أخبار عاجلة

الهيئة تشارك في الملتقى الإقليمي حول “الثقافة والمستقبل الحضري” بورقة عنوانها(المسرح والمدينة. جدلية التنمية الثقافية

ورقة الهيئة العربية للمسرح

المسرح والمدينة، جدلية التنمية الثقافية.

ضمن محور “دور المسرح في تشكيل فضاء المدينة”

يقدمها

غنّام غنّام

مدير التدريب والتأهيل والمسرح المدرسي.

في

الملتقى الإقليمي حول “الثقافة والمستقبل الحضري”.

عمّان – الأردن

19 إلى 23 يونيو 2022.

تقديم.

بداية لا بد من توجيه الشكر والتحية، باسم الهيئة العربية للمسرح للتعاون المثمر بين منظمتين نعتز بهما، وتشكلان دعامة أساسية من دعامات وحدتنا العربية، منظمة المدن العربية، والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم الشريكة للهيئة العربية للمسرح بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

ويشرفني باليد الأخرى أن أنقل لكم جميعاً تحيات الأمين العام للهيئة العربية للمسرح الكاتب المسرحي الإماراتي اسماعيل عبد الله، والذي يتمنى لكل المجتمعين التوفيق، وهو الذي كان حريصاً على تلبية الدعوة الكريمة التي وجهتها ألكسو للمشاركة في هذا الملتقى الهام، والذي حمل عنوان “الثقافة والمستقبل الحضري”.

وعليه فقد رأت الهيئة الانطلاق من عنوان المحور الذي حملته الدعوة الكريمة “دور المسرح في تشكيل فضاء المدينة”، ليكون باب التناول هو “المسرح والمدينة، جدلية التنمية الثقافية”، لينضوي خلف هذا الباب مسارات خمسة:

  1. المسرح والمدينة علاقة جدلية المنشأ والمآل.
  2. المدينة في العالم وعلاقتها بالمسرح.
  3. واقع المدن المسرحي.
  4. الخصوصيات الثقافية للمجتمعات في العالم العربي.
  5. مقترحات استراتيجية للتنمية المسرحية.

توطئة:

حيث أن المسرح هو فن طرح الأسئلة، سأتجه إلى بناء التوطئة على اسئلة تكمن أجوبتها في أكمامها.

هل المسرح سابق على المدينة أم أن المدينة سابقة على المسرح؟

ما هي علاقتنا وعلاقة مدننا بالمسرح؟ هل عرفت مدننا المسرح؟

هل المسرح فن فئوي؟ أم هو فن للعموم؟

ماذا نعني بقولنا المسرح؟ هل هو المكان “الفضاء”؟ هل العرض والأداء؟ هل هو علم وفن المسرح؟ هل هو الممكنات الإنتاجية؟ هل كل ذلك؟

نقول “فضاء مسرحي”، عرض وأداء مسرحي، علم مسرحي، فن مسرحي، فهل يمكن أن نقول مدينة مسرحية (أي تتماز بالمسرح) على غرار مدينة سياحية (أي تمتاز بالسياحة) أو مدينة صناعية (أي تمتاز بالصناعة) أو مدينة أثرية (أي تمتاز بآثارها)؟

ماذا قالت الاستراتيجية العربية للتنمية المسرحية التي أنجزتها الهيئة العربية للمسرح ومعها ثلاثمئة مسرحي عربي عام 2012، واعتمدها وزراء الثقافة العرب إطاراً عربياً مشتركاً في يناير 2015 في الرياض؟ وبماذا يمكن أن تؤشر لنا استراتيجياً.

ماذا قالت استراتيجية تنمية وتطوير المسرح المدرسي في الوطن العربي التي أنجزتها الهيئة العربية للمسرح ومعها مائتان من المسرحيين العرب، واعتمدها وزراء التربية العرب في نوفمبر 2021 إطاراً عربياً مشتركاً للتنمية، وماذا يمكن أن تضيف لنا؟

  • هل تعمل مؤسساتنا بتكامل أم كجزر منعزلة؟
  • هل فضاء المدينة شامل لكل مناحيها وأحيائها وفعالياتها؟
  • هل يوجد المسرح في مخططات البلديات والألوية والولايات والمحافظات؟

وللمسرحيين اسأل:

  • هل قدم الدارسون المسرحيون ما يكفي من الجهد المسرحي لدراسة علاقتنا (كشعوب في العالم العربي، كحضارات قامت على هذه الرقعة الجغرافية من المحيط إلى الخليج بالمسرح)؟
  • هل نخطط استراتيجياً للمدينة التي نريد والمسرح ضمنها؟

بالطبع يمكن أن استمر بطرح الأسئلة على نفسي وعليكم، وهي أسئلة ليست بالغريبة عليكم، ولديكم أجوبة عليها بكل تأكيد، ولكني سأبدأ بالمسرح والمسرحيين.

الكسل البحثي وندرة الاجتهاد.

