاصواتهم بالغناء والهجيني بينما تكون النساء تطحن على الرحى او الطاحونة القمح لاعداد الخبز والطعام. وتطرق النص الى الطقس السحري من خلال شخصية العرافة التي تحمل طائر الشؤم البومة على كتفها وتتنبأ بالمستقبل وبالخراب والدمار القادم.

و يقول الناقد التونسي عبد الحليم المسعودي:”لاشك ان مسرحية طقوس الحرب والسلام للمخرج فراس الريموني تنزل ضمن الدائرة المخبرية لفرقة طقوس المسرحية الاردنية التي تحاول ان تنتج لنفسها مسلكا متفردا ضمن المغامرة المسرحية الاردنية، وهي قائمة على اجترار اشكال اخراجية جديدة تعتمد المغامرة في الخروج في اطار الخشبة التقليدية بحثا عن اماكن جديدة كما تعتمد على مستوى الخطاب المسرحي والطرح الجمالي للافادة من المتون الاسطورية والميتافيزيقية كما تبني أنساق الطرق المسرحية الطقسية والطقوسية المحلية منها والعالمية، وهي مغامرة مسرحية تحاول العودة الى الاصول والمنابع الاولى لمسرح بكر لا يزال متمسكا بالخيط المشيمي لعوالم السحر والتنبوء الشاماني الذي يؤسس للعلاقة المباشرة بين الكائن البشري والقوى السوداء الغامضة للكون، ضمن الصورة البدائية للكائن الانساني باعتباره انسانا كليا يختزل صورة الكون الاول، ويحقق تلك الشمولية الضائعة التي لوثتها الانساق والمقولات العصرية التي صورت التعامل مع الطبيعة ضمن مخططات المنطق ودوائر التكامل الذي يغطي الذات والموضوع.

واضاف المسعودي: تقع مسرحية الريموني طقوس الحرب والسلام ضمن مناطق الفضاء المسرحي المفتوح إذ انه اختار مكانا غير معد اصلا للعرض المسرحي التقليدي باعتبار ان المكان الاصلي ليس الا احدى المساحات الداخلية التي تذكرنا بالمكان الديني والشعائري، إذ بقايا الاعمدة تؤطر هندسة المكان الاول الذي تحول بفضل سينوغرافيا الرؤية الاخراجية التي اعتمدت على التنويع التراتبي الذي تفرضه احداث الخرافة عن المرور حيز مكاني الى حيز آخر ليعرض علينا احداثا تروى.

حكاية غزاة يفتكون باحدى المعابد ويدمرون صنما ثم يحرقون الزع والضرع ويدمرون حياة اهلها السعداء ويفرضون عليهم قوانينهم العسكرية الصارمة قبل ان يدعوهم للسلام من خلال تشييد الجسر الذي هو بمثابة جسر السلام.”(27)

بينما يقول الناقد المصري الدكتور عمر دوارة “في عرض طقوس الحرب يشعر المشاهد بمشاركته في هذا الجو الطقسي بمجرد دخوله الى مكان العرض واستقباله بتلك الحفاوة العربية وتقديم بعض حبات التمر العربي اليه وجلوسه على تلك المقاعد الاقرب الى جو الدوانية العربي، وذلك على اضواء الفوانيس الخافته التي تحيط بالمكان ولا تكشف زواياه المختلفة حتى تتحقق المفارقة بين مشهد وآخر مع لحظة الانكشاف.”(28)

ويشير الناقد العراقي الدكتور صاحب نعمه الى النص بقوله:” يجد المتلقي البشري نفسه في حضرة طقوس (فرقة طقوس المسرحية) و هي تلقي بنا من خلال رؤيتها الابداعية في أتون الحرب والسلام ليكون استقبانا لها تشكيل لغة شعرية تعتمد الفضاء المنقسم على ذاته ما بين الطقس والمكان.”(29)

ولاحظ الناقد الاردني جمال عياد ” انشغال النص منذ المشهد الاول وهو (طقس العبادة) وانتهاء بالاخير الخامس (طقس السلام) بتاسيس اجواء طقسية حفلت بالحروب عندما تدخل شخصية الجنرال بدلالاتها السلطوية العدوانية لتبدأ دوامة العنف فتتحول المجاميع الى أكل آلهتها.

فان الانشغال النصي يحسب له صياغته ليخاطب الراهن الانساني ومعبرا عن روح العصر من باب اشكالات الانسان هي نفسها فصراع القوى في المجتمعات الانسانية سوف يظل ناموسا ازليا، فوجد المشاهد نفسه امام حالة اسقاط سياسي لتدمير تمثال زعيم اثناء تدمير المجاميع منصة تمثال الالهة الوثنية واكلها.”(30)

بينما جاء تحليل الناقدة سحر ابو حجلة في جريدة عرب اليوم:”عندما يتراخى الواقع عن اداء دوره في التغلغل الى عقل وقلب الانسان تحل الاسطورة محله لتعبر وبسرعة الى الهدف بلغة الطقوس والفنتازيا والشعر. والاسطورة منتج انساني وممكن بل اصبحت اقرب الى التصديق من الواقع.”(31)

من هنا نرى ان رأي النقاد في القيم الفكرية للنص وتعابيرها لا تقوم على البنية التقليدية للنص المسرحي بل من خلال عرض حالات ولوحات لها اصول اسطوررة مثيولوجية وبطريقة طقسية.

اما مسرحية العصاة يقول عباس علي:”جاءت التجربة البدائية الطقسية للمخرج الريموني ضمن اطار الطقوس البدائية مثل طقس القتل، طقس الاعتراف، طقس الطهارة والاستحمام، طقس العزلة وهو طقس سايكولوجي وهي من الطقوس التي جعلت الممثل يحل بالدور والجمهور يؤمن بالحالة العامة مثل طقس ديني يدخل الجميع دون تخطيط لذلك وجاء المحور الثالث وهو التجريب مع الفضاء والجمهور وهو الحالة الغروتسكية التي تظهر الوجه والقناع الحالة الداخلية والخارجية المختلفة، لذلك نضحك احيانا ثم نتعاطف او ندين الحالة ثم سرعان ما نؤيدها وهذه سمت المسرحية بشكل عام والشخوص بشكل خاص، والتجربة الفضائية للريموني جاءت على طريقة السيناريو السنمائي او التلفزيوني في قطع النص الى مشاهد وكل هذه المشاهد تصب في اطارها المختلفة الشارع-الساحة-المسرح وبهذا جاءت التجربة خصوصا في احالة الفضاءات الى معالم اندماج كبيرة وناجحة ليس على المستوى المحلي بل العربي.”(32)

وكتبت جريدة الدستور الاردنية:”دأبت فرقة طقوس المسرحية على إضفاء طابع خاص على اشتغالها في المسرح فغالبا ما يكون عرضها المسرحي في مساحة واسعة، مبنى قديم مثلا، بحيث يتم استدخال هذه المساحة في بنية العمل المسرحي ما يعني ان العرض يختلف كلما انتقل العمل من مكان الى آخر…وهي مسألة صعبة تستدعي من المخرج العمل ان يعمل بمخيلة مفتوحة على احتمالات متعددة يمكن ان يتناول أي منها ليس مع كل عمل مسرحي بل مع كل عرض مسرحي وذلك دون اهمال لعنصرين آخرين شديدي الحساسية:الممثل والاضاءة فضلا عن النص.

ويلحظ متابع اعمال الفرقة تأثر الرؤية الاخراجية لفرقة طقوس بالرؤى المتكونة لدى المخرج د.فراس الريموني ووجهة نظره في الفن ودوره في المجتمع. (33)

وقال الناقد المصري صالح سعد”انها مسرحية خاصة يصح فيها عنوان طقوس القتل والاعتراف يولد بطل المسرحية ومعه العرض ولادة معجزة إذ تحمله سيارة تكسي الى باب المسرح والحيز يبدا فعلا في الشارع ويدخل الى الحوش ثم الى الصالة لتقذف به بعنف الى العالم الجديد حيث لا شيء سوى السياج المثقوب المحيط بساحة ومبنى سجن كبير يكتظ بالمعذبين يصرخون ويئنون تحت سياط الجلادين، ثم ينتقل البطل الى تشخيص جرائمه الواحدة تلو الاخرى ليصل بعدها الى طقس الاعتراف وهو طقس يتكرر بانتظام ثلاثة مرات فالمسرحية دعوة الى القتل وهو القيمة الاساسية والطقس الاساسي، وثمة طقوس اخرى تتم: طقس تسليم الرؤوس المقطوعة وحلاقتها، وطقس التدخين في الركن، طقس الاستحمام، الخ..انه بناء تكراري يعتمد على قيمة مركزية واحدة وحكاية بسيطة يرويها قاتل.”(34)

اما مسرحية قربان مؤاب يقول خالد سامح: “قربان مؤاب محاولة لنبش اسرار واساطير الحضارة المؤابية، لم تكن قربان مؤاب المسرحية الاولى للمخرج فراس الريموني التي يتناول فيها الحضارة المؤابية فقد قدم ميشع يبقى حيا وغيرها من الاعمال التارخية التي تتضمن اسقاطا على الحاضر العربي ضمن فضاء مسرحي تجريبي مفتوح على عدة تأويلات واسئلة “(35)

“تناولت المسرحية ارتباط الاردن ضمن مثيولوجيا نشوء هذه المنطقة الضاربة في القدم منذ الازل، طارحة مشاهدها ولوحتها بطولات ميشع الذيباني الذي دافع عن الارض والانسان، وصد العبرانيين، بحسب احداث المسرحية، وضحى بأعز ما يملك، من خلال حرق ابنه كتضحية وقربان من اجل الانتصار على اعداء وطنه، هذه البطولات التي نقشت على مسلة ميشع، والتي تقبع حاليا في احد المتاحف التارخية في باريس، حيث طالبة تعبيرات ومحمولات أداء الممثلين بعودتها الى ارض الام في الاردن.

وكان اسلوب بناءه لمعمارية عروضه المسرحية عبر عدة خطوات:

1.   المرحلة الأولى: التشكيل الحركي بعيدا عن الحوارات وفي هذه المرحلة يخضع المجاميع والممثلين لنفس التمارين مما يخلق روح الجماعة عند الفريق.

2.  المرحلة الثانية: تمارين الفضاء المفتوح حيث يدفع الممثلين على التأقلم مع مكان العرض مثلا “جبل القلعة المكان الأثري الذي اختاره المخرج للمسرحية مما خلق ألفة بين الممثلين وحجارة المكان وإعادة اكتشافها بكتلها وزواياها واعمارها الجمالي الجديد.

3.  المرحلة الثالثة: وهي إعطاء الخصوصية للشخصيات بتدريب الممثلين على الوجدان والسلوك الحركي لكل شخصية ثم استنطاقها بحوارات تعبر عن طبيعتها.

4.  المرحلة الرابعة: الرسم النهائي للتكوين الحركي والرقصات والمجاميع، ويقول عياد: كان الانشغال في الأداء جماعيا وخصوصا في حالات التقمص، والتي جاءت اغلبها حلولا، فبرع المؤدون والمجاميع في الأداء وفق المسارات التي صممها الإخراج.(36)

إذ هذه المراحل توصل الممثلين إلى  الحلول في الشخصيات للوصول إلى الإيمان في الحالة الطقسية المسرحية وكأنها تقدم شعائر حقيقية وتقول سارة القضاة: سجلت سمراء التي قامت بأداء دورها الممثلة ناديا عوده أداء متميز استطاعت إقناع الجمهور بألمها وحزنها ولم يستطع المتلقي الفصل بينها وشخصية سمراء.(37)

بينما الناقد المصري محسن العزب يقول: الممثل يتماهى مع الشخصية الدرامية المقدمة وذلك في إطار العناصر الطبيعية للعمل.(38)

ان الممثل في هذه المسرحية يحتاج الى مهارات خاصة للتعامل مع مفردات العرض فمثلا شخصية العرافة كانت تحمل طائر البومة طيلة العرض فوق كتفها ورأسها وهذا يحتاج الى تمارين خاصة مع هذا الكائن للسيطرة عليه بالمقابل شخصية سمراء تتعامل مع طيور الحمام والرحى وهي من الادوات التراثية لطحن الحبوب والقمح وتحتاج الى تمارين خاصة للعمل عليها…

يقول نعمه يأسست إنشائية الفضاء –فضاء العرض-على موسيقية التشكيل وشفافيته من خلال رسم الخطوط الحركية والتكوينات وجلال الكتلة ومشروعية الفراغ، أكسبتها معالجة الضوء والظل بهاء جليلا منح الجميل في العرض ذائقته المطلوبة، وجاء الاداء الرفيع للممثلة المبدعة (ريما نصر) في دور العرافة، وشافية الاداء لدى الممثلة (نادية عودة) في دور الفتاة، ورصانة وحضور الممثل (محمد الروسان) والمؤدون الاخرين، متفهما ومدركا وواعيا لقوانين اللعبة.(39)

وعلى الجانب الاخر يتم تدريب الممثلين على الالقاء المنغم والغناء وهذا يتطلب تمارين صوتية وموسيقية. ويقول محمد خضر في جريدة الرأي هذه الحوارات مشبعة بالصورة  الشعرية ما زالت الرحى تدور والقمح يطعم الطيور، مؤسسة لاوجه الصراع داخل العرض الطقسي في فضاء مسرحي مفتوح على كل الاحتمالات، وتتوسل سمراء اباها الذي يصر على الرحيل بعد تدمير القرية وتحطيم معناها الساكن في الذاكرة، ان يبقى الا انه يحملها فوق عربتة وتعبه ويمضيان الى غير هدى ويدخلان متاهة الزمان والمكان، ويلتقي الاعمى الذي اراده المخرج بصير روح وحدس الموقف بالسمراء ويطلب منها الصراخ اصرخي اعبري حدود الحلم جسدي جسرا لك، دوسيه يشتد عودي وبين غياب من سكن ومن رحل مرورا بالحوار الحزين المضمخ بالاسى بين سمراء والاعمى الذي يصرخ اوقفوا الحروب من فضلكم.(40).

في النهاية نجد ان المخرج اعتمد في قيمه الفكرية على نصوص استقت مواضيعها وبنيتها الفنية على مصادر مثيولوجية وأنثروبولوجية ودينية في صياغة نصه المسرحي وكانت آلية توظيفها من خلال روح الجماعة للوصول إلى الإيمان الكامل بالحالة لتجسيد أفكاره والجدير بالذكر ان هذه النصوص كانت تحمل الطابع الأسطوري والطقسي من صراع الخير والشر.  الجذب والخصب وخوف الإنسان ومن الظواهر الطبيعية وبحثه عن الخلاص ومناقشته وجود مجمل هذا يبحث عنه كل مخرج ينشر بناء عرض مسرحي طقسي متكامل وبهذا يكون نجح في اختيار هذه الموضوعات لرسم لوحته السحرية الطقسية في جميع عروضه

بينما سوسن دروزة:ركزت دروزة على كوميديا (ديلارتي) لطرح أفكارها ونقد السياسات العربية القمعية والمحبطة وفقد ركزت على الجانب السياسي أكثر من جوانب الحياة الأخرى كما أنها تناولت قضية المرأة العربية وطرق تحررها.

كما أنها ركزت على الجانب السياسي والقضية الفلسطينية وتقول سوسن دروزة في هذا المجال الذي يجمع بين موضوعات تجاربي هو الخط نفسه ولكن في كل مرة يتجلى أكثر أن موضوع الحالة السياسية الاجتماعية يتكرر بعدة تجليات وأنا أسال نفسي عدة أسئلة وأجيب على هذه الأسئلة من خلال عرض مسرحي، ولا يمكن ان أقدم مسرحي في الفراغ، أقدم عروضي لسؤال ملح له علاقة بواقعنا ومنطقنا سياسياً واجتماعياً.

إن سوسن دروزة لم تعتمد طريقة واحدة في التعامل مع النص فقد استفادت من أجناس أدبية أخرى وصاغت نص مسرحي وترجمت بنفسها نصوص وعملت على تقسيم بعض النصوص إلى دوائر أو لوحات أو كولاج مسرحي، هذه الطريقة في التنوع للتعامل مع النص أعطى المخرجة نوع من التجديد في كل تجربة وأبعدها عن التكرار في آلية العمل.

أما الممثل فقد أعطته دروزة أهمية كبيرة فأشركته في عملية إعداد النص والتي تسميه التمرين على النص من خلال الممثلين فالمثل يقوم بالإضافة والحذف والاقتراح لحالة مسرحية حتى يصبح النص وكأنه كلامه، والحوارات والصراع نابع من داخله وبهذا  يكون الممثل تدخل في الصياغة الأدبية وهذا مهد له سهولة التعامل مع الحوارات والأفكار التي يطرحها النص (41).

إن المخرجة سوسن دروزة ساهمت مع جيل الشباب في رفد الحركة المسرحية الأردنية والعربية بتجارب تجريبية والبحث عن صيغ جديدة من اجل رفع الذائقة الجمالية عند جمهورنا.

خلاصة مرحلة التجريب

أولاً: النص حيث نجد أن الاتجاه عند جميع مخرجي الجيل الثالث محاولة التفرد في أسلوب التعامل مع النص وهذا الاتجاه  ينزع نحو التقليل إلى ابعد حد من دور الكلمة أو النص المسرحي والتركيز على دور التأثيرات المسرحية المختلفة من حركة، وإيقاع وموسيقى وإثارة وإشارات أخرى من اجل خلق الحدث المسرحي…. ويشبه المخرجون المسرحيون الشباب في تجاربهم إلى حد كبير المخرج السينمائي الذي يقوم بكتابة سيناريو الفلم وحواره ويقوم أيضا بإخراجه وتصويره حتى يأتي الفلم تعبيرا عن وجهة نظرا متكاملة لفنان معين… وفي المسرح يقوم هؤلاء الشباب من المخرجين بإعداد سيناريو مسرحي يكون منطلقا لقول مجموعة من الأفكار بطريقة معينة توصل وجهة نظرهم أو رؤياهم المحددة ولكنهم مع ذلك ظلوا مشدودين إلى ضرورة استخدام نص ما، أو منتقيات من نصوص مختلفة أو من أعمال أدبية معروفة أو من كتب مقدسة، أو من أقوال مأثورة مع إضافات معينة يؤلف منها المخرج تركيبة منتجة تؤول في النهاية إلى عرض مسرحي حي يقال عنه انه عرض شامل….

أما النظرية التي يعتمدها هؤلاء المخرجون فإنها تتلخص في أن النص المسرحي هو مجرد عمل أدبي، أما المسرح فهو شيء مختلف يتآلف أساسا من مجموعة التأثيرات السمعية والبصرية التي تشكل في مجموعها خبرة مسرحية وبهذا يكون قد أصبح الأصل في المسرح هو المخرج لا الكاتب ولم يقتصر الأمر على هذا الحد وإنما تطور لدى بعضهم إلى محاولة إلغاء الكلمة تماما. وقد فات هؤلاء أو الشباب عن بالهم أن النص المسرحي ليس مجرد كلمات وإنما هو أساس حدث ينمو ويتكامل من خلال الصراع وليس الكلمات التي يتكون منها الحوار الذي يأخذ عناصر هذا الحدث وهنا نجد أن (حكيم، الرفاعي، الضمور، الريموني، دروزة) جميعهم قد اسقطوا قدسية النص ولكن اختلفوا في الآلية فحكيم حرب اعد النص بشكل فردي بعيدا عن فريق العمل بينما نجد أن (محمد الرفاعي، محمد الضمور) قد اخضعا النص إلى مرحلتين المرحلة الأولى بشكل فردي ثم الإعداد أو التأليف بشكل جماعي بينما كانفراس الريموني يكتب النص بعد صناعة التكوين المسرحي بينما (سوسن دروزة) تعد النص بشكل فردي وتعمل تمرينا للنص من خلال الممثلين ثم تأتي الصياغة النهائية بعد ذلك.

والجدير بالذكر أن (حكيم، الرفاعي) توجها إلى ما هو إنساني في موضوعات تجاربهم بينما ذهب الضمور إلى المادة التراثية لمعالجة الواقع المعاصر اما فراس الريموني فذهب إلى الاساطير والمثيولوجيا والانماط الرحية لبناء النص الادبي في حين حاولت (سوسن دروزة) التركيز على ما يهم الواقعين الأردني والعربي.

ثانيا: الممثل فقد كان مركز اهتمام جميع المخرجين على الارتجال المنظم للوصول إلى عرض مسرحي يديره الممثل الواعي بين عناصر السينوغرافيا الأخرى وقد جاء اهتمام وتدريب الممثل الموسيقي للوصول إلى الروح الجماعية في العمل المسرحي. وقد اعتمد كل من (حكيم، الرفاعي، الضمور، الريموني) الممثل الجديد الذي أعدوه خامة يمكن تشكيلها وقابلا للتجريب أكثر من المحترف الذي يكتنز من الكلاشيهات والأداء التقليدي ما يصعب عملية التعامل معه ضمن الأطروحات التي يقدمها هؤلاء الشباب، وهم بهذه الطريقة ساهموا في إعداد مجموعة من الممثلين الجدد وبأساليب جديدة، فرفدوا الحركة المسرحية بهذه الطاقات المتميزة.

بينما اعتمدت (سوسن دروزة) الممثل المحترف وخبراته وتجاربه القادرة على حمل أفكارها وفلسفتها إلى الجمهور.

ثالثا: العرض لقد جاءت سينوغرافيا العرض عند (حكيم، الرفاعي، دروزة، الريموني) في خدمة الممثل وبالتالي الموضوع بينما (الضمور) جاء اهتمام بسينوغرافيا العرض جماليا ثم لخدمة للممثل والمضمون.

ونجد أن (الضمور، الرفاعي، حكيم، دروزة، الريموني) يلتقوا في اعتمادهم الديكور المختزل لإعطاء مساحة أكبر للمثل كما جاء اهتمامهم على الحركة السريعة والدائمة للابتعاد عن الرتابة والسكون.

أما الإضاءة فد جاء الاهتمام بها متقاربا بين جميع المخرجين فجاءت إما معبرة عن حالة نفسية أو وظيفة ديكورية أو إنارة إطفاء أو خلق جو غرائبي أو سحري كما جاء عند الرفاعي وحكيم.

أما الملابس فقد جاءت متفاوتة فجاءت عند حكيم محايدة بألوانها ودلالاتها، أما عند (دروزة، الرفاعي) فجاءت معبرة عن الحالة النفسية والاجتماعية المرتبطة بالحالة العامة للمسرحية والملابس عند الضمور فكانت جمالية أحيانا وتراثية أحيانا أخرى وتأخذ ألوانها من مساقط الإضاءة عليها وكان لها مهمة أخرى وهي نزع جزء من الملابس أو ارتدائها للدلالة على الشخصية الجديدة.

ونجد أن جميع المخرجين الشباب قد أعطى أهمية للموسيقى والمؤثرات بدءا من التمارين وانتهاء بالعرض حيث كانت هي روح العمل و الموحية بالجو العام سواء النظري أو السحري الغرائبي أو الإيقاعي فجاءت الموسيقى درامية وليست تصويرية تأكيدية للحدث فقط.

وقد جاءت ثورة هؤلاء الشباب في تحويل الخشبة الجامدة إلى خشبة متحركة وهذا معناه موجهة مع المعمارية الايطالية وإزالة جمود العلاقة بين العرض والمتفرج وتغير العلاقة بين العرض والصالة أي محاولة تفجير الفضاء المسرحي كليا، وقد عملوا ضمن حلم ارتو بإقامة جمالية جديدة تدخل المتفرج في سياق التواطؤ والمشاركة واللاحادية.

أما نوع الجمهور فقد قدم كل من (حكيم، الرفاعي) عروضهم لمسرحية الجمهور النخبة من المسرحيين والفنانين والصحفيين والأدباء مبتعدين عن الجمهور الواسع بمستوياته ومرجعياته المختلفة.

بينما توجه (الضمور، دروزة، الريموني) بعروضهم إلى القطاعات الجماهيرية الواسعة بجميع طبقاتها الاجتماعية ومرجعياتها لثقافية و السياسية محاولين رفع الذائقة الجمالية عند هذه الجماهير ومحاولة رفع الوعي بواقعهم السياسي والاجتماعي.

ونهاية نجد أن اتجاه الشباب نحو بنية متكاملة تتوحد بها مختلف العناصر: الممثل، الصالة، المتفرج، النص، السينوغرافيا أي الاتجاه إلى محو الحدود بين مجمل هذه العناصر بمعنى آخر أن إبراز الأسئلة التي يقترحها المسرح الحديث على نفسه: كيف يتوحد الفضاء التمثيلي من ناحية معمارية للمكان المسرحي والعلاقات التي تحددها هذه المعمارية بين الجمهور والعرض.

ومن أجل العمل على كسر ما يسمى الإيهام المسرحي الذي كان متوقعا فيه المسرح التقليدي المتمثل بالعلبة الايطالية عبر تحويل الفضاء المسرحي إلى فضاء دلالي شامل والعمل على تفجير هذا الفضاء.

واخيرا يجب الاشارة إلى تقدم المسرح الاردني إلى المراتب الاولى في المسرح العربي من حيث طروحاته الجمالية والتجريبة ومن خلال تنظيمه عدد كبير من المهرجانات المسرحية بحرفية عالية ومتقنة اتاحة الفرصة للعرب لتقديم انتاجاتهم المسرحية على خشبات المسارح الاردنية في اجواء آمنة ثقافيا وسياسيا وسياحيا وحضاريا.


المصادر والمراجع

1.  العزيزي، ركس، الحركة المسرحية في الاردن، بحث منشور بكتاب المسرح الاردني واقع وتطلعات، منشورات وزارة الثقافة، عام1999، عمان، ص 277.

  1. شما، عبد اللطيف شما”المسرح في الأردن” الصادر عن رابطة الفنانين الأردنيين عام1980
  2. الزيودي، مخلد، عمل المخرج في المسرح الاردني المعاصر، (رسالة ماجستير)، كلية الفنون الجميلة، جامعة بغداد، 1992، ص88.
  3. شما، عبد اللطيف 1980، مصدر سابق
  4. ينظر: حوامده، مفيد، البحث عن مسرح، سلسلة دراسات في المسرح الاردني، ج(11)، دار الامل، اربد:1985
  5. شما، عبد اللطيف 1980، ص115، مصدرسابق.
  6. الزيودي، مخلد، مصدر سابق، ص 20.

  1. الزيودي، مخلد، مصدر سابق، ص 139.

9.  العاني، يوسف، “نشرة مهرجان المسرح الاردني الثاني في عمان”، العدد(2)، عمان:1995، ص6.

10. نقرش، عمر، الاتجاهات الاخراجية المعاصرة في المسرح الاردني، (رسالة ماجستير، كلية الفنون الجميلة، جامعة بغداد، ص91.

11.حوامده، مفيد، مصدر سابق، ص30.

12.ينظر:عياد، جمال، نشرة مهرجان المسرح الاردني الرابع في عمان، العدد(2)، عمان1996، ص5.

13.جلال، زياد، “ايام عمان المسرحية”، مجلة فنون، العدد(24)، وزارة الثقافة، عمان:1996، ص20.

14.حوامده، مفيد، مصدر سابق، ص30

15.نقرش، عمر، مصدر سابق، ص115

16.نقرش، عمر، نفس المصدر، 116

17. عيسى، محمود موسى، هاملت المعاكس، وزارة الثقافة، عمان:1995، ص32

18.نقرش، عمر، مصدر سابق، ص108

19.نقرش، عمر، نفس المصدر ص122

20.الحوامده، مفيد، مصدر سابق ص91

21.أنظر بيان الفرقة الثاني، الصادر عن مختبر موال المسرحي في عمان بتاريخ 6/12/1994.

22.بيان الفرقة، نفس المصدر.

23.بيان الفرقة، نفس المصدر.

24.مقابلة اجراها الباحث مع المخرج حكيم حرب 1/3/1998 في مديرية المسرح_عمان.

25.مقابلة اجراهاالباحث مع المخرج محمد خير الرفاعي بتاريخ14/3/1998، جامعة اليرموك، اربد.

26.مقابلة اجراها الباحث مع المخرج محمد الضمور5/3/1998، نقابة الفنانيين الاردنيين.

27.شناعة، طلعة، المسرحية تعتمد على خطاب المسرحي والجمالي، نشرة مهرجان المسرح الاردني العاشر، 2003.

28.دوارة، عمر، الطقوس الاردنية للحرب والسلام، نشرة مهرجان القاهرة التجريبي الحادي عشر، العدد الثامن، 2004.

29. نعمة، عبد الصاحب، طقوس الحرب والسلام ووعي المكان، جريدة مهرجان المسرح الاردني العاشر، 2003.

30.عياد، جمال، الشكل يتأسس وفق اداء الصورة في عرض طقوس الحرب والسلام، نشرة مهرجان المسرح الاردني التاسع، 16/8/2003.

31.حجلة، سحر، طقوس الحرب والسلام الواقعية والاسطورة، جريدة عرب اليوم، 31/7/2003.

32.علي، عباس، مسرحية العصاة التجريب مع الفضاء والجمهور، جريدة الزمان اللندنية، 2/6/2002.

33. العصاة عرض مسرحي عن ملف الجرائم الاجتماعية، جريدة الدستور، 7/8/2003.

34. قسيس، جان، د.صالح سعد:العصاة ادخلتنا الى طقوس القتل والاعتراف، نشرة مهرجان المسرح الاردني التاسع، 1/10-15/10/2002.

35. سامح، خالد، قربان مؤاب محاولة لنبش اسرار واساطير الحضارة المؤابية، جريدة الدستور.

  1. 36. عياد، جمال، طقوس تعرض في القرية الثقافية قربان مؤاب، جريدة الرأي.

37. القضاة، سارة، طقوس الحرب والسلام:المكان يكتب نصه بحضور مهيب، جريدة الرأي، العدد(12136)11/12/2003.

38.العزب، محسن، مصدر سابق.

39. نعمة صاحب، مصدر سابق.

40.خضر، محمد، جميل، طقوس الحرب والسلام التحرك في مساحة الاختلاف، جريدة الرأي، 31/7/2003.

41.مقابلة اجراها الباحث مع المخرجة سوسن دروزة، 29/2/1998.في شركة الرواد، عمان

 

 

 

 

نقد التجربة : همزة وصل

دور المرأة المبدعة في إثراء المشهد المسرحي الأردني

بحث بقلم: مجد القصص

مهرجان المسرح الأردني 2013

1.مقدمة

عند التحدث عن دور المرأة المبدعة في إثراء المشهد المسرحي الأردني، يتبادر الى الذهن الأسئلة التالية: هل نجحت المرأة الممثلة/ المخرجة في مجالها، وفرضت وجودها ككائن شريك للرجل في الحركة المسرحية الأردنية؟ هل ساهمت المرأة في تغيير المشهد المسرحي الأردني؟ كيف تغلبت المرأة على الصعوبات التي اعترضتها أثناء مسيرتها الفنية؟ هل ساهمت المرأة في التغيير في المجتمع سياسيا واجتماعيا؟ هل كانت المرأة الممثلة واعية بما تقوم به على المسرح واقصد هنا الوعي الأكاديمي ومتى بدأ هذا الوعي يتشكل؟ ما سبب إنسحاب بعض المبدعات من المسرح؟ وماذا تقول المرأة المبدعة للجيل القادم؟ ستحاول هذه الدراسة أن تجيب على هذه الاسئلة من خلال الإعتماد على ثلاثة رموز إبداعية في الأردن وهم على التوالي: الفنانة قمر الصفدي، والفنانة سميرة خوري والفنانة نادرة عمران.

1. قمر الصفدي

وصفتها جريدة الدستور بأنها عميدة الممثلات الأردنيات[1]. وفي مقال آخر في نفس الجريدة أشادوا في تفوقها في المجال المسرحي والتلفزيوني، وقالوا عنها “رغم أنها لم تدرس الفن أكاديميا الا أن خبرتها الطويلة في هذا المجال دفعت بها الى الصفوف الأولى في مسيرة الفن الأردني.[2].

بدأت التمثيل في الإذاعة الأردنية، وقدمت المسرح الإذاعي وهي في السادسة عشر من عمرها، ثم انتقلت للعمل مع الأستاذ الراحل هاني صنوبر مؤسس المسرح الأردني المحترف في مسرحية مروحة الليدي وندرمير للكاتب “اوسكار وايلد”، وهي في السابعة عشر من عمرها، كانت هي وسيدة اخرى أول من وقفن على خشبة المسرح المحترف. المسرحية تناولت قصة أم أنجبت طفلة بالحرام وقام أشخاص غرباء بتربيتها، وعاشت الأم بأوساط ارستقراطية، وكانت على علاقة مع شخص تعتقد أنه يحبها. هذا الشخص حاول أن يوقع الإبنة في حبائله فتكشفه ألأم وتنقذ ابنتها.

الدور المسند لقمر في أول مسرحية كان دورا صغيرا فهي ابنة تسير دائما وراء امها، ولا تردد سوى كلمتين نعم ماما. لفتت قمر الأنظار اليها بهذه الجملة التي تكررت على مدار المسرحية وضحك الجمهور في كل مرة تردد فيها هذه الجملة، وبدأت الرحلة وأصبحت تسند اليها أدوار البطولة المطلقة، فعملت مع أهم المخرجين في تلك الفترة: هاني صنوبر، نديم صوالحة، سهيل الياس، أحمد قوادري وغيرهم. إن مجموع أعمال قمر الصفدي المسرحية لا تتجاوز الثلاثة عشر مسرحية ولكنها كانت من رواد المسرح الإحترافي في الأردن.

