Click to listen highlighted text!
الرئيسية » الهيئة العربية للمسرح » مقالات » أزمة اللغة في “المسرح الجديد” في إسبانيا

أزمة اللغة في “المسرح الجديد” في إسبانيا

 

 

 

 

د. خالد سالم  :

الخطوط العريضة

 “المسرح الجديد” كان الاسم الذي أقيم تحته مهرجان ومؤتمر مدينة بلد الوليد الإسبانية عام 1966، في محاولة لجمع فرق المسرح المستضافة تحت كيفية جمالية يمكن أن نصفها بالطليعة. ورغم أنه لم يكن مطلوباً، كانت في فرق المسرح هذه موقف مضاد للواقعية، تبدى في رمزيتها المعقدة في التعبير أحياناً. ولهذا السبب أطلق عليهم أيضاً جيل الرمزيين، على مجموعة المؤلفين الذي تجنبوا الصيغ الواقعية، متأثرين بجمالية مسرح اللامعقول والتقنيات التجريبية لفرق المسارح الأوروبية والأمريكية
Teatro laboratorio de Worklaw, Workshop theatre de Joan Littlewood, Living Theatre, Bread and Puppet
إنه عبارة عن مسرح مغذى برغبة قوية في الأصالة ومحرك بروح الحكمة الفرنسية القديمة: ” a pater le bourgeois” . ستكون طرق الأشكال المسرحية الجديدة الإثارة وتفكيك اللغة والهجوم على المنطق والغموض المنهجي وعمليات التجريد والإفصاح في كافة أشكاله في حالة دائمة من الأزمة العميقة، يصل عبرها إلى مفهوم جديد للمسرح. وهذه الأشكال كانت الوسيلة الملائمة للاحتجاج والبحث الوجودي للإنسان، شجب الجور والتشكيك في القيم الأخلاقية والمؤسسية للنظام.
هناك إذاً في هذه الأجيال التي تتعايش في المرحلة اللاحقة لحربنا الأهلية- أعني جيلي الواقعية والرمزية- جماعة ذات أهداف، مهما اختلفت مناهجها، لا توجد بينها حدود غير قابلة للاختراق بطريقة مطلقة.
ورغم مطبوعات المسرح الواقعي التي اتخذت، في الأربعينات، تسمية “مسرح الطليعة”، فإن المسرح الرمزي هو الذي عرف بهذا العنوان. وقد ارتأى الجمهور ومحترفو هذا المسرح أن هذا المسرح هو الطريق الممكن للتجديد. كان واقعاً لم يحسن استقباله من قبل الواقعيين المثابرين الذين كانوا يعتبرون أنهم يستحقون هذه الزعامة. كانوا قد قبلوا التزاماً سياسياً، غير حزبي، يحافظ على الأشكال الواقعية على اعتبار أن القدرة الإصلاحية للغة باطنية مشكوك فيها -من الناحية الاجتماعية-. وكانت هذه النظرية قد نوقشت في “الحوار الدولي الأول للرواة” الذي عقد في فورمينتور عام 1959. ورغم الجدل القمعي لروبيه-جيله Robbe-Grillet، الذي شارك في الحوار، تم التوصل إلى خلاصة وهي أن إسبانيا وفرنسا لم تكن بينهما مقارنة نظراً للفوارق الاجتماعية السياسية، التي كانت تتسبب في وضع أهداف مختلفة.
في المسارح الطليعية الأولى فهمت الواقعية على أنها فن برجوازي، وفكر كبار فناني الثورة الروسية -مايكوفسيكي وشليبنكوف وميرهولد- في خلق فن جديد لا صلة له بالفن البرجوازي. وكانت صيغهم تعني حالة دائمة من الأزمة ومع نجاح الثورة أخذت هذه الصيغ على أنها مضادة للثورة وبرجوازية. وابتداءً من عام 1930، بينما كان وزيراً لستالين، أخذ زيدانوف في الترويج لإضفاء الصبغة الرسمية على الأدب، وأصبحت الواقعية الاشتراكية رسمية واضطُهد رسمياً وبشكل حاسم الكتاب الطليعيون ابتداءً من عام 1934، تاريخ إضفاء صبغة الدولة على الفنون.
في إسبانيا لم يتم التوصل إلى الحالة الاجتماعية للثورة الروسية، إلا أن الجمع بين الطليعة والبرجوازية طغى على الرأي العام للواقعيين رغم أن كلها مستوحاة من موقف مضاد للبرجوازية. وإلى حد ما أصاب سكاربيت Esarpit (سانغينتي: 1969. 22 Sanguineti) اجتماعياً عند اعتبار الطليعة منتجاً برجوازياً، ورولان بارت (1967، 27) يعتقد أن ما تفعله الطليعة هو تلقيح قليل من الذاتية في قشرة القيم البرجوازية. والمرور بالمجهر النقدي للمجتمع البرجوازي لبعض هذه المبادئ التي تقوم بها الأقلية الطليعية تسمح للمجتمع البرجوازي بتحقيق الإصلاحات الضرورية لامتصاص عنف النقد وتفادي تصلب الأنسجة الاجتماعي والحفاظ، رغم هذا، على المبادئ الأساسية والكافية لمواصلة الإبقاء على حالة الطبقات المميزة. وعليه فإن الطليعة تعد حركة رجعية.
غير أنني أعتبره تقديراً جائراً. إنه نتاج برجوازي، لكنه يولد كصرخة احتجاج ضد البنية الفكرية البرجوازية كلها التي انصبت في الحرب العالمية الأولى. لقد ثار ضد مفهوم للعالم، ضد مفهوم مستقر ومنطقي للغاية أدى التطور الاجتماعي وإنجازات العلوم إلى الدخول في أزمة.
هناك عامل جديد، يدرسه ويلورث (1978)، خلال عهد فرانكو. إنه ما يطلق عليه underground الذي يكتسب لدى مسرحيينا صبغة سياسية. يمكن للنقد التحتي، الذي يخرج أحياناً من تفسير الحركات الرمزية المعقدة (رغم أن هناك منها السريع والمعروف)، أن ينقذ أداء الرقابة، والمعروف أنها مجحقة وغير موضوعية كمؤسسة. إنها طريقة أخرى لمعالجة الواقعية السياسية التي طرحها باسو Paso (غارثيا تبملادمو: 1992،53)، دون التخلي عن قيام النقد بالتعميق.
ومع ذلك ليس ما يطلق عليه underground أو العبث الوجودي أو أدوات التمثيل هو ما يمكن أن يضع الخطوط العريضة للطليعة الرمزية، للمسرح الجديد. سيكون القارئ بمعايشته وقدرته على الاستنباط المستعملة هو الذي يضع حداً لا يطمس وبعد عبوره يتحول إلى مساعد للمؤلف، والتمثيل في منتج جماعي. وهكذا سيكون لدينا مسرح مؤلف ومسرح جماعي.
1- مسرح مؤلف
1.1. العبث. ترك مسرح العبث، الذي احتكر لفترة صفة الطليعة المسرحية، ترك أثره بشكل أو بأخر على جل المسارح الراقية.
يضع مارتن إسلين Marin Esslin (1966)، الذي أطلق على التيار التسمية من خلال عنوان مقاله، بين المؤلفين المتجانسين مع هذه الجمالية والفكر مؤلفين إسبانيين، هما فرناندو أّربال ومانويل بدرولو. وإلى حد ما لديه الحق رغم عنونة الذعر التي صبغها أرّابال على المسرح في المرحلة اللاحقة. توجد في أعماله الأولى ملامح وجودية، هي في الواقع التي تمنح مسرح العبث بعداً بعيداً عن كونه أدباً عادياً، بلا مفاد non sense وتأثيره يمكن العثور عليه في العديد من المؤلفين الإسبان من هذا الجيل وامتد بوضوح طوال عقد الستينات، عندما كان بعض فطاحل “العبث”، مثل أداموف، يعتبرونه منحطاً (جوردا: 1962، 14، آداموف: 1962).
