أخبار عاجلة
الرئيسية / عين على المسرح العربي / عين(مسرحية عرض البحر OUT AT SEA للكاتب البولندي سلافيومير مروجيك بإخراج سوري)سوريا

عين(مسرحية عرض البحر OUT AT SEA للكاتب البولندي سلافيومير مروجيك بإخراج سوري)سوريا

 

مشهد من مسرحية ” عرض البحر “

 

 

 

عين(مسرحية  عرض البحر OUT AT SEA للكاتب البولندي سلافيومير مروجيك بإخراج سوري)سوريا

مجلة الفنون المسرحية

سوزان المحمود

ما الذي يمكن أن يحدث عندما يعلق ثلاثة أشخاص على طوف في وسط البحر بعيدا عن العالم وعن اليابسة يقفون وجها لوجه لمواجهة قدرهم بعد أن نفد الطعام والمؤونة منهم؟

قدمت مسرحية “عرض البحر” للكاتب البولندي سلافيومير مروجيك عشرات المرات وفي كل مرة تقدم فيها، تقدم بنكهة مميزة  وطريقة مختلفة تبعا للدراماتوج والمخرج الذين يعيدان صياغة النص والشخصيات بالطريقة التي تناسب ثقافة وبيئة وروح بلد ممثلي العرض.

وفي النسخة السورية الأخيرة للمسرحية، قدمها خريجو المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق على خشبة “سعدالله ونوس” في المعهد، و قام بإخراجها “مجد فضة” وقام بأدوار الشخصيات الثلاث الممثلون الفرزدق ديوب ، وسيم قزق، ياسر سلمون بالإضافة الى شخصية الموظف التي أداها المخرج نفسه، هنا لدينا ثلاثة رجال على طوف تائهون منذ مدة في عرض البحر، لا ندري من أين أتوا أو كيف أصبحوا عالقين على هذا الطوف، فالمسرحية تنتمي إلى مسرح العبث، قام الدراماتوج “إبراهيم جمعة” بإعداد النص بما يتلاءم مع العرض السوري وكان موفقاً في ذلك لأن الشخصيات الثلاثة تقنع المتفرج أنها بشكل أو بآخر تنتمي إلى أماكن في دمشق، على الرغم من أن معالم الشخصيات غير واضحة ويلفها الغموض لكننا نعرف القليل عنها من خلال الحوار والجدل المحتدم بينها، الشخصية الأولى هيثم و يلعب دورها الممثل المسرحي وسيم قزق شخصية قوية انتهازية سلطوية مُدعية نكتشف في الجزء الأخير من العرض أنها كانت أيضاً شخصية مهمشة ومنبوذة في وسطها الاجتماعي، أما الشخصية الثانية شخصية الشاب الجيد المرهف الاحساس يلعبها الممثل المسرحي ياسر سلمون، وهو خريج شاب يقدم شخصية عاشق محب وصاحب قيم أخلاقية نبيلة، والشخصية الثالثة شخصية الشيف الطباخ أبو العز عزيز يلعبها الممثل الفرزدق ديوب، وهي شخصية ضعيفة  قابلة للانقياد وللسيطرة، وأخيراً شخصية موظف البحر الفانتازية يلعبها المخرج والممثل مجد فضة والتي تدخل لبرهة إلى الطوف لتواجه كذب رواية الشخصيات، تدور أحداث المسرحية على متن طوف تتشاركه الشخصيات الثلاث التي تتسامر وتشرب الأنخاب وتأكل اليالنجي (ورق العنب) كل ما على الطوف يدعو للغرابة،  الرجال الثلاثة يلبسون سراويل مشمورة الساقين وهم حفاه و يرتدون سترات رسمية على صدور عارية، وهو لباس غريب تماما لأشخاص في طوف نجاة حتى الطعام الذي يأكلونه (اليالنجي) والذي أعده الشيف أبو العز يبدو غريبا تماما هنا كل ما يقدم هنا يخدم العبثية، كشخصية موظف البحر الذي يدخل فجأة الطوف وهو جاف تماما ويغادره دون انتباه من الثلاثة، آلة التسجيل، ماكنة الكبة، الأغاني المصرية الشعبية القديمة التي يغنيها شبان سوريون وهلوسات الضحية في المشهد الأخير باللهجة المصرية، التنافر بين الشخصيات الثلاث وبين قصصهم التي تفوح منها رائحة المبالغة والكذب، يتسامر الثلاثة يأكلون  ويثملون ثم ينامون،  ينفد الطعام منهم بعد أن تقوم الشخصية الاولى الاكثر قوة وانتهازية بينهم بالتهام كل ما تبقى من طعام الليلة الفائتة بعد سكر الاثنين الآخرين و أثناء نومهما، وتبدأ هنا محاولة البحث عن طريقة لتأمين الطعام التي يخلص هيثم وببساطة شديدة خالية من الرحمة أو المنطق الى أنه يجب على أحدهم أن يضحي بنفسه ليأكله الآخران، ولكن بعد صراع طويل وتقديم حجج متبادلة بين الثلاثة تقوم الشخصية الأضعف والتي هي هنا الشخصية الرومانسية وصاحبة القيم والتي كانت تبحث عن حلول أكثر عقلانية للمشكلة، بالاستسلام والتضحية بعد أن تمارس عليها الشخصية الأولى المسيطرة و شخصية الشيف التابعة  لها كل أنواع الضغط النفسي والسخرية من قيمها وحساسيتها، منطقة اللعب هنا هي العلاقة الاجتماعية اللاعقلانية التي جمعت هذه الأنماط الثلاثة في منطقة واحدة.