لقد وظفت قمرفي أسرة المسرح الأردني التي كانت تعطي بطاقة الإحتراف المعنوية لكل من عمل فيها وتقاضى منها  راتبا ، والتي تأسست عام 64/1965 منبثقة من دائرة الثقافة الأردنية- في ذلك الوقت لم يكن هناك وزارة ثقافة في الأردن- التي استمرت ترفد الحركة المسرحية الأردنية حتى عام 1980، حيث حلّت بقرار وزاري تحت حجة أن الأردن بلد صمود وتصدي، ولا يستطيع الإنفاق في مجال الثقافة.

لم يكن على بال قمر أن تحترف، فقد أتت الى المهنة للعمل بسبب الوضع الإقتصادي، فقد كان والدها تاجرا مرموقا تعرضت تجارته الى الخسارة، فعملت في المسرح لتساعد نفسها والعائلة.

ولكن الموهبة كانت متجذرة عند قمر منذ الصغر، فلم تخلوا حفلة بالمدرسة دون مشاركتها إما في التمثيل أو الخطابة. وقد أحضرها الى الوسط الفني الفنان القدير الراحل أديب الحافظ، والملفت في بدايات المسرح الأردني المحترف أنه خضع للمؤسساتية منذ البداية، إضافة إلى وضع منهجية لطريقة العروض وتوقيتها. فقد قسّم المخرج ورئيس الفرقة الأستاذ هاني صنوبر العام إلى مواسم مسرحية، وكل موسم يستمر لمدة شهر تعرض فيه اربعة أعمال، وكل عمل يعرض بمعدل سبعة أيام، أي سبعة عروض.

لكن الملفت في فترة الستينيات أن النقاد كانوا يتلقفون الأعمال المسرحية ويكتبون عنها، وهم أسماء لهم وزن أدبي لغاية الآن في الساحة الأردنية، وإن كانوا الآن قد إبتعدوا عن كتابة النقد. حيث لا يوجد نقاد بالمعنى الأحترافي تعمل الآن في  المسرح. ومن أهم نقاد تلك المرحلة: د. هاشم ياغي، ود. محمود السمراء الذي أصبح وزيرا للثقافة في مرحلة لاحقة، وأمينة العدوان وأحمد زعرور، وأحمد شركس ومحمود سيف الدين الإيراني. إذا كانت المرأة تشارك في جو مسرحي صحي بالمعنى الحرفي للكلمة، فهناك مخرجون أكاديميون، وهناك إنتاج مسرحي، وحركة نقد موازية تقيم الأعمال وتقربها الى الجمهور، أضافة الى وجود جمهور متعطش لهذا اللون السحري. وقد لاقت الفنانة القديرة قمر الثناء والمديح من هؤلاء النقاد.

عندما سألتها في مقابلة خاصة ما إذا كانت تعرف شيئا عن المدارس المسرحية، وما إذا كان المخرجون يأخذون على عاتقهم شرح أسلوبهم إلى الممثل، أجابت قمر ” إن أي دور كان يسند إلي كنت أرسم له صورة في خيالي، بالاضافة إلى تعليمات المخرج.[3] أمّا عن المدارس المسرحية وأسلوب المخرج، فقد كانت الإجابة بالنفي. وبرأيي الشخصي أنه لم يكن هم المخرجين في تلك المرحلة تثقيف الممثلين بقدر ما كان هنمهم خلق حالة مسرحية محترمة في الأردن.

بعد فترة من عملها توظفت قمر في دائرة الثقافة كمساعد للراحل هاني صنوبر في دائرة الثقافة، وأثناء عملها إطّلعت على البروتكولات الثقافية بين الدول، والتي من بينها تبادل المنح الدراسية. أحست قمر بالمسؤلية الملقاة على عاتقها، وتوجهت إلى الأستاذ عدنان أبو عودة مدير دائرة الثقافة والفنون آنذاك، وطلبت منه أن يساعدها في توفير منحة دراسية لأستكمال تعليمها ألأكاديمي في الفنون، إلا أنه لم يتجاوب معها. فبدأت قمر تثقف نفسها بنفسها، وبدأ تقرأ كل ما يقع تحت يديها، فقرأت لزكي طليمات و”ستانسلافسكي” وغيرهم. إلاأنها اكتشفت أن التمثيل في الواقع يختلف عن الكتب. ربما كان لها بعض الحق في هذا الإكتشاف، فإن الموهبة في التمثيل هي الأساس، ولكن المعرفة والأكاديمية تمنهج الشخص، وتجعله واعيا ومدركا لما يقوم به . لقد أدت قمر أدوارا صعبة ل”جان بول سارتر” ومسرحيته موتى بلا قبور، ومسرحية الاشباح لإبسن، وأفول القمر ل”جورج شتاينبك”، و البرجوازي النبيل ل”موليير”، ومسرحية مركب بلا صياد للكاتب ” اليخاندرو كاسونا، وهذه المسرحيات كلها كانت اعمالا من اخراج هاني صنوبر،كما عملت مسرحية  كلهم ابنائي للآرثر ميلر من إخراج سهيل الياس، وفي القصر لنديم صوالحة والأفق البعيد ل”يوجين اونيل” من إخراج أحمد قوادري.

المحلل لما تقدم يرى أن كم الأعمال التي قامت بها قمر مع الراحل هاني صنوبر كان كبيرة نسبة الى المخرجين الآخرين، فقد كان هاني قادم من الولايات الأمريكية المتحدة ويحمل شهادة الماجستير في المسرح. وفي تحليل سريع لهذه الأعمال نجد أنها معظمها  ينتمي إلى المسرح العالمي، كما نجد أنها تنتمي الى مدارس فنية مختلفة: المسرح التعبيري والواقعي والرمزي واللامعقول، ومن التراجيدي إلى الكوميدي.  يتبين لنا من ذلك  أن المخرجين حاولوا تجريب  معظم المدارس المسرحية النتشرة في الغرب آنذاك، واحضارها ووضعها أمام المشاهد الأردني.

وفي سؤال وجهته للسيدة قمر عن دور المبدعة في التأثير في المجتمع على المستويين السياسي والإجتماعي اجابت الفنانة قمر: إلى أنه وبعد الإحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية عام 1967- وما سمي آنذاك بحرب الايام الستة- ظهر الحس القومي عند بعض الأشخاص بشكل واضح تأثرا بالحرب وكانت قمر واحدة منهم، حيث أنهم عايشوا خسارة جزء عزيز من أرض فلسطين تقول قمر بهذذا الخصوص “كان هناك ثوران داخلي فتطوعت لجمع التبرعات للعمل الفدائي، فقط شيء انساني هو الذي دفعني للعمل معهم.[4] فالمسلسل التلفزيوني باب العامود والذي انتج عام 1969- حيث كانت قمر اول فنانة  تظهر فيه في مسلل تلفزيوني في الأردن- جسدت فيه دور المناضلة الفلسطينية مريم الشخشير، والتي اعتقلت لمدة تزيد عن عشرين سنة في سجون الاحتلال[5]. وفي المسرح كانت مسرحية أفول القمر ل”جورج شتاينبك” تدور أحداثها ضد الاحتلال الألماني لفرنسا إبان الحرب العالمية الثانية، إلا أنها انتجت بعد  حرب67، والتي أسقطها الجمهور على الإحتلال الإسرائيلي.

هنا لا بد أن اذكر حادثة شخصية حدثت معي . لقد كان أن صوّرت هذه المسرحية إلى التلفزيون وبثت في نهاية الستسنيات على شاشة التلفزيون الأردني، وكنت آنذاك في بداية المرحلة الإعدادية، وصار لي أن شاهدتها على التلفزيون في بيتنا بمدينة نابلس الواقعة أيضا تحت الإحتلال. وعندما شاهدت الفنانة القديرة تؤدي هذا الدور وأنا كنت شغوفة أيضا بالتمثيل منذ الصغر، فقلت لنفسي هل سيأتي يوم وأصبح مثلها؟ ربما لم أصبح مثل هذه القامة الكبيرة ولكني قمت بتمثيل نفس الدور عام 1987 في الجامعة الأردنية إحتفالا باليوبيل الفضي للجامعة. لقد شكلت الفنانة القديرة قمر نموذجا نسير خلفه . وقبل أن أنتقل الى تأثير المبدعة في الجانب الإجتماعي لا بد أن أشير الى رغبة السيدة قمر الآن في الدخول الى المعترك السياسي، حيث تقول ” أنا اعرف أن السياسين مصابون بالإحباط بالعالم العربي، ولكن عندي أمل نابع من أن كل المجتمعات تمر بصراعات، ولكنها في النهاية سترى النور… وأن حلم مساهمتي في المعترك السياسي نابع من الرغبة في أن نصل إلى حياة أفضل.[6]أذا الرائدة قمر الصفدي تحلم الآن في دخول المعترك السياسي لرغبتها في إحداث الفرق. فهي لم تكتفي في إحداث الفرق في المجتمع وتغيير نظرته الى الفنانة/الممثلة بل إن طموحها يفوق ذلك في السعي لأن يعيش أبناء الأردن حياة افضل.

وأمّا عن التأثير الآجتماعي وما اذا كانت تجربتها كإمرأة قد فتحت المجال أمام نساء أخريات لدخول هذه المهنة ابدأ بالتعليق قبل أن تجيب بشء من تجربتي الشخصية لع علاقة بالسؤال  فأنا ابنة مهندس من نابلس البلدة المحافظة وعملت في التمثيل ومن ثم الإخراج. إن عملي بهذه المهنة ما هو الا تأثرا بهذه السيدة المحترمة. وأيضا أخريات خطين نفس الطريق متأثرين بها. تقول قمر بهذا الخصوص: أنها وبسبب الشهرة والنجاح الذي حققته وحصدته، وتبعها تكريمات عدة من المؤسسات الرسمية والتي توجت بجائزة الدولة التشجيعية عام 2006، ولّد الغيرة الجميلة عند الأخريات لدخول عالم الفن. والسبب الآخر هو أن قمر من عائلة محافظة ومرموقة في الأردن هذا الذي شجع بنات العائلات  المحترمة من أن تخضن تجربة التمثيل. ولكن قمر تقول في هذا الخصوص “أنا لا أعزو الفضل لي لوحدي فهناك مجموعة فتيات عملن مع الراحل هاني صنوير وهم أيضا بنات عائلات، ومنهم مها ونازك البيطار، نجوى شعشاعة، جوزفين بقيلي، ناديا حبيب على سبيل المثال هي إبنة طبيب.[7]” ثرا بهذه

لكم نتمنى أن تعود هذه الفترة الذهبية في المسرح الأردني حتى نتخلص من الحمولة الزائدة، والتي دخلت الى هذه المهنة الطاهرة من وراء الشبابيك. ولكنني أعتقد الان أن الأكاديمية أصبحت تحل مكان ابنة العائلة وتنخل الوسط من الدخلاء على هذه المهنة. وتؤكد قمر أنه وبما أن الدراسة الأكاديمية قد اصبحت متوفرة للفتاة الراغبة في الإنخراط بهذه المهنة ، فهذه المعرفة ستمكنها من إختيار ما يصلح لمجتمعها لتقدمه بأفضل صورة ناجحة لإجتذاب الجمهور. وعندما تنجح المبدعة في إجتذاب الجمهور عندها تستطيع أن تخدم أهدافها في التغيير السياسي والإجتماعي في بلدها.

وفي سؤالي لها ما إذا كانت تعتقد أن المسرح قادر على التغيير أجابت: التغيير يحدث في المسرح، ولكن ليس دوما تغييرا ايجابيا، فأحيانا يكون التغيير للأسوأ كما هو الحال في المسارح التجارية. تردد قمر وتقول اننا نريد أن نغير للأفضل، وبالنسبة لحجم الأردن فهناك عدد كبير من الموهوبات، فالمسيرة جيدة بمجال المسرح. فعلى سبيل المثال ها هي أريج الجبور تتمتع بكل مواصفات التي من الممكن أن تجعلها نجمة تلفزيونية أو سينمائية مثلما حدث مع صبا مبارك إلا أنها آثرت أن تقصر شغفها الكبير في الفن وتضعه في المسرح، سواء كممثلةأو كمخرجة إذ أنها تخطو خطواتها الأولى في الإخراج. ولفتت الإنتباه بمسرحيتها الأولى ترنيمة الحوت المهجور بجائزة أفضل عمل متكامل في مهرجان عمون للشباب 2013.

لا بد أن اشير هنا أنه وعلى الرغم من إبتعاد قمر عن الوقوف على المسرح إلا أنها تتابع المسرح بشغف دائم وتدعم الشباب، فوجودها كعضو هيئة إدارية في فرقة المسرح الحديث ما هو إلاّ مثال صغير على ذلك.

أمّا عن سبب إنسحابها من المسرح فتجيب على هذا السؤال بأنها  عملت في المسرح بداية منذ عام 1964 ولغاية عام 1968، ولكن الزواج دفعها للذهاب الى ليبيا لمدة سنتين وهناك لم يتوقف شغفها وقدمت مسرحية الزير سالم لألفريد فرج، وعرضت على المسارح الليبية. وعندما عادت من ليبيا توظفت في دائرة الثقافة وأجبرت على إنجاز عمل واحد في السنة، فقامت بتمثيل مسرحية الزير سالم مرة اخرى في عمان ومن غخراج هاني صنوبر وجسدت شخصية  جليلية هذا الدور الذي لعبته بداية حنان خالد، وحلت قمر مكانها لتسافر إلى غيران لتعرض في مهرجان شيراز.

لقد كان زواج قمر هو أحد المعوقات التي حالت دون الإستمرار بالوقوف على خشبة المسرح أو حتى بالتلفزيون، فقد كان زوجها يعمل في السلك الديبلوماسي كمدير لمكتب وزير الخارجية، فكانت أمامها مهام ديلوماسية ومهام واجباتها كأم. فقد أنجبت قمر ثلاثة أطفال سلام، وأحمد وعلي والثلاثة من حملة الشهادات، فسلام طبيبة وأحمد درس القانون ويعمل في الديوان الملكي، وعلى أنهى ماجستير المحاسبة من امريكا. إن تربية ثلاثة أولاد وتعليمهم تعليما جيدا كان ثمنا جميلا دفعته قمر بحب للإبتعاد عن المسرح والتلفزيون. الا أن رغبة الفن ظلت تلح على قمر مما أدى الى انفصالها عن زوجها الذي يرفض أن تعمل زوجته بالفن، فعادت الى الفن ولكن هذه المرة إلى الشاشة الصغيرة بحيث إبتعدت عن المسرح.  وعن سبب ذلك تقول ” صار عندي تخوف من الوقوف على خشبة المسرح نتيجة فجوة البعد، وخوفا من أن لا اكون على نفس المستوى، وأن أسيء الى نفسي بعد النجاحات الكبيرة التي حظيت بها سابقا لذا آثرت ألإبتعاد.[8] ولكن مرة أخرى تغلبت الأمومة على الفن، حيث اثرت الإنسحاب للمرة الثانية بالفترة ما بين 1982-1990، حيث يقول هشام عودة بهذا الخصوص” نجوميتها وإنشغالاتها الفنية لم تبعدها عن أجواء بيتها وأسرتها، وعندما رأت أن هناك تقاطعا بين المسارين، اختارت بيتها وتفرغت لتربية أبنائها منذ عام 1982ولغاية عام 1990 ، وهي ما يمكن تسميته بالفترة الذهبية للدراما الأردنية.[9]

قد يكون السبب في الإنسحاب من المسرح  جزء له علاقة بالخوف وجزء آخر له علاقة بأن التلفزيون كان مصدر رزق أكبر للفنانين، وأكثر شهرة، فساهمت قمر بأعمال تلفزيونية كثيرة ومنها عروة بن الورد إخراج صلاح أبو هنود، وهارون الرشيد والسقاية وغيرهم الكثير الكثير.

سؤال إستفز الفنانة القديرة قمر إنحصر في ما تقوله بالتهمة الموجهة لها من أنها ممثلة كلاسيكية وأن هناك بعض المبالغة في أدائها؟  أجابت قمر: إذا تم وصفي بأني ممثلة كلاسيكية لأني أهتم بمخارج الحروف والنطق السليم بحيث تصل كل كلمة على المسرح أو التلفزيون إلى المتلقي، فأنا فخورة أن القب بهذا اللقب. وإن ما تشاهده الآن بمن يصفون أنفسهم بالحداثة سواء في المسرح او التلفزيون أدى ببعضهم إلى أن يدمروا الأعمال التي عملوا بها نتيجة سوء مخارج الحروف أو الإلقاء السريع الذي يدعي البعض أنه يساعده على الأداء الطبيعي وعدم التكلف. وأمّا عن المبالغة في الأداء فتقول ” ينقسم رأي الناس بي إلى قسمين: قسم يرى أنني أبالغ، وقسم يمتدح عفويتي وأدائي الطبيعي غير المتكلف، وخاصة في لأعمال التلفزيونية. امّا الأداء في المسرح فيتطلب من الممثل بعض المبالغة قليلا حتى تصل مشاعره وأفكاره إلى الجميع.[10]وأمّا عن استخدام الجسد في المسرح فكان الجواب أنه لم يكن أيامهم سواء في مدرسة هاني صنوبر أو نديم صوالحة أو أحمد قوادري من يركز على لغة الجسد، وإلا لكانت إكتسبت هذه المهارة، فهي ترى أن الممثل الموهوب مثل الإسفنجة يمتص كل ما تضعه أمامه.

ربما كان لقمر بعض الحق، نعم لم يكن مسرح الجسد معروفا في الستينيات كنوع فني فالمسرح الراقص بدأ في المانيا على يد “بينا باوش” في منتصف السبعينيات، ومسرح فيزياء الجسد بدأ التنظير له في آواخر التسعينيات، هذا المسرح الذي أصبحت الآن قمر تشاهده من خلال المهرجانات الدولية التي تدعى اليها، ومن خلال فرقة المسرح الحديث.

أمّا عن دور المرأة كمخرجة في الأردن، وهل استطاعت أن تجاري الرجل في النجاج والمقدرة. اضافة الى ذلك أن المرأة إذا عملت في الإخراج فنراها تتوجه إلى مسرح الطفل أكثر منه إلى مسرح المحترفين فما السبب برأي قمر؟ تقول قمر عن توجه المرأة لمسرح الطفل على إعتبار أنه أسهل فنيا هي فكرة ترفضها. لأنه يجب التعاطي مع مسرح الطفل بحرص شديد وعلينا إيصال الفكرة له دون التخلي عن القالب الجمالي. ثم تتابع وتقول أنه في الوسط الفني تستطيع أي امرأة أن تكون مخرجة محترفة فها هي سوسن دروزة ومجد القصص ونادرة عمران ولينا التل وأسماء مصطفى وأريج الجبور الذي توج عملها بجائزة في مهرجان الشباب كلهم نساء عملن بالإخراج. وبالمحصلة سواء عملت المرأة بالإخراج أو بأية مهنة أخرى فقمر تعتبر المرأة في المجتمع الأردني قد أثبتت نفسها على أنها ند للرجل وفي كافة الاصعدة العملية،إلا فيما يتعلق بالأعمال التي تحتاج إلى القوة العضلية الجسدية. وتكمل وتقول: في الفن حصرا صفة القيادية لا تنحصر بالرجل فقد برزت عدد من الفنانات المخرجات اللواتي أتيحت لهن الفرصة وقاتلوا من أجلها، ونجح عدد كبير منهم كمخرجات للأطفال ووكمخرجات للمحترفين.

في بحث لغنام غنام عن المرأة في المسرح الأردني يقول : على الرغم من أن عدد النساء العاملات في التمثيل أو الإخراج قليل بالنسبة للرجل إلا أن الفنانة الأردنية أبدعت اكثر من الرجل ما رايك في ذلك؟ تقول قمر أن المرأة قد استفادت من الفرص التي أعطيت اليها واخذتها بجدية وإحترام، فحاولت أن تبدع لكي تثبت وجودها، وقد كانت مجتهدة في مهنتها، اضافة إلى احترامها لذاتها، كل هذا جعلها تمسك بناصية مهنتها.

وفي سؤالي الأخير لقمر ماذا تقول كرائدة للجيل الجديد، تجيب: اقول للمرأة المبدعة من الجيل الجديد أن تقدر نعمة الموهبة التي منّ الله بها عليكم، حبث أنكم تعملون في مهنة مميزة تحمل رسالة وهذه المهنة مؤثرة في صنع مجتمع متعافى من الأمراض. أمّا الجيل الذي يستسهل المهنة، ويذهب الى المسرح التجاري فهؤلاء أشبهم بالمرأة الجميلة التي تملك مقومات الجمال ثم تستغله بطريقة رخيصة، فيصبح هذا الجمال نقمة عليها. فعلى المرأة أن تعتني بجمال الروح كما الجسد. وفي النهاية إن المرأة التي تجتهد وتصبر وتحافظ على نفسها تكسب إحترامها لذاتها وإحترام الاخرين، أمّا الثانية فتخسر إحترامها لذاتها وغحترام الاخرين. وتقول في النهاية ” إن المسرح بحاجة بالبداية الى الموهبة، ولكن المتابعة الأكاديمية وتطوير أدوات الممثلة والمخرجة بشكل دائم هو واجب حتى يستطيعوا ان يخلقوا وعيا جديدا يتناسب مع تطور المجتمع.[11]

اذا قمر تحذر الجيل الجديد من الإنجراف وراء الشهرة السريعة والإستهال هي تريد جيلا مثلهم قادرا علىإحداث الفرق كما فعلت هي وغيرها من المبدعات في الأردن.

2. سميرة خوري

مؤلم ومحزن في آن واحد، أن يعود الإنسان في هذه الحقبة من الزمن لذكريات كانت قبل أن تصبح ذكريات حلما سطرها المرء بدمه وعروقه، وبأعصابه وسهره، وتحمله لكل الضغوطات الإجتماعية والفكرية والثقافية، ليحقق جزءا من الحلم. حلم الإنسان أن يغيّر بعضا من المفاهيم التي كانت سائدة، حلم أن يترجم معاناة الإنسان العربي بما فيها من مشاكل إجتماعية وتعليمية وفنية وفكرية، حلم أن يقف ( العاشق للفن) على خشبة المسرح ليطرح قضية يحسها المتلقي جزءا من حياته، يفرح من خلالها ويحزن لها، تغير بداخله شيئا وتحرك من خلال نظرته للحياة مزيدا من الوعي والمعرفة . هذه الكلمات التي بدأت بها سميرة خوري شهادتها الإبداعية تحمل مجموعة من الأحلام التي أصبحت الآن ذكريات[12].

قررت في عام 1973 احتراف الفن، وتقول في هذا الخصوص “ اذكر أنني بكيت كثيرا، بكيت على فترة جميلة قضيتها مع طالباتي في المدرسة الإعدادية حين كنت أعمل كمدرسة للغة الإنجليزية وللنشاط المدرسي، وأحسست أنني سأفقد تلك النظرات البريئة في عيون الطالبات وهن يتساءلن هل حقا سأغادرهن إلى حقل آخر[13]؟ وتساءلت إذا ما كانت المودة ستنقطع بينها وبين طالباتها اللواتي كن يطرحن مشاكلهن البيتية مع زوجات الأباء وازواج الامهات، وتسلط الاخوة الذكور وغيرها من القضايا الإجتماعية التي كانت تؤرقها وتجعلها تقضي أوقاتا إضافية لتخفف عنهم القهر والظلم والحرمان الذي كن يعانين منه. تقول سميرة “ أحسست وأنا اجهز نفسي للأنتقال الى عالم المسرح أنني سأحقق المعجزات، وأدخل الفرحة إلى كل القلوب، وسأحل كل المشاكل العالقة بين الشعوب وبين الأجناس وبين الطبقات.[14]

والذي عزز بداخلها هذا الإحساس هو ذاك المساء الذي اصطحبتها صديقة لها تعمل في صحيفة لإجراء لقاء مع بعض الممثلين الذين يقومون بعمل بروفات على مسرحية جديدة، لم تعبأ بالمطر الذي كان ينهمر عليها كالرصاص وهي في طريقها الى دائرة الثقافة والفنون، ولم تكترث للصقيع الذي كاد أن يجفف عروقها، المهم أن تصل الى هناك. تقول سميرة عن هذه اللحظة “ وقفت كالمشدوهة أراقب، وقفزت إلى ذاكرتي فجأة صور متعددة لهؤلاء الطالبات ينتظرن أن اجد حلا لمشاكلهن مما زاد غندفاعي وحماسي، سأقف على الخشبة واقول كفى ظلما، كفى غستهتارا بالضعفاء والمساكين والمقهورين، يجب أن يسود هذا العالم شيء إسمه الحب، شيء إسمه الأخلاق[15].

هي تلك الفنانة التي بدأت حياتها كمدرسة وهي في عمر السادسة عشر، وتركت مهنة التدريس بعد أن مارستها لمدة ستة عشر سنة لتصبح ممثلة، وثار عليها المجتمع ما إن تسرب اليهم خبر استقالتها، حيث بداؤا ينظرون اليها بنظرة مليئة بالريبة وكانوا يرددون “ يا عيب الشوم، تترك مهنة التدريس لتصبح ممثلة.[16]بعد أربعين عاما – ورحلة حملت بين طياتها المعاني الكثيرة والتي بثتها من خلال عملها في المسرح والتلفزيون، وحصدت فيها على كثير من النجاحات والتكريمات وأهمهم تكريم جامعة الدول العربية، وتكريم من الجمعية االأردنية الأمريكية وغيرهم الكثير[17]- أثبتت هذه الفنانة القديرة أن رغبتها بالحضور الى المسرح هذا العالم الأرحب برأيها والأوسع لم تكن خاطئة على الرغم من صعوبة البدايات. ففي أول عمل مسرحي على مستوى ÷حترافي كان بعنوان الأستاذ للكاتب “يوجين يونيسكو”، ومن اخراج الأكاديمي أحمد قوادري، قام والدها بمنعها من الذهاب يوم العرض لأداء دورها لولا تدخل شخصية سياسية كبيرة في االأردن وهو السيد مروان دودين، والذي كان من الصعب على والدها أن يرفض طلبه، وذهبت الى العرض ولفتت الانتباه، وعينت بعدها في أسرة المسرح الأردني التي انشأت عام 1968[18]. لقد شعر والدها بنبل هذه المهنة إلا أن المجتمع لم يوافقه الرأي، حيث حاول بعض ألأفراد أن يثنينها عن عزمها بالإحتراف، فعلى سبيل المثال وصل لها في احدى الأيام طرد بريدي يحمل زجاجة فيها ماء نار، وحاول أحد الشخاص في إحدى المسرحيات أن يطلق النار عليها[19]. إلا أن كل هذه التهديدات لم تثني سميرة خوري من المتابعة والصمود لتصبح رمزا للإحترام والإبداع سواء في المسرح أو التلفزيون. إن هذه الصعوبات لم تعف سميرة من واجب آخر اكتشفته مع مرور الوقت، وهو عدم معرفتها بأساليب التمثيل في العالم بشكل أكاديمي. فلم يقم الأستاذ أحمد قوادري بشرح ماهية مسرح العبث، وكيف أن الشخصيات في مسرح العبث يجب ان تؤدى بشكل أقرب إلى الدمى، بل كانت الفطرة والموهبة هما دليها في الأعمال التي تلت. فعلى سبيل المثال في مسرحية الزير سالم عام 1975، للكاتب الفريد فرج واخراج حاتم السيد، جسدت سميرة دور سلمى وهي امرأة في الثمانين من عمرها مليئة بالحقد والكراهية، وأشاعت الفتنة بين الناس وفرقت بين قبيلتي تغلب وبكر مما أدى الى حدوث حروب دامية استمرت عشرات السنين. وتقول سميرة “ولكي اعطي الدور حقه كان لا بد من عمل مكياج يشوه شكلي الخارجي، إضافة إلى التشويه الداخلي… وبدأت أسأل نفسي هل خلقت المرأة هكذا؟ أم أن الظروف الإجتماعية والجهل قد أعمى بصيرتها فلم تعد تفكر إلا بالإنتقام وزرع الفتنة بين الناس؟ لماذا اختار الكاتب والمخرج هذه الشخصية من التاريخ؟ هل ليؤكد براءته من الاستحقاقات التي منحت له في عصر التخلف؟ أم ليؤكد لنا أن الشر شيء قبيح ليكون عبرة من اعتبر[20]؟

على الرغم من أن سميرة خوري ليست أكاديمية في الفنون بل تحمل بكالوريوس في ألأدب الإنجليزي، ولم تتعرف على المدارس المسرحية في التمثيل والتي تنقسم الى نوعين: الأول، أوجده الروسي “قسطنطين ستانسلافسكي” وما يعرف بالمدرسة السيكولوجية. والثاني اوجده ألالماني “بريخت” وما يعرف بالتمثيل الملحمي. وهناك باحثون يضيفون “فيسفولد ميرهولد” ويدعون أنه صاحب منهج بالتمثيل عبر الجسد، وتحديدا في قوله أن العاطفة تأتي نتيجة حركة في الفضاء، فليس على الممثل أن يشعر عليه ان يجد الحركة السليمة، وعندها ترافقها مباشرة المشاعر السليمة، وهذه النظرية في التمثيل نقلت على لسان تلميذ “ميرهولد” المخرج السينمائي المشهور”سيرجي أيزنشتاين” (Sergi Eisenstein)، إذ يقول “إن دافع العاطفة هو نتيجة وضعية حركية في الفضاء[21].” وقد استقى “ميرهولد” هذه النظرية نتيجة إطلاعه على نظرية الإنفعالات للعالم النفسي الأمريكي وليام جيمس (William James) (1842-1910)[22]، وأساس النظرية أن الإنسان يستطيع الإحساس أوتوماتيكيا بكامل إختلاجات الإنفعالات، بفضل التغيرات المستمرة في توظيف عضلاته[23].

وعودا إلى الفنانة خوري فقد توصلت  في بحثها عن شخصية سلمى الى “ستانسلافسكي” وأبعاده الثلاث بناء على أسئلتها السابقة بالفطرة. ففي البعد المادي سألت سميرة كيف تبدو سلمى ما هو شكلها، كم عمرها؟ وهذا ما توضح لنا في الحديث عن مكياج الشخصية. أمّا البعد النفسي فقد سألت سميرة ما إذا كانت المرأة قد خلقت شريرة أم أن الجهل قد أعمى بصيرتها. وأمّا البعد الإجتماعي فحاولت أيضا أن تنظر في ظروفها الإجتماعية التي أدت بسلمى أن تكون هكذا. نعم لقد توصلت سميرة بفطرتها وموهبتها إلى القيام بأداء دورها معتمدة على المدرسة السيكولوجية ل”ستانسلافسكي” دون أن تكون قد درستها من قبل. وقد برعت سميرة في تجسيد أدوار الشر على مدى حياتها وتقول في هذا الخصوص “ إن سر تلبسي لأدوار الشر ينبع من أنني عمقت تجربتي في المجال التربوي في بداية حياتي، إن احساسي ألإنساني وما إعتراني من احساس بالألم والمسؤولية لبعض ما يحدث بين طالباتي نتيجة العنف العائلي الذي يتعرضن له، فأخذت على عاتقي التنديد بتلك الصور السلبية للممارسات غير الإنسانية والتحذير من مخاطرها.[24]ة  وحصلت هذه لأدوار على إشادات كبيرة فلم يعد بإمكان الناس التمييز بين التمثيل والحقيقية، وتقول رنا شاور بهذا الخصوص “في الثمانينات عندما كنا نتابع الفنانة القديرة سميرة خوري بأدوار الشر في الدراما الأردنية، لم يكن لشيء أن يقنعنا بأن ما تقوم به هو مجرد أداء تمثيلي فحسب، فلفرط المقدرة المذهلة في الأداء لم نكن كمشاهدين عاديين، لنستطيع التمييز بين التمثيل والحقيقة فيما تقدمه الفنانة القديرة سميرة خوري.[25]وقيل عنها أيضا بها الخصوص في أحدة المواقع الأليكترونية ” سميرة خوري تعرف ماذا تريد في عملها، فالخيار محسوم عندما يموت على عتبات المبدأ الفلسفي الذي تتبعه في أدوارها الجبروتية، قيمة جدلية بين شخصيتها في الأعمال الفنية وروحها المرحة في الواقع. هي تعتبر أن أدوار الشر التي أدتها هي تعرية للإنسان لتعرف عما في داخله من شر أو خير[26].” لقد جسدت سميرة دور سلمى وهذا الكم من الشر الذي حملته هذه الشخصية، كما جسدت شخصيات شريرة كثير سواء في المسرح او التلفزيون عبر مسيرتها التي تعدت الأربعين عا

لم تتعرف سميرة على “ستانسلافسكي” بفطرتها بل تعرفت أيضا على “ميرهولد”. ففي مسرحية الشوكة من تأليف “فرانسوا ساغان”، ومن اخراج أحمد قوادري أكدت سميرة في لقاء مع كاتبة هذه السطور على استخدام الجسد وقالت “ قمت بتجسيد دور نجمة عالمية تكبر في السن وتفقد نجوميتها، وقد عبرت بجسدي عن السقوط من عالم النجومية، وجعلت الشخصية تذوب وتذوي بجسدها على مدار العرض.[27] إن اجتهاد سميرة الشخصي هو الذي جعلها لا تهمل الجسد في عرضها على الرغم من أن المشهد السائد للممثل والممثلة العربية آنذاك هو التركيز على نطقة الرأس والصوت والنبرة بحيث يبقى الجسد في حالة جمود طوال العرض. هذا الأمر الذي اختفى الآن مع ظهور الحداثة وما بعد الحداثة في التمثيل.

