أخبار عاجلة
الرئيسية / عين على المسرح العربي / د. محمد أمين عبد الصمد يكتب.. عن أعمال الكاتب المسرحي محمد عبد الحافظ ناصف: “مسرحيات ناصف بين التاريخ والمأثور الشعبي”

د. محمد أمين عبد الصمد يكتب.. عن أعمال الكاتب المسرحي محمد عبد الحافظ ناصف: “مسرحيات ناصف بين التاريخ والمأثور الشعبي”

د. محمد أمين عبد الصمد

كاتب مسرحي
مصر

ـ

%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d9%86%d8%a7%d8%b5%d9%81

الكاتب المسرحي محمد عبد الحافظ ناصف

تشكل كتابات محمد عبد الحافظ ناصف تجربة إبداعية شديدة الالتصاق بالآني من القضايا السياسية والاجتماعية – رغم اعتماده في مصادره على التاريخ السياسي والاجتماعي العربي – وتطرح كتاباته أسئلة متعددة مما يؤرق الإنسان , وتتسم مسرحياته بعمومية الفكرة وشموليتها , مما يعطيها إستمرارية زمانية وصلاحية مع كل مكان تُقدم فيه .

وفي لجوء ناصف لتيمته المسرحية من التاريخ يختار الحدث الذي يستطيع من خلاله بث خطابه وتأكيد وجهة نظره تجاه قضايا الوطن , ورغم أن التاريخ لا يعيد نفسه في كل الحضارات , إلا أن اختيار ناصف لحدث بعينه يشير إلى أن التاريخ عندنا يتكرر ؛ لأن السياقات لم تتغير .

وفي مسرحية (أرض الله) اختار الكاتب حدثاً تاريخياً سبق تناوله عدة مرات في المسرح العربي والمصري , وهو واقعة إعلان العز بن عبد السلام فقيه عصره وقاضي مصر أن المماليك رقيق ولا يجوز لهم الحكم , أو إجراء أي معاملات ترتبط بشرط (الحرية) , وهي الفتوى التي خلقت مأزقاً كبيراً , ورغم التهديدات المستمرة للعز بن عبد السلام للتراجع عن فتواه إلا أنه أصر عليها , وأصر على تحصيل ناتج البيع لبيت المال , مما وفر للميزانية تكلفة حرب الفرنجة والتتار من ناحية , وكسر غرور المماليك وحدَّ من مظالمهم من ناحية ثانية , نبه المصريين إلى بعض حقوقهم من ناحية ثالثة .

والكاتب هنا تعامل مع الواقعة التاريخية وأخضعها لشروط الدراما مستخلصاً خصائصها الدرامية التي تتفاعل داخل السياق الدرامي وتتطور بتطور الحتمية الدرامية .

ويستزرع الكاتب لشخصيته الدرامية الأساسية العز بن عبد السلام منذ شبابه الباكر , بمواقف واختبارات تعكس شخصية العز القوية التي لا تخشى إلا الله , ولا تبغي سوى مرضاته , ويستخدم الكاتب ثقافته التاريخية في الإحالة إلى مواقف مشابهة من التاريخ الإسلامي لمواقف العز بن عبد السلام مثل : مأساة السهروردي وموقف عمرو بن العاص من التطهر للصلاة في ليلة شديدة البرودة , وقصة أبي الدرداء .

ويعرض الكاتب –في تمهيده لأزمة الشخصية والمسرحية – لاختبار العز بن عبد السلام مع الحشوية (الحنابلة) المقربين من سلطان الشام وتمسك العز بصحيح رأيه , وهو ما أثار الجميع ضده , وأصبح خروجه من الشام لازماً , فكانت مصر هي الرحلة والمستقر , وانغمس العز في مشكلات عصره , وتفاعل معها , وحاول فيها إعلاء كلمتي الحق والعدل ولو في وجه سلطان متجبر جائر , جعل كل منهم يطرد العز من البلد التي يحكمها , فأصبحت كل الأرض بوصفها أرض الله أرضاً للعز بن عبد السلام , وأتاح له هذا التنقل من مكان إلى مكان زرع أفكاره وريِّها بمواقف جهيرة معلنة , جعلت الكل يتمسك به كصورة حقيقية للباحث عن العدل المطلق , الزاهد فعلاً وقولًا , وكانت دعوته وطلبه للجهاد وحماية بلاد المسلمين من المعتدين سواء فرنجة أو تتار تالٍ لدعوته لإصلاح الداخل , فلا حرب مع الخارج إلا بضبط الداخل وإرساء العدل فيه .