استطاب بعض المسرحيين وأساتذة البحث الفرضية التي قالت إن المسرح بن المدينة ساعدته ديمقراطية أثينا على الولادة، ومال هؤلاء إلى أننا كشعوب في المنطقة التي نطلق عليها (العالم العربي) وفق الخارطة الجغرافية والسياسية المتعارف عليها اليوم، لم نعرف المسرح إلا قبل حوالي مائة وثمانين سنة، ويعود ذلك إلى أن المسرح لا ينبت في المجتمع البدوي، كما ألحق بعضهم ظهور الإسلام كعامل ساعد على عدم ولادة المسرح، ويتفنن عديد من أهم الأسماء في المسرح العربي بجملة يستهلون بها مقالاتهم (المسرح هذا الفن الوافد…)

ولعمري فإن في ذلك أكثر من مغالطة وخطيئة بحثية في أكثر من اتجاه علمي، ميثولوجي وانثروبولوجي وغيرهما، وبكل اعتزاز أقول بأن المسرح منفتح ومتقاطع مع كل العلوم يفيد منها ويعيد إنتاجها بصيغ جمالية، أي أنه العلم الذي يحتوي ويعيد إنتاج المعارف فنيا بصيغ جمالية تؤثر في وجدان المتلقي وليس عقله فقط.

وقد ذهب نفر قليل من المسرحيين العرب إلى عكس ذلك، ونقبوا وبحثوا، ورصدوا مظاهر ما قبل مسرحية، أو مسرحية، أو مظاهر أدائية خاصة بحضارات المنطقة مدار بحثنا اليوم، فظهرت دعوات التأصيل، تلك التي نجحت حينها، وجانبها الصواب حينًا، وتعرضت لهجوم من يخالفها من العرب أحياناً كثيرة.

ولكننا اليوم وبحضرة وحضور المدينة العربية معنيين بالإجابة على أسئلة حارة طرحها الأمين العام إسماعيل عبد الله في رسالة اليوم العربي للمسرح للعام 2021، فتعالوا نتأملها لتكون مدخلنا لتحقيق ما التأم عليه شملنا هنا اليوم:

“.. علينا كمسرحيين مؤسسات وأفراداً ألا ننتظر أكثر من ذلك لنعود إلى سلاحنا الأمضى، طرح السؤال؟ أن لا نساهم في تسريد الفراغ كما لو كان ليس بالإمكان أفضل مما كان، أن لا نساهم في صناعة توابيت لدفن المسرح وباقي أقانيم الإبداع بحجة “كي لا تأكل الفنون من خبز الناس اليومي”، نحن الذين حلمنا وعملنا منذ ابتدعنا الديثرامب والساتيريات أن نجعل فنوننا ومسرحنا كسرة خبز ووردة وطير حمام ويراعاً وبردة في يد الإنسان ترمم جدران روحه ليصنع حياة تستحق كل هذه المكابدات؟

هل ما زلنا مُسَلِمِيْنَ بأننا نبت شيطاني لم يساهم في نشأة المسرح؟ وهل ما زلنا نتصرف مثل طالب يُقِرُ بنظريةٍ خاطئة حتى لا يخسر علامة النجاح؟

هل توقفنا عن استنساخ النظريات والتطبيقات والأشكال والمضامين؟ هل صرنا شركاء في تفكيكها وإعادة إنتاجها؟

هل قرأنا الفلسفة والحكمة التي أسست لحضاراتنا وحضارات الآخرين بغية أن يظهر أثرها فينا؟

هل كانت قضايا التأصيلِ والتجريبِ انصرافاً إلى غير قضايا الراهن الآني في ارتباطه بسياقه الاجتماعي السياسي؟

وماذا عن الغد؟

لأن غد المسرح غدنا، غد مجتمعاتنا، غد شعوبنا، غد بلادنا، غد العالم الذي نريده أفضل، هناك استحقاق استراتيجي لا بد من العمل عليه، أن نُؤْمِنَ بأن لأطفالنا وطلابنا الحق في المسرح، نشاطاً ومنهاجاً، فلم يندثر المسرح من مدارسنا وأنديتنا إلا وتقدمت الظلامية لتؤطر عقول الناشئة بتطرف لا يمكِّنُهم من قبول الآخر أو التغيير.

يجب أن نناضل جميعاً من أجل منهاج مسرحي في المدرسة، وهو كغيره من المناهج، لا يعني أن يتحول الطالب بسببه إلى فنان، لكنه يتحول لمتذوق للفن، مستهلك للفن، منتج للفن، محترف للفن إن امتلك الموهبة” انتهى الاقتباس من كلمة إسماعيل عبد الله.

من هنا فإننا في الهيئة العربية للمسرح دأبنا دوماً على مساءلة أنفسنا قبل مساءلة الآخرين.

تاريخ المدن وتواريخ البدايات وحلقات التطور.

وبعملية حساب تاريخي نجد أن هؤلاء الباحثين والمؤرخين يقولون بأن ولادة المسرح الإغريقي (التراجيديا الإغريقية) حسب ما ورد في “سيرة المسرح[1]، الجزء الأول، لمؤلفه روجيه عساف، كانت حوالي 550 إلى 500 قبل الميلاد.

فهل كانت تلك المدينة “أثينا” أول المدن، باعتبار المدينة حاضنة للمسرح؟

من نافل القول إن أثينا – والتي بناها أجدادنا الفينيقيون – لم تكن أقدمها، ومن الجميل والمفيد في آن معاً أن نشير إلى أن أقدم عشرين مدينة في العالم منها ثنتا عشر (12) مدينة من مدننا، فأريحا والقدس وعكا، ونابلس وغزة، وصور وصيدا وجبيل وأنطاكية، ودمشق وحلب وأربيل وبابل وأور ودلمون ومليحة وجدارا وبترا وجرش وربة عمون وطيبة والفيوم والأقصر وبرواجيت ومن نفر وكرمة والكرو والبجراوية وعدن وجلفار ومزون ونابل وقرطاجة، وتعلمون أنها سبقت أثينا وروما بمئات وآلاف السنين، وكانت مثالاً في المدنية، فالجنة وصفت بجنات عدن، والرفاهية ما زالت Luxury نسبة للأقصر، مثلما صارت البغددة أي الإسراف في الترف منسوبة لبغداد في زمن لاحق.