وفي سؤالي لها ما اذا كانت المرأة الممثلة؟ المخرجة قد نجحت في مجالها وهل فرضت نفسها كشريك للرجل في تشكيل المشهد المسرحي الأردني؟ اجابت سميرة ” أنا اعتبر أن الفن هو من أرقى المهن التي يمكن أن يمتهنها أي فرد في المجتمع فهو يعمل على تربية وتوعية الأفراد في المجتمع لما له من قدرة على التثقيف والإقناع بشكل عام.[28]كما  تحدد سميرة في بحث لها عن صورة المرأة في الدراما الأرنية : مسرح وتلفزيون- والذي قدمته في مؤتمر ببيروت، وجاء نتيجة لقاءات أجرتها سميرة مع أربعين شخصية في الأردن، إبتداءا من روكسي العزيزي، وإنتهاءا بكتاب ومخرجين من عصرنا الحالي – تقول فيه كما قال هاملت ( المسرح هو أن تحمل مرآة ترى فيه الواقع) وتعلق “ هذا كلام جميل ولكن عندما يكون هذا الواقع متخلفا، اذا هذه المرآة ستعكس هذا التخلف، ولكي نتحرر من التخلف يجب أن يكون حامل المرآة مفكرا وواعيا بحيث يسلط مرآته على المفاصل النوعية لهذا المجتمع ليشاهدها المتلقي، فتضيء امامه افاقا جديدة ليتأثر بها، وبهذا تبدأ عملية التوعية عن طريق الدراما.[29] إذا المسرح له قدرة حسب رأي سميرة على نشر الوعي، الا أن حامل هذه الرسالة يجب أن يكون مثقفا وواعيا، وإلا كانت النتيجة مرعبة وتعكس التخلف. وتنتقد خوري النصوص التي تناولت المرأة وتعتبر أن التركيز على المرأة يأتي بشكل ثانوي ويجب أن تكتب النصوص بحيث تأخذ المرأة مساحة متوازية مع الرجل وتؤكد ذلك في نفس البحث السابق إذ تقول ” يجب أن تقدم المرأة كما هي في الواقع الفعلي كشخصية حية، وليست مجرد عنصر أو تابع[30].” وتقول أيضا في مقال عنها منشور على إحدى المواقع الأليكترونية عن هذا الموضوع “كانت المرأة تقدم كتابع للرجل أو لمجرد وجود عنصر نسائي في النص، ومع مرور الأيام بدأ المجتمع الأردني من خلال العلم والدراسة والتثقيف يعي أهمية وجود المرأة بشكل فاعل في الدراما، ومن جهة اخرى كان لي ولزملائي الدور الأكبر في ترسيخ فكرة أهمية المرأة في الدراما.[31] كما تحث خوري المرأة على أن تثقف نفسها وأن تحسب حسابا لكل خطوة وكلمة تقوم بها من أجل توعية المجتمع والإرتقاء به. وتؤكد خوري “ لقد أصبحت الممثلة الأردنية مثار إعجاب الجمهور، وأصبحوا يسعون لإلتقاط صورة معها.[32]

أمّا عن سؤالي لها ما إذا كانت المرأة الممثلة/ المخرجة قد ساهمت بتغيير المشهد السياسي والاجتماعي؟ تجيب سميرة: لقد قدمنا في السبعينيات أعمالا كثيرة رمزية وكان الإسقاط فيها على القضايا العربية المصيرية. ومن هذه الأدوار تتذكر دورها في مسرحية إضبطوا الساعات ،تأليف الكاتب المصري محمود دياب وإخراج حاتم السيد وتقول ” لقد كنت المرأة الحلم، المرأة الحب، المرأة التاريخ، كنت فلسطين.[33]لقد كان دور سميرة المرأة التي تنتظر حل القضية وتنتظر خطيبها الذي سيحرر فلسطين، الا أن هذا الخطيب لا يأتي، بل ينجب طفل إلى اختها والذي ربما ستحرر فلسطين على زمنه، أي أن الطفل هو رمز المحرر القادم. تقول سميرة أثناء أدائها لهذا الدور ” لا أبالغ اذ قلت بأنني شعرت بأنني أناضل.[34]وقد عملت في مسرحية همومنا الجميلة مع الفنان أشرف اباظة وقامت بتجسيد اشخاص مصابون بالجنون وذلك حتى يستطيعوا أن ينتقدوا الزعماء العرب لتقاعصهم عن اداء واجباتهم في الداخل والخارج. إن اللجوء الى الجنون مبرر في السبعينايات، فالشخصيات حسب الرقابة مجنونة ولا تؤخذ على محمل الجد. وقد عملت أيضا أدورا وطنية في التلفزيون ومن أهمها دورها في مسلسل الدرب الطويل من تأليف د. وليد سيف وإخراج صلاح ابو هنود، حيث قامت بدور أم أحمد الأم الفلسطينية، وهذا المسلسل الذي تحول غلى التغريبة الفلسطينية وأخرجه للمرة الثانية المخرج السوري حاتم علي، ولاقى نجاحا كبيرا في العالم العربي. وعودا إلى المسرح فقد جسدت مسرحية فنس ابن شعفاط للكاتب الأردني عبد اللطيف عقل، ومن اخراج المخرج العربي العراقي قاسم محمد والتي عرضت في االأردن عام 1991، ومن ثم في مهرجان بغداد المسرحي عام 1992.مثلت سميرة في هذه المسرحية دور ضمير الأمة المناضلة في سبيل العراق، هذا البلد العربي الذي كان يعاني بوادر إحتلال جديد. وفي النهاية تؤكد الفنانة خوري أن المرأة قد لعبت دورا في عملية التأثير في المشهد السياسي في السبعينيات والثمانينات والى يومنا هذا، وتزيد ” أنه رغم شح الأعمال إلا أن الموضوع الوطني هو هم متواجد في جميع المراحل.[35]

وعند سؤالها عن سبب إبتعادها عن المسرح تجيب عن اسباب صغيرة وكبيرة. أمّا الأسباب الصغيرة فتتجسد في أنه عندما حلت أسرة السرح الأردني عام 1980، التابعة لمديرة الثقافة والفنون إنتشر نتيجة حل الفرقة القومية المسرح التجاري، وكنت أرفض أن أعمل في مثل هذه الأعمال. اضافة إلى عدم توفرمخرجين في تلك المرحلة قادرين على إقتحام مضامين صعبة كما كان يحدث في السبعينيات. أمّا في التسعينيات فقد عملت في مسرحية فنس ابن شعفاط عام 1991، ومسرحية حرم معالي الوزيرعام 1995.

إن السبب في رأيي هو أن فترة الثمانينات كانت فترة إزدهار الدراما التلفزيونية والتي أخذت الكثيرين من خشبة المسرح. كما أن فرقة الفوانيس المسرحية كانت الأكثر غزدهار في تلك الفترة، وكان لها أعضائها الذين يعملون معهم. أضف إلى ذلك أن مخرجي التسعينيات لم يعرفو شيئا عن قمر الصفدي وسميرة خوري وغيرهم الذين انسحبوا لصالح الدراما التلفزيونية اما للشهرة او للرزق المادي ، أضف الى ذلك أن هؤلاء الخرجين الجدد كانوا أما يهابون من ممثلي التلفزيون، أو لا يثقون في قدراتهم، مما خلف فجوة بين جيل الرواد والجيل الجديد. الا أن الفنانة سميرة ما زالت تراودها الرغبة في الصعود على المسرح وتقول “أتمنى أن اعثر على مخرج لديه كل التقنيات الحديثة لأعمل معه بما يتناسب مع وضعي كممثلة من الجيل الأول حتى أعوض ما فاتنى من سنين عجاف[36].” كما تقول في نفس الموضوع في مقابلة مع الصحفي طلعت شناعة ” إن اقسى ما يمكن قوله هو الألم الشديد ونحن جيل الرواد نشعر بأننا لم نقل كل ما لدينا، فقط نحتاج إلى فرصة، وما يحدث جريمة في حقنا، فكيف نحرم من التعبير عما في داخلنا. وبالنسبة لي لن أسامح أي من المسؤولين عن ذلك حتى الموت.[37]

ما ورد أعلاه يجسد الأسباب الصغيرة، أمّا الأسباب الكبيرة فقد اجابت عليها بمقولة إرتأيت أن اوردها كما هي إذ تقول : بما أن البيئة بتخلفها وتطورها هي التي تعكس واقع أمة تعيش وتتعايش ضمن ظروف فرضت عليها، ويا ويل أمة تعيش ضمن ظروف متخلفة، خاصة إن لم يكن هناك من يحرص على إنتشال هذه الامة من وجع التخلف البيئي الى عالم يرتقي بها، ويتابع تطورها بشكل مستمر نحو الأفضل. ومن أهم الأشياء الذي يجب توفرها لتعيش الأمة في تطور دائم ومستمر هو المسرح، فهو الذي يترجم الواقع بكل أبعاده بصورة فكرية واعية ومؤثرة لتضيء للمتلقي أفاقا جديدة تنقله إلى عالم مليء بالتطور والحضارة والجمال والوعي والعلم والمعرفة فتتشكل أمة يسودها الأمن والإستقرار والإبداع والعطاء الفني بكل أشكاله، ونحن هنا نتوق لذلك، نحن هنا نواجه ظروفا صعبة لا تسمح لنا بممارسة العملية الإبداعية بالشكل اللائق والأسباب كثيرة ومنها:

1-    عدم وضع العملية الإبداعية ضمن أولويات الحكومات المتعاقبة وكأنها آخر هّم لديهم.

2-    جهل المسؤولين في إعتبار دور الفن العامل الأساس في نهضة وحضارة الشعوب

3-    عدم الإهتمام بالمدارس عامة وعدم غرس مفاهيم المسرح في ذهن الطفل لنقدم جيلا واعيا نبدأ الإعداد له منذ الصغر

4-    كل ذلك أدى إلى عدم وجود مسارح يومية يرتادها المواطن لتصبح تقليدا أسوة بمعظم دول العالم المتحضر.

5-    عدم مقدرة الفنان على الإنتاج الخاص لتبنى مستوى معيشته التي كان سببها قلة الإهتمام بظروفه الحياتية، كل ذلك وغيره أدى الى عدم استمرار الفنان في العملية الإبداعية. وإن استمر الحال كذلك فإن طريق الفن والإبداع الى زوال.

كلمات ساخنة أطلقتها الفنانة القديرة سميرة خوري وأجد أن الحق معها في كل ما طرحته. الا أنني اؤمن أننا كفنانين قادرين على اقتناص الفرص والقيام بالمبادرة وعدم انتظار المسؤولين المغيبين عن الواقع المسرحي في الأردن. ولكن طاقة الإحتمال تختلف من شخص لآخر، ومن هنا أضم صوتي إلى صوتها لعل اصحاب القرار يسمعون ولو مرة واحدة فيتغير حال الفنان المبدع في هذا البلد الذي نحب.

وفي سؤالي للفنانة القديرة سميرة خوري عن دور المرأة المبدعة ومساهمتها في المشهد المسرحي الأردني مقارنة بالرجل، وهل كانت مبدعة أم لا؟  تجيب سميرة بصراحة بأن العاملات في مهنة التمثيل ليسوا كلهم مبدعات فهناك نسبة لا بأس بها رغم قلة الأعمال اللواتي قمن بها، وهناك نسبة أخرى تعتبرهن عاديات. أمّا بالنسبة للممثلات العاديات، فهي تؤمن أنه إذا ما تم احتضانهن من قبل أكاديميين متخصصين في الإخراج فهذا سوف يضمن وصولهم إلى الإبداع. ولكني  أجد نفسي هنا لا بد من مخالفة الفنانة سميرة بالرأي فأنا أرى الموهبة هي الأساس، فالمخرج الأكاديمي  يستطيع  العمل وتطوير فقط الفتيات الموهوبات، أمّا غير الموهوبات فلا يمكن عمل شيء معهن، والأجدى بهن مغادرة الوسط الفني وتخليصه من هذه الحمولة الزائدة.

أمّا فيما يتعلق بالمخرجات فتقول تستطيع المرأة أن تكون مخرجة مبدعة وذات كفاءة عالية، ولكنها لن تجرؤ على ذلك اذا لم تتسلح بثقافة عالية لخطورة هذه الخطوة. إن المخرجات في الأردن عددهن قليل، بعضهن يملن الى الإبداع والبعض الآخر ما زال في طور النمو  وتقول ” الإخراج ليس حكرا على الرجل. فطالما أن المرأة تفكر وتدرس وتعاني وتحب وتكره فهي قادرة على الوصول إلى أعلى المراتب.[38]

أمّا السؤال الاخير فقد تناول ما الذي تقوله الرائدة سميرة خوري للمرأة المبدعة من الجيل القادم؟ تجيب بداية متحدثة عن المخرجة: حيث تطلب منها أن تعمل على إيصال المعلومة الصحيحة لممثليها و تزويدهم بالإحساس السليم حتى لا يقعوا في نفس المطب الذي وقعوا به في بداية حياتهن. هنا تشير سميرة الى أن الممثلات في البدايات كانوا يعانون من قصور بعض المخرجين وعدم قيامهم بالشرح لهن  عن نوعية المدرسة التي يعتمدونها كأسلوب في إخراجهن، باختصار عدم بذل الجهد لتنوير وتثقيف الممثل الذي يعمل معهم. فها هي سميرة تطلب من المخرجات الأكاديميات تجنب ذلك ، كما تطلب من المخرجات أن تبث في الممثلين والممثلات ” حب الوطن، حب الآخر، نكران الذات، عدم الغرور، الإحساس بالمسؤولية.[39]وبذلك ينشأ جيل لا نخاف عليه ، كما تقول للممثلة “ لا تقبلي بأي دور إذا لم يكن ذا قيمة ومضون يرتقي بالمجتمع، وأن لا تسقط في سلوكها وأخلاقها.[40]وبهذه القيم تسير عجلة الفن إلى الأمام فالفن قبل كل شيء حسب رأي سميرة هو موهبة وأخلاق.

3. نادرة عمران

كروم العنب، الحراثون، حقول القمح، الحصادون…. الصباحات المليئة ب ( أصبحنا وأصبح الملك لله) الأب:  يالله يا فاطمة. خبزتي الخبزات

فاطمة: هيهن بالصرة البيضة على الحمار

الأب:  صحيتي يونس

يونس:  صاحي يابا

الأب: يا الله يابا عشان تلحق تحرثلك تلمين قبل المدرسة، وين نعمة؟

فاطمة:خليها نايمة مبارح هلكت

الأب:يا الله[41].

هذه الحوارات التي تعودت نادرة عمران أن تسمعها في صباحات حلحول القرية الفلسطينية الواقعة تحت الإحتلال الإسرائيلي. وفي الليل تستمع إلى وقع أقدام الجنود وبنادقهم يسيرون مثل الخفاش ليوقعوا الرعب بأهالي القرية. إلا أن هذه الذكريات الجميلة والمرعبة إحتوت حدثا تاريخيا ساهم في تشكيل الصبية نادرة، حيث قرر والدها أن يشتري تلفزيونا وتقول عنه ” أصبح التلفزيون صندوق الأحاسيس المحبوسة في هنا القلب المتقدة المجنونة… حيث الأفلام. وأصبح البحر رفيقا لهؤلاء المحبين والغروب والدموع، ضحكات وأغنيات، عبد الوهاب، عبد الحليم، فريد، محد فوزي،ليلى مراد، نجاة، أسمهان وأم كلثوم واختلطت الصور.” ومن لا يعرف فنادرة لا تمتلك فقط موهبة التمثيل بل أيضا تمتلك صوتا خاصا شجيا اكتسبته بلا شك من امها فهي تقول عن والديها” والدي الفلاح الذي كان يعشق السيرة الهلالية وأمي المدنية التي كانت تحب الغناء، ولقد عشت معظم طفولتي، وانا يتنازعني هذان النموذجان أي نموذج الفلاح البسيط الذي يجسده أبي، ومجتمع اهل المدينة المتحضر والمختلف تماما والذي كانت تجسده بالنسبة لي امي.[42]

من هذه البيئة البريئة أتت إلى عمان تحمل معها تنكة زيت وورق عنب. وبدأت تكتشف المدينة وتقتحم الأمكنة. جميع من يحيط بها من المسرحيين، ولأنها كانت تحلم بالتمثيل إعتبرت نفسها واحدة منهم رغم أنها لا تفهم ما يقولون. إلا انها تعرفت على المسرح، وبدأت السفر اليه وبدأت شخصيتها الجديدة تتكون.

أمّا عن أول عمل مسرحي لها، و السؤال ما إذا كانت تعرف ما تقوم به، وما هي المدرسة التي يعمل عليها المخرج، فتجيب نادرة:  بأن أول عمل لها هو مسرحية رحلة حرحش نص لنادر عمران وإخراج خالد الطريفي. ومن الجدير ذكره هنا أن هذا العمل قد نفذ تحت مظلة فرقة الفوانيس والتي كان يديرها ثلاثة مبدعين: خالد الطريفي كمخرج، نادر عمران كاتب وسينغرافيا وعامر ماضي الموسيقى الراحل الفذ. تقول “كنت قد قرأت عن المسرح ولكنني كنت ضائعة، ولا أعرف ما إذا كنت موهوبة أم لا، وقد رافقني هذا السؤال عشر سنوات.[43] من الطبيعي جدا أن ابنة الثامنة عشر وهو العمر الذي بدأت فيه نادرة رحلتها في عالم المسرح أن لا تكون على دراية بالمدارس المسرحية، وأن لا تفهم الجدال الذي كان يدور بين أعمدة الفوانيس الثلاثة، ولكنها تؤكد أنها بعد عشر سنوات بدأت تستكشف منابع ووظيفة الممثل. وبدأت تتعرف على “ستانسلافسكي” وأبعاده الثلاث الأساسين في تكوين الشخصية، وتكمل بأن أكثر ما أثّر بها واتخذته منهجا لها هو كلامه عن الإنطباع الأول حيث يؤكد ستانسلافسكي” أن الانطباع الأول هو الأصدق والأقرب للوصول إلى الشخصية.[44]” وفي البعد الجسدي تقول نادرة أنه يستهويها “ديدرو” في مفهومه عن البعد الجسدي أكثر من ميرهولد وغروتفسكي[45].

لقد خطت نادرية ثلاثين عملا مسرحيا، وكتبت وأخرجت للمسرح أيضا، ومن أهم أعمالها : المجنزرة الأمريكية – مكبث للمخرج جواد الأسدي، ومسرحية زخارف الخلخال للمخرجة سوسن دروزة، حلم ليلة صيف للمخرج خالد الطريفي،  ومسرحية الخيط للمخرج محمد الضمور، ولم تكتف بالعمل بمسرح الحترفين بل عملت ما يزيد عن عشرة أعمال لسرح الطفل مع المخرجة لينا التل. كتبت ثلاثة نصوص للمسرح وهم كواليس، حبينا بعضينا، حلم ليلة ربيع عربي. وقامت بإخراج أربع مسرحيات. هذا إضافة الى عملها الدائم بالسينما والتلفزيون.

وفي سؤالي لها أن هناك بعض مبدعاتنا اللواتي يستخدمن المدرسة الكلاسيكية للتمثيل وهناك من تستخدمن المدرسة الحداثية في التمثيل. ففي أي مدرسة تصنف نادرة نفسها؟ تقول نادرة “إنها تقوم بإستخدام التمثيل الذهني بمعنى أن تكون حاضرا طوال فترة التمثيل وأن تتغلب التقنية على الإندماج.[46] هنا وجدت نفسي أجادلها واقول أن هذه هي طريقة “ميرهولد” في التمثيل، فهو يطالب ممثله أن يستخدم التقنيات وأن يكون حاضرا ومتيقظا طوال فترة العرض. وبغض النظر عن رأيي، فنادرة تؤكد على تقنيات الممثل كما أكد عليها كل من “ميرهولد” و”غروتفسكي” و”يوجين باربا” فهي الأساس بالنسبة للممثل عند كل منهم. 

كما تضيف أيضا ” أن هناك طريقة تعمل عليها منابعها ستانسلافسكي الا وهي التمثيل بالطاقة.[47]وعند سؤالها ماذا تعني بذلك؟ أجابت “ إنني أسعى لحظة الأداء لتوليد الطاقة الإنفعالية بحيث تكون بمثابة روح الشخصية.[48] وعندما ذكرت لها بأن الوصول الى الشخصية يكون من الداخل إلى الخارج أو من الخارج الى الداخل فأين يقع التمثيل بالطاقة من هاتين الطريقتين المألوفتين في عالم التمثيل؟ تجيب نادرة أنها تتعامل مع ذلك جسب المخرج وأسلوبه، وفي الحالتين يحتاج الممثل إلى طاقة لتحتويهم. وعادة ما تقوم بتمرين لتفرغ كل حضورها الشخصي، وتستحضر الطاقة الانفعالية لأداء أي مشهد مهما كانت صعوبته. وتؤكد أن هذا لأسلوب يساعدها على التنقل بين الشخصيات دون أن تبتذل نفسها.

وعندما سألتها أن الممثل الحداثي يحتاج إلى مهارات خاصة مثل أن يقول جملة بسرعة فائقة او أن يقول أربعة اسطر بنفس واحد مع المحافظة على وضوح الأحرف واللفظ؟  تقول أنا أعمل على مبدأين أساسيين :

1- استحضار الطاقة الانفعالية، وليس مهما أن اشعر أنا شخصيا بالدور

2- العمل على الإيقاع[49].

نعم، إن نادرة مدركة للحداثة في التمثيل وإن كنت لا اتفق معها كثيرا بقضية الطاقة الانفعالية، في حين اتفق معها تماما أن الممثل عليه أن يكون حاضرا في كل لحظة على الخشبة. وكان أدائها في بعض السرحيات متقنا وخلابا، وفي البعض الآخر إتسم أداؤها بالإنفعال الزائد. تجيب نادرة على هذا التعليق وتقول : “إن سبب التفاوت بالأداء يعود احيانا الى محاولتها للدفاع عن نفسها في عمل ليست مقتنعة به.[50] وهذا قاد الى السؤال التالي: مالذي يجبر المبدع على القيام بتمثيل أعمال وهو غير مقتنع بها؟ أولسنا اصحاب قرار، ونستطيع الإعتذار عن مثل هذه الاعمال؟ تؤكد نادرة أنه للأسف لا يوجد بالأردن مخرجين مبدعين بكثرة، والبعض الآخر يعاني من فقر بالمعرفة، ولأنها لا غنى لها عن المسرح تضطر أن تعمل مع الأقل موهبة . ولكن هذا قد حدث معها في أوقات سابقة ، أمّا الآن فلا يمكن أن يحدث.

نعم ما لا شك فيه أن عدد المخرجين المبدعين في الأردن لا يتجاوز عدد الأصابع، فالممثل مع الوقت يشحن بطاقة الرغبة في التمثيل ويريد أن يفرغها من خلال عمل مسرحي والا تأذى أو أصابه الصدأ، فيضطر أن يعمل مع المخرجين الأقل موهبة، وهذا يؤثر على أدائه وكفائته في تجسيد الدور.

أما عن سؤالي ما إذا كانت المرأة المبدعة قادرة في التأثير في المشهد العام الإجتماعي والسياسي؟ تجيب نادرة بأنها لا تؤمن بأن المسرح قادر على إحداث تغيير في المجتمع، ولكنها تعمل به لأنها تؤمن بأن المسرح قادر على كشف المستور وقادر على تقديم المشاكل الإنسانية، ولكن عملها في المسرح لا يأتي من هذه الأهمية، فهي تعمل به لإرضاء الذات حيث تقول”أنا أمثل على المسرح لارضاء ذاتي اكثر منه فعل تغييري بالمجتمع.[51]

امّا بما يتعلق بأعمال حملت مضامين سياسية فتقول” أنها عملت في مسرحية المجنزرة الأمريكية مكبث تأليف وإخراج جواد الأسدي، حيث  كان هذا العمل صرخة ضد الهجمة لأمريكية على العراق، وأيضا عملها الأخير الذي كتبته بعنوان حلم ليلة ربيع عربي عام 2013، فقد كان إدانة لكل ما يسمى نفسه ربيع عربي. هو عمل يعلق على الوضع القائم في عالمنا العربي رافضا هذا الربيع المزيف.كما لا ننسى عملها في مسلسلين مرتبطين بالقضية الفلسطينية وهما مسلسل الاجتياح إخراج شوقي الماجري، ومسلسل الدرب الطويل إخراج صلاح ابو هنود. وقد حصل مسلسل الاجتياح على جائزة ايمي، وهذه أول مرة يحصل فيها مسلسل عربي على مثل هذه الجائزة. وتتلخص قصة المسلسل بأنها تروي أحداث عملية السور الواقي ألإسرائيلية عام 2002، والحصار الذي فرضه الإحتلال على المدن الفلسطينية واقتحام مخيم جنين، وتفاصيل الحياة اليومية الفلسطينية ولا سيما قصص الحب والعشق التي تقاطعت مع شجاعة المقاومين في الدفاع عن حقهم بالحياة بأمن وسلام في تلك الفترة[52]. ولعبت نادرة في هذا المسلسل دور الأم الفلسطينية. كما لعبت في الدرب الطويل دور المرأة الفلسطينية التي يقهرها الواقع وهي تقهره، وتقيدها الظروف لتخرج من هذه القيود بأفعال شبه أسطورية[53].

أمّا بما يتعلق في كونها امرأة تعمل بالوسط الفني، وهل ساهمت في تغيير نظرة المجتمع إلى الفن وهذه المهنة تحديدا. تقول  إنها لم تغير في نظرة المجتمع إلى الفن، وإن التغيير الذي حدث في المجتمع أتى نتيجة التطور الطبيعي للمجتمع.  وتؤكد ” أن هدفي الأساسي أن اغيّر في حرفة التمثيل ، التمثيل هو هاجسي الدائم، ولقد كنت ساخطة على الطريقة التي يفهم بها الممثلون التمثيل ليس فقط بالأردن بل بالعالم العربي.[54]ولا يهم نادرة ما اذا كان الدور صغيرا أو كبيرا فهي تقول “ما يحركني في كل دور أقوم فيه وفي كل مرة أعمل بها هو رغبتي بالدفاع عن قيمة التمثيل.[55]

مما لا شك فيه أن نادرة محقة في هذه النقطة فالتمثيل في غالبه بالعالم العربي يعتمد فقط على منطقة الرأس  وينتهي عند الرقبة, أما باقي الجسد فهو معطل لا يعمل. فكأننا نستمع الى الراديو وليس إلى فعل التمثيل. ونحن نعرفأن  المسرح هو فعل مرئي وليس فعل سمعي. فمعنى كلمة مسرح (Theatre) هي أن ترى وليس أن تسمع.

نعم بالنسبة لنادرة هي لا تعطل الجسد، بل تعمل بكافة اعضائها لتوصل الشخصية ولا تهمل حتى الإيماءات وقد لاقت الكثير من المديح على أدائها فها هو مجد جابر يقول عنها” لقد تركت الفنانة نادرة عمران بصماتها المتميزة على الساحة الفنية المحلية والعربية بعد أن فرضت وجودها، مسيرتها إمتدت إلى أكثر من 27عاما. نادرة عمران تجربة فنية كبيرة، ومعروف عنها أنها تقدم الأدوار الصعبة وهي لا تقدم أي عمل إلا بعد دراسته بدقة.[56].

ويستمر الحوار والجدال ويقودنا الى موقف طريف في تعريف وظيفة الصوت حيث تقول “ الصوت هو ليس الجسد وليس العقل هو جسر بين الإثنين.[57]كلام يبدو أن له جذور بالفلسفة، ولكن اذا ما نظرنا الى الفلسفة البنيوية وما بعد البنيوية نجد أن هناك من يقول أن الكلام اتى قبل اللغة (العقل) وهناك من يقول أن اللغة أتت قبل الكلام. هذه الجدلية استغرقت الفلاسفة عشرات العقود ولم تحل لغاية الآن.

وأمّا فيما يتعلق بالجيل الجديد، فتقول إن عليهم أن يعرفوا انني لست أكاديمية، الا أنني لم أتوقف عن تلقف المعرفة عبر سنوات ممارستي المهنة، وإن سؤالي لنفسي ما إذا كنت موهوبة أم لا ما زال يؤرقني حتى هذه اللحظة. فليس لدي يقين بالمطلق، والذي يجيب عل هذا السؤال هو المشاهد. أقول للجيل الجديد أن لا يدعن الأضواء والشهرة تصبح مفتاحا للعمل في التمثيل، لأن التمثيل لا علاقة له بذلك من قريب أو من بعيد، كما تسترسل وتؤكد أن الاستسهال والزيف هو العنوان الذي يستقطب الجيل الجديد مع بعض الإستثناءات. هي تدعوهم إلى المعرفة الحقيقية ليقرروا خوض المغامرة أم لا، وأن لا يعتقدوا بعد نجاحهم أنهم ختموا العلم.

نعم الممثل عليه ان يغرف من المعرفة سنين طويلة فها هو ميرهولد يقول “الممثل يجب أن يدرس كعازف الكمان، لمدة سبع إلى تسع سنوات، ولا تستطيع أن تعمل من نفسك ممثلا في ثلاث أو أربع سنوات[58]. وأنا اقول أن الممثل يحتاج إلى عمر بكامله لأن الاكتشافات في داخل النفس لا تتوقف للوصول منابع المعرفة الذاتية والخارجية .

أما عن رأيها بالمخرجة بالمسرح الأردني وهل إبتعاد المرأة عن الإخراج لأنه مهنة قيادية تعجز عنها المرأة؟ تجيب الفنانة نادرة على هذا السؤال بقولها نعم إن من صفات المخرج القيادة والإدارة ولكن من صفاته الأخرى أن يكون عرافا بمعنى أن يكون أقرب الى المحلل النفسي،  بحيث يعرف كيف يتعامل مع الممثلين وشخصياتهم المتباينة، ومع باقي أفراد الفريق ويخضعهم لرؤيته الإخراجية. وأمّا فيما يتعلق بالمخرجين فهناك حالات إبداعية فردية ولكن تقول ” اذا ما نظرنا إلى المرأة المخرجة فهي تشكل حالة إبداعية اكبر من المخرج الرجل.[59]

أمّا سؤالي ما قبل الأخير فكان عن ماهية الظروف التي كان يجب توفرها في المشهد المسرحي من أجل  عطاء إبداعي أكبر ومستمر لفتره أطول. تجيب بأنها ما زالت تسسلل الى المسرح خلسة، لأنه بالنسبة لها يشكل المساحة الطاهرة بالفن. وتكمل وتقول ابتعدت لأن المشهد المسرحي مشوه الآن والأسباب لا تتعلق فقط بالإحباطات العامة كما يروج الكثيرون، بل السبب الأساسي هو تشوه المسرح الآن. الجميع يملكون أفكارا  ولكن القليل هم الذين يملكون المعرفة. والمعرفة كما قال سقراط هي أن تستسلم لفكرة أنك لا تعرف شيئا، ولهذا تسعى للأكتشافات الذي من خلالها تجدد المعرفة، ومن  يعرف المسرح يعرف أنه مساحة غير منتهية للإستكشاف، وهو طريق لإكتشاف المعرفة وليس ادعائها. أمّا الذي يحدث في الواقع المسرحي فهو أن معظم العاملين في المشهد المسرحي يصرون على امتلاكهم للمعرفة، وهذا بالطبع عكس مفهوم المسرح تماما. فهو كما أسلفت مساحة لإكتشاف المعرفة وليس وسيلة لإستعراضها. إن هذا الفهم الخاطيء أغلق أبواب الخيال فجمد الإبداع والتجدد. وألأخطر أنه أقفل على اهم تمرين للعقل وهو الجدل، وهذا بنظري جريمة بحق العقل الذي هو كنز المسرح وخزينته. حين يرتكب هذا في المشهد المسرحي كيف ستكون المتعة، وكيف سيتحقق اللقاء والتشاركية الحقيقية لإنجاز عمل مسرحي سليم وصادق، يصل الى المتلقي أو يذهب باتجاهه. لذلك أعود للمسرح خلسة كي لا يهاجم لحظة صفائي معه أي من هؤلاءالمستخدمون وأظل اخطف من يد هاملت كأسه المسموم لأطيل اللحظة الفاصلة التي تسبق تجرعه للكأس، فأتأمل الوجود. وتقفل ردها بالقول ” الا تحتاج لحظة كهذه رحلة طويلة من التأمل والسؤال، وهل يوجد أرحب من المسرح لإعطائها ولكن تتسائل مع من؟ قد تكون نادرة محقة الى درجة كبيرة في تشخيصها لواقع الحالة المسرحية في الأردن. ولكن أين دورنا نحن في تغيير هذه المشهدية ؟ إن الإبتعاد جزء من الهزيمة بحق هذا الكائن الذي يتنفس المعرفة. ولكن الذي لم تقله نادرة أن الأوضاع المالية في المسرح مزرية وهي أم ومسؤلة من أولاد، والتلفزيون قادر على سد متطلبات الحياة أكثر من المسرح. ولكن الحب هو الذي يرجعها مع عتبنا عليها، لأن وجودها يعني تنخيل القمح السيء الى الخارج وبقاء الأفضل.