2.1. الـ underground: مع كل هذه الحدود التي أشار إليها ألبرتو ميراييس (1978أ)، جورج ويلورث، في دراسته Spanish Drama Underground يعكس واقعاً ظرفياً إسبانياً أثر بشكل جوهري على المسرح، وهي التي تثير ظهور هذا المسرح underground المكبوح من قبل الرقابة في بعدها الثلاثي: السياسي والأخلاقي والاقتصادي، يضاف إليه الرقابة الذاتية.
هذه الصعاب، التي تؤثر في طباعة الأعمال وبشكل خاص في إخراجها، لم تمنع انتشار المؤلفين ذوي الإنتاج الملاحظ على مستوى الكم والجودة. إنه مسرح، مثل الـ off Broadway، يتحرك بصعوبة وبشكل مقصور على الدوائر الموازية للمسرح المستقل، التي تمكنت بسبل متواضعة وخيال، من التوصل إلى نتائج طيبة. هذا المسرح الفقير أتى حمُل إبداعية المؤلف والمخرج ثقل فن السينوغرافيا. ومن هذا المنطلق كان عليهما أن يوسعا إعدادهما في مجال التعبير الجسدي.
لم تكن الرقابة عاملاً حاسماً في إمكانات إخراج عمل أو مجموعة أعمال. وفي بعض الحالات كانت دعاية مجانية أدت إلى تشجيع المؤسسات، بعد الحصول على الـ nihil obstat. وحتى أصبحت حافزاً للخيال الإبداعي. وهذا من الواضح في لحظات انفتاح معين، سمحت بها الدولة مع المدى المحدود لدوائر المسرح المستقل هذه.
وكان المبدأ الذي دافع عنه مالارميه بإيعاز كصيغة فن قد قبله هؤلاء الكتاب واستغلته حركات القطيعة والأشكال المعقدة التي تستخدم الرمز وتسمح بمستويات مختلفة من قراءة الأعمال.
هذا بالإضافة إلى تكثيف العلاقات الدولية وإقامة المهرجانات ونشر الكتب الأساسية وإقامة الندوات الموجهة إلى رجال ذوي أهمية في تجديد المسرح (غروتفسكي، روي هارت، جو تشايكن، جوليان بيك …) كانت قد جعلت قرب مؤلفينا من التقنيات الجديدة ومن التجديد الجمالي للفنون التشكيلية التي كان لها تأثيرها في خشبة المسرح. ورغم أن المواضيع بها إحالات محددة لمحيطنا فإنها ذات تأثير أعلى مما اقتصر على المحلية. ويكتسب شمولية نقدية ما يسمح للأعمال أن تثير اهتماماً إلى أبعد من حدودنا. ورغم أن ويلورث Wellwarth ونقاد آخرون أرادوا أن يشيروا إلى الريادات مثل التي اضطلع بها كل من بييدو Bellido أو روبيال Rubial أو مارتينيث بايستيروس Martí-;-nez Ballesteros، فإن باقي القائمة لم يحسن استقبال صفة بعينها، وهو ما كان منتظراً. ومع ذلك، فإن بعض الاجتماعات المنظمة، خاصة على يد روبيال، كانت تزمع جمع والأهداف والمعايير وجعلها متجانسة، بمضاهاة المبادرات، إلا أن المحاولة لم تنجح بشكل دائم.
ورغم هذا هناك واقع لا يدحض لا يمكن تجاهله: وجود النظام الذي كان يتطور في ظلاله إبداع مقموع. فصعوبة نشر أو عرض سلسلة من الأعمال أسفر عن التكرار في المواضيع. وكان النظام المتسلط والطاغية، الأعمدة التي يعتمد عليها هذا النظام أو المجتمع الاستهلاكي، الغيبوبة، الإمبريالية الإقتصادية …..، جعلت النقد ينجح. وكان تعدد الأشخاص صورة طبق الأصل من فرانكو قد تكرر إلى درجة الغثيان، بسلسلة من المصادفات التي كان من الممكن تفاديها لو أن الأعمال نشرت ومُثلت بشكل عادي في حينه. ويشير ألبرتو ميارييس Alberto Miralles (1978، 157) إلى عُصاب وصل إلى الهوس من أجل الخلافة في السلطة، والخوف من وراثة نفسه. ورغم أنه يمكن إضافة عناوين أخرى يقدم ميارييس “الوصية” El testamento للوبيث موثو Ló-;-pez Mozo، والبدعة الغريبة لـ “مدرسة النائحات”Escuela de las Plañ-;-ideras لكساوكس Casaux”، الرجل والذبابة el hombre y la mosca لخوسيه روبيال، وأخوات بوفالو بيل las hermanas de Bú-;-ffalo Bill لمارتينيث ميديرو ووداع المشير El adió-;-s de mariscal للويس ماتيا Luis de Matilla، و”انقلاب في عام 2000″ Golpe de estado en el añ-;-o 2000لألونصو ألكالدي Alonso Alcalde و”منجل للمبعوث من الموت” Guadañ-;-a para el resucitado لخيل نوباليس Gil Novales. وعليه كانت المواضيع في اطار مجال عمل الرقابة. وكان اقتباس بعض الأعمال قد ترك بعض الرموز مكشوفة وكافية لتشخيص هدف النقد. ومع ذلك ولهذا التحديد وبعد مسارح الغرفة والمسارح المستقلة والمستقرة، فإن كثيراً من الأعمال تمكنت من التحايل على الرقابة وحصلت على الترخيص. وأحد العيوب (ربما نتيجة لعمليات التجريد) الأكثر انتشاراً قد يكون الإجمال في مفهوم الأشخاص والمواقف الذي يحولها إلى نماذج ومفاهيم موحدة المعنى. والديكتاتورية مشخصة، والطاغية لا يزال هو تشخيص القمع، في حين أن هذه السلطة شمولية تكمن في نظام كامل، نظام سياسي وإدارة، تتقلب قسوته مع الظروف الخارجية.
من المهم التذكير بهذا الحد، لأنه سيكون ذا معنى محدد في مجموع أزمة اللغة. في بعض الحالات يقاوم تفكيك العلامة اللغوية الذي يسهله التشفير الفني، كي لا يختفي عنا أصل المشكلة، وفي أحيان أخرى يجر أشكالاً باطنية تدخلنا في بحوث ما وراء الطبيعة عن العلوم ووجود التصرف الإنساني.
2. مسرح جماعي