هذه المدن بنيت وقادت ممالك وصنعت مدنية وحضارة قبل ميلاد أثينا بعشرة آلاف سنة.

هذه المدن خرج من بعضها الأرباب السوريون إلى جزيرة المورة (اليونان حالياً) حين ركبوا البحر لأول مرة في تاريخ البشرية، وأقاموا مدنهم (أثيكا/ أثينا/ أوديسا) ونقلوا معهم ديانتهم وطقوسهم ونظامهم المدني فنظموا حياة الرعاة في المورة وأنجبوا أجيالاً من علاقاتهم بنساء الرعاة فكان النسل أنغالاً، أولاد حرام، أو بالآرامية إغريق، فصارت بلاد الإغريق.

ديموقراطية المدينة.

أثينا عرفت الديموكراس ولم تعرف الديمقراطية بالمعنى الذي نتداوله الآن، والديموكراس هو (الكراس الآدمي) أو السجل المدني، الذي يسجل به المواطنون والولادات الجديدة. وهو الذي أصبح مرجعاً في الانتخابات التي اعتمدت على الديموكراس فصارت ديموكراسية وها نحن نستوردها من جديد باسم الديموقراطية.

وكما نقل أجدادنا السريان اللغة والصناعات والكتابة (فاللغة اليونانية) حروفها متسلسلة من حروف الهجاء الفينيقية.

(الفينيقيون بالمناسبة هم سكان المنطقة من صور على بحر عمان إلى صور على الساحل السوري)

يقول العلامة د. أحمد داوود في كتابه تاريخ سوريا الحضاري القديم[2]. المجلد الثاني ما يلي:

 “وكان أولاد اليونان في تعلمهم القراءة، يسمون الحروف بنفس الأسماء التي كان يسميها بها الفينيقيون، ولما كان اليونان يجهلون معنى تلك الأسماء الغريبة، فقد حرفوا لفظها قليلاً، فصار يقرأها أولادهم بحسب الترتيب الفينيقي المعلوم “ألفا، بيتا” ، فكان يقال إن الولد اليوناني يتعلم ألفا بيتا، التي جاءت منها اللفظة الأوروبية Alphabet وهي أثر باقٍ من الَدينِ العظيم المدين به الغرب للشرق، لا سيما الفينيقيين الذين نفحوه بعطية لا تُثَمن، وهي الكتابة بالحروف الهجائية التي وصلت إلى إيطاليا من بلاد اليونان، ثم امتدت إلى سائر جهات أوروبا، والحقيقة التي لا مراء فيها أن حروف هجاء بلاد الغرب والشرق متسلسلة من حروف الهجاء الفينيقية، وقد جاء مع هذه الحروف لأول مرة القلم والحبر والورق الذي كان يسمى بالشرقي” (انتهى الاقتباس)

وبرفقة كل هذا انتقلت الاحتفالات الدينية وغير الدينية، ونقلوا فنون العمارة والموسيقى والرقص والتعبير الأدائي الذي لم يكن يسمى مسرحاً بل كان جزءًا من الطقوس الدينية التي كانت تحفل بالمحاكاة والتمثل والأداء (سنوضحه تالياً)، إنه انتقال لمركز الحضارة، لا أكثر ولا أقل، وعليه كانت المرحلة التاريخية لهذه الأمة الفينيقية يربط بالمركز الذي تتخذه، لذا صرنا في المرحلة الإغريقية للحضارة، وبعدها سنكون في المرحلة الرومانية للحضارة نسبة إلى روما التي صارت مركزا بعد أن بناها الشابان رومو ورومل.

المسرح وأسسه الأربع أصلها سيرياني أو سورياني (نسبة لسوريا/ سيريا)

يقول الدكتور لطفي عبد الوهاب يحيى[3]: “تكمن الأصول الأولى للمسرح اليوناني في الاحتفالات الدينية التي كانت تقام في المناطق المختلفة في بلاد اليونان والتي كانت تدور حول عقيدة الإله “أدونيس”… ولم تكن هذه الاحتفالات بدعة اقتصرت على بلاد اليونان .. ففي سوريا كانت تقام احتفالات مماثلة مؤداها أن الإله بعل (أو أدونيس) قتله خنزير بري، ثم حاولت عشتار إعادته للحياة حتى تعود الحياة إلى الطبيعة التي ماتت في الشتاء، .. فمن قورنثا انتقلت هذه الاحتفالات إلى أثينا، حيث أصبحت قبل القرن الخامس قبل الميلاد مجالاً للمباراة في الاحتفالات المتصلة بأعياد الإله أدونيس، وقد كانت المسرحية التراجيدية بسيطة في بدايتها، ملزمة بأن يكون موضوعها متصلاً بالإله أدونيس.

إن أدونيس هو المختصر لاسم الإله (أدوني عليان بعل) أي (السيد العلي بعل) وأدوني بإضافة (س) التي كان الإغريق يضيفونها على الأسماء صار (أدونيس)، ونلاحظ أنه تجلٍ آخر لـ (دمحوزي) أي (المعشوق) بالسريانية (ديموزي) وهو حدد ومردوك البابلي وهو (أوزيريس) الذي قتل (ست) أخوه، وقامت إيزيس كما عشتار كما عانات بالبحث عن جثته وجمع اشلائها ليعود الخير عميماً ويكون الربيع.