أمّا عن دور المرأة المبدعة في المشهد المسرحي الأردني  فتورد نادرة التحديات التي تعرضت لها المرأة وتجاوزتها وحققت عبرها وجودها في المشهد المسرحي ألأردني.

  1. أول تحدي لها أنها امتهنت هذه المهنة النبيلة
  2. والتحدي الثاني، أنها استطاعت أن تقدم نفسها ومشاكلها برؤية انسانية عامة وليست برؤية جنسوية
  3. التحدي الثالث، أنها استطاعت إظهار عمقها الإنساني ( الإبتعاد عن المسرح التجاري المبتذل) ولم تقدم نفسها كإمرأة جميلة أو قبيحة، بل قدمت عمقها الإنساني، باختصار لم تقدم نفسها كسلعة، بل ككيان واعي بمحيطه.
  4. خرجت عن كل التصنيفات التي وضعت لها كإمرأة :كزوجة، او كحبيبة او كرغبة، الى التصنيف الأجمل أنها عقل.
  5. أخذت حريتها وتجاوزت بهذه الحرية كل القيود لتكون أكثر حرية من الرجل نفسه مع توفر لديه كل ما يخدم ويكرس هذه الحرية، فالمرأة التي تعمل في المجال الإبداعي تتمتع بحرية راقية تتجاوز كل الحدود.

5.الاستنتاجات

توصل البحث الى أن البدايات كانت متشابهة عند المبدعات الثلاث، فهم ليسوا أكديميات بالفنون، الا أن الفطرة والموهبة هي التي كانت تقودهن إلى الدور، فلم يكن همّ المخرجين في الستينيات تثقيف الممثلات، بل كان همهم خلق حالة مسرحية احترافية جديدة في الأردن، أمّا فترة الثمانينات وهي فترة الفوانيس، فقد كان همهم إدخال الحداثة إلى الأردن وإحداث تغيير في المشهد المسرحي أكثر من الإلتفات إلى ممثليهم. كما توصل البحث أيضا الى  أن كل من الفنانة قمر الصفدي والفنانة سميرة خوري قد بدأن حياتهن في أسرة المسرح الأردني، والذي أدى اختفائها والغائها إلى تحويل المشهد المسرحي إلى جهود فردية في الثمانينات وإلى مهرجانات موسمية في التسعينيات ولغاية يومنا هذا.كما خلص البحث أيضا الى أن وجود نقاد بهذا الثقل في الستينيات والسبعينيات ساعد في تقدم العملية المسرحية ألأمر الذي يفتقده المشهد المسرحي الآن.

أمّا فيما يتعلق بدور المبدعة في التأثير في المجتمع على المستويين السياسي والإجتماعي، فقد وصل البحث إلى إتفاق كل من قمر الصفدي وسميرة خوري إلى أهمية دور المرأة في هذاين المجالين، بينما رفضت نادرة عمران أن يكون للمرأة دورا في التغيير، وأن التغيير الذي حدث في المجتمع قد أتى نتيجة تطور المجتمع الطبيعي. كما أن التغيير المهم بالنسبة لديها هو أن تغيّر في حرفة التمثيل ليس فقط في الأردن بل على المستوى العربي. ولكن هذا لم يمنعها كما فعلت زميلاتها من تناول قضايا وهموم العالم العربي سواء في المسرح والتلفزيون. وتوصلنا أيضا أن قمر لا تكتفي بالتغيير من خلال الفن بل تمتد رغبتها الى ممارسة العمل السياسي لإحداث التغيير في المجتمع.

وأمّا عن التأثير الإجتماعي فمما لا شك فيه أن وجود كل من السيدة قمر الصفدي وسميرة خوري وهم من عائلات مرموقة قد أثر في الكثيرات لدخول الوسط الفني، وكاتبة هذه السطور تشكل نموذجا على هذا التأثير.  ولكن الآن لم يعد هذا مهما فقد حلت الأكاديمية عوضا عن بنات العائلات ،وأصبح الوسط ينخل نفسه من اللواتي يدخلن من وراء الشبابيك. أما نادرة عمران فقد عوضت بثقافتها وموهبتها عن الأكاديمية، فألأكاديمية ليست هي المعيار والأساس هي الموهبة المصقولة بالثفافة. وتختلف عنهم نادرة في أنها ترفض أن يكون للمرأة المبدعة دور في التغيير الإجتماعي إذ تعتبر أن التغيير الذي حدث في المجتمع قد أتى نتيجة تطور المجتمع الطبيعي.

وأمّا عن سبب إنسحاب قمر من المسرح، وقلة ظهور سميرة على المسرح، وتسلل نادرة خلسة الى المسرح، فقد توصل البحث أن الزواج والمسؤولية العائلية والخوف على النجاحات القديمة كانوا السبب الرئيس في إبتعاد السيدة قمر عن المسرح. أمّا سميرة خوري فكان لها أسبابا صغيرة وأسبابا كبيرة للإبتعاد عن المسرح، فقد حملت المسؤليين في الدولة السبب في إبتعادها. فالحكومات المتعاقبة لم تولي المسرح الأولوية، وجهل المسؤوليين بأهمية المسرح، غضافة إلى عدم الإهتمام بإدخال المسرح إلى مناهج التربية لخلق جيل وجمهور الى المسرح، وعدم وجود مسارح يومية، والشح في الإنتاج والدعم، كل هذه الأسباب منعتها من الإستمرار رغم إعلانها عن رغبتها في اعطائها فرصة جديدة للوقوف على المسرح. أمّا بالنسبة لنادرة فهي توجه الإتهام إلى المخرجين الذين أوقفوا عملية الإكتشاف الذي يقوم على أساسها المسرح مما اصاب المسرح بالعقم والجدب، لذلك هي تبتعد لفترات ثم تعود لشوقها اليه. إلا أن كاتبة هذه السطور لها رأي اخر، الا وهو أن التلفزيون والشهرة التي يحصل عليها الممثل منه والمكسب المادي الجيد الذي يوفره، اضافة إلى ما تقدموا به الزميلات قد يكون هو سبب الإبتعاد عن المسرح الذي لا يمنح الفنان الا المتعة الذاتية وقليل من الشهرة والإحترام.

أمّا فيما يتعلق بالمرأة المخرجة، فقد خرج البحث الى أن الفنانات الثلاث إجتمعن على أن المرأة قادرة أن تكون في أي موقع قيادي سواء في الإخراج أو في اي مهنة اخرى، كما أنهن يجمعن على أن المرأة كانت مبدعة في الإخراج أكثر من الرجل وعلى الرغم من قلة عدد المخرجات.

وأمّا فيما يتعلق بدور المرأة المبدعة ومساهمتها في المشهد المسرحي الأردني فقد أجابت سميرة أن المرأة كانت وما زالت قادرة أن تحدث الفرق، كما اكدت ذلك الفنانة قمر الصفدي بقولها ان المرأة قادرة على تغيير المشهد المسرحي سواء بتطوير المهنة أو من خلال المعرفة وتزودها بالعلم ، وامّا نادرة فقد أوردت التحديات التي تعرضت لها المرأة وتجاوزتها وحققت عبرها وجودها في المشهد المسرحي، ومنها أن المهن التي نمتهنها هي مهنة نبيلة، وأن المرأة قدمت نفسها برؤية إنسانية وليست جنسوية، واستطاعت المرأة الفنانة أن تظهر عمقها الإنساني ولم تتعامل مع نفسها كسلعة ، كما أنها خرجت من كل التصنيفات كزوجة وأم الى التصنيف الأكبر أنها عقل،  وفي النهاية أنها اخذت حريتها وتجاوزت القيود. إن المرأة بتجاوزها لكل هذه التحديات تكون قد غيرت  في صورة المشهد المسرحي الأردني.

وفي السؤال الأخير الذي طرح على المبدعات الثلاث قمر وسميرة ونادرة والمتعلق بما يمكن أن يقلنه للمرأة المبدعة من  الجيل الجديد، توصل البحث إلى ان المبدعات قد دعون الجميع الى المعرفة، وإن لم تكن الأكاديمية فالثقافة الشخصية، ودعوهن الى العمل بجد وعدم الإستسهال، كما دعوهن إلى نكران الذات، وعدم تقديم أنفسهن كسلعة وبالنهاية احترام الذات وإحترام الاخرين.

إنتهى البحث

مجد القصص

ماجستير في مسرح فيزياء الجسد – لندن

طالبة دكتوراة سنة ثالثة في الجامعة اللبنانية

تاريخ 1/10/2013

المصادر والمراجع

  1. عودة، هشام، بورتريه، قمر الصفدي: عميدة الممثلات ألردنيات، جريدة الدستور الأردنية، 26/10/2009

القصص، مجد، مقابلة شخصية مع قمر الصفدي، 20/9/2011

  1. القصص،مجد، مقابلة شخصية مع سميرة خوري، 20/9/2013
  2. خوري، سميرة , شهادة ابداعيىة في زمن يتردى،مجلة البيان،المجلد الرابع، العدد الثاني، ربيع 2004، ص.89

  1. أبو النعاج، هيام، سميرة خوري: أهتم بزهور حديقتي واشارك أخي سامي الحانية الجميلة، جريدة الدستور الأردنية، الجمعة 5/2/2010
  2. خوري، سميرة، صورة المرأة في الدراما الأردنية : مسرح وتلفزيون،  ندوة المرأة والإبداع، اتحاد الكتاب العرب بيروت.
  3. شاور، رنا، سميرة خوري، جريدة الرأي،ألأربعاء 13/10/20101992
  4. أخبار المدينة ، الفنانة سميرة خوري، الدراما الأردنية بدات من التلفزيون وماتت على يده

Cited

http://almadenanews/com/

Accessed date:20/9/2013

  1. الجاف،فاضل، فيزياء الجسد: ميرهولد ومسرح الحركة والايقاع،دائرة الثقافة والاعلام الشارقة،2006
  2. خوري، سميرة، شهادة ابداعية، ملتقى الإبداع النسوي، جامعة ال البيت، 2003
  3. شناعة، طلعت، سميرة خوري، أشعر بالألم لحال الدراما الأردنية، الدستور، ألحد 5/1/2012

  1. عمران، نادرة, شهادة ،مجلة البيان،المجلد الرابع، العدد الثاني، ربيع 2004
  2. ستار تايمز، نادرة عمران تربيت بين كروم العنب وجواد الأسدي استكشف طاقتي بالتمثيل

Cited in

http://www/startimes.com

Accessed Date: 20/9/2013

  1. ستانسلافسكي قسطنتين، حياتي في الفن، المؤلفات الكاملة، موسكو،ج4، 1960

14.القصص،مجد، مقابلة شخصية مع نادرة عمران، 26/9/2013

  1. 15. اخبار عمون، نادرة عمران تعمل في الإجتياح والدرب الطويل

Cited in

http://www.ammounnews.net

Accessed Date: 20/9/2013

  1. عمران، نادرة، جريدة الشرق الأوسط، الجمعة 28/11/2003

  1. عمران، نادرة، الخليجية

Cited in

http://www.alkhaleejae

Accessed Date: 20/9/2013

  1. جابر، مجد، نادرة عمران تدعو لتوفير الحصانة للفنان الأردني، جريدة الغد الأردنية، 7/4/2012

المراجع باللغة الانجليزية

  1. Gladkov, Aleksandr, Meyerhold Speaks, Meyerhold Researches, Amsterdam, Harwood Academic Publishers, 1997, P. 104

  1. Eisenstein, S., Notes from a Lecture by V.E. Meyerhold 1921-22, quoted in Bushueva, Svetlana (ed) Russkoe Akterskoe Iskusstvo xx veka, St Petersburg: Russian Institute of History, of Arts, p.141

  1. Pitches, Jonathan, Two Perspectives on the phenomenon of Biomechanics in Contemporary performance: Studies in Theatre production 16, December,1997



[1] عودة، هشام، بورتريه، قمر الصفدي: عميدة الممثلات ألردنيات، جريدة الدستور الأردنية، 26/10/2009

[2] نفس المصدر السابق

[3] القصص،مجد، مقابلة شخصية مع سميرة خوري، 20/9/2013

[4] القصص،مجد، مقابلة شخصية مع سميرة خوري، 20/9/2013

[5] عودة، هشام، بورتريه، قمر الصفدي: عميدة الممثلات ألردنيات، جريدة الدستور الأردنية، 26/10/2009

[6] القصص،مجد، مقابلة شخصية مع سميرة خوري، 20/9/2013

[7] نفس المصدر السابق

[8] نفس المصدر السابق

[9] عودة، هشام، بورتريه، قمر الصفدي: عميدة الممثلات ألردنيات، جريدة الدستور الأردنية، 26/10/2009

[10] القصص،مجد، مقابلة شخصية مع سميرة خوري، 20/9/2013

[11] نفس المصدر السابق

[12] خوري، سميرة , شهادة ابداعيىة في زمن يتردى،مجلة البيان،المجلد الرابع، العدد الثاني، ربيع 2004، ص.89

[13] نفس الموضع

[14] نفس الموضع

[15] نفس المصدر السابق ص.90

[16] نفس المصدر السابق ص.91

[17] شناعة، طلعت، سميرة خوري، أشعر بالألم لحال الدراما الأردنية، الدستور، ألحد 5/1/2012

[18] ابو النعاج، هيام، سميرة خوري: أهتم بزهور حديقتي واشارك أخي سامي الحانية الجميلة، جريدة الدستور الأردنية، الجمعة 5/2/2010

[19] القصص،مجد، مقابلة شخصية مع سميرة خوري، 23/9/2013

[20] خوري، سميرة , شهادة ابداعيىة في زمن يتردى،مجلة البيان،المجلد الرابع، العدد الثاني، ربيع 2004، ص.91

[21] Eisenstein, S., Notes from a Lecture by V.E. Meyerhold 1921-22, quoted in Bushueva, Svetlana (ed) Russkoe Akterskoe Iskusstvo xx veka, St Petersburg: Russian Institute of History, of Arts, p.141

[22]Pitches, Jonathan, Two Perspectives on the phenomenon of Biomechanics in Contemporary performance: Studies in Theatre production 16, December,1997, P.101

[23] الجاف،فاضل، فيزياء الجسد: ميرهولد ومسرح الحركة والايقاع،دائرة الثقافة والاعلام الشارقة،2006، ص.163

[24] شاور، رنا، سميرة خوري، جريدة الرأي،ألأربعاء 13/10/2010

[25] نفس المصدر السابق

[26] أخبار المدينة ، الفنانة سميرة خوري، الدراما الردنية بدات من التلفزيون وماتت على يده

Cited

http://almadenanews/com/

Accessed date:20/9/2013

[27] القصص،مجد، مقابلة شخصية مع سميرة خوري، 23/9/2013

[28] نفس المصدر السابق

[29] خوري، سميرة، صورة المرأة في الدراما الأردنية : مسرح وتلفزيون،  ندوة المرأة والإبداع، اتحاد الكتاب العرب بيروت، 1992

[30] نفس المصدر السابق

[31] أخبار المدينة ، الفنانة سميرة خوري، الدراما الردنية بدات من التلفزيون وماتت على يده

Cited

http://almadenanews/com/

Accessed date:20/9/2013

[32] القصص،مجد، مقابلة شخصية مع سميرة خوري، 23/9/2013

[33] خوري، سميرة، شهادة ابداعية، ملتقى الإبداع النسوي، جامعة ال البيت، 2003

[34] القصص،مجد، مقابلة شخصية مع سميرة خوري، 23/9/2013

[35] نفس المصدر السابق

[36] القصص،مجد، مقابلة شخصية مع سميرة خوري، 23/9/2013

[37] شناعة، طلعت، سميرة خوري، أشعر بالألم لحال الدراما الأردنية، الدستور، ألحد 5/1/2012

[38] القصص،مجد، مقابلة شخصية مع سميرة خوري، 23/9/2013

[39] نفس المصدر السابق

[40] نفس المصدر السابق

[41] عمران، نادرة, شهادة ،مجلة البيان،المجلد الرابع، العدد الثاني، ربيع 2004، ص.86

[42] ستار تايمز، نادرة عمران تربيت بين كروم العنب وجواد الأسدي استكشف طاقتي بالتمثيل

Cited in

http://www/startimes.com

Accessed Date: 20/9/2013

[43] القصص،مجد، مقابلة شخصية مع نادرة عمران، 26/9/2013

[44] ستانسلافسكي قسطنتين، حياتي في الفن، المؤلفات الكاملة، موسكو،ج4، 1960، ص.281

[45] القصص،مجد، مقابلة شخصية مع سميرة خوري، 26/9/2013

[46] نفس المصدر السابق

[47] نفس المصدر السابق

[48] نفس الصدر السابق

[49] نفس المصدر السابق

[50] نفس المصدر السابق

[51] نفس المصدر السابق

[52] اخبار عمون، نادرة عمران تعمل في الإجتياح والدرب الطويل

Cited in

http://www.ammounnews.net

Accessed Date: 20/9/2013

[53] عمران، نادرة، جريدة الشرق الأوسط، الجمعة 28/11/2003

[54] القصص،مجد، مقابلة شخصية مع نادرة عمران، 26/9/2013

[55] عمران، نادرة، الخليجية

Cited in

http://www.alkhaleejae

Accessed Date: 20/9/2013

[56] جابر، مجد، نادرة عمران تدعو لتوفير الحصانة للفنان الأردني، جريدة الغد الأردنية، 7/4/2012

[57] القصص،مجد، مقابلة شخصية مع نادرة عمران، 26/9/2013

[58] Gladkov, Aleksandr, Meyerhold Speaks, Meyerhold Researches, Amsterdam, Harwood Academic Publishers, 1997, P. 104

[59] القصص،مجد، مقابلة شخصية مع سميرة خوري، 26/9/2013

 

 

 


(العمل المسرحي المؤسسي )

الفرق المسرحية بين منتج للمسرح ومنظم للمهرجانات

الفوانيس ” ايام عمان المسرحية ،  ” الحر ” ليالي المسرح الحر ، ” طقوس ” عشيات طقوس ” مسرح الفن ” مهرجان الشمال

د. محمدخير الرفاعي / استاذ ( فنون درامية )

جامعة اليرموك / كلية الفنون الجميلة

قسم الدراما

تسعى التجربة المسرحية وتسهم في تأسيس نظام معرفي جديد في مجال المسرح على مستويين أساسيين، أولهما العرض، وثانيهما التلقي. لكن لا يمكن لأية تجربة أن تنجح دون منهاج ،  أو لنقل ورقة عمل تكون عبر مفرداتها وفهرسها دليل عمل واضح يرافقه برنامج تطبيقي دقيق المراحل، قابل للتطوير والتغيير، حتى وإن جاءت محصلة التجربة نفيا للبرنامج نفسه، لأن النفي هذا سيشكل بديلا للحالة الأولى مرتقيا بها إلى حالة أكثر غنى وتقدم ،لأن الرؤى والأفكار ستكون في هذه الحالة قابلة للتحقيق. لذا عمدت إلى كتابه هذه (الدراسة) .

وكلي أمل ان تثمر_ ولو بالقليل _ لصالح حركة المسرح العربي ، ذلك انها تسعى نحو تشخيص الحالة ووضع الفرضيات والتأسيس لمقترحات وأفكار قابلة للتبني أو الرفض وفي الحالتين ستكون مشروطة بالتطبيق المبدع الخلاق. فالتطبيق وحده قادر على تحقيق همزة الوصل ، ومنح الفكرة أهمية وهوية وخصوصية  لنقد التجربة   .

ولكي تنهض هذه الدراسة  باكتشاف تلك الخواص ، كانت لي وقفة مع واقع الفرق المسرحية من خلال تقسيم الدراسة الى قسمين الاول :منها  يؤسس للفكرة وطبيعتها وامتدادها ومعوقاتها ومقترحات للنهوض والإضافة  والتحديت .

والقسم الثاني: خاص بواقع الفرق المسرحية رؤاها وأهدافها وتحليل بعض النماذج من  اعمالها في محاولة لطرح منطلقاتها الفكرية وأهدافها الفنية وطموحها التأسيسي وطبيعة تشكيلها  كل ذلك

من خلال وقفة استعراضية نقدية لطبيعة المأمول والمتحقق منه ، الا انني ومن خلال الدراسة والبحث وجدتني اقف طويلا مع منجز فرقة الفوانيس المسرحية بالنقد والتحليل واستعراض النماذج الادبية ، حيث  تعاملت مع نصوص مسرحية في مجملها _ اذا لم تكن في المطلق _ نصوص من تأليفها وأخراجها فلم تعتمد على نصوص مسرحية  جاهزة .

تم كانت وقفتي مع منجز” الحر” حيث قدمت للعديد من الاعمال ذات السوية الفكرية والشكل الفني المتوافق . ثم وقفتي مع منجز” طقوس ” والاتجاه نحو تفعيل الاجواء الطقسية الأسطورية والمثيولوجية للمسرح من خلال بناء النص وإكسابه شكل العرض الطقسي،  واخير عرضت لواقع فرقة مسرح الفن ( اربد ) ومنطلقاتها الفكرية  .

وقمت بتحليل بعض النماذج  من العروض المسرحية سواء ما كتب وفق النهج الأرسطي ، أو ما كتب وفق النهج الملحمي البريشتي ، أو ما كتب في محاولة للبحث عن شكل مسرحي جديد  او ما اخذ منها الشكل الفرجوي  او التقليدي ( الكلاسي)  ، آخذاً في الاعتبار محاولة التنوع في عرض  نماذج لمختلف المدارس المسرحية الدرامي منها أو الملحمي أو الغنائي أو التسجيلي

وكان ذلك بالوقوف على بعض نماذج النصوص تأليفا وعرضا وبحثا ونقدا _ ما امكن ذلك _ وهي تجارب منتقاة دالة على السمات .

وعليه لا ادعي ان هذه الدراسة قد قدمت كل المأمول ، انما هي بداية متواضعة لما هو قادم من اضافة ونقد وتحقيق لخدمة الحالة المسرحية العربية .

القسم الأول

مقدمة :

ان أية حركة أدبية ، لأي مجال من مجالات الإبداع الفني ، لا يمكن أن تولد من فراغ ، وإنما تنهض وتتطور من خلال الممارسة والإطلاع والتراكم .

والمسرح هو تاريخ وحرفة وفن ونظرية ، وهو متوارث في النص والتعبير وكذلك في النقد فلكل فن من هذه الفنون المسرحية تاريخ خاص به من ناحية ، مرتبط بتاريخ المسرح العام من ناحية أخرى .

على أن نظرية المسرح تتفرع وتتشعب إلى عدة نظريات ، ( نظرية المسرح الدرامي ، ونظرية المسرح الملحمي ، ونظرية الفراغ المسرحي ، ونظرية المسرح الفقير ، ونظرية مسرح العبث ، ونظرية مسرح القسوة ، … الخ )، ولكل نظرية منها أسس خاصة بها .

ولقد تعرض البحث مرتكزاً على تلك الأسس التي تشكل مفهوماً خاص للمسرح من حيث هو أداة تواصل وتعبير ، ومن حيث هو فن قائم على الاختيار والخبرة شأن كل فن، وذلك من حيث ” مادته ” غير أنه مختلف عن الفنون الأخرى ، من حيث طبيعة تلك المادة التي تصلح له، أو لا تتشكل إلا عبر الصياغة المسرحية .

من هنا كان المسرح فناً مختلفاً من حيث صياغته وشكله في النص وفي العرض ، عن غيره من الفنون ، فالمادة المسرحية هي التي تفرض طريقة معالجتها درامياً في شكل مناسب لها، وذلك طبعاً حسب ميول المبدع ، سواء في الكتابة المسرحية أو في الإخراج أو في التصميم أو التعبير أو غيرها …

وحسب وسائله الفنية ، وتبعاً لطبيعة المادة المستخدمة وطريقة صياغتها ، تكون عملية التعبير المسرحي .

فقد رأى باربا أن  المسرح لا يستطيع تغيير المجتمع ككل . ولكنه …. لديه الإمكانيات لتغيير من يعملون فيه – من خلال جعل المسرح أسلوباً لحياتهم ، بدلاً من مجرّد مهنة يحترمونها . وأيضاً لديه القدرة على تغيير من تكون له صلة بهؤلاء الذين جعلوا المسرح مركزاً لحياتهم ، لذلك أهتم باربا بشكل أساس بـ   ( الجماعة المسرحية ) وهو مفهوم سبق أن عمل عليه غروتوفسكي فيما سمّاه بـ ( قرية خارج الحدود الثقافية ) تكون منبعاً للمسرح لأنها تمتلك مقوّمات التربية المسرحية الخاصة .

ولا شك ان  الجماعات المسرحية هي التعبير الوجودي المعبر عن دور ورسالة المسرح في بناء الامم و الشعوب .عبر محاكاة الواقع وتمثيله اذ غالبا ما تنتظم المجموعات المسرحية للقيام باعباء التنوير و التوعية في المجتمع المعني .لكن لكل نشاط وعمل جماعي متخصص مجموعة من المشاكل التي تواجهها وتعوق استمرارها في اداء رسالتها في رفد الحركة الثقافية و المسرحية .وعلي مر التاريخ ظهرت مجموعات مسرحية عديدة استطاعت تقديم العروض في العديد من المهرجانات المحلية و العالمية ( [1]).

لعل قضية الانطلاق من الجمهور، والارتباط بواقعه جعلت المسرحيين يركزون على تأسيس فرق مسرحية مستقلة  ، _ وطليعة المسرح تعني الثورية _ ، وتكمن قدرتها في مدى ارتباطها بالمتلقي، والتعبير عن همومه وقضاياه.

فالمسرح هنا حدثٌ اجتماعي، والجمهور عنصر أساسي لا يمكن الاستغناء عنه وهذا أمر بديهي في عالم المسرح .

أدرك النقاد أهمية المسرح وفاعليته في الدفع الثوري، وبدؤوا يتساءلون عن طبيعة المجتمع العربي، وآلية نموه، ليدركوا طبيعة الشكل المسرحي، ويصلوا إلى شكلٍ مسرحي عربي ملائمٍ للمسرح العربي، وأيقنوا خطورة كون المسرح حركة شكلية لا علاقة لها بالواقع العربي .

لعل التصور الفكري والفني حول المسرح بصفة عامة، والذي يحمل همه الكثير من المفكرين والفنانين والمسرحيين والنقاد والغيورين على هذا النوع الفني العظيم، يبقى تصورا قاصرا لا يخلو من معاني الضعف والتراجع والخوف من السقوط في اللانجاح واللاشهرة واللاعظمة، ولذلك نستنتج أن أغلب المهتمين بالمسرح في عالمنا العربي يضعون صوب أعينهم مسألة الشهرة والنجاح والثراء قبل استحضار الأهداف الحضارية والفنية الأخرى التي تعتبر القاطرة الأولى نحو النجاح وليس العكس كما يعتقدون.

ثمة حقيقة ماثلة أمام أعين كل متابع للحركة المسرحية في الآونة الأخيرة وهي انها قد فقدت كثيراً من ألقها وسيرتها الأولى، وبالتالي كان من الطبيعي أن تتشكل الفرق والجماعات المسرحية غياباً لتتوارى عن الانظار بشقيها الحكومي والمدني .

وفي سياق البحث عن اهم العوائق و التحديات التي تقف وراء عدم استمرار الفرق و المجوعات في عروضها  ، بدا واضحا  ان إستمرار المجموعات المسرحية  يتوقف علي توفير المتطلبات ووسائل الانتاج ودور العرض  مما جعل عمل بعض الفرق  يظهر بصورة موسمية وفي اطار المهرجانات فقط ،  مما جعل العرض المسرحي حالة ابداعية متقطعة افقدتها الاستمرارية وحسن التواصل مع المشاهد ، علاوة على :

–    عدم الوعي المجتمعي بضرورة المسرح وأهميته و التعامل معه علي اساس الفرجة بمفهومها المغلوط .

–    طوعية النشاط المسرحي وغياب الدعم المادي والمعنوي ، اضافة الي غياب جسم نقابي فاعل   يقوم بتوفير وسائل الانتاج و المتطلبات الخاصة بتلك المجموعات .

–    عدم وجود قانون واضح ناظم للفرق يحظى بتوجه حكومي لربطه بالمنظمات والمؤسسات العامة والخاصة للحث على تفعيل المجال الثقافي الفني بالدعم والرعاية والمنافسة .

الفرق بين الإطار والمدخل وعلاقتهما بالمنهج والنموذج

يختلط الأمر عند الباحثين بين المدخل Approach والمنهج Method بسبب التشابه الكبير بينهما، والواقع أن هناك اختلافات بين الكلمتين.

يعرف قاموس “أكسفورد” المدخل بأنه التعامل مع موقف ما أو مشكلة ما بطريق ما حول موضوع ما.

والمدخل هو فعل ما أو عدة وسائل للاقتراب أو للتعامل مع شخص أو شيء ما، بينما يعني المنهج في الجانب الآخرالطريقةأوالعملية، التي ينفذ بمقتضاها عملاً ما، هذا هو الاختلاف الأساسي بين المدخل والمنهج .

أنت تقترب من مشكلة ما بنظرة ما للتعامل معها، وفي الجانب الآخر أنت تلجأ إلى منهج ما بنظرة ما؛ سعيًا وراء حل هذه المشكلة، وبمعنى آخر يمكن القول بأنالمدخليقوم على التعامل مع المشكلة، بينما يقومالمنهجبمحاولة حل هذه المشكلة.

وقد يفشل الباحث في التعامل مع بعض المشاكل، إذا لم يكن مدخله إليها جيدًا وفعالاً، وفي نفس الوقت فإنه قد يفشل في حل مشكلة ما، إذا كان منهجه خاطئًا وغير فعال، وفي بعض الحالات يمهِّد المدخل للمنهج في حل المشكلة، ويمكن القول بصفة عامة: إن المدخل هو السبب، وإن المنهج هو النتيجة؛ فالمدخل إلى جسر ما يجب أن يكون جيدًا؛ حتى تصل إلى الحافة الأخرى من النهر.

أما الفرق بين النموذج Model والإطار Framewor، فهو أن النموذج يستخدم ليمثل أو يشرح عمليات وآليات شيء آخر، وهو مفهوم تصوري يوجد في عقل الباحث، بينما الإطار هو طريقة ما تمثل العلاقة بين كل جانب  من جوانب البحث  ، من زوايا هدف البحث، ومنهجه، وطريقة جمع البيانات، والتحليل، حينما تكون هناك نظرية أو بحث علمي، فهو يصف الاتجاه العام وحدود النظرية في البحث؛ أي: إن الإطار التصوري يستخدم في البحث؛ ليعطي الباحث صورة كلية للمراحل الممكنة للبحث أو لتحديد المدخل المفضل لفكرة ما.

ويمكن النظر إلى الإطار من عدة زوايا، يمكن تلخيصها في أنه بناء منظم من الأفكار والمفاهيم، يحدد المفاهيم والممارسات الخاصة بالمشروع البحثي، وهو المسؤول عن التقدم في البحث العلمي وإنجازه.

واجدني مضطرا هنا لهذا التقديم العلمي لمحاولة تقديم استهلال منطقي بحدود طبيعة دراستي ، ذلك انني لن اتمكن من الوقوف على تفاصيل الحالة الا من خلال المستطاع من التصور ، على امل ان تكون ورقة بحثية ، يتبعها الكثير من التأسيس لطبيعة الحالة وتداعياتها ، لكي تعم الفائدة وتكتمل بجهد الباحثين من الزملاء .

وعليه قد ادعي ان حالة الفرق المسرحية  هي حالة عمل مؤسسي بدافع غير مؤسسي ، لها فضاء وارض ومنبر حالم محلق نحو الافضل _ او هكذا يفترض _ بظروف مشروطة يزداد من خلالها

التأثير على المتلقي من خلال :

1-    الإثارة :

وذلك من خلال تقديم نص وموضوع جديد بعيداً عما كان في السابق وبعيداً عن الملل،ومثلاً لدينا حب الاستطلاع والفضول ولا بد من أن يصحب هذه الإثارة بعض من موسيقى الاسترخاء أو الشحن الايجابي الذي يريده المؤلف .

2-    التطهير :

وهو أشبه بالعلاج وهو يعتمد على السيطرة على الرعب الذي يشعر به الإنسان ، وان المسرح والنص المقدم يطلق العنان للانفعالات الحبيسة بداخلنا وأسلوب التطهر يعتمد على الوعي بالمشكلة وأسلوب مواجهتها .

3-    التحقق أو الإكمال التام :

ويرتبط هذا العامل بمدى قدرة أو عدم قدرة فريق العمل  على إيجاد حل داخلي للمشكلة ،فهناك دلائل عدة على أن التعبير عن المشكلة يعمل على تناقص ردة الفعل ، فيصبح التعبير متنفساً يخفف الضغط عن المتلقي بدلا من تحريك الرأي العام ،خاصة إذا ما لم يحمل هذا السيناريو حلا للمشكلة .

4-    دور الرسالة :

إن مدى تأثير المسرحية سواء كان سلبياً أو ايجابياً يعتمد بشكل رئيس على المغزى الذي يحاول العمل الفني أن ينقله ،فمن الضروري أن يختار فريق العمل  عمله بعناية وان يبتعد عن النصوص التي قد تؤدي إلى ردة فعل عكسية ،خاصة إذا تضمنت في حد ما العنف والإثارة الجنسية والشر ([2]).