إحدى المحاضرات التي ألقيت في مهرجان ثيرو Cero للمسرح المستقل في سان سباستيان كانت تحت عنوان “عن دور المؤلف في المسرح المستقل” لميغيل بيلباطا Miguel Bilbata (10)، لم تمحُ الكلمة، أداء المؤلف، بل كانت تلجأ إلى إدراج النصوص في الحدث المسرحي، في مجموع نظم الاتصال. ومع ذلك كان في جميع الحركات الطليعية محاولة لإزالة الهالة الأسطورية عن ما كان يسمى “أدبياً”، وبشكل خاص، محاولة للقطيعة مع الحدود التقليدية التي كانت تقسم الفنون، وصهرها بشكل مجحف وغالباً في واقع الاتصال الجمالي (مضاد للجمال، حسب البعض). وقد تفاقمت هذه الأزمة ابتداءً من عام 1947 مع Action Painting (جوتران Jotterand: 1971، 84-86)، ثورة جاكسون بوللوك Jackson Pollock، التي انبثق عنها مسرح المصورين Teatro de los pintores، ما أطلق عليه في ما بعد آلان كابروف Alan Kaprow (1960) تسمية happening. وكان عامل الاحتمالية، الاستنباط، يعطي المشارك (ممثل، وإن كان عارضاً) صفة المؤلف المشارك. وقد أثرت الأزمة على الفرق المسرحية، مثلما كان يفعل أعضاء فرقة Comedia dell´Arte، إذ كانوا يواجهون خطوب المسرح بشكل جماعي ويتقاسمون أبوية الأعمال. لجأت فرق المسرح المستقل، التي كانت في الوقت نفسه ورشة مسرح، كثيراً إلى الإبداع الجماعي لإخراج أعمال مكتوبة مسبقاً، أو للإبداعات الذاتية، يحقق فيها المجموع عبر أسباب جماعية وحدة درامية أو مجموعة مؤسسة على تجارب شخصية لكل عضو من المجموعة. وفي هذه الحالة أفرز الاستنباط موادا ًتتبلور في العرض، بعد تصفيتها.
وفرق مثل Els Joglars أو Tá-;-bano حققت إبداعات مستقلة ذات نجاح لا جدل فيه، واتبعتا من أجله طرقاً شبيهة بالتي استخدمتها فرق أكثر أهمية شاركت في المهرجانات الدولية. أو بالأحرى بالتعاون احتياطياً في إبداعات وإخراجات أخرى، مثل فرقة Cá-;-taro بتمثيل hapenings كورس المجانين Marat-Sade من إخراج مارسياك Marsillach. وتطور هذا المسرح، الذي يعد بشكل ما امتداداً ووريثاً لذلك الذي انبثق عن الأزمات العميقة للحركات الطليعية الأولى، يعد نتيجة لهذه الأزمات غير الحاسمة وغير القابلة للحل التي كانت تبدو موجهة إلى فتح الانشقاق في العصر الجديد. ورغم أنها أدخلت عناصر جديدة على الإبداع المسرحي، وخاصةً أنها لم تكن أكثر من صرعة محفزة. وابتداءً من الثمانينات، خرج المؤلف، الذي كان بشكل أو بأخر مختبئاً في المجموعة، خرج إلى الساحة، مما يعني حل الأزمة، كما يعني بطبيعة الطليعة أن يكون دائماً. وكل هذا يؤثر بعمق على اللغة المسرحية وأسفر عن قطيعة في النظام اللغوي.
2- قطيعة النظام
0- من تفكيك العلامة اللغوية حتى تغيير الوظائف الخارجية للغة، يتصدع النظام كله. ومن الواضح أن هذه التصدعات، القطيعة، جاءت ضارة لفهم النص، وتضع محتوى، وتشكك في إمكانية نقل رسالة، الرسالة، أو على الأقل، احتمال إخبارها.
وقد فسر تصدع النظام على أنه انتقاد لمفهوم محدد للعالم. وحسب نظرية سابير-ورف Sapir-worf (ورف: 1971)، فإن كل مفهوم للعالم تحدده خاصية اللغة المشكلة فيها. وفي حالتنا هي ما يطلق عليه ورف Standard Average European Languge (160). وهذه اللغة الأوربية الوسيطة، التي تضم اللغة الإسبانية، تعرضت لهجوم منتظم، وهذا الهجوم يفسر على أنه هجوم على القاعدة المنطقية للفكر وكذلك، مجازاً، كهجوم على المنظمة الاجتماعية والاقتصادية للمؤسسة establishment، هجوم على هرم السلطة.
وقبل طرح تفسيرات افتراضية، فلنرى بعض جوانب هذه القطيعة، ولكن نظراً لضيق المساحة، سنترك لمناسبة أخرى الوظائف الخارجية للغة التي طرحها جاكبسون.
1. تفكيك العلامة اللغوية.
تلقى بيريث دان Pérez Dann جائزة أرنيتشس 1966 عن عمله “حربي” Mi guerra. وفي لحظة محددة من العمل، يوجد جنديان في منزل ذي قيمة إستراتيجية، المنزل الذي لجأ إليه الاثنان بهدف احتلاله لفريقيهما. لا يجرؤ أي واحد منهما على الإفصاح عن انتماء الآخر إلى أي من المجموعتين المتحاربتين. والنزاع الأخلاقي،الذي يطرح بشكل عام، يحدث أمام استحالة الشروع في القضاء على العدو، عملاً بما يمليه واجبه. وسبب هذا العجز الحربي يفسر في مكان آخر من العمل على يد بعض أعيان الوطن: لقد ارتفع المستوى الثقافي للمواطنين أكثر من اللازم. وفي جدليتهما الرادعة، على الجنديين، الغير قادرين على أداء واجبهما، أن يتعاونا بينهما كي يعتقدا أنهما يملكان شجاعة تكميلية. ومن الناحية الدلالية نجد أن هذه الشجاعة تتفكك:
” … الجندي الأول : أليس لديك شجاعة؟
الجندي الثاني : لا.
الجندي الأول : لا شيء من الشجاعة؟
الجندي الثاني : لا شيء من الشجاعة.
الجندي الأول : ستكون لديك شجاعة معنوية.
الجندي الثاني : ولا هذه.
الجندي الأول : والشجاعة الجسدية؟ للقفز والجري والمصارعة والقتل …
الجندي الثاني : لهذه الأمور نعم. لدي شجاعة جسمانية للقفز، لكن ليس لدي شجاعة معنوية لاتخاذ قرار القفز. لم أقفز في حياتي.
الجندي الأول : السعادة ممكنة دون قفز.
الجندي الثاني : لا. إنني مجنون بالقفز ولكنني لا أقدر.
الجندي الأول : (متفهماً) ليست لديك شجاعة عادية.
الجندي الثاني : لا، ليس لدي.
الجندي الأول : أنا نعم. لدي شجاعة معنوية لاتخاذ قرار القفز، لكن ليس لدي شجاعة جسمانية للقيام به. لم أقفز في حياتي.
الجندي الثاني : هل أنت سعيد؟
الجندي الأول : لا.
الجندي الثاني : بشجاعتك وشجاعتي نصنع الرجل الأكثر شجاعة في العالم. وأشجع رجل في العالم يمكن أن ينفذ واجبنا.
الجندي الأول : كيف؟
الجندي الثاني : لديك الشجاعة لاتخاذ القرار. يمكنك إخراج الكرات وأنا أقتل واحداً من الاثنين.
الجندي الأول : وهل بهذا نكون قد نفذنا واجبنا؟
الجندي الثاني : فكرتك هذه طيبة. سأخرج الكرات (يتوقف). أنا الذي لديه شجاعة معنوية؟
الجندي الأول : نعم، وأنا الشجاعة الجسدية. أخرجها.
الجندي الثاني : لا أقدر.
الجندي الثاني : لماذا؟
الجندي الأول : لدي شجاعة معنوية لاتخاذ القرار، لكن ليست لدي شجاعة بدنية لإخراجها …”
ينسب إلى معجم (تشومسكي: 1970، 81-82) بخصوص لفظ شجاعة ملمحان دلاليان أو مادتان معجميتان نوعيتان –شجاعة معنوية / شجاعة جسدية- تشكلان إجمالاً القيمة المثالية، المطلقة، التي لا تقاوم. ولكن ثنائية هذا التصنيف، الخاص بكل جندي، تصب في عبث الحيادية الدلالية التي تحرم اللغة من قوتها المعرفية. تختفي القيمة. وما تم عمله إزاء العلامة اللغوية فقط هو تفكيكها. جعل اللفظين متنافرين وهما أساسيان في المفهوم، ووضعهما في كيانين مختلفين. والنتيجة هي هذا الجمود، اللافاعلية، تفكيك الكلمة الرمزية التي يدور حولها المسرح.
2. علاقات تركيبية وإحلالية (أوتشاركية).