ولقد أورد أوفيد[4]  على لسان عشتار (عانات / أنات/ أناثا/ إينانا) عند موت بعل (رب الخصب) بطعنة من (الخنزير) حين رأته يتمرغ في دمه “واتجهت إليه، لمحته عن بعد يتمرغ في دمائه فاقد الوعي، قفزت من مركبتها إليه وشقت ثوبها عن صدرها، وشدت شعر رأسها، وجعلت تضرب صدرها بيديها اللتين لم تخلقا لذلك، وأخذت تلوم الأقدار، وصاحت فيه قائلة: لا لن يخضع لك كل شيء[5]، وسوف يبقى أدونيس ذكرى حزن خالد إلى الأبد، وسوف يُمَثَلُ كل عام موتك[6]، يُذّكِرُ بما كان فيه من نُواحي عليك، ولتنبثقن زهرة من دمائك[7]

ويقول د. أحمد داوود[8]: هكذا فقد جعلت عشتار تمثيل موت أدونيس سنة ملزمة لرعاياها إلى الأبد، لتذكر بمدى حزنها عليه الذي لن يعادله شيء في شدته إلا فرحها بيوم بعثه وقيامته.. وهكذا صار فن التمثيل جزءًا من الطقوس الدينية السورية، كما صار المسرح أو دار التمثيل جزءًا من المعبد.

المعبد، المسرح، العمارة المدنية.

من المؤكد أننا متفقون، أن لا معابد دون ديانات (نصوص وفرائض وطقوس) وعبّاد وبالتالي لا ملاعب دون (ألعاب ولاعبين وقوانين لعب، ولا مسارح دون (نصوص ولاعبين وجمهور ورسائل)

إذن، لقد تم تنفيذ أمر الإلهة بتمثيل الحدث (بشقيه الحزين والفرح)، وتعالوا لنشاهد[9]:

(أدوني عليان بعل – أدونيس) هو القوة المخصبة في الطبيعة والحيوان، وقد رمز السوريون لهذه القوة منذ ذلك الزمن الموغل في القدم بالجدي، كقوة ذكرية كبيرة في الإخصاب.

ولما كان عيد أدونيس تمثيلا لموت الرب ولقيامته، فقد كان لا بد من الاستعاضة عن قتل الرب برمزه الحيواني الذي هو الجدي، فصار أتباعه يدعون (تراحي جيديا) ومنها جاءت (تراجيديا) الاحتفال المأساوي، وكان عليهم بعدها أن يتحدوا معه، فوضعوا عليهم جلده وستروا به وجوههم وووضعوا على رؤوسهم قرونه، من هنا جاء الـ “ساتيرا” أي التستر أو التقنع، ولنلاحظ أن رمز الموت هو الخنزير البري مدمر الزرع، كان القسم المرح الفرح الذي يمثل فرحهم بقيامة الرب (قيموث أدوني) الذي صار (كوميديا)

وكان النشيد الذي يرددونه هو (نشيد الرب) الذي صار دي ثي رمب. وهذه كلها مفردات آرامية ولدت مع ولادة تمثيل الطقس قبل التوسع إلى شبه جزيرة المورة (اليونان / الإغريق) وهي أربعة أركان في المسرح (تراجيديا، كوميديا، ساتير، دي ثي رمب).

دراما.. الصراع بالسريانية

أما كلمة دراما.. وهي الكلمة الشاملة فمرجعها في القاموس السرياني.

در Dr بمعنى صارع، قاتل، حارب، خاصم.

درر  DRR  صيغة مبالغة للصراع أو الخصام.

وكان وما زال من طبع شعوب سوريا زيادة الميم (امبارحة بدل البارحة) (امبلى بدل بلى) (رمب بدل رب) وهي بديلة للتنوين في الفصحى غالباً، فقد صار در – درم بمعنى صراع، ولما كانت التقاليد الاحتفالية تقضي بقرع الطبول إعلانًا لبد الصراع، فقد صارت الطبول (درم، Drums)

يتم الأمر كله بإشراف الكهنة، في دار للتمثيل تسمى باسم الرب، ويسمى اللاعبون (الممثلون الأدونيسيين) ويؤتى بتمثال الرب ويوضع في صدر المكان ليستمتع بمشاهدة التمثيل، وليحيوه بنشيد الرب (دي ثي رمب) بالمناسبة دي هي DE التي تستعمل للتعريف في عديد اللغات اللاتينية.

وأما باقي الحكاية في خروج المسرح من الطقس الديني إلى الشعر وسرد الحكاية وظهور الممثل الجوال على عربته “ثيسبيس” وعمل الجوقة وإضافة مؤدي آخر  حتى الوصول إلى النص المسرحي الحواري، والفصول والتمثيل والممثلين، فتلك حكاية يعرفها الجميع لأنهم يبدأون منها، أي أنهم ينطلقون من هذه الحقبة ولا يبحثون في الحقبة والإشارات التي ذهبنا إليها معتمدين على التاريخ والدراسات الميثولوجية، ولم يكن الباحث المسرحي والآثاري منصفاً لمدننا، خاصة فيما يتعلق بآثار المسارح والمعابد والبوابات والحمامات والأعمدة التي توجد في مدننا على امتداد العالم العربي، فنجدهم يستسهلون تسمية المسرح (المدرج الروماني) وقد أشرت في وقت سابق إلى أن هذه النسبة راجعة للحقبة التي صارت روما عاصمة للامبراطورية الجديدة التي أسسها الفينيقيون، ولم تسمى امبراطورية رومانية نسبة لشعب بل نسبة للمدينة.