طبيعة الفرضية  للفرق المسرحية :

كل الجهود المسرحية للفرق كانت ولا تزال وستبقى تهدف إلى كيفية التوجه إلى الجمهور من خلال الصورة المسرحية، وبالتالي لا بد وان تكون وسائل التغير وتقنياته متناسبة مع تلك الرغبة وطبيعة المرحلة ومتطلباتها وذلك عن طريق الرغبة وطبيعة المرحلة ومتطلباتها وذلك عن طريق:

المضمون:   نصوص مؤلفة، مترجمة، معدة، مقتبسة .

المكان   :   فضاء تقليدي، فضاء تجريبي ( الذهاب إلى الجمهور ) .

التقنية    :   دمى ، تأليف جماعي …. الخ .

وما من شك في أن التوجهات المسرحية قد أدركت أن الواقع الحياتي المعيش هو الذي يؤثر في المسرح وليس العكس فهو ينبه ويوقظ ويحرك فلولا الثورة الصناعية التي حدثت في بداية القرن التاسع عشر ونقلت المجتمع الأوروبي من حياة الريف إلى تحدي المدنية لما ظهر المسرح الواقعي ولولا نضال الشعوب ضد الاستعمار والحروب والثورة العمالية ضد العبودية وهيمنة الاستعمار لما ظهرت كتابات برتولد برشت حول المسرح الملحمي التعليمي… والسعي نحو التجديد وإيجاد عقلانية للمعنى المسرحي

ثوابت النجاح  للفرق المسرحية

تنطلق من ضرورة ادراك ما يأتي :

_أن  ” المعنى النهائي للنص ” يتجاوز بالضرورة أي منظور فردي ويسمح بالتجوال وفق تعددية المعنى والإشارة والدلالة، ويساعد القاري على اكتشاف عوالمه الداخلية.

_   أن قراءة النص لم تعد مرهونة بوجود المتن لذاته، بل تعدته إلى ما يسبغ عليها القارئ  من نشاط تأويلي يسمح به المتن دون أعاقة أو كبت.

_  أن البناء الدرامي  التقليدي قد تخلخل لمصلحة الخطاب المسرحي الحداثي لتلبية حاجات وسائل التعبير وطبيعة المرحلة ومتطلبتها.

_ أن  نظرية القراءة الحديثة  أصبحت تفترض البحث في اثر القارئ نفسه في النص، بعد أن كانت تبحث في أثر النص في المتلقي.

_ أن حرية النصوص قد تحققت  بعد أن أصبح نشاط القراءة والتأويل جزءاً متمماً للتأليف ولا يطابقه بالضرورة ولا يفرض نموذجاً موحداً للشرح والتفسير كيف يدل النص ؟ وما الذي يدل عليه ؟

ملاحظات

وعليه يمكننا القول أن:

  • بناء( شكل العرض ) كهدف للفرقة المسرحية لن يتحقق  بالنص وحده، وإنما بعملية الإبداع مروراً بالتدريبات وصولاً للعرض الذي يتجدد كلما استمر.
  • بناء(شكل العرض) كهدف للفرقة المسرحية  يجب ان يكون مشروع عرض يقضي هيمنة المكتوب لفائدة أكثر شمولية متعددة الرؤى لمصلحة نص العرض والفرجة الجماعية.
  • ان مواصفات( الصورة المسرحية ) لعروض الفرقة  تكتمل بعد عرضها وليس قبل ذلك.
  • ان ( الصورة المسرحية ) المنشودة  يجب أن تخلق توازناً بين الحالة و اللغة المسرحية للبعد عن اللامسرح أو الشكلانية .

مقترح

كيف تتأسس أدبيات( العرض )  داخل اطار اهداف وتطلعات الفرقة  لتحقيق اتجاهات التعبير المسرحي ؟

عن طريق مراعاة الأتي:

  • الحرية:   حرية التفكير واقتحام المجهول وإعادة التفكير، وصولاً إلى محطات جديدة مغايرة بالضرورة لمحطات المألوف والمعروف.
  • التغيير:   في العلائق والمفاهيم والرؤى والعناصر والبناء والأدوات والآلية
  • الجرأة:   وهو فعل صدامي بالضرورة يحتاج إلى تمرد واقتحام لفضاءات فكرية تتجاوز لوائح الممنوعات ( البروتوكولات )
  • عدم الانحياز:   الاحتكام إلى معطيات الواقع والعقلانية وتحكيم المنطق والنزاهة والحياد كي لا تصادر حق الأشياء في التعبير عن نفسها بنفسها.

إذن بالإمكان تحقيق رؤى الفرق المسرحية ببناء عروض متميزة  تهدف إلى تطوير المسرح وتحقق حيويته وفعاليته وتؤكد على حق العرض المسرحي في التجدد والإبداع والتحديث…  ومراعاة أن الخطاب المسرحي الحديث لا  يجب  ان يلغي الخطاب المسرحي السابق، بل يعمل على زيادة فعاليته وتخليصه من الأفكار والنظم التي أعاقة فعاليته ويسعى إلى تجديد المسرح وتخليصه من كل الحوافز والأطر التي حولته إلى أنماط وأشكال فيها من الإعادة والتكرار والاجترار ما يجعل فضاء حرية المبدع المسرحي محدودا.

لذا كان تطور الفرق المسرحية  في أوروبا لاستكشاف إمكانيات جديدة للمسرح ، في حين انه في دول العالم الثالث يمثل ضرورة أساسية تفرضها البنية الاجتماعية والسياسية والتركيبة التاريخية لهذه الدول ، فالمسرح في أوروبا أصبح ترفا اجتماعيا فكرياً وفنياً ، في حين انه عندنا تعبير عن حاجة قد تكون هذه الحاجة هي محاربة الآثار المترتبة على فترة طويلة من الاستعمار وما نتج عنه من غزو فكري وثقافي مضاد للعادات والقيم السائدة ، او ضرورة لمحاربة الفساد والفقر والجهل ،او انه ضرورة للتعبير عن الرأي في دولنا التي يجد الفرد فيها صعوبة في التعبير عن رأيه( [3]).

ولما كنت مؤمنا بأن الفرقة المسرحية الحقيقية بيت مسرحي مستقل فنيا وماليا واداريا ، وهي بمثابة أشعاع فني وثقافي حقيقي للعاملين بها ولجماهيرها . ولما كنت موافقا بأن الفنان لكي يمارس فنه عن جدارة لا بد وان يكون له موقف محدد من الانسان والحياة …. ولا بد ان يكون له بالتالي رأي في كل ما يدور من حوله على كل المستويات  فأنني أرى أن قيام حالة صحية طبيعية للفرق المسرحية لن تكون ناجحة بمعزل عما اسلفت .

اذن يمكننا القول ان التوجه نحو تميز الفرق المسرحية يحتكم لمجموعة من الضوابط والمعايير

تتمثل في التقويم والانتقاء واختيار أجود العروض المسرحية في المرتكزات والقواعد الضابطة التالية :

  1. محاولة الجمع بين الفائدة المعرفية والمتعة الجمالية داخل العرض الواحد  .

2.  حسن توظيف واستثمار التقنيات الميزانسينية والتصورات الإخراجية المعروفة في تاريخ الإخراج المعاصر سياقيا ودلاليا .

  1. تحقيق الانسجام بين التصور الاخراجي للعمل وطبيعة الفكرة الدرامية  للنص .

4.  محاولة الجمع بين متعة الأداء التمثيلي ومتعة التلقي بتجويد الانسجام الجمعي وإعلاء روح التواصل الحسي .

5.  الاهتمام بدور الإعداد الدراماتورجي الذي يقوم به المخرجون والمؤلفون الشباب والكبار على حد سواء .

6.  التأكيد على ضرورة الاهتمام بالأعمال المسرحية التي تنحو منحى التأصيل والتأسيس للفعل الدرامي .

  1. تحقيق فكرة الفرجة المتكاملة من خلال تضافر كامل عناصر العرض المسرحي  .

8.  الميل نحو الإبداع والابتكار والخلق والبحث الدرامي والبحث عن نظريات وتقنيات وطرائق مسرحية جديدة على مستوى التشخيص والإخراج والسينوغرافيا والتأليف والدراماتورجيا .

9.  تفعيل  معياري الوظيفة والسياق الدراميين، ويعني هذا أن جميع المكونات المسرحية ينبغي أن تكون وظيفية، ولها سياقها الدلالي والسيميائي والتداولي والنفسي والاجتماعي بدون تصنع وتكلف .

10_    الجمع بين التشخيص اللغوي القائم على الكلمة والحوار اللفظي والتشخيص الحركي القائم على الأداء الجسدي والبصري والكوليغرافي أثناء تقديم الفرجة المسرحية   بتوازن وحنكه .

11-  الاهتمام بجودة التشخيص والتمثيل وتطبيق منهجيات المدارس المعروفة في تدريب الممثل وتكوينه سواء على المستوى النفسي الداخلي أم على المستوى التقني الخارجي أو التوفيق بين الأداءين.

12-   اجتناب التعابير المباشرة السطحية التقريرية وتعويضها بطرائق فنية وجمالية موحية ورمزية باستعمال أساليب حوارية كنائية ودالة وتعابير إلقائية غير مباشرة .

13-   تشجيع التأليف الشخصي لدى الفرق والمؤسسات المشاركة وترجيح كفة الإبداع الذاتي الشبابي بدلا من الاشتغال على النصوص الوافدة سواء أكانت مقتبسة أم مترجمة أم مؤلفة .

القسم الثاني  : الفرق المسرحية

فرقة الفوانيس ” ايام عمان المسرحية

تأسست جماعة مسرح الفوانيس في عام 1982 كفرقة مسرحية مستقلة مسجلة لدى وزارة الثقافة الأردنية تحت رقم 38 (أ. ف)، بموجب قانون الجمعيات الخيرية والهيئات الاجتماعية رقم (33) لسنة 1966.

وبهذا، أُعلنت الفرقة كجمعية غير ربحية وغير حكومية (NGO) تهدف إلى تفعيل دور المسرح في المجتمع المحلي أولا، ثم الامتداد إلي العالمين العربي والغربي.

وفي العام 1984، أصدرت “الفوانيس” أول بيان مسرحي لها في الأردن، معلنة عن إقامة احتفال مسرحي سنوي بمناسبة يوم المسرح العالمي الذي يصادف في 27 آذار من كل عام، وقد تطور العمل في هذة الاحتفالية الكبيرة ليصار إلى إقامة مهرجان دولي للمسرح يحمل اسم “مهرجان أيام عمان المسرحية”، والذي نظم في دوراته الأولى كمهرجان محلي، ليصبح منذ العام 1994 مهرجانا دوليا للمسرح في الأردن.

الرسالة:

  • العمل على نشر الوعي بأهمية المسرح في حياة مجتمعاتنا المحلية عن طريق تشجيع الشباب من الأعمار المختلفة، وتفعيل دورهم في المشاركة الفعالة في المجالات الثقافية والفنية.
  • العمل على إشراك هيئات ومؤسسات المجتمع المحلي من القطاع الخاص في نشاطات ثقافية وفنية تهدف إلى النهوض بالشباب عن طريق مساهمة هذه المؤسسات والهيئات في دعم هذه النشاطات.
  • العمل على خلق حلقة الوصل الفنية والثقافية بين الشرق والغرب من خلال إيجاد سبل التعاون المشترك العربي والدولي بين العاملين والمهتمين بالمجالات الثقافية والفنية.

الأهداف:

  • تقديم الأعمال المسرحية ذات المستوى الفني والأكاديمي الرفيع, محليا وعالميا، بالإضافة إلى إقامة النشاطات الثقافية والفنية (مسرح، سينما، موسيقى، رقص إبداعي وفنون تعبيرية).
  • المشاركة في الفعاليات الفنية، المحلية والعربية والدولية، من مهرجانات ولقاءات وندوات.
  • عقد الدورات والنشاطات الفنية والثقافية المختلفة والمتعلقة بالمسرح والفنون التعبيرية.
  • وضع الدراسات والأبحاث الفنية.
  • إصدار نشرات مسرحية وفنية، دورية وغير دورية.
  • تأمين المنح الدراسية والبعثات لأعضاء الفرقة.
  • المشاركة والدعم للنشاطات والهيئات الثقافية والفنية المختلفة.
  • إقامة المهرجانات الفنية المتخصصة.
  • إنتاج الأعمال الفنية المسرحية والموسيقية والسينمائية.

تأثر المسرح الأردني بظاهرة المسرح الملحمي البريشتي ، شأنه شأن الحركة المسرحية العربية، ولقد ظهر هذا التأثر جليا في عروض فرقة مسرح الفوانيس .  لذا يناقش هذا المبحث طبيعة التعبير في المسرح الأردني من خلال دراسة بعض العروض المسرحية لهذه الفرقة الطليعية ، وبعض العروض المسرحية لفرق أخرى اتجهت نفس الاتجاه .

وشأن كل لون من ألوان التجديد ، نشأت وجهات نظر نقدية تدعم هذا التوجه ، الهادف إلى توظيف العناصر الملحمية في العروض المسرحية الأردنية ، وكثير ما يُنتقَد  ( نادر عمران) * – مؤسس فرقة مسرح الفوانيس – بأنه اتجه بكتاباته سواءً المعدة أو المقتبسة أو المؤلفة إلى  الأساليب الملحمية البريشتية ، في الوقت الذي توقع منه بعض المسرحيين الأردنيين ، استخدام الظواهر الشعبية ، وإبراز العناصر الشرقية ، بشكل أكبر في عروضه .

ولكي نتبين مصداقية ذلك النقد كان لابد لنا من الوقوف على مرتكزّات البيان التأسيسي لهذه الفرقة والذي جاء فيه أن الفرقة قد اعتمدت على ما يأتي :-

” دروس من الحركة المسرحية المحلية !!!

دروس من الحركة المسرحية العربية !!

دروس من المسرح العالمي

والعديد العديد من الصور المستخلصة من التراث الإنساني الخاص والعام … وأخيرا رؤية مسرحية ، يفرزها خيال مسرحي ، تدعمه الدراية بحرفية المسرح وتقنيته وأفعاله ” ([4] )    إذن هناك أسلوب مسرحي ، مرتبط بطبيعة المسرح العالمي ، والعربي ، والمحلي ، ومواكباً لطبيعة التطور معتمداً على الطاقات والإمكانات الشعبية التعبيرية .

وهذا البيان التأسيسي يوضح فلسفة هذه الفرقة الطليعية ، بحيث يربط بين إفرازات خيال الفنان العربي بالمدارس المسرحية ، الغربية ولا يقصد تبعية المسرح الأردني الطليعي ، للمسرح الغربي لذلك نص البيان على أن عروضهم المسرحية لم تكن :

وليدة تبعية للغرب ، بقدر ما كانت إكمالاً وإنضاجاً لما تملكه وتمارسه وتطوره . فجاء قبول الشكل الغربي كتطور طبيعي ، عندما أتم التاريخ الاجتماعي والفني أدواته بتقديم        ( المتلقي ، المؤلف ، النص ، الوظيفة )([5]).

وعليه يمكن تجسيد سريان الأثر المسرحي الأمثل – كما تراه فرقة  الفوانيس – على النحو الآتي :

” الفكرة المسرحية

عقل الممثل المسرحي

خيـال                      تفكير                       ذاكرة

صـور            مـوقـف                      استحضار

أدوات تعبير الممثل ” المسرحية ” الداخلية والخارجية

–                                                         اتصال مسرحي اجتماعي – جمعي

حواس الجمهور المسرحي عقل الجمهور المسرحي

صور       أفكار           مفاجآت


مرشح – حصيلة الحياة الإنسانية –

خيال               تفكير          اندهاش

صور مركبة قناعات جديدة مدارك جديدة

رؤيـة إنسـانيـة مستقبليـة

مشاركة وتواصل (6)

ولما كان هدف المسرح الملحمي ، أن نتخذ موقفاً نقدياً مما يعرض علينا ، حين لا نتعاطف معه. فإن عناصر القطع أو التدخل بين كل لوحة وأخرى بوساطة الكورس إذ يعلق تعليقاً وصفياً أو نقدياً فيه إتمام لعنصر ( التغريب البريشتي*) حتى يتحقق ( التغيير ) وهو لب نظرية المسرح الملحمي . حيث يعتمد تكنيك بريشت في البناء المسرحي على ” إيمانه بأن المشاهد يجب أن تكون منفصلة ، لكي تزيد من الإغراب ” .([6]) ذلك أن ” جوهر نظرية التأثير التغريبي هو إحلال نشاط فكري ثاقب ونقدي أساساً لدى المتفرج محل المعايشة المستكينة القاصرة ، فالحدث على خشبة المسرح يتخذ مسافة ، يبتعد ، يتراجع عن مجرى الواقع اليومي  المألوف ويطل علينا كما لو كان شيئاً غريباً يثير دهشتنا ” .([7])

فإذا كان مسرح الفوانيس الأردني قد وظف العناصر الملحمية ، فإنه يربطها بمظاهر شعبية محلية وتراثية ليزاوج بين الشكلين التعبيريين ( التعبير الملحمي والتعبير الشعبي )، ومعنى هذا أن مسرح الفوانيس قد انتفع بأشكال من الأسطورة الشعبية وعناصر التعبير الشعبي والتراث على اعتبار أن التراث الحضاري العربي يتضمن :

ما يصدر عن المواطن العربي العادي من فن شعبي يتوسل بالكلمة والإشارة والإيقاع وتشكيل المادة ، وهو فن يحمل من عناصر الثقافة والأصالة ما يجعله أمينا على القيم الإنسانية والمثل الأخلاقية والخصائص القومية  .

ومن هنا جاءت عملية الامتزاج ، ما بين العنصر الفني المحلي ، بالعناصر الفنية الثابتة، في فن من الفنون – والمقصود هو المسرح – أمراً متعارف عليه لدى جميع الشعوب ، وما يعنيني هنا هو المسرح الأردني بالتأكيد . والأردن بلد عربي له تقاليده وعاداته وموروثاته وله مأثوراته الشعبية من حكايات وأمثلة وأغنيات وسير ومرويات … الخ . وجميعها عبارة عن طرق فنية التصقت بالشعب ولازمته عبر تاريخه كله بمراحله المختلفة ، والتي قد تضيف أو تحذف منها بما يتناسب مع منطق حياتها في كل مرحلة من تلك المراحل ، يقول أريك بنتيلي :

” إن كل الأساليب تستند إلى الإنسان والبيئة “([8])

وبذلك يمكن القول إن مسرح الفوانيس قد عمل على الخروج من دائرة النقل والاقتباس والتعريب واستلهام ما ليس عربياً أصيلاً إلى الارتكاز في الإبداع على معطيات الواقع الأردني المعيش وما يكمن في نفوسنا وعقولنا ، وما احتفظت به ثقافتنا الشعبية من خبرة ومهارة . ذلك أن ” ما يصدر عنا بطريقة تلقائية من تفنن بالقول والحركة والتشكيل وزوال الشعور بالنقص أمام الفنون الغربية سيضاعف من قدرتنا على الإبداع الأصيل ، وسيجعلنا ننفذ إلى جوهر النفس الإنسانية مع الاحتفاظ بمقوماتنا وخصائصنا  العربية ” ([9]).

مثال تطبيقي من مسرح ( نادر عمران ) حول عرض (مسرحية دم . دم . تك )

إن خير دليل على توظيف مفردة التراث وربطها بطبيعة الواقع المعيش هو مشهد (السوق الشعبي) في مسرحية (لعبة دم. دم .تك)([10]) :

المطهر  : طهر أولاد قانونــي

الحق أولادك  طهرهم

الكورس : يا كاشف أسرار الناس

تحمل في يدك حقيبـة

كنا نخاف ونهرب منك

وكنت حنونا و خبيـراً

المطهر  : كان الواحد منكم  طفلاً

كان على الألم صغيراً

الكورس : كنا نصرخ بين يـديك

لتجعل العصفور يطيرا

يا كاشف أسـرار الناس

تحمل في يديـك  حقيبة

المطهر  : يتنهد …

لو رجفت بيدي السكين

لكنتم ماذا يـا حلوين ؟

الكورس : دم . تـــك . دم *

والملاحظ هنا أن الفعل يجرى وفق النهج الملحمي البريشتي ، حتى مع كونه يستخدم الغناء وسيلة لإعادة التجسيد ، فالأحداث متجاورة وليست متصلة ، والغناء استخدم لخلق مسافة بين الجمهور وما يقدم له ، لإيجاد عنصر التغريب الملحمي ،  وهو في ذلك يؤدي نفس الغرض الذي يؤديه الراوي ، ووجه الاختلاف قائم في طريقة الأداء من أجل التنويع، وتقريبه من الوجدان الجمعي العربي .

فهذا ( بائع الهريسة ) ينادى على بضاعته ولا يفصل بينه وبين ( المطهر ) إلا جملة تعليقية أو تعقيبية ، ويؤديها فريق من الكورس :

” الكورس    : هايل

دم . تك تك . دم تك تك ” .([11])

وهو يستخدم الأصوات البشرية بديلاً عن أصوات الآلات الموسيقية لصنع مؤثر يعبر عن الانتقال من الصورة المجسدة أو المعاد تجسيدها ( للمطهر ) إلى صورة جديدة لشخصية جديدة ، ولتعبير شعبي جديد حيث ( بائع الهريسة ) :

” بائع الهريسة : هرايس هرايس

حلو الهرايس

الكــورس  :  دم . تك تك . دم تك تك .

بائع الهريسة : طيبة الهرايس

الكــورس  :  دم . تك تك . دم تك تك .

بائع الهريسة : بالسمن البلدي الهرايس . ” ([12])

وهكذا يتم الربط بين موقف وموقف آخر بينهما فاصل تعقبي قد يكون نقديا وقد يكون وصفياً :

” الكورس : قبل غروب الشمس نراك

تجـوب بقريتنـا أفـراح

توزع في الورق هرايـس

أحلـى مـن طعـم التفاح ” .([13])

وهكذا تتوالى الصور أو اللوحات الاستعراضية لعرض نماذج من حال الأسواق العربية عرضاً جزئيا . أي أن منظر السوق كله لا يهمنا هنا ولكن الذي نركز عليه هو مقاطع أو أجزاء مما كان يجري في السوق في أثناء طفولتنا ، فيما يجوز أن نطلق عليه نوعاً من الاسترجاع … استرجاع صور من ذكرياتنا ، لذلك يلي ( بائع الهرايس ) بائع   ( العرق سوس):-

” أبو الرغاوي يا أحلى سوس ” . ([14])

ثم يليهم ( بائع الجرائد ) بعد تعليق وصفي للكورس وهو :

” ذهب العطش بسوسك عنا

رقّص أجراسك وأطربنـا

( أصوات أجراس )

ما أحلى السوس يرطبنـا

ما أعظم صوت الأجراس “

وفي هذا إشارة إلى شراب شعبي يرطب ، ويطربُ السامع من خلال نداءات البائع وإيقاعاته الشعبية ، ثم تتلو ذلك إشارة إلى الثقافة العامة .

” بائع الجرائد : أخبار العالم يا طـــازه

أخبار العالم يا حلـــوة

حلو الأخبار

معنا صحف وجرائد ومجلات

الكورس  : ( برتم سريع )

دم تك ، دم تك ، دم تك ، دم تك ، دم تك

يا بائع أخبار الدنيا

جنبنا الأخبار السود

خبرنا أخبارك هيا

نصر … وحدود … وجنود …

بائع الجرائد : دم تتك تتك . دم تك

دم تتك تتك . دم تك

لدينا خبر سري

قد غمّض باللون الأحمر

وخبر آخر هو بشرى

النادي الأسود يتقهقر “([15])

وكما نرى فهذه صور من طبيعة الحياة العربية ، وهذا نوع من التسجيل لها . ولا شك أن في إعادة عرضها بهذه الطريقة دعوة للجمهور لأن يحكم عليها ، وهذا هدف المسرح الملحمي ، أن نتخذ موقفاً مما يعرض علينا فلقد وظف ( نادر عمران ) في مسرحية ( دم . دم. تك ) الراوي والمحدث والحكواتي والمنشد وهى من أهم أشكال الفرجة الشعبية التي عرفها العالم العربي كوسائط للتعبير الفني([16]) ، ومن أهم الإضافات المحلية التي أجراها المعد على النص الأصلي  (السيد بونتيلا وتابعه ماتي ) . وهذا ما قرب النص الأصلي ، بوصفه تجسيداً لشكل من أشكال الصراع الطبقي في مجتمعات الرأسمالية والإقطاع ، من وجدان الشعب العربي الأردني ، لأنه يعرض ما يعرض بوسائط شعبية ، بما يشبه حالة من حالات الاحتفاء بصورنا الشعبية مع رفضنا لها ، فهي تعرض وكأنها شريط من الذكريات . لذا فنحن نعاود معايشة صور موروثاتنا أو صورنا الشعبية التي توارثناها ، على الرغم من كل ألوان الصراع بين القوى والضعيف وبين السيد والعبد .

وأستشهد هنا بمقولة الأديب والفيلسوف الفرنسي ( جان بول سارتر ) كشاهد، على واقع حال مسرحية ( دم . دم . تك ) حيث يقول :-

” أننا ندرك أن الشاعر ، يستخدم الموروث الشعبي والعقائد التقليدية والأعراف السائدة لا ليكرسها ، بل ليسخر منها ويكشف زيفها ” ([17]) .

وهذا ما اعتمده التشكيل الدرامي في المسرحية حيث قام على مزج صيغتين مسرحيتين متقاربتين ، إحداهما قديمة شرقية شعبية والأخرى حديثة غربية ، ما بين السوق الشعبي بعناصره المألوفة من بائع السوس ، وبائع الجرائد ، وبائع الهرايس .. الخ إلى أسلوب السرد والتشخيص في صيغة المسرح داخل المسرح .

مثال تطبيقي ثانٍ حول عرض مسرحية ( فرقة مسرحية وجدت مسرحا فمسرحت هاملت) *

وفي هذا العرض تطل علينا الشخصيات المسرحية كما يأتي :

” سبعة ممثلين وممثلة ومخرج وفرقة موسيقية – عازف عود وإيقاع ومردد :

هارون – كلوديوس ” عم هاملت “

مروان – هاملـت ” ابن جرترود “

حسن – هاملت حبيب أوفيليا ” جرتورد ” والدة هاملت ” طيف والد هاملت .

الناطور – الغلام بولونيوس والد أوفيليا وكلوديوس .

بشير – خادم هوراشيو صديق هاملت ، حفار القبور .

ناصر – والد هاملت ، الراعي ، صوت القاضى .

نبيل – حارس ، بولونيوس ، خادم ، موسيقي .

سهير – جرترود والدة هاملت ، أوفيليا .

خالد – مخرج ” ([18]) .

ومن الملاحظ ، أن هناك من الشخصيات من يؤدي أكثر من شخصية مسرحية مثل      (حسن ) يؤدي ( هاملت حبيب أوفيليا ) و( جرترود والدة هاملت ) و( طيف والد هاملت) والممثلة  ( سهير ) تؤدي ( جرترود والدة هاملت وأوفيليا ) وممثل دور  ( الناطور ) يمثل ( بولونيوس ) ويمثل ( كلوديوس ) ويمثل ( الغلام ) وبشير يمثل (خادم) ويمثل ( هوراشيو ) ويمثل ( حفار القبور ) ويؤدي ضمن أفراد ( الكورال ) في العرض . وهكذا فإن أسلوب التشخيص يفرض نفسه كمنهج للأداء التمثيلي في هذا العرض .

ونبدأ بالتساؤل لماذا يقدم هاملت بتقنيات المسرح داخل المسرح وهو نص شكسبيري من كلاسيكيات التراث المسرحي العالمي ؟ هل ذلك لأن هاملت قد تأسس على فكرة التردد بين الفعل والضرورة و ” التوازن بينهما ، الانغلاق والانفتاح باتجاه التميز والخصوصية باتجاه الفعل المسرحي ، باتجاه الحركة والتواصل الدرامي منذ التاريخ السحيق وامتداداً في الحاضر ؟

والجواب عن ذلك  السؤال ” يكمن في الصراع الذي ابتدأ في الطبيعة مع بزوغ أول شمس في حياة البشر وامتد حتى بلغ الشرخ داخل الذات الإنسانية راسماً صوره المختلفة وتاركاً بصماته وفلسفاته … الصراع الذي لم ينته لأن الجدلية قائمة ، صراع بين الإنسان الضعيف والطبيعة القوية ، بين الإنسان الضعيف والإنسان القوى ” . ([19])

وهو صراع يشتد ويتطور بتطور أدوات الصراع وأشكاله ، باتجاه الوعي ،  فأعضاء الفرقة المسرحية أرادوا أن يمثلوا مسرحية هاملت لشكسبير ، فتمردوا على المخرج ومثلوا شيئا آخر مختلفا . ذلك هو الموضوع الرئيسي الذي تناوله نادر عمران في هذه المسرحية ، إلا أنه اقتبس من مسرحية شكسبير ، فحوّرها ، وعرّبها ، وأخذ منها وحذف، حتى خرج بنص يختلف تماما عن النص الأصلي لهاملت ، له هدفه ومضمونه المختلف، حيث أدخل  مدخلاً شخصية شعبية تلعب دوراً هاماً في سياق الأداء المسرحي، وهذه  الشخصية هي ” أبو الفوانيس ” الذي يقول عنه (خالد) – وهو ممثل في ذلك العرض – .

” أبلغ وصف له أنه لا يوصف . تراه حاملاً باقته من فوانيسه ، يصافح بها الأيدي التي  تمتد له وقد أوهنها الظلام ، وزرع فيها رعشة الخوف يكشف لنا الزوايا والسراديب ، التي بدت قبل نور فوانيسه ساكنة .. يوزع الفوانيس يشق بها العتمة وقد تراه حزينا إذا حلت البهجة ، وساخرا إذا حل الجسد … وله في كل شئ مقال، ومن كل شئ عبارة ” ([20]) .

ألا تنطبق هذه الصفات على أبو الفوانيس الذي أدخله المخرج على مسرحيته لينير لهاملت دروب متاهته … فتعلم منه أشياء كثيرة لم يبحث عنها ولكنه وجدها ، وجدها فمسرحها بعد أن رأى من دهاليزها دهاليزاً أخرى ، تربط إنساناً عاش قبل مئات السنين بأناس يعيشون اليوم .

ولقد انعكس التركيب والتعقيد في ( توزيع الأدوار ) ، على طبيعة الأداء التمثيلي،  ففرض قدرة فائقة للممثلين وخبرة بأساليب الأداء المسرحي ( للمسرح داخل المسرح )([21]) والمسرح الملحمي ومسرح السامر الشعبي – حيث أسلوب الارتجال – الشبيه بالأداء المرتجل في (الكوميديا ديلارتي ) .

ومن اللافت للنظر أن الممثلين يرتدون- في العرض – حلل رمادية دون قمصان ودون ربطات عنق، حفاة ، شعورهم سوداء لامعة ومصفوفة أيضا بأناقة واضحة ، خطوط بيضاء على الحلل .  ومقرون ذلك بتأنق في الحركة والتصرف والشكل ، … الأظافر مطلية بالأبيض . منطقة التمثيل بيضاء ، في حين أن المسرح يحيط به اللون الأسود من كل جانب .

وهذه الملامح تعكس طبيعة التوجه الحيادي البعيد عن منهج المعايشة وذلك ” أسلوب تغريبي ” وهو عمود المسرح الملحمي ،

( ولقد نقل العرض بتقنية مضبوطة ، معانٍ عديدة في إطار من التراث والأغنية والحكواتي والتعبير الجسدي وتحطيم الإيهام المسرحي ) وهذا ما أعطى العمل تميزه وهاجسه الإبداعي .

فيقول الممثل :

” خالد : ماذا تفعلان …

( يخرج الممثلون هاربين … ويتوقف الكورال عن الغناء … حسن يعدل من هندامه …

خالد : أليس من الأفضل لكما أن تذهبا وتستعدا لأداء دوريكما ؟

( في إشارة إلى حسن وسهير)

على الممثلين أن يتقيدوا قدر إمكانهم بالإرشادات المسرحية … التي أخذوها أثناء التدريبات ” .([22])

وفي هذا إشارة إلى أن الممثلين قد أدوا الأدوار على هواهم ، إن كان من حيث النص أو الأداء ، فنقلوا للمتلقي واقعهم الذي عاشوه في تلك اللحظة ، فقدموا أبطال شكسبير منذ مئات السنين بقالب جديد متوافق مع الواقع الحالي ، وهكذا رفضوا أولى تعليمات المخرج ( لشخصية حسن الذي يمثل دور هاملت ) . وهنا تبدأ عملية التمرد التي يقودها حسن وبإيحاء من أبي الفوانيس ويقرر الممثلون أن يقدموا عرضاً مغايراً للنص الأصلي ، وبأداء جديد مغاير لما يراه المخرج .

ونرى شخصية أبي الفوانيس ، تدخل دائما في مجرى الأحداث تنير للممثلين طريقهم باستخدام الفوانيس المتعددة ، بحسب ما يتطلب الموقف الدرامي ، ونراه يحضهم على التمرد باستمرار ، وهاهو يعلن صراحة على لسان أحد ممثليه :

أحد الحراس : نحن يا أبو الفوانيس … أناس يأخذون شجاعة تعادل جبنهم ، فبمقدار ما يجبنون  ،  يزرعون فينا الشجاعة ، فنواجه من لا يستطيعون مواجهتهم ، إنهم يتدثرون بنا ليكثر بردنا ، ولا يبداؤن النوم إلا إذا ضمنوا استيقاظنا.([23])

إذن هناك دعوة واضحة وصريحة للتمرد على أساليب الإخراج والتمثيل ،وكتابة النصوص بأسلوبها القديم ، ودعوة إلى التجديد والاستفادة من المخزون والموروث المسرحي المحلي والإنساني على حد سواء ، وصياغته بطريقة تخدم طبيعة الواقع المعيش.