كما هو الأمر في بقية النقاط التي عالجناها، نجد أن أمثلة تغيير الشفرة أو الشفرات ثابتة ومتنوعة وكل واحدة لها خصوصياتها أو مخصصاتها التي تتلاقى في مجموعة كبيرة محددة. وعلى سبيل المثال سنعلق على بعض الظواهر غير العادية التي تظهر في النصوص.
ورغم أنه في دراسة أوسع يجب أن نرى على انفراد هذه الأنواع من العلاقات التي ندرسها الآن، نظراً لأن الانتقاء والتكوين لا يمكن فهمهما خارج علاقة تضامنية، سنراقبها في نص بعينه: قطعتان من ” كيف أن سلطة الأخبار تخبرنا عن أخبار السلطة ” Có-;-mo el poder de las noticias nos da noticias del poder، لخوسيه ريكاردو موراليس، الذي يعيش المنفى في المكسيك.
الصحفي : (ممدداً، يتأمل. بصوت عال). سيرباندو كونيخيرو (صمت). لماذا تُسمى سيرباندو كونيخيرو؟ سبب للتأمل. (صمت) أصغي داخلياً وأسمع. أسمع صوتي الداخلي. ماذا يقول صوتي الداخلي؟ (صمت) شراء بيكربونات، وشريحة لحم، شوربة مجففة …(صمت) لفت الانتباه؟ (صمت). شراء معجون أسنان (صمت). البعض يرتكبون حتى جريمة … (صمت).
…. …. …. …..