      ويقدم مسرحيته الثانية (حضرة صاحب البطاقة ) مستنداً إلى التاريخ الرسمي والتاريخ الشعبي عن الحاكم بأمر الله , الخليفة الفاطمي السادس , الذي تولى الخلافة عام 386ه حتى إختفى عام 411 ه , وكثرت الأقاويل عنه وعن تصرفاته , ويرى بعض المؤرخين أنه كان مختل العقل , وتولى الحكم وعنده إحدى عشر عاماً , وتولى الوصاية عليه برجوان التركي , والذي علم الحاكم الكثير من علوم المذهب الشيعي والفلسفة وعلوم الفلك , وفي نفس الوقت عاش الحاكم في قصر يعج بالأعراق المختلفة والديانات المتنوعة ..مما جعله متفتحاً وضد التزمت في بعض الأقوال التاريخية .

وكانت له تصرفاته التي تتسم ن أمعنا النظر فيها ورجعنا للمصادر التاريخية الموضوعية – فعندما زاد عطاء القاضي الحسين بن علي النعمان إشترط عليه ألا يتعرض هو أو القضاة لأموال الناس , وأنشأ دار الحكمة وجمع فيها خيرة علماء عصره وهيأ لهم كل أسباب المعيشة والتي تكفل لهم التفرغ للبحث والدراسة . وأنشأ مكتبة كبيرة ملحقة بدار الحكمة , وعندما رأى تعصب الأزهر للمذهب الشيعي أهمله .

وفي 400 هجرية أخذ مسلك الزاهدين وتقشفهم , وأعلن منع المكوس المستحدثة , وأعاد ما سبق مصادرته من أموال الناس بلا وجه حق .

ولما سبق أحس كل من في القصر من مراكز القوى أن سلوك الحاكم سيكون ضدهم وسيحرمهم من مزاياهم , فتآمروا عليه , فرد الحاكم التآمر بتآمر , وقتل العديد من وزرائه , ومنهم وصيه برجوان , وقتل قائد قواته الحسين بن جوهر والقاضي عبد العزيز بن النعمان , هذه الصورة التاريخية قابلتها صورة شعبية من خلال تاريخ شعبي لا يرتبط بحرفية الحدث سخر فيها الشعب من الحاكم , ودعم هذه الصورة رجال السلطة حينئذ , ومن تلاهم من حكام الأيوبيين , فأصبح لدينا صورتين للحاكم , وهو ما انتبه له محمد عبد الحافظ ناصف , فقدم لنا الحاكم من خلال المحبظين من أبناء البلد الذين تحيروا في سلوك الحاكم بأمر الله وقراراته , وتأثروا بشكل ما من دعايات خصوم الحاكم .

وقدم الكاتب هذا في إطار كوميدي يعتمد على مفارقات المواقف , ورغم مأساوية المصير إلا أن الكاتب إستطاع الإحتفاظ بهذه الشعرة الدقيقة بين الميلودرامية بإغراءاتها والبناء الدرامي الذي لا يعتمد المصادفة أو المبالغة رغم تدخلات وألاعيب المحبظين .