هذه في بعدها الفني ، إما بعدها السياسي فهي دعوة للتمرد والثورة على الظلم والاضطهاد والتخلف ، ونقدٌ صريحٌ لسيطرة الإنسان على أخيه الإنسان .

ففي موقف آخر وحوار متصاعد :

” نبيل  : كل هذه المدافع النحاسية التي تكدس ، وهذا العتاد الحربي الذي يشترى، وهؤلاء النجارون المرغمون على صنع المراكب ليل نهار … هذا كلهُ يدلل على أننا على أبواب حرب لن تنتهي .

بشير : ليس بالضرورة يا صديقي ، فالسلاح ليس فقط للحرب ، وكما قال أبو الفوانيس : فإن السلاح أداة للقتل …

( تسمع خلال ذلك أصوات الرياح والمدافع ) .

نبيل  : أتسمع ( ينصت وكأنه يسمع ) .

بشير : تنبأ أبو الفوانيس بأن بلادنا ستغرق بالدماء الآدمية .

نبيل  : وهل ستكون دماءنا ؟‍! ([24])

إذن نحن أمام محاكمة جماعية لطبيعة الواقع المعيش ، فأبو الفوانيس تنبأ على لسان الممثل بشير ، أن البلاد ستغرق بالدماء الآدمية ، وبأن السلاح الذي يكرس ليس فقط من أجل الحرب ، بل من أجل القتل ، وقد تشتعل حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل ، وإذا ما خسروها ربحها أعدائهم ، وإذا ربحوها يفوز صاحب الأمر فقط ، وفي ذلك ما يعبر عن رفض النزاعات والتحارب وللجنوح نحو السلم . ([25])

في هذا المنظر يقيم المخرج بناءاً محكماً يترجم رؤيته وموقفه من الحرب ، يتطور من خلال جدليات المنظر المسرحي الذي يوظفه توظيفاً بنائياً دالاً ، جنباً إلى جنب مع الكلمة المنطوقة ، فعلى المستوى البصري وفي مكانين متعارضين ، تتجسد قوى الصراع ، فعلى الخشبة يجتمع الممثلون في مكان بأس يمثل البيت بالنسبة لهم والذي هو عالم من القهر والسلطة بمواجهة عالم خارجي ساده الجنون والخلل .

فهم يتقدمون من عمق المسرح إلى مقدمته ( التي تمثل منطقة حاضر ) الوعي المستمر ، يشكلون صفاً تعليقياً أو تحريضياً واحداً متآزراً توضح دلالة الجدل الزمني عن طريق الانتقال بين المناطق المختلفة على خشبة المسرح .

وفي موقع آخر يؤكد أبو الفوانيس  ذلك المعنى على لسان شخصية مروان :-

“مروان:إن من يحول دون إبراز سوء الظلم …إن هو إلا أكثر المحامين له”.([26])

ويؤكد موقفه في موقع آخر على لسان شخصية ناصر :

” ناصر : حينما يرتدي الظلم ثوب العدالة … وحينما يحمل القاتل بلسم الحياة ، لا يرى الحب إلا بمنظار الرذيلة ، بينما ترتدى الرذيلة ثوب الحب العفيف ” ([27]).

لقد استخدم العرض المسرحي وسائل كثيرة من التراث الشعبي كالعود والطرابيش والفوانيس كما أنه أدخل في النص بعض الأغاني العربية القريبة من قلب الجمهور كأغنية (هل رأى الحب سكارى ) وموال ( ليل يا عين ) كما استخدم أغانٍ شعبية معروفة لدى أطفالنا في لهوهم مثل أغنية ([28]) :

” يا غنماتــي … ماء ماء

شو أطعميكـم  … ماء ماء

شو أسقيكــم  … ماء ماء

ما أسعدها مـن  أغنـام    كانت تطرب من مغناه

لا يزعجها صوت الذئب تأكل تشرب ثـم تنـام ” ([29])

لقد وظف العرض فرقة الكورال خير توظيف فأصبحت بطلاً آخر من أبطال العرض تؤدي الأناشيد المعبرة التي تملأ النص ، والتعليقات الدرامية المصوغة بطريقة شعبية ، هذا إضافة إلى الأغاني الشعبية التي استخدمت في تفصيل بعض الأحداث ، بعيداً عن لغة الحوار التقليدي والأداء المسرحي المألوف ، فقد كانت تزيد من حدة المواقف الجادة ، وتبالغ في توظيف السخرية في المواقف الهازلة .

” ففي مشهد الفرقة الموسيقية ( تغني فرقة الغناء عن موت هاملت )

هش

… …

… …

هس هس سمع

هس هس هس سمــع

قرع الباب       دق دق

من بالباب ؟؟    دق دق

ملاك الموت بم بم بم بم

وارتعشت كل الأشيـاء                     ترعبها أنفـاس المـوت

الأخرس غنى الأشعـار                    وتغنى المنشد في صمت

وزاد الدق …  …

فهب الصبية خلف الباب                  قالوا أهلا عمي المـوت

يا عـم تحلـى بالصـبر           يا واهب صمتاً  للصوت

لا تدخل حتى  نتستـر

إن بلغت ساعتنا الصفر

واسمـع منـا أغنيـة

نقشت فوق دليل القبـر

وغنى الصبية خلف الباب                غنوا غناء قالـوا فيـه

يا ملكوت الصمت  الأبدي               يا واهب للخصب القفر

لا نخشـاك وقـد أنفقنـا                     آخر لحظات في  العمر

عشنا طـولاً                  نصرخ نلعـب

عشنا عرضاً                 نرقص نضحك

غنينـا للنـاس أغـانٍ              تتغنى فيها الساحــات

دم تتـــك تتـــك                  دم  تــك دم تـــك

طـــوط طـــوط                  طـــاط طيــــط

غنينـا للنـاس أغـانٍ              تتغنى فيها  الساحــات

تلعن من دفعوا  بالعربة                   وتواروا تحـت العجلات

هس هس هس سمــع

وتلاشت كل الأصوات

إطفاء كامل ما عدا إضاءة الفوانيس ” ([30])

استخدم المخرج في هذا المشهد مبدأ التكرار مع التنويع ، ومبدأ التقابل والمعارضة ، في تشكيل وربط أطراف اللوحة الغنائية الحركية ، فخلق العرض منطقة التشكيل المنتظم ، من خلال التشكيل الصوتي والبصري إلى جانب الكلمة ، فهو يكرر وسط اللوحة الغنائية مع التنوع بإدخال عناصر بصرية وحركية جديدة بحال التكرار ، فالممثلون أضافوا إكسسوارات جديدة ، واختزلوا بعضها أثناء الإعادة ، بإيقاع حركي مختلف ، نقل للمشاهد معانٍ جديدة ، على الرغم من المحافظة على الوحدة الأصل ، وهي الأغنية الجماعية .

وهنا تحولت هذه الأغنية إلى طريقة للتعبير الحيادي إذ قسمها المخرج إلى مجموعة جمل على ألسنة عدد من أشخاص فرقة الكورال ليقترب من الأداء الطبيعي النقدي ، بحيث تبدأ على شكل نتائج واستخلاصات منفصلة عن بعضها وبعيدة عن روح الفردية وعن أركانها التي أدت إليها ، مما جعل تحصيلها عبارة عن نتيجة ممارسة جماعية ، وهذا يعطيها قوة إقناع أكبر وهذا تقريب من الملحمية حيث النتائج العامة الجماعية والتجريدية في الأداء .

وهناك ميلّ واضحّ في تقديم قيم تمثيلية حيادية بريشتية ، بل كانت أكثر الأساليب استخداماً على مدى العرض المسرحي ، ففي أداء ( أوفيليا )، بتشخيص ( الممثلة سهير):

” هملت  … لت … لت

ولكني لا أستطيع الاقتراب … راب … راب

بالأمس كانت محاكمتي … تي … تي ” ([31])

فهذه التذبذبات التي هي تقليد لصدى صوتها ، تتم بصوتها المباشر وليس بجهاز           (صدى الصوت ) أو صنع الاهتزازات والترددات الصوتية وبهذا تبعدنا عن ( أوفيليا ) وفق الصورة التي رسمها لها شكسبير .

وهي هنا ( أوفيليا ) التي تصورها ( سهير ) ، التي استمرت بتصوير شخصيات أخرى منها ، والدة ( هملت ) :

” كفى يا ولدي … فلا أجد من بين هؤلاء من هو أفضل منك ، أنت يا ولدي ، فلم يعد هناك من يفوقك بهاء … أعرف يا ولدي بأنك تفيض على أمك غيرة … فأهدأ يا ولدي أهدأ . (رأسه على ركبتيها ) ”  ([32])

أقول ربما كانت مثل هذه النقلات ، عبر مستويات الأداء ما بين الواقعية ، والرومانسية،  والطبيعية ، والتعبيرية ، والحيادية البريشتية ، هي إجابة لكثير من التساؤلات حول طبيعة الأداء في العرض .

وإذا كان منهج التمثيل ، كما حدده شكسبير لممثليه من خلال ( هاملت ) ، قد تأسس على الطبيعية في التمثيل .

فإن أصحاب الدعوة لصيغة مسرحية جديدة في الأردن قد انطلقوا من مسرحية هاملت الشكسبيرية حيث :

” حبك شكسبير مسرحيته حول قصة هاملت بصراعه مع كلوديوس ومع نفسه ، وضمّن حبكته قصه ثانوية ( المسرحية – داخل المسرحية )  Play – within – play ) ) في مشهد المصيدة  Mouse – trap Scene  لخدمة القصة الرئيسة ” ([33]) فأما : – ” قصة هاملت فتصبح قصة ثانوية يمثلها هؤلاء الممثلون ، على طريقة المخرج المهيمن كتطبيق لنظرية الإخراج ، التي علمهم إياها والتي يثورون عليها في النهاية ” ([34])

وطريقة ( المخرج المهيمن ) طريقة انبنت على التغريب وإحداث الدهشة ، لذلك كانت القيم في تمثيلها قيماً ملحمية ، ولذلك استخدم المؤلف تلك المسرحية الجديدة ( دعوة للممثلين للتمرد على المخرج التقليدي ) ، أي تمرد على قيم الإخراج وعلى قيم التمثيل عند ستانسلافسكي حيث المعايشة والميل الى التمثيل الواقعي ، وكذلك قيم التمثيل عند ( كوكلان ) (وسانت دينيس )([35]) حيث النهج الصوتي والجسمي مع تمثيل القيم الغريبة في التمثيل البريشتي ، حيث ( التشخيص النقدي ) .

وهذا نفسه ما يفعله ( مروان ) ممثل دور هاملت الرئيسي حيث هناك أيضاً من يمثل هاملت تحقيقاً لأسلوب التغريب : –

“مروان : يا جيوش السماء … ويا أيتها الأرض العاهرة … ويا … ماذا أنادي بعد … يا جهنم . يخرج الناطور الى مكانه ويشير لخارج منطقة التمثيل ” ([36]) .

فعلى الرغم من الطبيعة الرومانتكية في مادة هذا المونولوج التشخيصي ، إلا أن الأداء يتقطع بالإرشادات ، فيما يضعف قيمته الرومانتكية ، ويعطى مساحة واسعة للتشخيص والنقد.

ومهما يكن من رأي حول هذا العرض المسرحي ،إلا إنه يمكننا القول أنه إضافة نوعية مهمة في البحث عن صيغة مسرحية حديثة ، في إطار المسرح التجريبي العربي ببعديه : التراث المحلي ، والإنسان الشمولي ، منسجمة مع رؤية فرقة الفوانيس المسرحية في بيانها التأسيسي .

” أن الأثر المسرحي الإنساني ، يأتي كنتيجة حتمية تفرزها عملية ( المسرحة ) المعتمدة على الجوهر الإنساني للمسرح – المضمون المسرحي الإنساني – والتي تقدم حصيلة التراث البشري ، الخاصة والعامة ، وباعتبارها ” حصيلة ثابتة ” ، لا تقدم إلا بعد تحليلها وتركيبها من جديد ، كحصيلة متحركة ، حركها المتغير المسرحي المستقبلي ، الذي جسد الواقع الجديد المبتكر ، بأدوات التعبير المسرحية المختلفة من حوار وحركة وإضاءة وأقنعة وملابس مسرحية .. الخ ، الأمر الذي جعل من المسرح أداة شعبية إنسانية دائمة بناء على احتواءها لجوهر ” طبيعة الصراع الإنساني” وتقديمه بشكل جمالي يستمد جماله من انسجام تفاصيله  – مهما بلغت من التناقض والتنافر – لكونها جميعاً مضمنة باللغة المسرحية التي تمسرح كل شئ يُقدم على المسرح ، بما في ذلك عناصر العرض المسرحي نفسها ، هنا يصبح المسرح أسلوب تعبير شعبي اجتماعي متميز ، يكفل له تميزه واستمراره ، ليكّون النظرة الإنسانية المستقبلية ” ([37]) .

وإذا كان نادر عمران قد اختار مسرحية هاملت لشكسبير ليمسرحها بصورة الواقع المعيش محلياً ، أو في أي مكان فذلك ليثبت أن بالإمكان إنتاج الموروث في صورة الحديث وجعله يرتوي دون أن يحيد عن هدفه ومضمونه ، وهكذا يصبح أبو الفوانيس ضرورة ملحة لهاملت ويصبح هاملت الذي عاش قبل مئات السنين قادراً على التمثل والتجسّد مرة أخرى في واقعنا الحالي ، بوساطة تعبير مسرحي رئيسي تمتزج فيه عناصر التراث العربي مع عناصر المسرح الملحمي وآلياته .([38])

” فقد أصبحت مسرحية (هاملت ) لشكسبير – وباقي مسرحياته ، تراثاً إنسانياً دائماً ، خاصاً ، في الأدب الإنجليزي ، وعاماً ، في المسرح العالمي ، وذلك لأن شكسبير أدرك ضرورة أن لا يستخدم على المسرح إلا ما له علاقة مؤثرة بالإنسان – جوهر العملية المسرحية – حيث مسرح كل أدواته التعبيرية ، لعلمه أن الإنسان هو الوحيد القادر على التحكم بأدوات تعبيره بقصدية واعية ، وأن الفنان هو الوحيد القادر على تقديم أدوات تعبيره ، مسرحياً ، حينما تعرض على خشبة المسرح ” ([39])

مثال تطبيقي ثالث حول عرض  مسرحية ( طيبة تصعد إلى السماء* ) توليفة مسرحية ميثولوجية([40])

من خلال ضوءٍ باهتٍ يغمر الصالة والخشبة ، وفي ركنٍ يمثل المعبد يقع في قلب الخشبة المسرحية وإلى يمينه الجوقة الموسيقية ، تُعزل الصالة بنسيج شفاف يشابه خلفية المعبد داخل إطارٍ شفافٍ أيضاً ، وإلى يساره – المعبد – مخدع دائري مزود بقنديل  شرقي … به كرة زجاجية يتلألأ بها الماء فوق حامل معدني ، بقرب مهدٍ لرضيعٍ في المخدع.

في هذا الجو الغرائبي تطل علينا الشخصيات كما يلي :

ممثل ، الراوي ، الحكواتي – ممثل يقوم بأداء مقدمات اللوحات

الجوقة : مجموعة من المغنيين أو الكورس التمثيلي .

النـار : شخصية مجازية أسطورية .

الكاهن ، روح النار – خادم معبد النار .

الغولة ، ظلام النور – شخصية أسطورية .

الملك هب الليل شاه – ملك طيبة .

الملكة خذ الريح شاهه – ملكة طيبة زوجة الملك .

نور العيون – ربيب الغولة ، وابن الملك الأكبر .

سحابة الصيف – ابن الملك الأصغر .

الخادمة وهي تساوي الغولة – امتداد الشخصيات الأسطورية (2).

ومما يؤكد أن هذا العرض المسرحي هو خليطٌ من الحكايات والأساطير ، حديث شخصية الراوي في بداية العرض :

” الراوي : سيداتي وسادتي ، مساء الخير ، في هذه الليلة يا سادة سنقدم لكم هذا البحث المسرحي في مجموعة من الحكايات والأساطير ، القديمة منها والحديثة ، خلطناها معاً ، فخرجنا بهذه الصيغة المؤلفة : مسرحية أوديب لسوفوكليس ، مسرحية هاملت لشكسبير ، الفلسفة المجوسية ، علم النفس التحليلي ، الحكايات الشعبية … الخ … ” ([41])

ثم تتصاعد الموسيقي وتنتشر خطوط من الضوء في جو طقوسي إيقاعي ، فتطل علينا الجوقة

الجوقة : في يوم من الأيام .. يا سادة يا كرام كان ياما كان ( تستمر الموسيقي ويظهر الحكواتي بطربوشه وشنبه المعكوف وقناع خلف رأسه ، ويشير إلى ممثل ) .

الحكواتي : كان ياما كان ( في زمن ) قد يشبه الآن أن كان هناك مدينة لا شرقية ولا غربية ، لا بعيدة ولا قريبة ……… تدعى طيبة …… والتي سيولد فيها مولودٌ منكود ( سيقتل أباه لحظة أن يراه ) .

ويتضح لنا من كلام الحكواتي القصدية في تعميم الزمان والمكان ، أي أن الأحداث المسرحية يمكن أن تقع أو ربما هي واقعة بالفعل ، وفي كلامه إشارة إلى الخطيئة الأولى التي سوف يرتكبها ( سيقتل أباه لحظة أن يراه )

أما الخطيئة الثانية ،  والأكثر تأثيراً في النفس ، أن هذا المولود سوف لا يستر عورة أمه،  ويتزوجها بتقديرٍ من الآلهة ، مما سوف يجلب الدمار لطيبة وأهلها ، فقد جاء من صلب الملك ليحل ملكاً فيما بعد ، ويحل الدمار والخراب بالمدينة وأهلها ، فقد قررت الآلهة (النار) أن تفقأ عيون الأطفال الذين سيولدون من تلك النبوءة .

” الحكواتي : أه …… ستتزوج من أمك لا محالة وسيصبح أبناءك أخوانك … … (يموت وتظهر أجساد أخرى لممثلين عميان في العمق … ) وسترى عيناك ما لا يخطر على بالك … آه ( موسيقى تتصاعد ) ([42])

النــار  : إنما تفقأون عيون أطفالكم ، لكي لا يأتيكم فاسد … بفعل مشين ، فلا يمن علينا منكم أحدُ.. إنما المن من صفات الفاسدين .

لم تعْد لنا حاجةُ بطيبة ، المدينةُ التي ليس فيها من يزرعُ غذاءه ولا من ينسج رداءه … طيبة صارت زريبة ، بجهل أهلها أمست كئيبة … ليس فيها أغانٍ تُغنى ، وليس فيها حبيب يلاقي حبيبة … حياتها رتيبة … سوداء كئيبة … ستموت طيبة … ([43])

وهنا تحضرني مقولة ، لا خير في أمة لا تأكل مما تزرع ، ولا تلبس مما تصنع، فهناك إسقاط سياسي واضح،  لا يخص مدينة طيبة بالتحديد ، بل في أية بقعة ستؤول إلى الموت إذا ما اتصف أهلها بما سبق ، وقد ورد هذا على لسان الحكواتي والكاهن وإله النار .

لقد لخصت الجوقة ، والحكواتي في هذا المشهد ، الطابع الشعبي في تجسيد بصري بليغ ، نقل للمشاهد عنصراً متعدد الدلالة يخدم أغراضاً عدة .

ووظفت الكرة الزجاجية ذات الحامل المعدني ، توظيفاً بنائياً دالاً عن طريق تعاقب الشخصيات المدروس حول قمتها والبخار يتصاعد منها يكاد يغطي المكان والشخصيات تتحلق حولها بحركة دائرية .

وقد أدي تبسيط بعض الشخصيات في المشهد وتنميطها بين الأبيض والأسود ، إلى تبسيط الصراع فغدا صراعاً واضحاً بين الخير والشر ، وتحول الشكل المركب في المشهد إلى شكل ” الميلو – دراما ” .

وفي موقف درامي آخر نرى : –

المغنــي : أكون .. أكون

أو لا أكون هذا هو السؤال .

المجموعة : نكون … نكون

أو لا نكون هذا هو الجواب .

المجموعة : إن الجواب أن  نكــون                   ما كان كان وانقضـى

للخلف لا يمشى الزمـان            والماضي لا يأتي غداً

للماضي لا يمشى الزمان                     إلا لـدينـا يـا بشـر

عشنا على كنا وكان                 صرنا  مثـالاً وعبـر

كنـا ويـا مـا كان                     كان وكان ، وياما كان

كانت مدينة عليلـة تمـوت

وراحت العناكب تنسج الكفن

صـارت قبـور كل البيوت

وفي الطرقات .. تمّدد  العفن

وحانت الساعة

وجاء الموت داكناً .. وناشراً شراعه

وساد السواد .. وساد السواد

سكون .. سكون

توقف الزمن “([44]) .

لقد أصبحت مسرحية ( هاملت لشكسبير ) مثلاً وتراثا إنسانيا دائماً ، وفي هذا المشهد يتم مزج أسلوب السرد التقليدي ، بأسلوب السرد المواكب للأحداث إبان وقوعها . وبأسلوب مناجاة النفس إلى جانب الحوار ، فجاء الحوار في شكله الفني تجسيداً لمعاني العزلة والاغتراب ، وذلك بأسلوب ” التمسرح “، أو اللعب على المكشوف .

إذن هناك إفادة واضحة من مونولوج هاملت الشهير ( أكون أو لا أكون ) ” فعندما تتصارع شخصية وسط متناقضات ، نعرف أن لهذا السبب وحده لا يوجد كائن إنساني يستطيع أن يكون واحداً في كل لحظة ، فالظروف الخارجية لا تكف عن التغير ، وتوازن الشخصية الداخلي ينعدم بالتالي ، وما يسمى بالأنا المستقرة مجرد أسطورة ([45]) .

وفى مشهد للكاهن :- ” ( يطوف بهم محاولاً كسر الحصار محتداً )

الجهلُ أسمى من الرذيلة .. فماذا فعلتْ المدن التي تركت نفسها للعلم وتغاضت عن الرذيلة .. ماذا حلّ بهذه المدن … انظروا إليها مدناً.. ربما كانت جميلة … فيها عُدل وفيها صدق … وفيها رفاه ولكنها مدُن رذيلة رذيلة …

الملكة ( تشيد بتلابيبه ) رذيلة رذيلة رذيلة ؟‍! ألا يوجدُ في الحياةُ شئ إلا كلمة رذيلة … تفعل كل الرذائل وتحضنا على الفضيلة … ؟ ! . ([46])

جاءت الإضاءة في هذا المشهد شديدة بحيث عمت الخشبة ، لكي تتيح للممثل أن يرى مباشرة الأثر المسرحي الذي يحدث ، ومنظر الستارة الخلفية جاء بديلاً للمنظر المسرحي كمحاولة لتحطيم الفاصل بين الخشبة والصالة ، وجاءت حركة الممثلون سريعة قريبة من الجمهور تنقل بعد المشهد بطريقة خطابية تحمل تحريضاً وسخرية مباشرة .

وقد تم بهذا المشهد تشكيل الفضاء المسرحي من الحركة والإضاءة المعبرة الحساسة بطريقة مدروسة ، ويكفي أن أشير إلى استخدام إضاءة اللون الأحمر أثناء محاصرة الكاهن وكشف زيفه، حيث ينطلق شعاع الضوء الخافت من أسفل يسار المسرح حتى يصل الكاهن الذي يقف وحده بعيداً عن الممثلين ، وينتشر الضوء حتى يغمر وجهة فيشكل نذيراً بما سوف يحدث له بعد قليل ..

وتدور عجلة الصراع داخل العرض لتكشف لنا حقيقة الكاهن كرمز للسلطة الدينية ، الذي يحلل لنفسه ما يحرمه على الآخرين بحيث أصبح سبباً من أسباب خراب طيبة وفنائها :

” الخادمة : ( تصر على وقفتها ) عفواً يا سيدي ، فقد زرعتني مولاتي هنا لكي لا يزعجها أحد .

سحابة  : وهل هناك غيري وغيرك أحدُ في هذا القصر العفن ؟! ابتعدي …

الخادمة : لا يجوز أن تذهب إلى هناك … ابقى معي نفعل هنا ما يفعلون هناك … تعال …

سحابة  : ماذا يفعلون  … وماذا ستفعلين ؟

الخادمة : ستكون سعادتي بأن أسعدك تعال .

سحابة  : ( يفلت منها ) ما هذا ؟! من الذي علمك هذه الأفعال ؟

الخادمة : في المعبد ، يعكف مولانا الكاهن على تعليمنا كيف نكونُ نساء صالحات ، نؤمن للرجال السعادة ألا تريد السعادة ؟ ! ( تحاصره ) ” ([47])

وبموقف آخر الملكة تصرخ بوجه الكاهن :-

” الملكة : لأنك صورت لنا الإبصار رجساً والعلم خطيئة أيها الكاهن … “([48])

وهنا الأمير سحابة الصيف يتحدث عن الكاهن : –

” سحابة : أنه ملعون .. لديه قوارير … يسكبُها في النهر لينشر الطاعون ، دليلاً على صدق النار ” ([49]) .

وفى صراع بين الملك الجديد ، والكاهن رمز الجهل الذي أراد لطيبة أن تبقى فريسة للخرافات والضعف ، تعرض الغولة في اللوحة الخامسة موقفها حيث تقول : –

” الغولة : كم هو غبي ؟! نعم .. يمكن لرجل أن يقتل مدينة ولكن رجلاً مهما بلغ من القوة والحيلة … عبثاً يحاول أن يحيي مدينة تنهار إلى موتها .. ها.. ها عبثاً يحاول “([50]) .

في هذا المشهد نجد شخصية الغولة وطقوسها الغرائبية في الحركة والصوت واستخدام الإكسسوارات الملازمة لها ، قد ولّدت عنصر فرجة وامتاع ، يكسر نمط التشكيلات الحركية  المألوفة بإضافة تشكيلات جسدية تحيل المشاهد إلى أطر دلالية أخرى ، كأوضاع الممثلين في مسرح الكابوكي أو المسرح الصيني أو الهندي .

وفي مشهد آخر حيث الموسيقى قد فعلت فعلها ( مشهد العميان وهم يتمايلون برقصة شرقية ماجنة)  :

” عميان عميــان          فــي بلاد الله

كلنــا عميـان

نهارنا وليلنــا كـان سيــان

نعيش اللازمـان         بأرض اللامكان

لكننــا عميـان

شرقنا وغربنـا           سيان سيــان

كلــه سيــان ” ([51])

اختار المخرج مجموعة منوعة منسجمة من الأصوات وأساليب الغناء ، في مشهد فيه إضافة بصرية توسع دلالة النص ، وربط الإيجابي الحقيقي في المسرحية بالوعي الشعبي على شكل فرجة نقد احتوى المشهد حركة ثقيلة متقاطعة كإنسان تعود المشي في الطين أو الرمل ، فقد كانت الأقدام تصطدم بالأرض ، لكنها لا ترتفع عنها بسهولة ، بل يرفعها صاحبها وكأنه يقتلعها اقتلاعاً ، وفي هذا تعبير عن عدم الانتماء إلى المكان والانسجام به ، والغربة التي تحيط هذه المجموعة في عالم المدنية الزائف .

وهكذا تتابعت لوحات المسرحية الإحدى عشر في تناسق مشهود من حوار وحركة وعناصر تجسيد .

تدل على أن  ” كل عمل فني هو علامة مستقلة autonomous sign  تنطوي على الآتي :

– وجوده وماهيته كرمز واضح محدد .

– موضوع جمالي له معناه ودلالته .

– علاقته بالمدلول ، وهو علاقة تأخذ في الاعتبار السياق الكلي للظواهر الاجتماعية ( بما فيها من علم وفلسفة ، ودين وسياسة واقتصاد … الخ ) الموجودة في مجتمع بعينه .([52])

وتدل على أن المؤلف المخرج نادر عمران قد استغل أغلب المساحة المتاحة من خشبة المسرح بإضاءة مسرحية غير درامية ، ( إنارة ) في أغلبها ، مستخدما أحيانا التعتيم متنقلا بالمشاهد من مكان إلى آخر ، وأحيانا كان يعرض أكثر من مشهد مسرحي داخل اللوحة الواحدة، وأحياناً أخرى كان يخلق جواً طقسياً أسطورياً معتمداً على سرعة الإيقاع الموسيقى المرافق للأداء التمثيلي مكرساً الجوقة الموسيقية الغنائية متكئاً على مضمون الأسطورة ، ووقعها في نفس المتلقي .

مكونةً أسلوب العرض على النحو الآتي :

–        تبادل الأدوار من أجل خلق موازنة نقدية .

–        تبادل الجملة الواحدة عند بعض الشخصيات .

–        تمثيل المشهد بشكل مشترك وبأداء مختلف .

–    خلق مشهد به جماعية ؛ أي جعل الشخصيات تأخذ دور المجموعة تجاه الفرد والفرد تجاه المجموعة .

–        الغناء والعزف .

–        التعامل مع مفردات البيئة المحلية علي أساس أنها حدث بذاتها .

–        تغريب المكان الطبيعي – أحياناً – وإدخاله في حالة الحلم .

–        استغلال الموجودات وتحويلها إلى دلائل ورموز للتعبير عن الحالة .

فرقة المسرح الحر

المنطلقات والأهداف

نبذة عن الفرقة:

فرقة مسرحية تأسست في بداية العام 2000، ورسمت خطواتها بتدرج، مستندة إلى خبرات مؤسسيها في المجال المسرحي تحديدا، والفني عموما.

تقدم الفرقة تجاربها المسرحية بشكل متواصل نتيجة الجدية والأصالة والإيمان بالهم المسرحي، وقد انتقلت من مرحلة إلى أخرى بكل اقتدار، وقدمت تجارب متنوعة في الاشتغال على الشكل والأسلوب والموضوع، ما أهّلها لأن تنتقل عربيا لتصبح من أهم الفرق المسرحية العربية، ومؤخرا أصبحت الفرقةَ المسرحية الوحيدة التي تمتلك فضاءها الخاص بها، حيث استأجرت مبنى قديما في منطقة اللويبدة في عمّان، ليصبح ملتقى ثقافيا ومسرحيا للمسرحيين الأردنيين. وهناك خطط لتفعيل هذا المقر كي يقدم البرامج الفنية بشكل دائم.

وأصبحت الفرقة تنظم مهرجانها المسرحي العربي الذي أقامت خمس دورات منه، والذي اتخذ بعداً دولياً، إذ تشارك به العديد من الفرق المسرحية العربية والأجنبية، وأصبح المهرجان على خريطة المهرجانات المسرحية، بل ويعدّ من أهمها، نتيجة الأسلوب والطريقة المتبعة في استقطاب العروض من خلال نشر استمارة المهرجان على شبكة الإنترنت، وتلقي رغبات المشاركة من جميع أنحاء العالم، وفي كل دورة يكون هناك حوالي 30 رغبة بالمشاركة محمّلة في أقراص مدمجة يتم مشاهدتها من قبل لجنة المشاهدة وضبط الجودة في الفرقة، لاختيار ما هو مناسب منها، ثم يجري توجيه الدعوات بموضوعية.


الرؤية:

بعد أن حقق المسرح الأردني مكانة رفيعة على الساحة المسرحية العربية، فإن

الفرقة تشتغل ضمن خطوات ثابتة وراسخة في التنوع، لإرضاء الأذواق والأجيال كافة، ومد جسور الألفة خارج إطار المدن لتنتقل العروض المسرحية إلى الأرياف والبوادي الأردنية وإلى المناطق الأقل حظاً والمناطق الفقيرة والمهمشة وإلى مراكز الأيتام في كل مكان وذوي الاحتياجات الخاصة، والتركيز على الأطفال، بالإضافة إلى اهتمام الفرقة بالمسرح النوعي المعني بهموم المرأة وتنمية حقوقها وتقديم التجارب المسرحية بالمعنية بالنساء للحد من ظاهرة العنف المجتمعي وبما يسمى “ضحايا الشرف”.

المؤسسون:

نبيل نجم، ماهر خماش، بكر قباني، علي عليان، غنام غنام، أسماء مصطفى، سامي عبدالحليم، فراس المصري، حسين أبو حمد، عبد الكامل خلايلة، خليل شحادة ومحمد غباشي.. وغيرهم.

الأعمال المسرحية التي قدمتها الفرقة منذ تأسيسها:

1.  مسرحية “تجليات ضياء الروح”، من تأليف غنام غنام  وإخراجه. وقد شاركت في مهرجان المسرح الأردني لعام 2000 وحازت فيه على جائزتَي أفضل ممثل وأفضل ماكياج.

2.  مسرحية “معروف الإسكافي”، من تأليف غنام غنام وإخراجه، وقد شاركت في مهرجان جرش للثقافة والفنون لعام 2001.

3.  مسرحية الأطفال “عبدالله البري” التي شاركت في مهرجان مسرح الطفل لعام 2001.

4.  إعادة إنتاج مسرحية “حياة حياة”، التي شاركت في مهرجان المسرح الأردني 2001.