روما، الرومان، المدرج الروماني … ما أصل الحكاية؟

لإنصاف مدننا وأهلها من أجدادنا، نقف في محطتين سريعتين هما إيطاليا وروما مدينة رومو ورومل، والمدرج الروماني وكبير بنائي روما (أبولو دورو الدمشقي)، الأصل والنشأة.

يقول د. أحمد داوود[10]: تسمية إيطاليا وطليان فقد اختلف بين منحيين:

الأول هو إيطالو، ملك الصقليين الذي احتل “حنتريا” والتي تعني بالقاموس السيرياني حانة البر أو حانة الشاطئ، وحِن تحولت إلى حرف W , V فصارت Vin أو   winوأما تريا فقد صارت Terra  بمعنى أرض، وأطلقوا على كل الأرض إيطالي نسبة لإيطالو.

أما الرأي الآخر فهو أكثر درامية، فقد تزوج الكاهن السوري الطروادي (عنيا، إنياس) من (لافينيا) أي الخصيبة، إلا أنه وبعد ثمانية أجيال من الزواج والحكم، اغتصب العرش منه رجل اسمه إميليو، وقضى على العائلة التي كانت من الذكور، وأرغم الفتاة الوحيدة (رحيا صيبيا) أن تصبح كاهنة للربة (فصحتا – فستا) وبذلك يصبح اسمها إيليا أي الربانية المنذورة.

وذات يوم من أيام الربيع، حيث كانت وحدها على ضفة النهر، فتعرت، ولمحها (مارس) وهو ليس الإله مارس بل (الذي يطحن الدقيق من الفعل مرس/ مارس) وهو سوري سيد يمتلك طاحونة ماء على النهر، فاغتصبها، وحملت بتوأمين، فولت هاربة من الفضيحة واختفت في كهف حتى وضعتهما، وكان النهر ينبع من ذلك الكهف، فوضعتهما في صندوق وألقتهما في اليم، فوقعا بين يدي (لحوفا) غسالة من فعل (حفّ) وكان اسمها طليا، فأرضعتهما ورعتهما حتى صارا شابين ريمو وروملو، وأخذا بثأر أمهما وجدهما من إميليو، وعلا شأنهما، وأسسا مدينة على إحدى التلال واختلفا على حكمها وتسميتها، فقتل روملو أخاه وأطلق اسم روما على المدينة، وسميت المنطقة برمتها طليا على اسم المربية،  وطلية تعني الشابة الطرية، لكنها في الآرامية تعني الظبية. وبالمناسبة فاسم ريمو يعني الظبي الخالص البياض، وروملو الظبي الأبيض منقط القوائم بالسود.

بالمناسبة يمكن قياس حكاية ريمو وروملو بحكاية سرجون الأكادي، وهي التي تكررت مع موسى عليه السلام.

 

ومن نافل القول إن العمارة والآلات والعملة في روما وإيطاليا كما في أثينا واليونان كانت العملة السورية، درهم فضي ودينار ذهبي، ثم ليرة فضية (الحويرا – الليرا) والدينار بالسريانية تعني الأصفر أو الذهبي والدرهم بالسريانية (دراكما/ دراخما)

وهذا ما دفع الشاعر جوفينال[11] ليقول: إن نهر العاصي السوري أخذ يصب مياهه منذ وقت طويل في نهر التيبر، حاملًا معه لغته وعاداته، وهذا خير دليل على الحضور السوري المتميز ونفوذه في روما”

أباطرة روما السوريون[12]:

أعظم أباطرة روما الذين بنوا مجدها من شرق المتوسط وشمال أفريقيا، تميزوا بالعلم والفن والثقافة، فمن الأنطونيين الأول من سوري إسبانيان إلى سوريين اليوليوسيين الطرواديين، إلى الأسرة الحمصية جوليا دومنا، جيتا، كركلا، جوليا ميزا، جوليا سوميا، جوليا ماميا، هيلا جبال (وهؤلاء جميعاً من حمص) وفيليب العربي من حلب الشهبا، وسيبتيموس الأفريقي ليبي وهو زوج جوليا دومنا ووالد كركلا، الذي هزم هانيبعل مؤسس قرطاجة، لذا فإن الحروب التي دارت بين قرطاجة وروما هي حروب فينيقة فينيقة

ولقد ذكر المؤرخون القدامى في روما بأن روما قد حكمها جيلان من الأباطرة، جيل من النبلاء المثقفين السوريين وجيل من الهمج اللاتين.

برلمان روما ومعمارها.

أما قانونها البرلماني فقد وضعه ابن صور بابنيان، ومن صمم وهندس وبنى أبرز معالمها فهو أبولودورو الدمشقي، وهذه محطة أخرى ونهائية تأخذنا لعلاقتنا بالمدينة وعلاقة مدينتنا بالمسرح عبر التاريخ لنفهم أكثر كيف نعيد بناء هذه العلاقة وكيف (يبني حجر من أرضنا سقف السماء” كما قال محمود درويش في رائعته عابرون في كلام عابر.