الصحفي : ما سبب صداقة الشجرة للإنسان؟
المساعد : من أجل الخشب.
المساعد : أسطول.
الصحفي : رائع!
المساعد : وبفضل هذه الصفة كانت السفن البدائية مصنوعة من الخشب.
الصحفي : لهذا تطفو…
المساعد : بلا شك. رغم أن الإنسان جعل النحاس والبرونز والصب الذي لا يلين وحتى الرصاص يطفو. إنها أسرار العلم. هذه المعادن الآن وسبائكها لا تطفو فقطن بل تطير.
الصحفي : معرفتك تذهلني. هل أنت خبير؟
المساعد : بفضل الخشب.
الصحفي : كيف يفسر هذا؟
المساعد : بسهولة. أولاً يتحول الخشب إلى ورق. ثم بعد ذلك يتحول الكتاب إلى ورق عندما يكون هناك تفكير أقل.
حينئذ هذا الكتاب يتحول ….
المساعد : خمن!
الصحفي : عليك أنت أن تخمن. إنني أسال.
المساعد : لكننا تبادلنا الأدوار.
الصحفي : ليست مسألة أدوار. كنا نتكلم عن الكتب.
المساعد : بالطبع. اتفقنا على أن الكتاب يتحول ….
الصحفي : إلى المسيحية!
المساعد : ليس دائماً. كذلك يتحول الدولار والجنيه الإسترليني.
الصحفي : في السوق السوداء.
المساعد : حتى لو حدث وتحول كتاب مقروء بطريقة جيدة إلى قراءة.
الصحفي : مذهولاً! الآن أفهم. الخشب يتحول إلى ورق، والورق يتحول إلى كتب، والكتب تتحول إلى قراءة … لكن إلى أي شئ تتحول القراءة؟
المساعد : حاول أن تعرف.
الصحفي : جواب رائع. القراءة تتحول إلى معرفة. (إلى المشاهدين). إننا نعرف أيها السادة! (إلى المساعد) ماذا نعرف يا سيدي؟
المساعد : نعرف كيف أن الشجرة تصدر المعرفة. وليس هباءً أنها صديقة الإنسان. لهذا يقال لنا على الإنسان أن يزرع ابناً ويكتب شجرة ويكون لديه كتاب ….
الصحفي : أو أن عليه أن يزرع كتاباً، يكتب ابناً، ويكون لديه شجرة …
المساعد : كما أن البعض يؤكد أنه يجب أن يزرع شجرة ويكون لديه ابن ويكتب كتاباً.
الصحفي : وكل هذا لأن الخشب يتحول إلى ورق!…”
• المقطوعة الأولى تتبع تقنية المونولوج الداخلي (باكيرو غويانيس: 1985، 48 والصفحات التالية، ألبيريس: 1971، 207 والصفحات التالية) وعليه فإن المداخلات النفسية لأي تفكير بلا سيطرة تضرب القواعد التركيبية، إذ تختلط بشكل متجزئ عمليات غير منطقية في مسار الضمير. ومن هذا المنطلق تم التوصل إلى اللاعقلانية في الربط تركيبياً بين جمل مثل: رغبة لفت الانتباه يحرك الرجال. شراء معجون أسنان …. البعض حتى ارتكاب جريمة”. من الواضح أن الجملة الوسطى تنتمي إلى سياق لغوي مختلف، وفي الوقت نفسه تعني جزاءً من بنية خاصة بالجملة. وباتباع هيجمسليف (1971، 55 والتالية) يمكننا القول إنه من الضروري التوصل إلى وظيفة تحديد بصفة محددة، كما تلتقي في هذه البنية وظيفة تبعية، فكلاهما يقومان على هذه المنطلق، كما يمكن اعتبارهما مغايرين. والجملة الشفهية التي يكوَن المصدر طرفاً فيها يكون فعلها المساعد محذوفاً، إلا أن الفعلين يتطلبان حضور الآخر. وغيابه هو الذي يعطي الانطباع بجملة غير تامة، نظراً لأنه لا توجد وظيفة افتراض. وكل التفسيرات التي نقدمها عادةً لتحليل شروط المونولوج الداخلي صالحة هنا.
وفي المقطوعة الثانية تخالف قواعد المنطق، وهو ما يتجلى في بنية اللغة. ويتخطاها عبر الاحترام الظاهري لمبدأ السببية، رغم أن الآلية الشفهية، بمساندة المطروقات اللغوية، تخالف القواعد الانتقائية، دون الأخذ بعين الاعتبار معجم الكلمات المكونة:

المساعد : بكل تأكيد. اتفقنا على أن الكتاب يتحول …..
الصحفي : إلى المسيحية!
المساعد : ليس دائماً. فالدولار والجنيه الإسترليني يتحولان أيضاً”.
وأحياناً نجد أن السببية هي التي ترصع مبدأ السببية، بتشويه الكلمات:
المساعد : … ولكن، إلام تتحول القراءة؟
المساعد : حاول أن تعرف!
الصحفي : إجابة رائعة.القراءة تتحول إلى معرفة …”.
إنه عبارة عن معالجة غير عادية للعلاقات التشاركية، مخالفات للقاعدة التي تحكم الأدب الآلي. والانتقاء العامل في المحور التركيبي يكسر قواعده نفسه وينتج جملاً شاذة. ودرجة النحوية متردية. ولنشر، على سبيل المثال، لتعميق هذه الفكرة، إلى تناقضات “النحاس والبرونز والحديد الذي لا يلين، كلها تطفو …”. والانحراف يحدث بسبب التقلص الذهني الذي يفترض أخذ المواد الأولية على أساس أنها أشياء مبدعة تكنولوجياً بها.
والافتقار إلى الدقة في أداء العلاقات التشاركية التي نادى بها سوسير (1970، 211-213) هي سبب العملية الكنائية، التي تحيل إلى أخذ الأشياء من خلال المواد المصنوعة منها، والمعبرة في هذه التناقضات. والنظام النحوي البنيوي نظراً لأنه متغير ينتج انحرافات نحوية. لدينا مثال واضح في القول المأثور ألفاظه تتعرض عملية تقديم وتأخير مشتركة. والنتيجة هي وحدات لغوية متنافرة مع الدوال التي تكون المعجم، على التوالي. لا يمكن “زرع ابن و كتابة شجرة”. الصيغة التركيبية أسفرت عن أثر مشابه بالخاص بمخالفة القواعد المختارة. عندما معالجة العلاقات التركيبية يضع ليونز Lyons (1975، 97) نقطتين عامتين:
“1. الأبعاد التركيبية والإحلالية مستقلة و
2.البعد التركيبي ليس بالضرورة منظماً في الوقت”.
وبالنظر إلى هذين المبدأين، سنرى أن ما يجعل التعبير منحرفاً ليس الطابع الثابت ولا الحر من التوالي. وإذا اعتبرناهما بشكل شامل أو إذا اعتبرنا المقطوعتين جملاً مستقلة، فإن قلب الألفاظ التي تشكل الطبقات النحوية للجمل، لا تغير الوضع. فابن وشجرة ينتميان إلى الدرجة النحوية نفسها وهما عضوان (a, b) من طبقة X. وزراعة وكتابة يعملان كعضوين (p,q) من طبقة Y: . وإذا كان السياق الذي انبثق عن X أو عن Y مقبولاً بشكل متبادل فسيكون لدينا XY= YX . أي يكونان متواليتين حرتين، رغم أنهما قد لا تكونان متعادلتين إحصائياً.
لكن المشكلة تكمن في أن طبقتي X وY سياقيان باطلان لتركيبة أعضائهما. لا يظهران متراكبين في هيكل اللغة الإسبانية. والرمز موجود إذاً في البعد التركيبي، نظراً لأن كل وحدة لغوية أقل من الجملة لديها إمكانات محدودة في الظهور في سياقات معينة. وفي كلمات أخرى، توزيعها في السلسلة خاصية. ويقدم أعضاء X، على أساس وجهة نظر ظهورها في السلسلة، تداخلاً توزيعياً، إذ يمكن لـ a و b أن يتغيرا في بعض السياقات ولا يتغيران في سياقات أخرى. في حين أن أعضاء Y لهم توزيع تكميلي (إذا لم يؤخذ بعين الاعتبار التغيرات الدلالية). وعضواY فعلان متعديان كلاهما، بسبب وجود المفعول به المباشر الذي سيكون مقبولاً بالنسبة لـ p، ولن يكون بالنسبة لـ q. وعضوا X (a,b ) ليسا مقبولين كسياق لغوي من قبل أي عضو من أعضاء Y. أي أن X و Y متنافران.
وعلى عكس “زراعة” و”كتابة” فإن ” لديه” لا يكسر النظام، إذ أنه ملائم لأيٍ من عضوي Y. ويكمن سبب التعبير المنحرف في سمة اللغة (شانون و ويار Shannon y Weawer: 1981، 27، 59 والتالية). وانتقاء لفظ يحدد انتقاء التالي. والخروج عن هذا السمة، على غرار ما يفعله ريكاردو موراليس، يؤدي إلى متتاليات ذات احتمال صفر.
3. درجات النحوية (الانحرافات لأسباب أخرى).
3 .1. نظراً لضيق المساحة لا يمكننا الإسهاب في اقتباسات النصوص، ولهذا سوف نقدم ملاحظات حول النصوص التي أسلفناها، رغم أن الظاهرة المعالجة ليست واضحة مثل ما هي في نصوص أخرى كان يمكن أن نوردها.
هناك أحياناً جملة مبنية في إطار الدقة، لاحترامها القاعدة، يمكن أن تكون منحرفة عند إخراجها من سياقها اللغوي. وهو ما رأيناه عند التعليق على جملة من مقطوعة خوسيه ريكاردو موراليس التي أوردناها.