5.  مسرحية “شهقة الطين” التي قدمت عشرة عروض على مركز الحسين الثقافي التابع لأمانة عمان الكبرى، بمناسبة إعلان عمّان عاصمة للثقافة العربية، كما شاركت في مهرجان المسرح الأردني ‏2002‏‏.

6.  أنتجت الفرقة مسرحية ” مرآة المرأة” من تأليف فراس المصري وإخراجه، في العام 2003، وقُدم العرض في مدارس البكالوريا وفي مهرجان الرباط بالمملكة المغربية.

7.  من إنتاج مديرية المسرح والفنون بوزارة الثقافة، قدمت الفرقة مسرحية “آخر منامات الوهراني” من تأليف غنام غنام وإخراجه، في مهرجان جرش لعام 2003، وعلى المسرح الدائري في المركز الثقافي الملكي، وساحة مديرية المسرح التابعة لوزارة الثقافة.

8.  أنتجت الفرقة مونودراما “خمس دمى”، من  بطولة علي عليان وإخراج غنام غنام.

9.  قامت الفرقة بإنتاج مسرحية “وداعاً كاليجولا” من إخراج علي عليان، وقد عُرضت بيوم المسرح العالمي 2005.

10.أنتجت الفرقة مسرحية “يا مسافر وحدك” من إخراج غنام غنام.

11.أنتجت الفرقة مسرحية “ليل المدينة”، من إخراج فراس المصري، 2007.

12.أنتجت الفرقة مسرحية “الرقصة الأخيرة”، إخراج إياد شطناوي، 2008.

13.أنتجت الفرقة مسرحية “صور في البال”، إخراج فراس المصري، 2008.

14.أنتجت الفرقة بالتعاون مع وزارة الثقافة مسرحية “جمهورية الموز”، 2010.

15.أنتجت الفرقة مسرحية “زهايمر”، من إخراج إياد شطناوي،

16. أنتجت الفرقة مسرحية “هجرة”، من إخراج علي عليان، 2012.

مهرجان ليالي المسرح الحر الدولي

  • · الرؤية:

l     نحو مجتمع اردني منفتح ومطلع على التجارب  المسرحية الحديثة المحلية والدولية.

  • · خلفية المشروع:

–    ان حاجة المجتمع الاردني لفن المسرح دفعتنا للسعي الى خلق فضاء خاص عبر مهرجان ليالي المسرح الحر الدولي الذي تأسس عام 2006 بهدف اقامة التواصل بين الفنان المسرحي  والجمهور وتثبيت  الممارسة الثقافية في حياته كي تصبح من الاولويات لديه .

–         من ناحية أخرى، ولتدارك هذا التباعد مستقبلاً، فكّرنا منذ  الانطلاقة الاولى للمهرجان بضرورة توسيع هذا الفضاء والعمل على انتشاره  بين مختلف فئات المجتمع الاردني بما فيها الاطفال  بالمناطق المهمّشة والبعيدة عن العاصمة.

  • · الرسالة:

ليالي المسرح الحر الدولي: مهرجان يقام سنوياً لتطوير الحوار الثقافي بين مختلف فئات المجتمع والفنانين العرب والاجانب بهدف نشر الثقافة المسرحية وتعزيز القيم الفكرية والحس الجمالي والارتقاء بالسلوك المدني

مسرحية تجَلِيَاتُ ضِيَاءِ الرُّوحِ (حلم مسرحي فرجوي في عشرة تجليات) (54)

وفي اطار نص فرجوي بلغة صوفية ( كلاسيكي )  واحداث متخيلة من أجواء التراث بطلها ملك شاب “ضياء الروح” يتوج حديثاً بعد وفاة والده، ويعلن زواجه من “فرط الرمان”، ابنة معلم وحكيم القصر “حكمة الزمان”، لكنه قبل زفافه يتعلق بطيف فتاة متخيلة اسمها “سر القمر”، فيصاب بنوع من الانشطار، ويذهب به الخيال إلى أبعد تصور لديه وهو اللحاق بسر القمر في نفس الليلة التي يكتمل فيها القمر، وتصادف ليلة زفافه، مما يخلق أزمة في القصر، وحين تتكرر المسألة تصاب “فرط الرمان” بالخيبة، فالملك الشاب لم يمنحها حقها الشرعي حتى الآن، وروحه ترفرف في مكان آخر. وهنا يذهب الظن بأبيها الحكيم إلى أن روحاً شريرة قد سكنت “ضياء الروح”، فيستخدم علمه ومعرفته لطرد هذه الروح، وتبقى  النهاية مفتوحةً، وللمتلقي حرية رسم النهاية..[53]

يا أهل المدينة يا أهل البلاد… بلاغ سامٍ من ملك البلاد… أقيموا الأفراح والليالي الملاح… فمولانا ضياء الروح خطب ابنة حكمة الزمان فرط الرمان، وسيكون الزفاف الميمون يوم اكتمال البدر من هذا الشهر، يا أهل المدينة يا أهل البلاد..

وفي حوار وأجواء متخيلة لعالم افتراضي _ اشبه بالحلم _  يحصل تلاقي الروح والهيام ، وينفطر القلب بين النار والثلج بصورة مسرحية بليغة :

ضياء الروح          : كيف اختصرت نساء العالم في جسدك الناري..؟

.سر القمر              : إنني سرُّ القمر..

ضياء الروح          : كأنني منذ كنت.. كنت في انتظارك..

.سر القمر              : أنا من جاءت إليك… وانتزعتك من ثلج الوحدة..

ضياء الروح          : وألقيتني في نارك..

.سر القمر              : جربتَ احتراق الثلج..؟!

ضياء الروح          : ما فائدة الثلج بلانار..؟

.سر القمر              : تجلَّ أكثر يا ضياء الروح..

ضياء الروح          : خذيني أكثر يا سرَّ القمر… إنني أحبكِّ فاشربي دمي… واحترقي..

.سر القمر              : بلا نار..

الاثنان                      : بلا نار… بلا نار…  بلا نار… بلا نار…

[تهدأ الحركة فجأة… يقف ضياء الروح ملطخاً بالطين].

ضياء الروح          : بلا نار… أين ذهبتِ..؟ سأبحث عنكِ حتى تنطفئَ ناري….

[يجري هائماً حيى يختفي].

وفي هذا إضفاء للتنوع على النسيج الصوتي والبصري للصورة المسرحية  للعرض  وإيجاد نوع من التقابل الإيقاعي والنغمي بين الحوار المنطوق والمقاطع الدالة ، فقد تم الحالة بطريقة بنائية فاعلة تخدم عنصر الايهام ، بحيث كانت تتقاطع محاور الحركة مع الحوار المنطوق ، بصورة  مستمرة لتعمق دلالة الموقف أحياناً ولتعارضه وبصورة حالمة أحياناً أخرى.

وفي تجربة (اخر منامات الوهراني) (55)

نجد ان  التراث كان اداة طيعة لحمل التجربة الانسانية  بطريقة معاصرة

دون ان يبقى في اطار الحكاية والسرد  حيث استحضر الكاتب  المخرج غنام غنام ( الوهراني) الكاتب العربي الذي عاش في القرن السادس الهجري .. ليلتقي ( بالشيخ امام)  :

لاعب 3:آخر منامات الوهراني:عرض فرجوي مفتوح على التأويل ، مفتوح على الإغناء والإثراء، مفتوح على كل نوافذ الحلم  و الحرية على امتداد الوطن العربي .

لاعب 1:آخر منامات الوهراني مهداة إلى روح فنان الشعب الراحل الشيخ إمام محمد عيسى ، الذي طوى روحه على الجرح و انزوى ثم انزوى بدنه ، بعد أن زودنا بذخيرة الالتزام … ما زال حيا نابضا دون إذاعات و ألبومات و فضائيات و فيديو كليب.

للاعبون يغنون : دور يا كلام على كيفك دور

خللي بلدنا تعوم في النور

دور يالكلام على كيفك دور خلي بلدنا تعوم في النور

نرمي الكلمة ف حضن الضلمة

تحبل سلمى و تولد نور

يكشف عيبنا و يلهلبنا

يكشف عيبنا و يلهلبنا

(55) غنام غنام, مسرحية آخر منامات الوهراني http://www.awu-dam.org / .

لسعة لسعة نهب نثور

دور يا كلام على كيفك دور

م إمام عنده كلام عم إمام عنده كلام

ومسوَح في بلاد الناس

من شوق نوله يغزل قوله

و يغني مرفوع الراس

ده يغني مرفوع الراس

لكن السؤال المثير :  ما القاسم المشترك بين هذا وذاك !!‏

استطاع الكاتب بذكاء ان يجمع بين الفكر بعيدا عن فكرة زمن الشخوص ببناء فني درامي متحرر من الوحدات والقيود الكلاسيه _ سلطة المسرح الغربي _  واصبح التراث هو الحاضر بقالب حكائي شرقي ممتع ، مسقط على واقعنا المعاش شكلا ومضمونا

الوهراني كان ناقداً لاذعاً استخدم المنامات سبيلاً لفضح السلطات التي تنال من الناس.. وليتقي بها شر التنكيل به من العسكر واصحاب السلطان ويتقابل مع الشيخ امام .. في مواجهة الواقع .. بإشارة واضحة ان استحضارهما كان صرخة ضد الظلم من اجل الحياة.‏

ويلتقيان.. الوهراني.. والشيخ امام .. ليدركا ان الزمن لم يتغير .. فقط ذهبت فلسطين ومعها الاقصى.. والعراق يغوص في دمه.. والعرب صامتون.‏

الشيخ : هل وقفت على حدود كلما عبرت أرضا ؟

الوهراني( ساخرا): أنا ما تجاوزت الحدود ، بقيت في بلاد العرب و الإسلام….

أشم رائحة غريبة في سؤالك .

الشيخ : لو ركبت بغلتك اليوم من المغرب إلى بغداد .. لوقفت عند عشرين نقطة حدود ، و لما اتسعت قفا بغلتك للأختام و تأشيرات المرور .

البغلة : و حتى البغال ؟

الشيخ : لو كانت بغالنا مثلك لما أفلتوا لها العقال .

الوهراني : تكلم كلام العقال … غراب أنت أم ماذا ؟… قلبي غير مطمئن لك.

الشيخ : ليطمئن قلبك …. فما أنا إلا شاعر قوال ، مغن جوال ، ابحث عن طريق للوصول . سدوا المنافذ كلها ، و أنا مغن .. غنيت لثورة الريف في أطلس ، و للشهداء في الأوراس و الجولان و جنوب لبنان ، غنيت لضحايا دنشواي … و أدماني البكاء الغناء على أطفال الحجارة .. و أريد أن أصلي الفجر مع الأبرار في الأقصى .

الوهراني : فاذهب إليه .. من ذا الذي ستطيع أن يمنعك ؟

الشيخ ( يغني)

ممنوع من السفر

ممنوع الغنا

ممنوع الكلام

وفي مباشرة ذات معنى وصورة معبرة  تنقل تشيبها  لاذعا :

مر الكلام زي الحسام يقطع مكان .. ما يمر‏

أما المديح سهل ومريح يخدع لكن .. بيضر‏

الكلمة دين من غير ايدين بس الوفا  عالحر ..‏

وفي خاتمة تختزل الكلام وتطلق الخيال وتداعب العقول بمزيد من التفاصيل ،  تحفيز للمشاهد داخل حيز الصورة الدرامية على لسان الوهراني حيث يقول :

ليلا توف يل وطن!!! كم أشعر بالندم على كل مناماتي …النوم سلطان و النائم سلطان؟؟ فأي سلطان كنت أنا!!؟هي لم تنم..بينما كنت أنام, كان النوم ملجأي و ملاذي حين تزدحم الطرقات بالبساطير و عيون العسس..كنت أرى النهار طويلا..و عندما يجن الليل أنام مثل بغل مهدود, لا أرى مناما و لا يحزنون ,مناماتي أنا ابتدعتها , ففي النهار كنت أرويها لهم فيضحكون , و أنطق لهم بغلتي فيضجون..كنت أنطقها حتى لا أموت من قهر الصمت.

:قل يا شيخنا شيخ الكلام ، كلامك الذي يجلي الصدور و يتحدى الظلام … فالحال يا شيخ مهين … و مهين نوم… فلسوف ينسانا التاريخ .. أن بقينا نائمين .

إذاً هناك نوع من إقامة العلاقة بين أرض المسرح التي يقف عليها الممثل ، وبين مركز الحركة في جسده ،بحيث  تتحول – هذه العلاقة – إلى المستوى النفسي وتصبح علاقة الارتكاز في المكان علاقة ارتكاز نفسي ، تتحول إلى أمل وحلم قادم عن طريق الخطوات ، الدالة نحو الاتجاه ومراجعة الذات .

في بناء درامي قائم على التشخيص ، تم عن قصد استخدام عامل (الشوشرة)، واستغلاله وتحويله إلى عنصر هام في فن التعبير لدى الممثل ، باستخدامه  بعض الحيل اللغوية كالتورية اللفظية ، والهمس ، إلى جانب بعض الحيل الحركية .

)مسرحية حياة حياة ( (56)

عمل يطرح العديد من المستويات :

أولها   : علاقة حياة المرأة بزوجها وحبيبها نهار ووقائع المعيشة في البيت والمقهى والمشغل.

(56)غنام غنام ,مسرحية حياة حياة ,  http://www.awu-dam.org

وثانيها   : علاقة رمزية – فنتازية بين حياة العجوز وحياة الصبية وهما في الواقع شخصية واحدة انشطرت فغدت كلّ منهما مرآة للأخرى تقوم بكشف المزالق والفرص الضائعة في مسار لشريك العمر الزوج «نهار»

وأما المستوى الثالث فهو الترميز الأبعد لنسيج المجتمع العربي في تلك المرحلة التاريخية، وكلٌّ يلقي باللوم على الآخرين، وحقيقة الأمر أن الجميع يحملون المسؤولية إبان المدّ الثوري وطموحات التحرير وبناء مستقبل للأمة، فقد صاحبت الشعاراتِ الكثيرةَ حالاتٌ صوتية وأمنياتٌ بلا رصيد من الجهد والتكامل، و تبرز أمامنا دلالة الاسم: نهار و دلالة: حياة في مسار الأمة.

تحتشد في مسرحية «حياة وحياة» دلالات الرموز والواقع، ذلك أنها تقدّم جردة حساب لتاريخنا المعاصر منذ الستينات، وما كان من زلازل حزيران 1967 وما وراءها وإشراقة تشرين- أكتوبر1973 وما حاق بها، وذلك في فصل واحد ممتدّ .

وفي حالة من المكاشفة  يدور حوار الازمة بين نهار والصبية :

نهار      اسمعي خبري..الليلة موعد تاريخ جديد

الصبية   الليلة!بماذا ستختلف عن ليلة الأمس

نهار      الليلة سوف يخطب الرئيس خطابا هاما..المنطقة تغلي يا حياة..

الصبية   اعلنو القيادة الموحدة..

نهار      التحدي يزداد..من رفض منطقتنا..صار وحدويا..دائرة التحدي تتوسع..والحبيبة تقترب..

الصبية   الحبيبة!؟

نهار      فلسطين على بعد أمتار

الصبية   وأنا على أي بعد؟..على كوكب المريخ؟

نهار      هيا نعلن التحدي معا

الصبية   الجهلة لا يصلحون لهذا الشيء..اذهب وحدك..

نهار      آه يا وحدي ( يهم بالخروج )

الصبية   ستتأخر؟

نهار      سأتقدم

الصبية   خذ المفتاح معك

نهار      فاذا احتجت للخروج

الصبية   اريد البقاء وحيدة

مسرحية خمس دمى وامرأة (57)


أمام فصل واحد طويل «خمس دمى وامرأة» يضم شخصيتين: هو/ هي يدور الحوار بينهما في مكان واحد هو جسر في طرف المدينة، ونفاجأ في الاستهلال بصيغة سردية تصف الموقع والجوّ والشخصية النسائية

في اشارة الى  مؤثرات إخراجية في التأليف، ، على شكل  دلالات درامية مؤجلة   تظهر في سياق العرض والحالة :

(57) غنام غنام ,مسرحية مسرحية خمس دمى وامرأة ,http://www.awu-dam.org .

المكان والحالة

جسر فوق نهر…(كوبري)،على رصيف منه..الرصيف يحتل خشبة المسرح،سياجه الحديد يمتد في عمق المسرح من اليمين الى اليسار يبرز منه عامودا نور شاحب،الشارع أو معبر السيارات والعربات يقع في ناحية الصالة/ الجمهور ، وعند مرور سيارة فان صوتها يسمع وضوءها يمسح رصيف الجسر …فيلتمع سياجه…ويظهر بالوان مختلفة تبعا للون الضوء شدته.. كما تظهر اشارات فوسفورية مثل عين القط ، الجسر موقعه خارج المدينة

الوقت ما بعد منتصف الليل ، والليلة خريفية ، بعض من برد وريح  ،وقطع غيوم يتخللها القمر احيانا ..

يبدو جليا ان فكرة الجسر بؤرة الحدث قد جعلت المتلقي يبحث داخل فكرة العزلة وطبيعة التواصل مع الاخر حيث انه مصدرا للحدث يرتفع ويقترب من الفعل الأنساني بدلالات متعددة ، قد تكون فكرة الوحدة داخل عالم متحرك  اولها .

وفي حدث  قائم على التعبير الحركي ، الصادر عن “هو ” ، كرد فعل على ما يصدر من فعل استرجاعي للذكريات ، تستحضر فيه  الشخصيات نقاط تلاقي بشرية مشتركة تقدم للمشاهد انعكاس الحالة الجمعية داخل النفس البشرية داخل صورة مشتركة هو جزء منها :

هو     ” يصمت لحظة ” اريد أن ألعب ..

هي     العب بدميتك ..

هو     وتعرفين ما احبه ..

(يخرج اربع دمى من حقيبته )

هو    كنت أظن التعامل مع الناس .. كالتعامل مع الدمى ..

هي    يعني صار معك كما حدث مع من تعلم السباحة على سريره ..

هو     ” ضاحكا ” ماذا حدث له ؟

هي    لا شئ .. يسلم عليك .. لديك دمى كثيرة ..

هو    اربعة وأمي .. كان الكل يستغرب كيف أن شابا مثلي يهوى اللعب بالدمى .. حتى زملائي..

هي    شاب ؟.. يعني كن معك ..

هو    من ؟

هي    دماك

هو    ومادراك أنهن اناث

هي    لم تسأل ؟

هو     قلت و ” هن

هي    ” كن

هو     يعني نون النسوة ..

هي     وماذا في ذلك .. ولتكن دماك اناثا

هو     كلهم كانوا يعيبون علي ذلك ..

هي    صحيح نسيت أن أسألك لماذا كل دماك اناث

هو    ياألله … أنت مثلهم !!!

هي    اجبني

هو    سر لم أبح به لأحد حتى لأمي

هي    وماتت دون أن تعرفه ؟

هو    وكيف عرفت انها ماتت ؟!

هي    يا ولدي قلت قبل قليل ” ورحمة أمي

هو    رحمها الله … لكن بعد أن ماتت .. عرفت السر

هي   كيف ..؟ كتبته وطيرته مع طائرة ورقية للسماء

هو    لا … فلقد صار لدي خمس دمى

هي    الخامسة أمك ؟

( يخرج دمية خامسة من الحقيبة )

هو    نعم .. ها هي .. ” يريها لها

مسرحية ليل المدينة (58)

وفي اعداد خاص للفنان علي عليان لنص(ديك المزابل) الذي يستند الى النص الاصلي للكاتب السوري طلال نصر حيث اعتمد الاسلوب الواقعي للمكان ( المزبلة ) كمكان للعيش في عمق المجتمع لرجل عجوز بلغ أرذل العمر وشاب هارب من المجتمع لكي ينتحر، لكن لقاء الشاب مع العجوز في المزبلة يرجعه إلى رشده مسترشدا بتحليل منظومات أفعال كل من الشخصيتين في الحياة . تناول عليان الاحداث بعنوان  مسرحي جديد هو  (ليل المدينة ) حيث  نقل المتن من خلال المحافظة على حكائية النص وبنيته الأساسية وذهب الى الاختزال للمعاني ، لتسريع ايقاع العرض وشد المشاهد .

وفي حوار عميق مباشر بين الشخصيتين تتضح المقولة حيث :

” مزبلة لا نهاية لها ، في الوقت نفسه ، مكان للعيش وللرزق” ……

ليست مزبلة عادية ، انها شيء اخر بل مكان اخر ، هو في

العمق مجتمع بكل معنى الكلمة ، الذي يتسع دون جميع الامكنه “

(58) مسرحية ليل المدينة ، اعداد علي عليان ، عن مسرحية (ديك المزابل) للكاتب السوري طلال نصر.

وقد وظف العرض كذلك ملامح   الكوميديا المستندة الى حالة التناقض والتضاد من الفعل ورد الفعل ، ارتكزت  على شخصية الحارس الذي يعيش خارج اطار الحياة اليومية داخل مكب للنفايات، احيانا يسميها مدينة، واحيانا اخرى مقبره، يعيش في عالمه بعيدا عن الناس، ينادم زواره الليليين الكلاب والقطط والذئاب يعيش عالمه بأسلوبه الخاص، لانه اصبح المنبوذ والمهمش كونه يغرد خارج السرب بأفعاله وأقواله التي جاهر بها  :

وفي حوار استفهامي تهكمي :

الحارس : هه ، لأنك كنت ترتاد المزابل وانت صغير !

الشاب : كيف عرفت !؟

الشاب : غالبا ما يرغب المرء ان يموت في ….

أمكنة لها علاقة ……….

,………………………………….

وتتواصل الحكاية: الى أن يأتيه زائر ليلي يقتحم عليه خلوته فيكون الآخر بنفس حالة الهروب، ولكن هروب اضطراري وباختلاف السبب، لأن خطيبته تركته وتزوجت من آخر، وتبدأ حالة من الشك والريبة في البداية وتتطور الى حالة من الاتهامية والتهديد بين الاثنين الى أن تتوارد الافكار والخواطر، ليصبحا في هدنة واحدة نتيجة الهدف العام الذي اوصلهما لنفس المكان  :.

وفي حوار تعارف دال على المعنى  :

الشاب : من ماذا ؟

الحارس : الشرطة او الامن ، او المخابرات

الشاب : ( محاولا طرد المخاوف التي اثارها الحوار ) دعك من هذا

الحارس : ( مهددا بصوت عال ) اجلس

( الشاب يجلس والحارس يبدأ بالنبش في مقتنياته )

الشاب : ماذا تفعل ؟

كل ذلك من أجل خلق البلبلة المقصودة ، والحيرة إزاء المعنى لدى المتفرج لدفعه إلى بذل جهدٍ مضاعف في تفسير المعنى والدلالة ، بحيث تصبح عملية الإدراك واستخلاص المعاني من مهمة الجمهور لتعويض النقص في المعلومات المرسلة إليه .

فرقة طقوس المسرحية

مهرجان “عشيات طقوس المسرحي”

أهداف المهرجان

  • اعتزاز الناس بتاريخهم وبمدنهم وتنمية حس المواطنة بتفعيل الجانب الوجداني باعتبار أجدادهم صنعوا جزاءا من التاريخ الحضاري للبشرية.
  • دفع الفن المسرحي والمسرحيين بتحمل مسؤولياتهم أمام المجتمع من خلال طرح الفكر التوعوي والتنويري للنهوض بجيل المستقبل
  • العمل على تفعيل مسرح الطفل الذي تعمل عليه فرقة طقوس هذا العام.
  • تفعيل الدور الوطني والقومي للمسرح بحمل قضاياهم وتطلعاتهم.
  • حق العودة للآثار الأردنية والعربية إلى مواطنها الأصلية.
  • إلقاء الضوء على قضية الآثار العربية المسلوبة والمطالبة بها.
  • تقديم قيم جمالية وتربوية وفكرية للأطفال.
  • العمل على رفع الذائقة الجمالية لدى أطفالنا بما ويتناسب مع تاريخهم وحاضرهم ومستقبلهم.

الرؤية  :

تسعى الفرقة  إلى تأسيس مستقبل لأطفالنا مستمد من ماضينا وحضارتنا ودورهم في صناعة التاريخ …من خلال البحث في آثارهم وإبداعاتهم لتعزيز الذات عندهم  وبان لهم تاريخ مشرق وان هذا الحيز الجغرافي الذي يشغلونه الآن كان مركز إشعاعا حضاري في الماضي وللتدليل على ذلك لابد من العودة إلى نتاجا تهم الإبداعية من هندسة معمارية ومنحوتات ومسلات ومدن وصحائف …الخ

وهذا يدفعنا للمطالبة بالآثار المسروقة والمسلوبة من مناطقنا والمعروضة الآن في المتاحف الأوروبية…لان هذه الكنوز هي الشاهد التاريخي على عراقة تلك الحضارات.

انصب اهتمام المؤلف المخرج فراس الريموني على القضايا والمواضيع التاريخية والأسطورية المثيولوجية فكانت اعماله المسرحية تحمل البعد الانساني من خلال النزعة البدائية والطقوس الانثروبولوجية لتأسيس معماريته الجمالية في الفضاءات الممتدة من القلاع والساحات

العامة وأرصفة الشوارع والبيوت القديمة حيث كتب وتناول المخرج نصوص دينية وأسطورية

وتاريخية انسانية ناقشت وجود الانسان وصراعه مع الآله والميلاد والموت والكهنة والعرافين والطواطم والأصنام والإبطال من خلال ورشات تجريبية  .

مسرحية طقوس الحرب والسلام (59)

والنص يمثل جرأة واضحة في مجال التجريب على الكلاسيكيات الإغريقية القديمة ، فقد أفاد النص من النقد الذي كانت توجهه الفلسفة إلى الآلهة الإغريقية على تناقضها وظلمها للإنسان

وعبودية صراع بين الكمال والنقص ، بين الإنسانية القاصرة المستسلمة والإنسانية المثل العليا ، بين عقلانية هذا العالم ولاعقلانيته ، فالإنسان دائم البحث عن فضاءات يجد فيها نفسه ، يجد حريته ، بعيداً عن إلغاء الذات والتهميش من قبل السلطة ، التي تأخذ أشكالاً متعددة ولكنها تتفق في الغاية والهدف ، فالمستهدف هنا هو الأضعف .

ارتكز المؤلف المخرج الى حكايات مثولوجية اسطورية وسحرية فرجع الى اسطورة إلهة التمر عند العرب حيث كان العرب البدائيون عبدة الاوثان يصنعون آلهتهم من التمور يعبدونها ويتقربون منها ويطلبونها النصر والعون، وفي سنين القحط يبدأون بنهشها شيئا فشيئا حتى ياكلونها :

(تمثال كبير وسط مساحة تعج براحة البخور وبالشموع صنع هذا التمثال من التمر يطوف حول هذا التمثال مجموعة من الناس يتضرعون اليه وكأنه المخلص لهم … تقدم أضحية خلال الدوران)

وعلى الجانب الاخر ارتكز النص على مواسم الحصاد ففي تموز من كل عام يبدأ الفلاحون بحصاد القمح من الحقل في جو من الفرح والبهجة مطلقين العنان لاصواتهم بالغناء والهجيني بينما تكون النساء تطحن على الرحى او الطاحونة القمح لاعداد الخبز والطعام. وتطرق النص الى الطقس السحري من خلال شخصية العرافة التي تحمل طائر الشؤم البومة على كتفها وتتنبأ بالمستقبل وبالخراب والدمار القادم  :

(59)  فراس الريموني ، مسرحية مسرحية طقوس الحرب والسلام ، نسخة مطبوعة للمؤلف , عمان .

طقس الرحى

(الجو صافي الشمس تطل على بيدر من القمح . مجموعة من الحمام تلتقط الحبوب تتطاير في المكان كأنها تحتفل بموسم الحصاد).

(في اطراف البيدر تجلس فتاة تحت دالية العنب المعلقة  على قوائم خشبية تدور بيدها رحى تطحن القمح وتدندن باغنية الحصاد )

سمراء :           ما زالت الرحى تدور … القمح يطعم الطيور

العجوز :          (يردد)  القمح يطعم الطيور بنيتي هل تقطف الثمار من الأرض البور … أو من شجر السرو والحور … فهذه الكؤوس دون شراب وهذا المتهجد دون محراب … إرحلي فليس هناك طوفان يقضي عليهم .

بنيتي خاب سعي العشاق  وجعجعة بلا طحن …

كل ذلك من أجل خلق البلبلة المقصودة ، والحيرة إزاء المعنى لدى المتفرج لدفعه إلى بذل جهدٍ مضاعف في تفسير المعنى والدلالة ، بحيث تصبح عملية الإدراك واستخلاص المعاني من مهمة الجمهور لتعويض النقص في المعلومات المرسلة إليه .

وفي موقف اخر :

الراوي: استمرت الافراح والليالي الملاح

وطال الانتظار وكثر الكلام حتى اصبح الجسر خرافه / واخذ قدسية المعابد والمقامات ..مئات الاحداث والاشاعات والروايات..يحكى ان ..

يروى أن الجسر بني من لعاب الجنيّات…

يحكى ان طفلاً كان يضرب حجراً صغيراً بصخرة كبيرة فأنجبت أشياء تشبه تماثيل البشر

يروى أنه كانت هنا مدينة وان الجسر كان قبل المدينة

يحكى ان النساء العاقرات كانت تشعل الشموع وتستحم على الجسر وكانت تنجب أبطالاً .. يروى ان هؤلاء الابطال ماتوا .

إذاً تم تفعيل  لغة الحوار المحكي – السردي – واستعيض عنها بلغة التعبير الصوري الاسطوري من خلال تفعيل دور الإيقاع السمعي ، مرتكزاً على الصورة  للكشف عن المشاعر والمزاج العام للراوي _ اداة التخيل _   لجعل  النص اقرب ما يكون  ( لنص الحالات ) يغزل ما بينهما المؤثر البصري والسمعي بأشكاله المتعددة ، في محاولة لإلغاء حدود الزمان والمكان ، وتعميم الفكرة من أجل تعميق الصورة الكونية التأملية لمعاناة الإنسان ، لكي تتعاقب الصور عبر ثقبٍ في الزمن يسمح للمتلقي من خلاله رؤية نفسه .

طقس السلام

يدخل رجل يحمل لوح اعلانات يثبته في مقدمة الساحة ويكتب عليه (مرحلة السلام) ثم يحملها ويخرج تسمع موسيقى عسكرية ترفع مجموعة من الرايات في ارجاء المكان .. اضاءة على منصة تتوسط الساحة يصعد عليها الدرج من الجهة اليمنى ودرج من الجهة اليسرى ..

يدخل جندي من اليسار – في نفس الوقت –يدخل العجوز من اليمين تبدو عليه..هيبة الفلاح … يصعد كل واحد منهم على الدرج باتجاه المنصه … ( موسيقى مارشيل عسكري )

يلقي العجوز خطبة سياسية

يلقي جندي خطبه

ولاحظ الناقد الاردني جمال عياد ” انشغال النص منذ المشهد الاول وهو (طقس العبادة) وانتهاء بالاخير الخامس (طقس السلام) بتاسيس اجواء طقسية حفلت بالحروب عندما تدخل شخصية الجنرال بدلالاتها السلطوية العدوانية لتبدأ دوامة العنف فتتحول المجاميع الى أكل آلهتها بعد ان كانت تعبده، وانطلاق الاحداث الى منحى آخر من التدمير الهائل الذي يحدثه الجنرال ثم مشهد الغاب والذي اعقبه مشهد الجسر وختاما بمشهد طقس السلام فحضر من الاسطورة الجانب الطقسي سواء التشويق والاثارة وتأزم تعمق احتلال الجنرال لديرة (سمراء) ولتنفك نقاط التأزم بتمرد وثورة المحتلين على الجنرال وقواه، فكانت النهاية امام شكل جماعي امد المشاهد بأحاسيس انسانية مغلفة بقيم نبيلة (60) .

(60) جمال عياد عياد،جمال،طقوس تعرض في القرية الثقافية قربان مؤاب،جريدة الرأي.

الا ان الانشغال النصي يحسب له صياغته ليخاطب الراهن الانساني ومعبرا عن روح العصر من باب اشكالات الانسان  نفسها ، فصراع القوى في المجتمعات الانسانية سوف يظل ناموسا ازليا، فوجد المشاهد نفسه امام حالة اسقاط سياسي لتدمير تمثال زعيم اثناء تدمير المجاميع منصة تمثال الالهة الوثنية واكلها.

لقد تبلور الموقف الفكري عبر المعالجة الجمالية في التعامل مع مقولة الزمن فالزمن الآني في العرض هو زمن متداخل كتداخل المكان ، الداخل/الخارج وتداخل موضوعة الحرب والسلام مما منح العرض جدلية فلسفية توزعت ما بين الاسطورة والرمز، ما بين المتخيل والطبيعي، ما بين المرئي والامرئي ، لينفضي بالزمن القادم/زمن اللا خنوع، زمن التفاعل الواعي مع معطيات الواقع المحقق لتطلعات الشعوب التي تنشدد الخلاص.(61)

مسرحية عرار نبي سدوم

اللوحة الاولى

عرار  :      ( نائم وسط المسرح ) البحر 000 ارى الارض تحتضر 000 ارى البحر يولد 000 السماء تمطر سخط 000 الجبال تسود كوجه طاغ لا مفر من عقابه 000

صوت :      عرار 000 عرار 000 هذه سدوم يا عرار 000 انقذها من دمار وشيك ( صوت نباح كلاب 000سلاسل 000 اجراس 000)

عرار :       (يصحو من حلمه ) سلمى 000 سلمى 000 سدوم 000 سدوم 000 سيقلب الله عاليها 000وطيها 000 ساعديني يا سلمى على انقاذ سدوم

سلمى :       الناس سوف تسخر منا يا عرار 000 لن يسمعك احد 000 الفاسد عمّ 000

عرار :       سدوم عروس لن نزفها الى الخراب يوم عرسها

(يدخل العراف وكأنه شبح يدور في المكان ) (62)

(61) نعمة،عبد الصاحب,،طقوس الحرب والسلام ووعي المكان،جريدة مهرجان المسرح الاردني العاشر،2003.