أبولودورو الدمشقي (كبير بنائي روما)

رسم توضيحي 1 أبولودوروس الدمشقي كبير بنائي روما

ولد المعماري السوري أبولودوروس Apollodoros الدمشقي في مدينة دمشق في الفترة الواقعة بين 60 و70م، وتوفي نحو 125م. استدعاه الامبراطور تراجان/ ترايانوس  Trajanus م) (98-117م) وكان له من العمر نحو ثلاثين عاماً وكان هذا الامبراطور معجباً به حين كان يقيم في دمشق فذاع صيته في روما وفي غرب الامبراطورية، وكلفه تراجان/ ترايانوس بالمشاريع العمرانية المهمة في روما، كما كلفه  الامبراطور هادريانوس  Hadrianus  م)(117-138م) بإدارة عدد من المشاريع، ووصل  لنا منها حتى هذا اليوم هذا قرابة الخمسة عشر أنجزها خلال حياته، أهمها حمامات ترايانوس والحوض السداسي في أوستيا  Ostia مرفأ روما، وكذلك أقواس النصر في مدينتي أنكونا Ancona وبنيفانتومBeneventum ، ومسرح الأوديون في مونتي جوردانو، وحلبة السباق على ضفة نهر التيبر، معبد البانثيون Pantheon الكبير في مدينة روما – الذي بناه للامبراطور هادريانوس.

ويعد مشروع تصميم الفوروم الذي يتوسطه عمود كبير بارتفاع مئة قدم وتشييده من أهم الأعمال في روما والامبراطورية الرومانية، إذ صور عليه قصة الحرب مع المملكة الداشية  Dacia(رومانيا حالياً). وانتصارات تراجان/ ترايانوس على أعدائه بمئات المنحوتات التي تمثل وقائع الحرب فيها توضح القدرة التقنية التي كان هذا المعماري يتمتع بها.

رسم توضيحي 2عمود تراجان الذي هندسه أبولودورو الدمشقي

رسم توضيحي 3  الجسر العملاق على الدانوب – البانتيون

وقد كان له الفضل في معمار المدرجات والأوديون والبوابات لتراجان وهدريان في شمال المتوسط وشرقه كما هي بوابة هدريان في جرش، كما كان للفينيقيين الفضل في نشر هذا المعمار في شمال افريقيا، وتمتاز تونس بعدد كبير منها، كما هو الحال في إيطاليا بصفتهما مركزين سياسيين للفينيقين وقد أشرنا إلى ذلك.

وإذن، كانوا يبنون المدرجات كما ابتدعوا الدراما والمسرح وألعابه ونصوصه، اجدادنا في مدننا، وصدروا كل ذلك وطوروه كما كانوا يطورون اقتصادهم وأسلحتهم وصناعاتهم.

المدن العشر – الديكابوليس.

على أرض الأردن وسوريا الكبرى، نشأ حلف المدن العشر (الديكابوليس) وهي المدن التالية:

  1. فيلادلفيا (التي كانت ربة عمون قبل أن يسميها الامبراطور مدينة الحب الأخوي تخليدا لحبه أخته، وهي عمان البهية اليوم وسط الأردن.
  2. أبيلا وهي مدينة حرثا في محافظة إربد شمال الأردن.
  3. جراسا وهي مدينة جرش شمال عمان بحوالي 45 كيلومترا.
  4. جدارا وهي أم قيس الساحرة شمال الأردن
  5. كانثا وهي أم الجمال في الشرقي في الأردن.
  6. بيلا (وهي المعروفة اليوم بطبقة فحل شمال الأردن.
  7. دايون وهي مدينة أيدون شمال الأردن.
  8. هيبوس وهي مدينة الحصن اليوم.
  9. سكيثوبوليس، المدينة الثامنة هي في موقع بيسان المحتلة اليوم.
  10. بصرى وهي بصرى الشام المدينة التي ما زالت آثارها شامخة.

هذه المدن لم تكن حلفاً عسكرياً فقط بل كانت حلفاً اقتصاديا وثقافيا، إنه نوع من الوصول إلى نظام سياسي تعاضدي، حيث كان النفوذ العام في المنطقة لحكومة روماً، لكن هذا الحلف المديني يبدو تنظيماً كونفدرالياً بامتياز.

وإذا نظرنا للأثر المسرحي فيها فسنجده فيها جميعاً باستثناء ثلاث مدن، والسبب في خلو هذه المدن الثلاث أن واحدة منها كانت محطة ترانزيت لتقاطع طرق التجارة، والاثنتان الأخريان قريبتان جداً من  من ست مدن تعمر بالمسارح، ويبلغ عدد المسارح في هذه المدن السبع الباقية ما يزيد على عشرة مسارح، ومن المعروف أن معظم هذه المدن سابق في نشأته على الحقبة الإغريقية والرومانية.

لقد أوردت هذا الشأن لأقول بأن هناك تحالفات عشرية أخرى في مناطق امتداد الإمبراطورية الرومانية، وهو أمر لاحظه المسرحيون الذين عملوا مع الهيئة على وضع “الاستراتيجية العربية للتنمية المسرحية، فأوصوا باتخاذ خطة شبيهة من تحالف المدن العربية مسرحياً، وسأضع هذا في سياقة بمكان لاحق من هذه الورقة.

أسئلة حضور وأسباب غياب المسرح عربياً.

يقول د. أحمد شرجي[13]: لو عدنا إلى بدايات المسرح الإغريقي، سنجد الإغريق لم يتحدثوا عن شيء اسمه المسرح إلا من خلال التراجيديات، كان هناك حديث عن طقوس، على شكل احتفالات دينية وعقائدية، ثم بدانا نتلمس المسرح مع ثيسبيس الإيكاري.

ويتابع الشرجي: بمعنى أن التطور الطبيعي للطقس هو من رسخ المسرح بعد انتقاله من صيغة الاحتفال العفوي إلى الشكل المسرحي الذي وصلنا.