وفي المسرحية الثالثة : ( أول الليل … آخر النهار ) يلتقط الكاتب لحظة تاريخية من أواخر العصر العباسي الثاني , وهي لحظة تصدق دائماً في حلقات تاريخية تالية , حيث يقوم قائد المرتزقة ابن حمدان بالإنقلاب على الخليفة العباسية ( المغتصب للسلطة سابقاً ) وينحاز ابن حمدان لصاحب الحق المغتصب سابقاً عبد الله ابن المعتز الشاعر والكاتب والموسيقي , وتحيز ابن حمدان ليس دافعه الحق , ولكنه دافعه الضغينة للمقتدر لسلبه جارية تمناها ابن حمدان !

ففي هذا العصر كان يحرك الأحداث – وبسببهم تتحرك الأحداث – الجواري والغلمان , وأصبح مرتزقة السلاح هم أسياد المشهد , وتأتي نقطة الإنطلاق في المسرحية بقيام ابن حمدان بخلع المقتدر واجبار المعتز على قبول البيعة , ويقوم صراع كبير بين أصحاب المصالح ممن يحيطون بالمقتدر وأصحاب المصالح ممن يحيطون بالمعتز , في ذات الآن هناك عدو في الخارج متربص يستمتع بالفرقة ويستغل الخيانة , وينتظر الفرصة السانحة لاجتياح دولة الخلافة , وقد شخَّص الطبري مرض الأمة في تلك الفترة بخائنيها .

وكانت قمة الحدث الدرامي مطاردة المعتز للتخلص منه بعد التخلص من ابن حمدان , وجاءت فرصة المقتدر بتخلي الناس عن بن المعتز بعد إتهامه بالزنا ليثيرون عليه الناس من العامة والبسطاء .

ولا يشغل بال عبد الله بن المعتز صاحب الحق السليب إلا شيء واحد , وهو كتابة سطر واحد عنه في تاريخ الطبري , ينصفه فيه ويعطيه حقه .

ورغم كتاباته التي خلدته مثل : طبقات الشعراء , والأوراق , ووالجامع في الغناء , والتماثيل … إلا أنه يبحث عن سطر واحد في سجل السياسة !!

ويموت بن المعتز وتموت فكرة العدالة والنبل في عصره .

واستخدم الكاتب هذه التيمة بتكثيف شديد وقدرة فائقة على قراءة العصر المستلهم منه الحدث , واستخدام النص المرافق وتكنيكات الإضاءة لخلق حالة من سينمائية المشهد , وهي مسرحية متميزة في فكرتها ومعالجتها وبنائها الدرامي .

ومسرحية ( النهر )   تعتمد على تقنيات وآليات الفرجة الشعبية وشخوصها بإستخدام الحكواتي , ويقدم الكاتب أمثولة حيث يحاول الشيطان بمساعدة أعوانه (الجشع والطمع والحسد والشر …إلخ) إفساد مدينة فاضلة خيِّرة .

فيحاولون إثارة ضغينة الملك على الممالك المجاورة بإستخدام وزيره شهاب الدين , الذي يطمع في الحكم بدوره , وكذلك الزواج بالملكة .

وكما في الحكايات الشعبية الرمزية يستخدم شهاب الدين الأدوات السحرية المساعدة المُهداة له من الشيطان لانجاز مهمته في القضاء على الملك وعلى المملكة الفاضلة , وتغيير سلوك أهلها وصفاتهم الخيرة, فيتعاون الوزير شهاب الدين مع الوصيفة الحقود وبمساعدة الشيطان يتم نزع بذور الخير من الناس وغلقائها في النهر , وتبدأ الدعوات لغزو الممالك المجاورة والإستيلاء على خيراتها , وينجح شهاب الدين في الجزء الأول من خطته , ولكن سفروت مهرج الملك والوزير الثاني قاسم يحاولان إنقاذ الملك والمملكة , فيتوصلان إلى حيلة إقناع الناس بوجوب الشرب من النهر والاغتسال فيه لحماية أنفسهم وبوعود مغرية فيستجيب الناس , ويندفعون للشرب من النهر ةالاغتسال من مائه الحامل لصفات الخير وبذوره التي ذابت في مائه, فيعود الناس إلى خيريتهم , ويتدخل الشعب لإنقاذ ملكه وملكته من يد شهاب الدين والوصيفة الخائنة , ويفشل مسعى الشيطان وجنوده , وتذكرنا هذه المسرحية بمسرحية (نهر الجنون) للكاتب الكبير توفيق الحكيم مع إختلاف المعالجة والرؤية , وتنتمي كلتا المسرحيتين إلى المسرحيات الرمزية , التي تعتمد في أغلبها على تيمات شعبية , فيها الخير بيِّن والشر بيِّن , والمسرحية جيدة بناءً وفكرةً وخطابًا .