(62) فراس الريموني ,مسرحية عرار نبي سدوم ، مستوحاة من فصة سدوم لمترجمها مصطفى وهبي التل , نسخة مطبوعة للمؤلف، عمان .

تظهر بذرة الصراع من التعارض الحاد بين إرادتي من جهة  ، وإرادتهما في مواجهة السلطة ، من جهة أخرى .

وذلك انطلاقاً من مبدأ التعويض وتعدد الصور المعبرة عن الحالة بوسائل كثيرة ، ذلك أن للألم  أشكالاً متعددة كما أن للحزن والفرح أشكالاً متعددة ، فثنائية الصراع بين الإنسان والسلطة فكرة أزلية مستمرة حملتها شخصية  العرض الرئيسة ، للتخلص من سطوة السلطة وتحقيق الخلاص  ( فالصراع إذاً صراع حرية) .

وفي اشارة الى فكرة العرض “تناولت المسرحية ارتباط الاردن ضمن مثيولوجيا نشوء هذه المنطقة الضاربة في القدم منذ الازل،طارحة مشاهدها ولوحتها بطولات ميشع الذيباني الذي دافع عن الارض والإنسان، وصد العبرانيين، بحسب احداث المسرحية، وضحى بأعز ما يملك، من خلال حرق ابنه كتضحية وقربان من اجل الانتصار على اعداء وطنه، هذه البطولات التي نقشت على مسلة ميشع، والتي تقبع حاليا في احد المتاحف التارخية في باريس، حيث طالبة تعبيرات ومحمولات أداء الممثلين بعودتها الى ارض الام في الاردن.”(63)

اللوحة الرابعـــــــة

( عرار يدخل دار  الأوثان لوحده)

أحد الحراس: لقد عاود  ايمانه  بإلهة  سدوم  فجاء يستغفرها  (فتجاهله عرار  ودخل 000 مجموعة من الناس  حول  الاصنام  تتلمسها000 عرار  خرّ  راكعا واتجه  بوجهه الى السماء  ورفع راحتيه ضارعا)0

عرار:          يا رب سدوم , كم كنت  أود أن لا يذكر في مثل هذه  العمارة الجليلة  اسم غير اسمك , وأن لا يعبد  في هذا البناء  الأخاذ إله غيرك , ولكم  أبت  قدرتك  وجلت مشيئتك  الا أن تقف  من كفران بني سدوم  ومن جحودهم  إياك  وهي  مكتوفة  اليدين , أيها القادر  على كل شيء000

أتوسل  اليك يا الله أن تنظر  سدوم الى أن يكبر  صغارها فقد يكون منهم الصالح000

(63) جمال ، عياد، ،طقوس تعرض في القرية الثقافية قربان مؤاب،جريدة الرأي.

ويتضح هنا تشضية الطقس ذلك أن كثيراً من الحركات والأشكال في الحياة والطبيعة تعارف الإنسان عليها وطور معناه من خلال تكرارها وعمقها واتفق عليها.. وهي دلالات أخذت شكلها الطقسي من خلال انعكاس الواقع عليها أو إسقاطه بها.

حيث أصبحت ممارسته تعتمد على اللاوعي  والانعكاس الشرطي للسلوك في المسرح ، فهو يجرب ضمن وظيفته ومعناه ومغزاه.

فالمأساة حالة وعي بالدرجة الأولى للوظيفة ، والإقناع في المحصلة معايشة الحالة أو العيش في داخلها أو إدراكها..

لقد نظر المسرحيون دائماً إلى الإقناع بأنه حالة التماثل لأجل تقديم الواقعية، ذلك أن المعايشة هي الواقع بذاته فنحن لا نمثل الواقعة،ـ نحن نعيش الواقع أو أن الواقعة هي جزء

من وعينا وهي في الوقت نفسه تقدم مأساتنا الذاتية…

لأن الرضوخ إلى الواقع والاستكانة إليه مشاركة في نشر زيفه وتأكيد شرعيته.

اللوحة الاخيـــــرة

( عرار وسلمى والعراف والكاهن من خارج اسوار سدوم وفي قرب المقبرة التي لاحت في عين عرار )

عرار :         انك الصادق الامين أيها الكاهن في كل ما ذكرته عن مفاتن جلعاد ومغريات عجلون وصلاح بني مؤاب وتقى قطان ديبون ولكن  ناشدتك الله أين اجد في غير سدوم قبوراً عزيزة أذرف عليها دمعي السخي اذا ما ساورتني شهوة البكاء وضمئت عيناي الى اراقة الدمع

( مهرولاً الى المقبرة وهو يصيح باعلى صوته )

وهنا تتضح فكرة الإقناع والاقتناع كشكل طقسي حيث أن العرض المسرحي لا يسعى أن يقنع المشاهد بحقيقة الواقعة أو صدق التعبير عن الشخصية المتخيلة أو الممثلة أمامه على أنها محاكاة لشيء متفق عليها بقدر ما يحمل المشاهد لا حقا إلى الواقع لكي يدرك نموذجية المسرح بحيث يقدم الواقعة ويقدم الحالة أو لنقل الوضعية التي يعيش في داخلها الإنسان بدون أسباب ولهذا تفقد أيضاً الشخصية مقوماتها وتصل إلى حد التجربة في سبيل الحصول على النموذج فالشخصية ليست محكومة بأسباب شقائها بقدر ما هي محكومة بأسباب بقائها وحياتها ، ومأساتها لا تكمن بسبب أفعالها بقدر ما تكمن في مأساة وجودها، فهي لا تقارع قدراً محتوماً .

الاستنتاج

مفردات العرض الطقسي يجب ان تراعي ما يأتي :

أ‌-    تتعامل مع رموز الطقوس ودلالاتها الروحية والنفسية والاجتماعيه وتحويلها إلى فعل للمشهد أو تحويل الطقس إلى حدث ، يتخذ من الحالة العامة للشخصية دلالة معاصرة.

ب‌-  تحويل حكاية الطقس إلى جزء مهم لنقل وعي الشخصية وبالتالي مزج وعي الشخصية وإدراكها بالطقس وتحويل حكاية الشخصية إلى طقس.

ت‌-  أفعال الطقس وشخوصه ورموزه يتم نقلها أو اسقاطها على الشخصية عبر مراحل حياتها ومعاناتها:

–        أن الطقس هو محاولة جماعية للمشاركة مع النموذج من أجل خلق التكامل والتوازن.

–    أن الطقس هو حالة تؤخذ مع فعل النموذج بشكل يسمح للمشاركة في التضحية والفداء بدون أن تكون حياة المشارك مهددة بخطر الفعل بقدر ما تحقق حالة الخوف والقسوة من الفعل، أو المشاركة برمز الفعل وصولا إلى تحقيق أو تماثل مع الفعل الحقيقي.

–    أن حركات وإيحاءات فعل الطقس ، في جوهرها حركات تعبير عن حالة الإنسان بشكل عام، كما أنها حركات ذات دلالة عميقة في وعي من يعايش الطقس ، وليس لها معنى من خارج الطقس أو روحية المشارك لذا يجب أن نقدم الطقس ليس على أساس فعالية عرض بقدر ما تكون فعالية مشاركة بالدرجة الأولى،  والمشاهد بالدرجة الثانية كما أن العرض يؤسس على الطقس ولا ينقل الطقس لحالة تراثية استعراضية تعيق بالطقس وشكله.

–        أن العرض يجب أن يحتوي الطقس كفكر.

–    أن المتاحف من حقها أن تنقل روحية الطقس كتاريخ مسجل ، أما المسرح فعليه أن يعيش الطقس ويعيش معه ومن أجله،  لأن المسرح سيكون فيما بعد طقس وفعاليته طقسية ما دام العرض مستمر وفي العرض التالي يؤسس طقس آخر بالروحية والمضمون ويبقى روحية الشعيرة متوقدة لأن الشخصيات المسرحية ليست شخصيات طقسية بقدر ما هي حرة تؤسس طقسها أو ترتجل طقسها المناسب.

–    يفتقد الطقس الروحي خصائصه من أجل طقوسية العرض المسرحي. ويبني المسرح على أساس دلالاته _ دلالات جديدة اجتماعية _في جوهرها ودنيويتها في طموحها من أجل اعطاء المشاهد فرصة لكي يعيش إنسانيته.

لقد تخلى المسرح عن وظيفته التطهير عندما بدأ بتجميل الواقع وإيهام المشاهد وتخديره ، أن التقويم المغناطيسي للمشاهد خدعة سرعان ما يصحو منها لكي يعود إلى واقعه المجرد وصيانته الموضوعية بكل صراعاته،  حيث يعاني الخيبة والإحباط في إمكانية تحقيق السعادة.

إن مسيرة الحياة تتشكل من الألم والمرض والجوع والقمع والإحباط من تندني العلاقات والثقافة الإنسانية ومن فقدان الحرية والارتقاء بالعدالة والمساواة .

–    إن الحياة مجموعة محرمات بواسطة القانون والأخلاق بواسطة القوة والوعي.. بواسطة الخداع أو الوهم.. لذا على المسرح أن يعرى هذه المسيرة للإنسان من أجل أن يمتلك الإنسان قدرة

–        على المسرح أن يجد في صوره دلالات هذه المحرمات ليقدم أشكالها بكل قسوة.

–        أن المسرح يجب أن يساعد المشاهد من أجل التخلص من الوهم .

–        أن الموت حقيقة ثابتة على المشاهد أن يدرك معناه منذ البداية.

فرقة مسرح الفن ( اربد ) (64)

تأسست بقرار من وزارة الثقافة عام  1986  حيث أقامت تسعة مهرجانات مسرحية في إربد استضافت بها أكثر من خمسين مسرحية عربية وأجنبية وأقامت مهرجانين مسرحيين للمحترفين استضافت بهما خمس مسرحيات عربية .

وشاركت بمهرجانات مسرحية عربية منها:

1- مهرجان مسرح الطفل العربي بالسويس\مصر العربية عام 1988 بمسرحية الكنز وفازت بثلاث جوائز .

2- مهرجان مسرح الطفل العربي بعمان / الأردن أعوام 2002 / 2003/ 2006/ بالمسرحيات التالية:

– مسرحية ثعلوب         – مسرحية داليا          – مسرحية المُنجّم

3- مهرجان مسرح الطفل العربي بسوسة\تونس بمسرحية ” داليا” وفازت بثلاث جوائز.

وفي مجال تعاونها مع الجامعات الأردنية تعاونت مع كل من جامعة اليرموك والعلوم والتكنولوجيا وإربد الأهلية في استضافة مهرجانات مسرحية وندوات متخصصة .

وتعاونت مع فرقة الفوا نيس الأردنية في تقديم عروض مسرحية واستضافة عروض أخرى.

كما قدمت من انتاجها أكثر من ثلاثين نصّاً مسرحيا من تأليف أعضائها نصف هذه النصوص للأطفال.

الاهداف

  • تنشيط الحركة الفنية والثقافية وتوسيع قاعدتها في المملكة الأردنية
  • توفير الظروف الملائمة لنمو طاقات الواعدين والمبدعين والعمل على تطويرها في جو من الحرية والإنفتاح
  • تعميق الانتماء الوطني وتنمية الاعتزاز بالأردن فالإعتزاز بالاردن والانتماء اليه يمثل كل الاعتزاز والانتماء للامة العربية والفرقة داعية اصيلة من دعاة وحدة الأمة
  • يعتبر ترسيخ حب الوطن والالتصاق به امرا اساسيا وهاما وواجبا قوميا تسعى فرقة الفن الى تاكيده وتكريسه في قلوب كافة المواطنيين في المملكة الأردنية الهاشمية
  • رصد الواقع الاردني والعربي في كل ما يبدعه ويقدمه فنانونا والعمل على جعل انتاجهم مراة لواقعنا وتعبيرا عن انساننا الأردني
  • ترعى فرقة مسرح الفن الدراسات الادبية والثقافية والفنية ذات الطابع المميز والمتفقة مع اهدافها وطموحاتها في حدود امكانياتها
  • تشجيع فرقة الفن انفتاح فنانينا على العلوم الثقافية الانسانية في الوطن العربي والعالم
  • العمل على تعزيز روابط الاخاء والمحبة بين الفنانين الاردنيين وتوثيق تلك الروابط بينهم وبين اخوانهم في العالم العربي
  • تعمل فرقة الفن على اصدار مجلة دورية تكون متخصصة في ادب المسرح
  • رعاية وتشجيع الفنانين المبدعين والناشئين واتاحة الفرقة لهم والاخذ بايديهم
  • تنظم فرقة مسرح الفن ندوات ومحاضرات ولقاءات ثقافية وفنية تنسجم مع اهدافها ومبادئها

كانت الحاجة  الى التنشيط المستمر للحركة المسرحية في الأردن بشكل عام وفي حاضرة الشمال اربد بحاجة ماسة لاستمرار المهرجانات ،وتواصل العروض المسرحية ، وتوحيد الصفوف والعمل على أجواء تساعد على الدفع بالحركة المسرحية خاصة والفنون على انواعها عامة ، وتعتبر المهرجانات المسرحية احدى الإشرافات التي تشجع الفرق المسرحية على مواصلة العمل ، ومعروف للجميع ان للفرق المسرحية الفاعلة تأثير مباشر وغير مباشر في تطوير وتقدم وتنشيط الحركة المسرحية في أي بلد ترى قيادته السياسية او الثقافية والفنية والاجتماعية أهمية لتطور وتقدم المجتمع  في المجالات كافة ، وخاصة في ظل توفير أماكن العروض المسرحية المناسبة وتوفير التجهيزات والتقنيات لتشكل المهرجانات اعراس وطنية وإعلامية وجماهيرية

ولا شك  ان فرقة مسرح الفن  فرقة مسرحية طموحة ، اجتهدت بكامل اعضائها لتقديم عروضها  بظروف عمل صعبة حيث لم يتهيئ لها كل متطلبات النجاح من المال وأماكن العروض المسرحية المناسبة وتكامل عناصر العرض من حيث توزيع المهام الادبية والفنية  .

وهكذا كان المسرحيون المشاركون بالمهرجان يحدوهم الأمل بنجاح أعمالهم المسرحية وينصب اهتمامهم على ما يعبر به الجمهور عن أعمالهم المسرحية. وهكذا تتحقق بعض تطلعاتهم وأمانيهم في دوراتهم المسرحية وينطلقون وفي مخيلتهم حلم الاستمرار والطموح  نحو الافضل ، والاستعداد  للدورات المسرحية المقبلة بهمة ونشاط ومحبة .

(64) وزارة الثقافة , info@culture.gov.jo, عمان .

ثبت بالمصادر والمراجع  :

(1)  انظر أتيم سايمون   , تجارب وتحديات  almasier.net/news

(2) – سيكولوجية فنون الأداء ، ترجمة عبد الحميد،شاكر،  المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ، الكويت،  (2000).

(3) انظر ، جميل حمداوي ، http://www.diwanalarab.com

(4) د . مدحت الجيار ، البحث عن النص ( دراسة في المسرح العربي ) – دار النديم للصحافة والنشر والتوزيع . ط1  19889 .

(5) نادر عمران ، البيان التأسيسي لفرقة مسرح الفوانيس ، مصدر سابق

(6) د. رشاد رشدي ، نظرية الدراما من أرسطو إلى الآن ، مرجع سابق ، .

(7) تحرير بيتي نانسه فيبر وهيوبرت هاينن ، برتولد بريشت (النظرية السياسية والممارسة الأدبية) ، بغداد ط 1 ،ترجمة كامل يوسف ، 1986 .

(8) اريك بنتلي ، نظرية المسرح الحديث ، مرجع سابق ،  .

(9) د. عبد الحميد يونس ، مقال بعنوان ” دفاع عن الفولكلور ” التراث الشعبي  ” ، بغداد ، مجلة تصدر عن وزارة الثقافة والفنون ، العدد 1، 2.

(10) نادر عمران ، مسرحية لعبة دم .دم تك . مصدر سابق .

راجع  : برتولد بريخت ( مسرحية السيد بونتيلا وتابعه ماتي ) ترجمة عبد الغفار مكاوي ، القاهرة ، سلسلة مسرحيات عالمية العدد 21 ، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والنشر ، 1966 .

(11)نادر عمران ، مسرحية لعبة دم . دم . تك ، مصدر سابق .

(12) المصدر السابق نفسه ، .

(13) المصدر السابق نفسه

(14) المصدر السابق نفسه

(15)المصدر السابق نفسه

(16) للمزيد أنظر د . سمير سرحان ، المسرح والتراث العربي ، مكتبة الشاب ، وزارة الثقافة الجماهيرية ، 1988

(17) وانظـر : عبد الحميد يونس ، الحكاية الشعبية ، القاهرة ، المكتبة الثقافية ، الهيئة العامة للكتاب ،  1985 .

(18)  وكذلك : د . إبراهيم حمادة ، خيال الظل وتمثيليات ابن دانيال ، القاهرة ، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر،    1963.

(19) د . نهاد صليحة ، المسرح بين النص والعرض ، القاهرة ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، مكتبة الأسرة 1999

(20)نادر عمران ، فرقة مسرحية وجدت مسرحا فمسرحت هاملت ، مصدر سابق

(21) محمود عيسى موسى ، هاملت المعاكس ( قراءات في المسرح الأردني )عمان ط 1 ،  منشورات وزارة الثقافة  1995

(22)نادر عمران ، مسرحية (فرقة مسرحية وجدت مسرحاً فمسرحت هاملت) مصدر سابق

(23) أنظر : لويجي بيرانديللو ، مسرحية ( ست شخصيات تبحث عن مؤلف ) ترجمة د . محمد سعيد محمد ،القاهرة ،  من الأعمال المختارة ( 1 ) عدد 42 مارس 1973 .

ومسرحية هنرى الرابع ، ترجمة فاروق عبد الوهاب ، القاهرة ، سلسة المسرح العالمي ، العدد ( 13 ) يناير 1965 .

(24)نادر عمران ، فرقة مسرحية وجدت مسرحاً فمسرحت هاملت ، مصدر سابق.

(25) المصدر السابق نفسه

(26) المصدر السابق نفسه

(27) راجع  محمود عيسى موسى ، هاملت المعاكس ، مرجع سابق .

(28) نادر عمران ، فرقة مسرحية وجدت مسرحاً فمسرحت هاملت ، مصدر سابق.

(29) المصدر السابق نفسه.

(30) أنظر : د مفيد حوامدة ، البحث عن مسرح ، سلسلة دراسات في المسرح الأردني، أربد  (1) ط1 ، دار الأمل ،  1985.

وأنظر  محمود عيسى موسى – هاملت المعاكس ، مرجع  سابق .

(31) نادر عمران ، فرقة مسرحية وجدت مسرحاً فمسرحت هاملت ، مصدر سابق.

(32) المصدر السابق نفسه

(33) المصدر السابق نفسه

(34) المصدر السابق نفسه.

(35) د . مفيد حوامدة ، البحث عن مسرح ، مرجع سابق.

(36) المرجع السابق نفسه ،.

(37)  انظر جيمس روس – ايفانز ، المسرح التجريبي – من ستانسلافسكي الى اليوم ، ط 1 ، القاهرة ، دار الفكر المعاصر ،  1979 ،

(38) نادر عمران ، فرقة مسرحية وجدت مسرحاً فمسرحت هاملت ، مصدر سابق

(39)نادر عمران ، البيان التأسيسي لفرقة مسرح الفوانيس ، مصدر سابق.

(40) راجع  محمود عيسى موسى ، هاملت المعاكس ، مرجع سابق .

(41) نادر عمران ، البيان التأسيسي لفرقة مسرح الفوانيس ، مصدر سابق ،.

.

(42) نادر عمران ، مسرحية طيبة تصعد إلى السماء ، عمان ، مخطوطة خاصة بفرقة مسرح الفوانيس الأردنية ، بخط يد المؤلف ، 1992 .

(43) نادر عمران ، مسرحية طيبة تصعد إلى السماء ، مصدر سابق

(44) المصدر السابق نفسه

(45)المصدر السابق نفسه.

(46)المصدر السابق نفسه

(47) عثمان محمود الحمامصي ( نظرية ستانسلافسكي والنظريات المعارضة ) القاهرة الهيئة المصرية العامة للكتاب 1994

(48) نادر عمران ، مسرحية طيبة تصعد إلى السماء ، المصدر السابق نفسه ،

(49) المصدر السابق نفسه

(50) المصدر السابق نفسه

(51)المصدر السابق نفسه.

(52) المصدر السابق نفسه

(53) المصدر السابق نفسه

(54)تحرير جوليان هيلتون ( اتجاهات جديدة في المسرح ) ترجمة د. أمين الرباط ، سامح فكري، القاهرة ، مركز اللغات والترجمة ، أكاديمية الفنون ، مسرح ” 7 ”   1995

(55)    تجَلِيَاتُ ضِيَاءِ الرُّوحِ (حلم مسرحي فرجوي في عشرة تجليات)http://www.awu-dam.org غنام غنام، موقع اتحاد الكتّاب العرب على شبكة الإنترنت

(56) http://www.awu-dam.org آخر منامات الوهراني   غنام غنام، موقع اتحاد الكتّاب العرب على شبكة الإنترنت

(57) مسرحية حياة حياة http://www.awu-dam.org

(58) د. فايز الداية ,غنّــــام غنّـــــام النص والرؤية الإخراجي مجلة الكويت العدد : 350

(59) مسرحية ليل المدينة ، اعداد علي عليان ، عن مسرحية (ديك المزابل) للكاتب السوري طلال نصر.

(60) فراس الريموني ، مسرحية مسرحية طقوس الحرب والسلام ، نسخة مطبوعة للمؤلف , عمان .

(61) جمال عياد عياد،جمال،طقوس تعرض في القرية الثقافية قربان مؤاب،جريدة الرأي.

62) نعمة،عبد الصاحب،طقوس الحرب والسلام ووعي المكان،جريدة مهرجان المسرح الاردني العاشر،2003.

(63) فراس الريموني ,مسرحية عرار نبي سدوم ، مستوحاة من فصة سدوم لمترجمها مصطفى وهبي التل , نسخة مطبوعة للمؤلف، عمان .

جمال ، عياد، ،طقوس تعرض في القرية الثقافية قربان مؤاب،جريدة الرأي.

(64) وزارة الثقافة , info@culture.gov.jo, عمان .



(1)  انظر أتيم سايمون  , تجارب وتحديات almasier.net/news/?p=8796 .

(2)  سيكولوجية فنون الأداء ، ترجمة عبد الحميد،شاكر،  المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ، الكويت،  (2000).

(3) انظر ، جميل حمداوي ، http://www.diwanalarab.com

* نادر شاكر عمران : من مواليد بلدة حلحول 1955 ، خريج المعهد العالي للفنون المسرحية بالقاهرة عام 1979 ، عضو مؤسس ورئيس فرقة مسرح الفوانيس الأردنية وهو كاتب ومخرج ومصمم سينوغرافيا مسرحية .

(4) د . مدحت الجيار ، البحث عن النص ( دراسة في المسرح العربي ) – دار النديم للصحافة والنشر والتوزيع . ط1  1988.

(5) نادر عمران ، البيان التأسيسي لفرقة مسرح الفوانيس ، عمان _  الاردن .

* انظر بروتولد بريخت ، نظرية المسرح الملحمي ، ترجمة جميل نصيف ، بيروت ، عالم المعرفة ، ( د . ت ) .

([6]) د. رشاد رشدي ، نظرية الدراما من أرسطو إلى الآن .

([7]) تحرير بيتي نانسه فيبر وهيوبرت هاينن ، برتولد بريشت (النظرية السياسية والممارسة الأدبية) ، بغداد ط 1 ،ترجمة كامل يوسف ، 1986 .

(8) اريك بنتلي ، نظرية المسرح الحديث .

([9]) د. عبد الحميد يونس ، مقال بعنوان ” دفاع عن الفولكلور ” التراث الشعبي  ” ، بغداد ، مجلة تصدر عن وزارة الثقافة والفنون ، العدد 1، 2

([10]) الحدوتة : في قرية متخيلة هي قرية ( أفراح ) ليلة محددة من كل عام يسهر فيها أهل القرية ينتظرون أن يأتي فارساً يحمل معه مصباحاً يجسد الأمل – ويسهرون في كل عام ولكن الفارس لا يأتي … ولكنهم في هذه الأثناء يمرحون ويصخبون ويتسامرون … ويأتي أبو الفوانيس حاملاً مصباحاً … وحكايات … ويقدم للساهرين حكاية السيد ( فرح ) وتابعه ( مشعل ) … والمسرحية قدمتها فرقة الفوانيس الأردنية من اقتباس نادر عمران عن مسرحية بريشت ( السيد بونتيلا وتابعه ماتي ) من إخراج خالد الطريفي ، وهي تعتبر من أطول العروض المسرحية التي قدمت على خشبة المسرح الأردني ، من حيث طول مدة العرض التي بلغت أربع ساعات متكاملة ، والمسرحية تتناول قصة الإقطاعي المتغطرس ، الذي يمثل سلالة منقرضة من البشر ، يصبح في حالة السكر ( الشرب ) إنساناً سوياً وما أن ينقطع مفعول السكر حتى يعود إلى شراسته الحيوانية وطبيعته الإقطاعية ثم نتابع بعد ذلك ومن خلال لوحات متتابعة الصراع الطبقي والزيف والكذب والخداع الاجتماعي … الخ .

نادر عمران ( مسرحية لعبة دم . دم . تك ) مخطوطة بخط يد المؤلف ، عمان ، مسرح الفوانيس ، مؤسسة أضواء الفن ،  1982 . 

وللمزيد : انظر محمود إسماعيل بدر ، بانوراما حركة المسرح الأردني ( في النقد التطبيقي ، 1977 – 1983 ) ، عمان ، منشورات دائرة الثقافة والفنون ،  1983 .

* دم . تك . دم : المسرحية انطلقت من فكرة علاقة القوي بالضعيف غير أن المعد هنا – قد جردها في عنصرين إيقاعيين هما مصطلح (دم) وهو مصطلح موسيقي حيث النقرة على آلة إيقاعية في منتصف غشائها الرنان ومصطلح ( تك ) حيث النقر على جانب الغشاء الرنان للآلة الإيقاعية ، حيث تكون نقرة ( دم ) هي الأقوى والأكثر رنينا وصدى ، تكون نقرة ( تك ) هي الأضعف والأقل رنينا وصدى .

([11]) نادر عمران ، مسرحية لعبة دم . دم . تك ، مصدر سابق .

([12]) المصدر السابق نفسه

([13]) المصدر السابق نفسه ص 23

([14]) ، (4) المصدر السابق نفسه ص 24 .

([15]) المصدر السابق نفسه ص 25 .

([16]) للمزيد أنظر د . سمير سرحان ، المسرح والتراث العربي ، مكتبة الشاب ، وزارة الثقافة الجماهيرية ، 1988 ص 16 وما بعدها .

وانظـر : عبد الحميد يونس ، الحكاية الشعبية ، القاهرة ، المكتبة الثقافية ، الهيئة العامة للكتاب ،  1985 .

وكذلك : د . إبراهيم حمادة ، خيال الظل وتمثيليات ابن دانيال ، القاهرة ، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر،    1963.

([17]) د . نهاد صليحة ، المسرح بين النص والعرض ، القاهرة ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، مكتبة الأسرة 1999 .

* انظر ، نادر عمران ، مسرحية ( فرقة مسرحية وجدت مسرحاً فمسرحت هاملت ) عمان ، مخطوطة بمسرح الفوانيس ، مؤسسة أضواء الفن مارس 1984 .

قدمت هذه المسرحية على المسرح الدائري في المركز الثقافي الملكي بعمان احتفالاً بيوم المسرح العالمي بتاريخ 27/3/1984 وذلك بالتعاون مع دائرة الثقافة والفنون ثم عرضت في المسرح العربي المتنقل الذي عقد في الرباط ما بين 16 – 24/4/1984 .

([18]) نادر عمران ، فرقة مسرحية وجدت مسرحا فمسرحت هاملت ، مصدر سابق .

([19]) محمود عيسى موسى ، هاملت المعاكس ( قراءات في المسرح الأردني )عمان ط 1 ،  منشورات وزارة الثقافة  1995

([20]) نادر عمران ، مسرحية (فرقة مسرحية وجدت مسرحاً فمسرحت هاملت) .

([21]) أنظر : لويجي بيرانديللو ، مسرحية ( ست شخصيات تبحث عن مؤلف ) ترجمة د . محمد سعيد محمد ،القاهرة ،  من الأعمال المختارة ( 1 ) عدد 42 مارس 1973 .

ومسرحية هنرى الرابع ، ترجمة فاروق عبد الوهاب ، القاهرة ، سلسة المسرح العالمي ، العدد ( 13 ) يناير 1965 .

([22]) نادر عمران ، فرقة مسرحية وجدت مسرحاً فمسرحت هاملت .

([23]) المصدر السابق نفسه ص 12 .

([24]) المصدر السابق نفسه  .

([25]) راجع  محمود عيسى موسى ، هاملت المعاكس ، مرجع سابق .

([26]) نادر عمران ، فرقة مسرحية وجدت مسرحاً فمسرحت هاملت ، مصدر سابق.

([27]) المصدر السابق نفسه ص 21 .

([28]) أنظر : د مفيد حوامدة ، البحث عن مسرح ، سلسلة دراسات في المسرح الأردني، أربد  (1) ط1 ، دار الأمل ،  1985 ص 94 .

وأنظر  محمود عيسى موسى – هاملت المعاكس ، مرجع  سابق .

([29]) نادر عمران ، فرقة مسرحية وجدت مسرحاً فمسرحت هاملت ، مصدر سابق ص 5 .

([30]) المصدر السابق نفسه .

([31]) المصدر السابق نفسه.

([32]) المصدر السابق نفسه  .

([33]) د . مفيد حوامدة ، البحث عن مسرح ، مرجع سابق .

([34]) المرجع السابق نفسه ،

([35])  انظر جيمس روس – ايفانز ، المسرح التجريبي – من ستانسلافسكي الى اليوم ، ط 1 ، القاهرة ، دار الفكر المعاصر ،  1979 ،

([36]) نادر عمران ، فرقة مسرحية وجدت مسرحاً فمسرحت هاملت ، مصدر سابق .

([37])نادر عمران ، البيان التأسيسي لفرقة مسرح الفوانيس ، مصدر سابق.

([38]) راجع  محمود عيسى موسى ، هاملت المعاكس ، مرجع سابق .

([39]) نادر عمران ، البيان التأسيسي لفرقة مسرح الفوانيس ، مصدر سابق .

* (1) طيبة تصعد إلى السماء : هي مسرحية نصها خليطٌ متجانس من مجموعة من الأساطير القديمة على شكل حكاية ، أبدعها المؤلف في قالب إسقاط تاريخي ميثولوجي للواقع الحالي منتفعاً بعمله هذا بأسطورة أوديب اليونانية القديمة كرمز للخطيئة البشرية ، ومنتفعاً كذلك بالفلسفة المجوسية وتقديس النار من خلال لوحات تعبيرية متتابعة متصلة أو منفصلة . وأوديب هنا قد تزوج من أمه وقتل أباه على علم ودراية بفعلته تنفيذا لقدر مكتوب قد قررته الآلهة على أهل طيبة .

وقد قدمت المسرحية على المسرح الملكي ، بعمان عام 1992 .

(2) نادر عمران ، مسرحية طيبة تصعد إلى السماء ، عمان ، مخطوطة خاصة بفرقة مسرح الفوانيس الأردنية ، بخط يد المؤلف ، 1992 .

([41]) نادر عمران ، مسرحية طيبة تصعد إلى السماء ، مصدر سابق  .

([42]) المصدر السابق نفسه.

([43]) المصدر السابق نفسه.

([44]) المصدر السابق نفسه .

([45]) عثمان محمود الحمامصي ( نظرية ستانسلافسكي والنظريات المعارضة ) القاهرة الهيئة المصرية العامة للكتاب 1994

([46]) نادر عمران ، مسرحية طيبة تصعد إلى السماء ، المصدر السابق نفسه

([47]) المصدر السابق نفسه

([48]) المصدر السابق نفسه

([49]) المصدر السابق نفسه

([50]) المصدر السابق نفسه.

([51]) المصدر السابق نفسه

([52]) تحرير جوليان هيلتون ( اتجاهات جديدة في المسرح ) ترجمة د. أمين الرباط ، سامح فكري، القاهرة ، مركز اللغات والترجمة ، أكاديمية الفنون ، مسرح ” 7 ”   1995  .

(54)  غنام غنام, تجَلِيَاتُ ضِيَاءِ الرُّوحِ (حلم مسرحي فرجوي في عشرة تجليات)

http://www.awu-dam.org ، موقع اتحاد الكتّاب العرب على شبكة الإنترنت

 

 

عن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Click to listen highlighted text!