فوزي رشيد الباحث العراقي، اكتشف نصاً مسرحياً مسمارياً في مدينة آشور 800 قبل الميلاد، ليس للقراءة فقط بل للتمثيل أيضاً، يضاف إلى نص نزول إينانا للعالم السفلي، وهو الأمر الذي أشرنا إلى أنه أسس تمثيله لأقانيم الدراما الأربعة، وأشرنا إلى انزياح مركز الحضارة وانزياح الثقافة ومركزيتها ووجود ذات الحكاية في حضارة النيل والرافدين وسوريا.

وظلت الأسئلة حول دور الإسلام في إعاقة تطور المسرح تطرح على المسرحين الذين وقفوا حائرين مكتوفي الأيدي أمام مركزية الغرب في ولادة المسرح، بل وعندما كسر غربيون مهمون هذه المركزية كما فعل كريغ وبريخت وبيتر بروك، وجدناهم يذهبون خلفهم ويحاكون ما انتجوه دون أن يتأملوا الأرض التي يقفون عليها والأشكال العديدة والغنية من أشكال الفرجة والاحتفال والتي تمتد جذورها إلى آلاف السنين، وتغاضوا عن أن هذه الأشكال الفرجوية هي أشكالنا المسرحية التي يمكن أن تتجاور مع كل الأشكال السائدة في العالم، كما يتجاور النو والكابوكي معها، وفي الوقت التي تتقاطع أشكالنا الفرجوية وأشكال الآخرين الفرجوية في بعض المكونات وبعض البناء وبعض الأداء، فهي تمتلك خصوصيات نابعة من ثقافة كل أرض وشعب تناسبه وتلائمه.

التنوع والاختلاف رحمة وفرص.

قليلاً ما تعرض الباحث المسرحي العربي لعلاقة المسرح والمسرحي بالمدينة، ومن هؤلاء القلة الدكتور يونس الوليدي من المغرب، في كتابه “المسرح والمدينة” الصادر عام 2006.[14]

يقول د. يونس الوليدي:

“… يمكن التأكيد بأن المسرح يستطيع أن يؤثر في الوجدان الاجتماعي للمدينة فقط من خلال الممارسة الديمقراطية وكذلك حرية التجريب واكتشاف لغة فنية تعبيرية جديدة كضرورة للتواصل مع الجمهور   
وضمن هكذا مهمة فان التخطيط الثقافي الآني في السياسات العربية لا يمكن أن يخلق مسرحا حقيقيا، أو جمهورا يمكن أن يتواصل مع الثقافة والمسرح، في مجتمع تشكل نسبة انتشار الأمية فيه 65 مليون نسمة، أي ما يقارب 43% من مجموعة السكان”.

“…. وستكون النتائج أكثر تشاؤما إذا أضيف إلى هذا تساهل المثقف العربي مع ذاته ومع تطورات الواقع المحيط به وخيانته لمهمته ودوره التاريخي فيتحول إلى مثقف أمي متكيف، وستشكل النتائج الرعب الحقيقي للإنسان المعاصر عندما تكون الأمية بحجم 900 مليون أمي في العالم.  
ومن جانب آخر فإن الجهود الجليلة للفنان العربي المبدع لاكتشاف لغته الفنية ومسرحه الذي يمكن أن يتمايز عن مسارح الشعوب الأخرى ستمنح المسرح العربي تمايزا خاصا، بالرغم من أن الفنان يعيش منفاه الداخلي في مدينة يحتقر فيها المسرح المشاكس حداثيا وفنيا وفكريا، ولا يعتبر جزءا من طقوسها اليومية.

إذن وجود جميع هذه الاشكالات في الواقع والثقافة العربية سيساعدنا على خلق جدل العلاقة بين المسرح والمدينة”

انتهى الاقتباس من يونس الوليدي.

الهيئة العربية والتفكير الاستراتيجي.

ودعونا نقف عند قوله هذا لنرى ماذا قالت الاستراتيجية العربية للتنمية المسرحية التي أنجزتها الهيئة العربية للمسرح واعتمدها وزراء الثقافة العرب عام 2015 كما سبق وأن ذكرت في هذه الورقة، وهي استراتيجية شخصت المعيقات واقترحت سبل العلاج.

في باب معالجة المعيقات، ورد ما يلي:

  • تقريب المسرح من روح الجمهور من خلال إعادة النظر في هندسة عديد المسارح من خلال بناء مسارح جديدة تمثل فضاءات المدينة العربية.
  • بناء مسارح في المدن الصغرى والقرى النائية وقريباً من التجمعات السكنية والعمل على توظيفها يومياً بدل أن لا يتجاوز شغلها أيام المناسبات.
  • الالتفات إلى الأشكال التراثية العربية الحاملة بذور المسرح بهدف دراستها وتطويرها أو تجديد حيويتها.
  • دعوة وزارات التربية والتعليم في الوطن العربي إلى إدخال مادة المسرح في المدارس، والتركيز على البحث المسرحي في الكليات والجامعات والمعاهد.
  • إعادة النظر في مناهج معاهد وكليات المسرح في الوطن العربي بما يحقق التكامل بين الرؤى الوطنية والقومية والمستجدات التقنية والحرفية المسرحية العالمية.
  • دعوة وزارات الثقافة العربية والهيئات والمؤسسات المعنية بالشأن الثقافي في كل دولة للعمل على صياغة لوائح موحدة لتنظيم الحراك المسرحي.
  • إن وجود قوانين تحمي الإبداع والمبدعين وتصون حقوقهم هو حجر الأساس للنهوض بالحياة الثقافية والإبداع في المجتمع، وهذا يقتضي وعي أصحاب الحقوق بحقوقهم وتطبيق تلك القوانين الحمائية في بيئة تحترم الإنسان وحقوقه.
  • لا بد من توفير أجواء الحرية الفكرية والفنية والثقافية لتفعيل القوانين وسيادة احترام الإنسان لتحترم حقوقه.
  • دعوة المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم لحث الدول على التنسيق فيما بينها وتحديد المرجعية المسؤولة عن العمل المسرحي في كل دولة لتسهيل التواصل فيما بينها وبين الهيئات المسرحية الدولية.
  • العمل على استرداد الجمهور إلى المسرح العربي.
  • وضع دراسات اجتماعية لجمهور المسرح تتناول أساسًا:
    • نوع الجمهور الذي يحضر للمسرح
    • مستوى ارتياده للمسرح وتردده عليه
    • تصنيف هذا الجمهور عمراً وثقافة ووضعه الاجتماعي والمهني.

