أخبار عاجلة
الرئيسية / عين على المسرح العربي / جينيه الأسدي و’الخادمتان’ في طنجة

جينيه الأسدي و’الخادمتان’ في طنجة

 

منذ ربع قرن والمخرج المسرحي العراقي جواد الأسدي لا يكلّ عن إعادة إخراج مسرحية جان جينيه الشهيرة “الخادمتان” برؤية جديدة. في كل مرة يكتفي بإحساس التعامل مع ممثلتين جديدتين، يثير أداؤهما في ذهنه أسئلة وبحثا ونارا داخلية تمنحه إمكانية الذهاب مع النص وفن التمثيل إلى مناخات جديدة.

في تجربته الإخراجية الجديدة للمسرحية مع الممثلتين المغربيتين جليلة التلمسي ورجاء خرماز التي عرضها في مهرجان طنجة الدولي للفنون المشهدية (24-28 نوفمبر 2017)، وقبل ذلك في المسرح الوطني محمد الخامس بالرباط، منتج المسرحية، أحسّ الأسدي بأنه كما لو كان يخرج النص للمرة الأولى وذلك للجهد المخلص والمثابر الذي قام به الفنانون تمثيلا وسينوغرافيا وتأليفا موسيقيا وترويجا إعلاميا وتنظيما، والحضور الكثيف للمسرحيين والفنانين والإعلاميين المغاربة والتلفزيون المغربي بمتابعته للتجربة.

يروي العرض قصة خادمتين تتسللان ليلا إلى حجرة سيدتهما وتقومان بسرقة ملابسها وزينتها وأحذيتها تمهيدا لقتلها تحت ضوء القمر بغية الحصول على حريتهما، حيث تتدرب كل واحدة منهما على القتل عبر حوارات متلاحقة وسريعة على صوت مرور القطار بالقرب من حجرتهما الواطئة.

ويركّز العرض على موضوع السيد والعبد من خلال تصعيد شعري للجمل الحوارية التي ينشئها الصراع مرة في تقمص دور السيدة وعنجهيتها، ومرة في اللعب على إنكار الذات الخادمة عبر الامتثال للأوامر بغية الوصول إلى تشريح نفسي غاية في الفرادة لكرامة الذات الإنسانية.

يتوالى ظهور الخادمتين كلير وسولانج بثياب السيدة، في لعبة تحدث كل يوم، تنتحل فيها كلير دور السيدة ربة المنزل، فيما تقوم سولانج بدور الخادمة، وتحاول الاثنتان بذلك الوصول إلى ذروة الغضب من أجل التحلّي بالقوة لقتل السيدة.

في اللعبة تصعيد متكرر لشعور الإهانة والقهر والغضب، تحاول الخادمتان الوصول من خلاله إلى أوج الألم (لكي يكون الدافع هذا الأخير). تبدآن بإعادة واقع يومي يتكرر تأمر فيه السيدة الخادمتين بتلبية حاجاتها ونزواتها.

لكنّ الدورين لا يلبثان أن يتبدّلا، فتتحول سولانج بنفسها أحياناً إلى شخص سادي، تثور على كلير وتعذبها. ثم تبدأ بشدّ شال تضعه كلير على رقبتها لتخنقها وهي تصرخ بها. تفشل اللعبة إلى حين “كل يوم تلبسين ملابس السيدة وأنا أحاول أن أصل إلى الذروة ولا أستطيع″، تقول سولانج، لكنها تعود فتستمر حين تبدأ الاثنتان بلوم بعضهما “أنت الحق عليك، دائماً الحق عليك”، تنهال كلير على سولانج، فيما تجيبها الأخرى “ماذا بك ولماذا… (تتابع، تصفها بالمومس…)، كل مرة الحق عليّ، وأنت ماذا أنت؟”.