ومسرحية (وداعاً قرطبة) رغم النوستالجيا الواضحة بين سطورها , إلا أنها تعتمد الدراما عنواناً . تتناول المسرحية قضية إنهاء الوجود العربي في الأندلس , وتفكيك الدولة إلى دويلات ثم مدن , ثم القضاء عليها لاحقاً بالتعاون بين مملكتي أراجون وقشتالة حتى وصلا إلى غرناطة درة بني الأحمر ؛ فكانت أخر معاقل المسلمين العرب , ويستعرض الكاتب هنا كيف كان الحكام العرب أنفسهم سبباً كبيراً في إنهيار ممالك العرب ودحرها ؛ من خلال تيمة تاريخية للخليفة المستنصر بالله الذي جعل نفسه ألعوبة في يد جارية له , أنجبت له ولداً ذكراَ بعد أن بلغ من الكبر عتياً , وتلاعبت لصالح أهلها في الشمال من أعداء الدولة العربية الإسلامية ,أقنعت المستنصر بالله أن يسحب ولاية العهد من أخيه ويمنحها لابنه الطفل الغر , كما تدخلت لتولية أضعف الناس كفاءة وأكثرهم طمعاً وتآمراً , فتولي بن أبي عامر الشاب اليافع الطموح بلا حد , والذي يستخدم قربه من زوجة الخليفة وعشقها له .

ويقوم صراع البلاط بين ابن أبي عامر وصبح زوجة الخليفة من ناحية وفائق قائد الجند والصقالبة من ناحية ثانية , يتم إزكاء نار الطائفية , فقرطبة السنية تحارب دولة الفاطميين الشيعية في منطقة المغرب العربي , وخلق صراع وشرخ داخل البيت الحاكم بتولية طفل غر الحكم  حتى يسهل السيطرة عليه وتوجيهه والحكم باسمه دون حول له ولا قوة ,ويستمر ابن أبي عامر في تآمراته لإقصاء منافسيه , والقضاء عليهم , حتى أنه قتل ولي العهد الشرعي كي يمهد لتوليه هشام الطفل الصغير للخلافة ,وتخلص من كل رجال الدولة المنافسين له حتى أستاذه ومن قدمه للعمل في بلاط الخليفة !!

 وتتردى أحوال البلاد وتتفسخ , وتزداد سيطرة ابن أبي عامر حتى يصبح هو الخليفة الفعلي ويصبح قصره هو مقر الحكم , خاصة بعد أن أشاع أن الخليفة الشاب فيما بعد متفرغ للصلاة والعبادة , وعزله عن الناس وأغرقه في ملذات الجواري ولياليهن , ويحبسه في قصره .

وعندما ينتبه الخليفة الشاب يكون قد فات أوان التصحيح , فيرضخ اكثر لابن أبي عامر ويعلن رسمياً للناس أنه سيكتفي بالصلاة والعبادة والدعاء للشعب وان ابن أبي عامر هو المكلف منه بالحكم وأموره ,

والمسرحية تناقش قضية الحكم ودسائس السلطة التي تقضي في النهاية على وجود الدولة , ولا يعيب هذا النص المسرحي سوى الوعي المفاجئ الذي يأتي لشخصية الخليفة الشاب هشام , والذي لم يستزرع له الكاتب درامياً , ولم يقدم له , حتى نتقبل وعي جديد ومعرفة هي منطلق لأفعال درامية من الشخصية , ولكن في مجملها معالجة جيدة للفكرة .

 

 

عن صفاء البيلي

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.