استمر العرض لأكثر من ساعتين مرهقتين تماما للممثلين وللجمهور الذي تفاعل مع أبسط حركاتهم وكلماتهم خاصة في المشهد الأخير الذي أدى فيه ياسر سلمون أداءً جميلا ومؤثرا وهو في حضن موظف البحر الشخصية العبثية الغامضة التي أتت من العدم واحتضنت الضحية رضا في لحظات هلوساتها الأخيرة، هلوسات شاب يندب شبابه، مع أغنية عبد الحليم حافظ (عايشين سنين احلام) بينما كان الشيف أبو العز يُحضّر ماكنة فرم اللحم ليطحن لحم الضحية وهيثم يراقبه مسبحا بمسبحته، يطبق اللوح المضاء بالأزرق على الطوف ، ما بين السماء والماء، يختنق الفضاء المسرحي و يغرق الجميع في العدم من جديد، مع تعتيم خشبة المسرح .

عندما يدخل المتفرج المسرح ويرى الطوف يتبادر لذهنه لأول وهلة أن العرض السوري سيتحدث بطريقة أو بأخرى عن اللاجئين السوريين الذين يقضون في البحر منذ سنوات، لكن ما سيشاهده مختلف تماما عرض مسرحي عبثي صالح لكل زمان ومكان، مضمونه الصراع على البقاء بوسائل غير أخلاقية يستخدمها الأقوى والأقل أخلاقية على الأضعف والأكثر هشاشة، وينجح رغم مبرراته الواهية، نص يصلح لمقاربة ما يحدث في ظروف الحرب والاضطرابات الإنسانية الكبيرة أيضا.

قدم العرض بطريقة جيدة ومقنعة، والممثلون الشباب الأربعة كان أداءهم مؤثرا وكان الدراماتوج والمخرج موفقان في نقل و تبيئة النص والشخصيات التي تفاعل الجمهور معها.

السينوغرافيا: قدمت حلول سينوغرافية جيدة الطوف الخشبي كان مصمم بثلاث مساحات صغيرة تجتمع في الوسط مكان الطاولة سلطت عليها الاضاءة بطريقة جميلة خدمت العرض فصلت مساحات الشخصيات عن بعضها واعادت توحيدها اكثر من مرة، أيضا اللوح المضاء بالأزرق فوق الطوف والذي منح مع الاضاءة الزرقاء حول الطوف انطباع البحر والسماء والذي يُطبق في نهاية العرض على الطوف، أيضا اللون الأزرق على الأفيش يوحي بالعزلة والارتياب, و التوحش رغم أن العرض يجري في عرض البحر إلا أن التصميم السينوغرافي جعل الأفق والفضاء يبدو ضيقاً كناية عن عوالم الشخصيات المغلقة.

“عرض البحر” عن نص لسلافومير مروجيك،  دراماتوج إبراهيم جمعة، إخراج مجد فضة ،تمثيل: الفرزدق ديوب، ومجد فضة، ووسيم قزق، وياسر سلمون، سينوغرافيا: ولاء طرقجي، تصميم وتنفيذ إضاءة: أوس رستم، توثيق: عمر ملص، مساعد سينوغراف: رشا زنداقي، مساعد إضاءة: براء طرقجي، تصميم بروشور و أفيش: أيهم ديب.

كنعان محيميد البني – سوريا

عن كنعان البني

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.