المساعد: بكل تأكيد. اتفقنا على أن الكتاب يتحول …..
الصحفي: إلى المسيحية!
المساعد: ليس دائماً. فالدولار والجنيه الإسترليني يتحولان أيضاً”.
وقد رأينا في هذه المقطوعة الخاصة أن الحشو المكرر أسفر عن الآلية الشفاهية. فلنرى الآن تعبير “يتحول إلى المسيحية” يصلح تماماً في اطار لغوي آخر. سيصلح إذا ما كان في XSY, X – Y ألفاظ لاغية، لكنها يمكن أن تكون شاذة إذا لم تكن هكذا. ويكمن السبب في تغيير السياق الذي يحدث في “يتحول” وبالتالي، تغيير معناها، مثلما يحدث مع “الدولار يتحول”. والسياق الذي يقدمه “الكتاب” لـ “يتحول” متنافر مع ما يقدمه “الدولار”. وعليه فإن المعاني التي يحصل عليها تتمتع بهذه الخاصية. والكلمات تكتسب معنى في سياق محدد، وعليه فإن جمعهما يؤدي إلى نتائج شاذة. ومن الناحية الأدبية فإن بعض الجوانب النقدية قد تلتقي في هذه التكوينات السياقية.
3 .2. من الجلي أن السياق الذي يقدمه المعنى للكلمات يمكن أن يكون موضعياً. والاستدلال على تعبيرات محددة في سياقها الموضعي الاعتيادي يصبح هكذا شاذاً. فمسرحية “مقبرة السيارات” El cementerio de automoviles لأرّابال Arrabal تقدم لنا مثالاً:
“… صوت امرأة : هل تريد شيئاً آخر؟
صوت رجل : لا. سنرى ما إذا كنا نستطيع النوم هادئين. (وقتاً). هل طلبتي أن يأتوا لنا بالفطور في السرير؟
صوت امرأة : آه، لا! لقد نسيت. لا تقلق. الآن سأنادي الخادم. (صوت زنبرك. وأخيراً يُسمع صوت آلة تنبيه السيارة رقم 3. صوت آخر من آلة تنبيه سيارة. يخرج من السيارة آ خادم في أحسن الملابس ولائق المظهر. اسمه ميلوس. يتوجه إلى السيارة رقم 3. يمر برأسه بين الستائر بعد ضربة خفيفة على البويب.)
ميلوس : هل يريد السيدان أن أحضر لكما الفطور في السرير؟
صوت امرأة : بالطبع …”
مثل الحالة السابقة، فإن توالي الجمل أو الرسائل، C,B,A … n يحتفظ بدرجة عالية من النحوية في بنيته الشكلية، إلا أنها تكون شاذة في سياق Y_X، كون XY، ليس محيطاً أو سياقاً لغويا، بل محيطاً موضعياً.
والاستدلال على حوار من المحيط أو الموضع الذي يتلاءم معه في الواقع كان مصدراً فكاهياً تم اتخاذه في الأدب الدرامي. وفي هذه الحالة فإن الشفرة الذاتية، نظراً لتواردها، لفندق ذي خمس نجوم يقع في مقبرة سيارات حيث يمضي الليلة المحرومون من الثروة.
3.3. وتحت مؤشر نحوية جمل هي في الظاهر تحترم القاعدة في بنيتها اللغوية يمكن أن ينبثق عن التداولية التي يجب أن تتوافق معها الرسالة. والمعرفة السابقة التي تقدمها الخبرة الذاتية أو الخاصة بالغير تحدد ألفاظ التعبير. وعدم احترام هذا الوضع يفترض إلغاء درجة قبول الجمل المكونة.
فلنرى مقطوعة من “ثلاث قبعات تشريفات” لميغيل ميورا:
“ديونيسيو : ولكن، ماذا أرى يا سيد روساريو؟ هل هو هاتف؟
دون روساريو : يا سيد، هاتف.
ديونيسيو : ولكن، هل هو هاتف من تلك التي يمكن أن نتصل عبرها برجال الإطفاء؟
دون روساريو : وكذلك باللحادين ….
ديونيسيو : لكن هذا يا دون روساريو يعني تخريب كل شئ! (هذا بينما ديونيسيو يتكلم، يخرج روساريو من الحقيبة سترة وسروالاً وحذاءً ذا رقبة ويرتبها في خزانة الملابس.) منذ سبع سنوات وأنا أجئ إلى هذا الفندق وكل عام أجد تحسيناً جديداً.
أولاً قمت حضرتك بإزالة الذباب من المطبخ ووضعها في المطعم. وبعد ذلك أزلتها من المطعم ووضعتها في الصالة. وفي يوم ما أزلتها من الصالة وأخرجتها حضرتك في نزهة، إلى الريف، حيث أخيراً قام بالتخلص منها… كان عظيماً! بعد ذلك، ركبت حضرتك التدفئة. وبعد ذلك ألغيت حضرتك اللحم بالسفرجل الذي كانت تعده ابنتك. والآن الهاتف … فقد جعلت حضرتك من فندق من الدرجة الثانية فندقاً مريحاً … ولا تزال الأسعار في متناول الجميع. هذا يعني الخراب يا سيد روساريو!
دون روساريو : حضرتك تعرفني يا سيد ديونيسيو. لا أقدر على الحيلولة دون ذلك، فطبيعتي هكذا. فكل شئ يبدو لي قليلاً بالنسبة للنزلاء أحبابي.
ديونيسيو : لكن مع ذلك أنت تبالغ. فليس من اللائق أن تضع لنا قناني ماء ساخن في السرير عندما يكون الطقس بارداً ولا أن ترقد معنا كي تدفئنا ونعرق عندما نكون مصابين بالزكام، ولا أن تقبلنا عندما نسافر. ليس من اللائق أيضاً أن تدخل غرفة النزيل عندما يصاب بالأرق وتعزف له ألحاناً على بوقك الصغير حتى يدركه النعاس… إنها طيبة مبالغ فيها! إنهم يستغلونك …”
فلنتذكر أن الحدث يجري في فضاء وحيد، فندق من الدرجة الثانية، في مدينة إقليمية ويلتقي فيه عالمان متنافران ومتقابلان، عالم البرجوازية الإقليمية الصغيرة وعالم المرح الممثل في مسرح المنوعات المعروف بأنه مرح. وإذا أبرزنا جملاً مثل “يوم آخر سأخرجه من القاعة (يشير إلى الذباب، بالطبع)، وأخرجتها حضرتك في نزهة، إلى الريف، حيث أخيراً قمت بالتخلص منه” سنرى أنها جملاً خالية من النحوية، ليس لأن وظائف أعضائها تخالف القواعد. وفي هذه الحالة فإنها ستكون مقبولة. أما شذوذها فإنه يحدث لأننا من خلال الخبرة تصرف الذباب ونعرف أن خطة دون روساريو تجاه الذباب مستحيلة، وخاصة التخلص منه في الحقول. والنتيجة مضحكة، في الوقت الذي تتحمل فيه معنى انتقادياً.
والخلل الآخر المثير لعدم الاستقرار الذي يسفر عنه عدم تناسق اللغة مع معرفتنا التداولية للواقع هو مسألة عادات اجتماعية، خاصة بالواقع العملي. ليس خللاً جلياً في التصرفات الغريزية الحيوانية، الصعبة في السيطرة عليها. إنه الآن انحراف للعادات في العلاقات الإنسانية. مبالغات خاصة بالأبوية تصبح شاذة نظراً لمعرفتنا المسبقة لشفرات البروتوكول الاجتماعي التي يقع فيها الحدث. ” ولا أن ترقد معنا كي تدفئنا ونعرق عندما نكون مصابين بالزكام” أو “ولا أن تقبلنا عندما نسافر. ليس من اللائق أيضاً أن تدخل غرفة النزيل عندما يصاب بالأرق وتعزف له ألحاناً على بوقك الصغير حتى يدركه النعاس” هذا النوع من الجمل لا تصل إلى الكمال النحوي لأنها على ما يبدو لا تتجاوب مع واقع موضوعي وهذا التفكيك الأسلوبي الذي يقترب من العبث ينقص إمكانات من قبوله.
إن اضطرابات البنية النحوية، سواء ما رأيناه أو في أي درجة من الشذوذ، يعني نوعاً من النقد الذي يكمن في كل تفكيك، وفي الكثير من الأحوال لا يدركها المؤلف. ولا يحدث هذا مع ميغيل ميورا. فهدفه كان واضحاً. إذا ما أخذنا في عين الاعتبار ما أطلق عليه “سمطقة” المحال إليه، سنرى، من خلال المدلول المضاف للأشياء الموجودة في اللغة المسرحية، أن اللحم بالسفرجل والهاتف (الهاتف يظهر في السينوغرافيا)، تتحول إلى رموز إصطناعية للمجتمع الاستهلاكي. رموز تمثل البرجوازية الإقليمية والتقنية، على التوالي، وهما عاملان معترف بهما لهذا المجتمع.
ونظراً لأن الرموز معدودة في مجتمع مختل إلى جانب الذباب المهاجر، يكشف عن عبث وجوده الذي يحمله معه. وهو أمر تتولى الوجودية المسيطرة، كفلسفة للحياة، بالحفاظ عليه (تعود المسرحية إلى 1932). والوضع الذي أبدعه ميغيل ميورا سخرية من بؤس العالم البرجوازي الصغير الذي سيظهر بعد ذلك ملصوقاً في أخلاق عبثية ضيقة وغير عقلانية وخاضعة.

