fbpx
الرئيسية / الهيئة العربية للمسرح / مقالات / قراءة في عرض ( رماد من رماد ) .. الصنديد يبحر في عوالم بنتر برؤية المغامر .. بقلم : يوسف الحمدان

قراءة في عرض ( رماد من رماد ) .. الصنديد يبحر في عوالم بنتر برؤية المغامر .. بقلم : يوسف الحمدان

قراءة في عرض ( رماد من رماد ) ..

الصنديد يبحر في عوالم بنتر برؤية المغامر ..

بقلم : يوسف الحمدان

أن تبدأ وأنت طري العود ، غض التجربة ، مع الصعب الإشكالي الهائج المائج المركب والمعقد والمحير، فإنك مرشح لمغامرة غير مأمونة العواقب ، بها يتحدد مصيرك وتتحدد وجهتك ، فإما أن تستمر راضيا حتى بآخر ما تبقى لك من نصيب التحدي لمواجهة هذه المغامرة ، وإما أن تتهشم صواريك ومركبك ويتمزق شراعك حيث لا عودة لخوض هكذا مغامرة .

هكذا يبدو لي كانت اللحظة التي قرر فيها المخرج الشاب المتوقد عيسى الصنديد التصدي لإخراج مسرحية ( رماد من رماد ) لمؤلفها الإشكالي هارولد بنتر لفرقة مسرح أوال ، لتكون ضمن عروض مهرجان أوال المسرحي الدولي ، إذ لا مجال ولا خيار لديه غير أن يصعد الأمواج ليصطاد السمك من فوق ذراها حسب المفكر المسرحي الإيطالي الألماني روبرت تشوللي ، وهي مغامرة لا تقل في كونيتها القلقة أهمية عن سؤال هاملت الشكسبيري : أكون أو لا أكون .

إن التصدي لمسرحية مثل مسرحية ( رماد من رماد ) ، هي أشبه بالأحداث التي تدور تحت الماء ، كما يذهب إلى ذلك مؤلفها هارولد بنتر ، امرأة تغرق ويدها تظهر عبر الأمواج ثم تختفي عن النظر في محاولة للوصول إلى الآخرين ، لكنها لا تجد أحدا هناك ، لا فوق المياه ولا تحتها ، لا تجد غير الظلال والانعكاسات تطفو ، لقد فقدت المرأة شكلها البشري في مشهد الغرق ، امرأة لا تستطيع الفكاك من القدر المشئوم الذي يبدو أنه لا ينتمي للآخرين .

إذا كان بنتر قرأ مسرحيته التي تطفر أمامنا حية واضحة على أن أحداثها الرئيسة تجري تحت الماء ، فكيف سيقرؤها الصنديد من زاوية رؤيته الإخراجية وهي تتبدى أمامنا على خشبة المسرح ؟

أرى أن المخرج الصنديد اجتهد كثيرا من أجل أن يبرز مثل هذه الحالة بوصفها أجسادا ميتة تعلن حضورها اللامادي فوق الخشبة وكما لو أنها تستحضر زمنا يتراوح بين موت بشع متخف بين جنبات الروح ، وبين حياة ليس لها علاقة بأية زمن أو كائن بشري محدد الملامح ، لذا كانت شخصيتاه ( ديلفن ) الذي قام بأداء دورها الفنان حسن محمد و ( ريبيكا ) التي قامت بأدائها دانه سامي ، أشبه بكائنات ماريونيتية متخشبة مؤتمتة الحركة والصوت ، منشزة الإيقاع في كل حالاتها الأدائية ، وكما لو أنها لا تنتمي لواقع إنساني ، بقدر انتمائها لمستقبل ماتت فيه أية لغة لها علاقة بالتواصل الإنساني ، ولم يكن بنتر بعيدا عن هذا المستقبل الذي رآه ، حين حسم أحداث مسرحيته بأنها تجري الآن ، كان ذلك في خمسينيات القرن الماضي ، وكما لو أنه يرى مسخ الواقع الرأسمالي مستمرا حتى هذه اللحظة في نزع أي ملمح لأية هوية إنسانية .

ولقد تمكن الصنديد من أن يشعل هذه الروح المسخ التي تروم الخروج من قاع المياه الآسنة المرعبة ، من خلال تشكيل فسح معتم لفّت ريبته فضاء العرض كله ، ومن خلال أداء الممثلين المتمكنين فعلا من المسك جيدا بزمام الشخصيتين المناطة إليهما ، ليكونا جزءا لا يتجزأ من هذا الفسح المعتم في هذا الفضاء ، وقد استثمر الصنديد كل نأمة وإيماءة دالة ومعبرة عن التشوش والتشوه الإنساني في هاتين الشخصيتين ، لذا كانت الحركة والأداء منقادين ومنسجمين تماما مع هذه الحالة المشوشة والمشوهة في أقصى مدياتها ، ولو أن المخرج الصنديد تأمل شخصية ديلفن التي أداها الفنان حسن محمد أكثر من حيث أنها كانت هي أيضا ضحية للحروب وللتشوه اللاإنساني وليست شخصية تمارس هذا التشوه وتسقط هذا القمع على المرأة التي لا ملامح لهويتها إن كانت زوجة أو صديقة أو امرأة فحسب ، لكان موفقا أكثر في رسم صورة هذا التشوه غير المحدد الملامح ، إذ أن منحها بعدا مضادا للمرأة يجعل منها أكثر انتماء للمسرح الواقعي منه إلى مسرح بنتر التي تعم الظلمة فيه الداخل وكما لو أن الخارج جزءا لا يتجزأ من الذي يحدث وسط هذه العتمة في الداخل ، هذا المسرح البنتري الذي تتقاطع في تكوين فلسفته رؤى الغضب لدى جون أوزبورن ، ورؤى التشوه الإنساني لدى بيكيت ويونسكو .