يشبّه المخرج جواد الأسدي هاتين الشخصيتين بـ”الشعوب والمجتمعات التي عندها رضوخ أبدي لحياتها اليومية، وعجز حقيقي عن اتخاذ القرار

علاقة الخادمتين سادية-ماسوشية، فهما صديقتان في ألمهما، إلا أنهما تفجّران أيضا كرههما لحياتهما “أن نحب بعضنا في القرف يعني ألاّ نحب بعضنا”، تلاحظ سولانج، بينما تضيف كلير “أنت أصبحت مرآتي البشعة التي تعكس صورتي ورائحتى النتنة”. لكنهما كل مرة تعودان لتتفقا على هدف واحد “سنقتلها”، تردد الخادمتان “هل نحن أمام جدلية الدوبل؟”.

لكن هذا الحزم على القتل يترافق دائما مع الخوف، فهما عاجزتان عن الثورة الحقيقية. وعندما تستعيدان في لعبتهما حياتهما اليومية يظهر تصرفهما بدائيا يتوقف على مستوى التكرار، فالكره والغضب والسخط والحزن واللوم وحتى الانهيار تمثل كلها جحيم الأحاسيس الذي تشعر به الخادمتان يومياً. أما في غياب السيدة فلا تسعيان إلى التجديد بل تنزلقان في جحيمهما أكثر فأكثر دون أيّ إبداع كما لو أنهما لم تتعلما من التعبير غير الاجترار ولم تعرفا من الحرية إلا العبودية. إنه تماهيهما مع “معذبتهما” ربة المنزل.

يشبّه المخرج جواد الأسدي هاتين الشخصيتين بـ”الشعوب والمجتمعات التي عندها رضوخ أبدي لحياتها اليومية، وعجز حقيقي عن اتخاذ القرار”. فكلير وسولانج لا تنجحان في قتل السيدة، وفي ذلك “تدريب ناقص على الحرية”. كما يشبّه سلطة السيدة بالسلطة الأبدية التي تبقى متوارثة من الأب إلى الابن.

إن شخصيتي كلير وسولانج قد توجد بينهما علاقة “مثلية” وصداقة وشراكة، ويأتي اتحادهما ليضخّم الناحية الماسوشية فيهما، ويزيد من مرارة وضع يمكن اختصاره بشخص يعذب نفسه، ربما بسبب جهله لأساليب حياة أخرى. وقد تضاف إلى ذلك فكرة ضياع الهوية، حيث يصعب التمييز بين حدودي “الأنا” و”الآخر”، بسبب حجم انتهاك الحريات.

أما السيدة فتمثل “التسلّط أو “التسيّد” وفقاً لجواد الأسدي، فهي “رأس المال الذي يستعمل الآخر، أو القوة التي تسحق الآخر. لكنّ المُشاهد الذي لم يرَ بعينه تعامل السيدة مع الخادمتين، ينجرّ إلى التساؤل “من هي؟ هل هي فعلاً مستبدّة وظالمة أم أنها فقط من نسج خيال إنسان يختار حلم يقظة وهلوسات انتقام افتراضي متخيل؟”.

يقول جواد الأسدي عن عرض “الخادمتان” إنه “يقوم على لعبة التعرية والسخط والنبش عن المسكوت والمؤجل المزمن الذي حوّل الأنوثة وحياة الخادمتين إلى درجة عالية من الهتك اليومي، فهما تستخرجان من خزانة السيدة ملابسها وإكسسواراتها وعفنها وشبهاتها، ويبدآن في لعبة تبادل النبش والحفر في جوفيهما التوّاقين إلى إطاحة موروث طويل من الانسحاق تحت استبداد وعجرفة السيدة التي لا تظهر في العرض أبدا، حيث أنها تتساكن معهما وتسلب ملذاتهما. إنها لعبة الاضمحلال والتلاشي تحت ضربات قطار يمر يوميا ليخترق ويزعزع أرواحهما، أرواحنا في لعبة شهية للبحث عن الحرية”.

اختار الأسدي في إخراجه لهذا العرض أن يضع نفسه أمام تحدي المزج بين اللغة الفصحى واللهجة الدارجة المغربية واللغة الفرنسية أيضا. وهو جزء من الخطاب المسرحي، والجمالية العامة التي يمتح منها الأسدي مشهدياته ومفردات تصوراته البصرية.

عن Administrator

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.