المراجع:
• ADAMOV, Arthur (1962). “El teatro en mi opinió-;-n hoy y ayer”, en Primer Acto 33, 18-20.
• ALBةRبS, René-Marie (1971). Metamorfosis de la novela. Madrid: Taurus.
• ARRABAL, Fernando (1965). El cementerio de automó-;-viles / Ciugrena / Los dos verdugos. Madrid: Taurus.
• BAQUERO GOYANES, Mariano (1975). Estructuras de la novela actual. Barcelona: Planeta.
• BARTHES, Roland (1967). Ensayos crí-;-ticos. Barcelona: Seix-Barral.
• BILBATعA, Miguel (1970). “Sobre el papel del autor en el Teatro Independiente”, en Primer Acto 121, pp. 10-12.
• CHOMSKY, Noan (1970). Aspectos de la teorí-;-a de la sintaxis. Madrid: Aguilar.
• ESSLIN, Martin (1966). El teatro del absurdo. Barcelona: Seix-Barral.
• GARCحA TEMPLADO, José (1992). El teatro espaٌol actual. Madrid: Anaya.
• HJELMSLEV, Louis (1971). Prolegَmenos a una tearيa del lenguaje. Madrid: Gredos.
• JORDA, Joaquيn (1962). “Una entrevista con Arthur Adamov”, en Primer Acto 33, pp. 12-17.
• JOTTERAND, Franck (1971). El nuevo teatro norteamericano. Barcelona: Barral.
• KAPROW, Allan (1960). Assemblages, Anviromental and Happenings. New York: Harry N. Abrams.
• LYONS, John (1975). Introducció-;-n en la lingüí-;-stica teَrica. Barcelona: Teide.
• MIRALLES, Alberto (1978a). “Pró-;-logo” a Wellwarth, George (1978) Spanish…
• MIRALLES, Alberto (1978b). Nuevo teatro españ-;-ol: una alternativa cultural/social. Madrid: Villalar.
• MORALES, José Ricardo (1970). “Có-;-mo el poder de las noticias nos da noticias del poder”, en Primer Acto 122, pp. 50-62.
• PÉ-;-REZ DANN, Carlos (1966). “Mi guerra”, en Primer Acto 80, pp. 43-66.
• SANGUINETI, Edoardo (1969). “Sociologيa de la vanguardia”, en AA.VV. Literatura y sociedad. Madrid: Martيnez Roca, pp. 13-33.
• SAUSSURE, Ferdinand (1970). Curso de Lingüيstica General. Buenos Aires: Losada (8-;- ed.).
• SHANNON, Claude E. y WEAWER, Warren (1981). Teorí-;-a matemá-;-tica de la comunicació-;-n. Madrid: Forja.
• WELLWARTH, George (1978). Spanish underground drama. Madrid: Villalar.
• WHORF, Lee Benjamin (1971). Lenguaje, pensamiento y realidad. Barcelona: Barral (en particular, pp.155-183).

————————————————————-
المصدر : مجلة الفنون المسرحية 

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Click to listen highlighted text!