وقد كان الصنديد موفقا في رسم شخصية ( ريبيكا ) التي أدتها دانه سامي ، حيث جعل منها شخصية أشبه بكائن يغوص في العتمة عنوة ويخرج منها ليعود ثانية ، وتتكرر هذه الحالة وكما لو أنها حالة سيزيفية قدرها ألا تطفو على سطح الظلمة تماما ، وكان بإمكانه أن يبحث أكثر في شخصية ديلفن ليجعل منه تلك الشخصية الضحية التي تسقط تشوهها على نفسها وعلى الآخر .

إنه اشتغال في قلب الحدث الصعب والمركب ، لزمه من وجهة نظري تأمل أكثر في الانفعالات الصوتية العالية التي تصل أحيانا إلى حد الصراخ ، وفي الحركة المفرطة التي تأتي في بعض المواقف لتفسر ما هو مفسر في الموقف دون لزوم لها ، فتلك الحدة العالية في الانفعالات ، تسرق الكثير من وهج الشخصية وكيفية نموها وفق الحالة غير المؤطرة التي في الغالب تعلن نفسها وتنمط أدائها .

كما لزمه إعادة النظر في الوسائل أو الوسائط الشروحية الإيضاحية التي تم استخدامها لتخيل حالات ماضوية أو انعكاسات واقعية على النفس أو بغرض حلم عابر ، فهذه الوسائل تقمع مساحة المخيلة التي من الممكن اختزالها في أداء الممثل فحسب ، وكان الممثل بقدرته الفائقة في الأداء لا يحتاج فعلا لمثل هذه الوسائل الإيضاحية ، كسقوط المطر أو استرجاع بعض المواقف التي صادفت الشخصيتين ، إذ أن حتى مثل هذه المواقف تأتي من قبيل هلوسات وسمهجات الذات ، وغالبا ما تأتي في إطار غامض ومشوش ، في مسرحيات بنتر وليس بوصفها واقعا أو محتمل وقوعها ، وذلك في رأيي قد يجعل من اللامحتمل مؤكد ، وبالتالي تقترب المسافة كثيرا بين الواقع والمحتمل مما يجعل من هذه المخيلة التي يعلن بنتر كبتها في مسرحياته أمرا حاسما لقضية واقعية تمت وانتهت .

ويأتي القفص الفضي الموشى بالدلاء المعدنية الصغيرة المعلق وسط الخشبة ، ليجسد من وجهة نظري السجن في شكله الواقعي ، وهو أمر يحتاج إلى إعادة نظر وتأمل أكثر في وظيفته ، فحالة السجن لدى بنتر أشبه بالجحيم الداخلي أو النفسي أو الذاتي وليس السجن الواقعي المادي الذي نعهده ، وبالتالي يكون هذا القفص محجما للحظات التخيل الأدائي لسجن أكبر مما نتصور ، علما بأن الأداء المميز والدال لدى الشخصيتين وإن بدا متوترا بعض الشيء في بعض اللحظات ، كاف لأن يمنحنا دلالات السجن والقمع والسحل خاصة وأنه استثمر فضاء العرض بشكل جمالي مدروس ولا داعي لمثل هذا القفص الذي أطر هذا الأداء في إشارته الواقعية المباشرة .

ولا يفوتني هنا أن أحيي المخرج الصنديد على اشتغاله الدقيق على تفاصيل الأداء الدال للجسد والانتقال به من حالة إلى أخرى مختلفة ، كاسرا بذلك الاشتغال الذي يحتاج إلى جهد مختبري غير عادي ، تلزمه خبرة تفوق خبرة وسن المخرج نفسه ، الشكل المتنامي على وتيرة واحدة في الأداء ، وكانت هناك لحظات اختزال لافتة فعلا للمسرود في نص العرض ، كان ينبغي استثمارها أكثر لتبدو حالة الصمت أكثر تجليا في تعبيراتها المتعددة ، من حالة المسرود الأدائي المختزل ، وما أجمل تلك اللحظة التي يتخشب فيها الفنان حسن محمد كما دمية العرائس ، بجسد عسكري متخشب تتدلى منه يدان وهو في بليغ صمته ، مرسلا من خلال هذه اللحظة دلالات عميقة لكائن بندولي تائه لا ملامح لزمن فيه ، وهي لحظة اختزالية إبداعية تحسب للمخرج والممثل معا .

وهنا لا بد وأن أقف أيضا عند الفنانة الشابة دانه سامي ، تلك الفتاة الجريئة التي منحت جسدها للمسرح بحب لا يضاهى ، لتشكل هذا الحضور المبشع لشخصية المرأة أربيكا في العرض والتي تحملت منذ بدء العرض حتى نهايته قسوة مجتمع لا يعرف رحمة أو رأفة ، مجتمع ينزع الرضيع من بين يدي أمه أو أحضانها ليدفعها إلى قدر لا تعرف طبيعة أو نوعية مآلاته المأساوية ، مختزلة بذلك صورا عدة ترجمها جسدها الحر والجريء في فضاء العرض .

فتحية من القلب للفنان المخرج عيسى الصنديد على رؤيته الإخراجية المغامرة الخلاقة لمثل هكذا نص وعرض مسرحيين .

هذا العرض ميلاد جديد لمخرج مبدع قادم بكفاءة واقتدار ليضيء وهجا جديدا جدير بنا أن نستضيء به في مسرحنا البحريني ، وجدير بنا أن نتأمل رؤاه المشاكسة لأكثر النصوص إشكالية وشائكية في عالم المسرح ، ومن بينهم المؤلف البريطاني الراحل هارولد بنتر .

عن Administrator

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.