هل المسرح قادر على لعب الدور المطلوب منه الآن؟

في هذا المؤتمر نقر بأن المسرح شأن مهم في تشكيل فضاء المدينة، بل إنه مطالب بلعب دور هام في المجتمع وتنميته، لكن وبناء على ما أورده المسرحيون في الاستراتيجية عام 2011 وربطاً بما طرحه الأمين العام عام 2021، يمكننا القول إن المسرح في وضعه الحالي لن يتمكن من لعب الدور المطلوب، فما السبب؟ والجواب بجملة واحدة، لأننا لم نعده ونعززه وننشئه بالشكل السليم، بل إننا نتركه في أحيان كثيراً وحيداً، مهملاً، ونعتبره اللقمة الأسهل حين يقتضي الأمر ترشيداً.

لذلك نجد أن الحلول للمعيقات التي أثبتها المسرحيون في الاستراتيجية ملخصة في أربعة محاور:

  1. إدراج منهاج المسرح في المدارس والجامعات
  2. إعطاء الأهمية للثقافة الموروثة كمصدر والعمل على تطويرها.
  3. الاهتمام بتوفير البنى التحتية في المدن والقرى بما يلائم
  4. توفير المقومات الإدارية والقانونية التي تكفل الحقوق والحرية.

وهذا يعني أننا لم نعطِ هذا البطل (المسرح) عتاده وعدته ليتمكن من لعب دوره، فالمسرح لا يمكنه أن يقوم بالدور المطلوب منه دون أن يتم تعزيزه وتسليحه بالمقومات التي تمكنه من لعب الدور بتمامه، أي أن يشكل فضاء المدينة، وهنا يتوسع مفهوم الفضاء ليتجاوز المكان إلى الأفق الثقافي والاجتماعي التنموي للمدينة، نعم فهو يحتاج تلك المحاور/ الأقانيم ليتمكن من لعب دوره، إذن يجب علينا أن نقوم أولا (بإعداد الكيان المسرحي) ومن ثم (نطالبه بدوره)

من أين نبدأ؟

ودون السقوط في عقدة الدونية وعقدة الخواجة وعقدة أن هذه الأمة لا تبدع مسرحاً كما فندنا وأثبتنا دورها وتاريخها، نقف الآن أمام المطلوب منا اليوم وغداً.

وعليه فأي إقنيم من الأقانيم الأربعة هو الحلقة الأضعف والأولى بأن نبدأ به؟

المسرح المدرسي البداية المؤسِسَة.

في عام 2014 وبالتحديد في 11 يناير 2014، وعلى هامش انعقاد الدورة السادسة من مهرجان المسرح العربي الذي تنظمه الهيئة كل عام في بلد عربي، كانت الدورة السادسة في الشارقة، التقى الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي بحوالي 200 مسرحي عربي وقال خلال حواره (إذا أردنا تنمية حقيقية للمسرح العربي بعد عشرين عاماً فعلينا أن نبدأ اليوم من المسرح المدرسي)، ومن هذه النظرة الاستراتيجية انطلقت استراتيجية تنمية وتطوير المسرح المدرسي في الوطن العربي، وحددنا فيها بمشاركة 16 وزارة تربية وتعليم عربية مكامن القوة ومكامن التحديات في كل بلد من الستة عشرة المشاركة.

وقد أجابت الاستراتيجية على خلاصة مكامن القوة ومكامن الضعف بخطوط عمل تلخصت بالتالي:

 

الجوانب الإدارية والتنظيمية:

  • تطوير الأوضاع القانونية والإدارية والتشكيل الرسمي المؤسسي للمسرح المدرسي وإعادة النظر في الهيكلة الإدارية بالوزارات والمديريات والمدارس الحكومية.
  • إدراج مساق التربية المسرحية في مؤسسات التعليم العالي والكليات الفنية.
  • تهيئة فضاءات للمسرح المدرسي.

في الجوانب النظرية والمنهجية:

  • العمل على توفير دليل للنشاط المسرحي لكل المراحل، تتمكن الدول المختلفة من وضع منهاج خاص على أساسه، ويوسع مساحة عمل المسرح خارج إطار المناسبات، وإطلاقه ليكون مساحة للتفكير والإبداع والتجديد.
  • تخصيص مساحة زمنية للنشاط المسرحي في الجدول المدرسي.
  • إدراج المسرح كمادة علمية وعملية في المنهاج.

في البعد الاجتماعي والوطني:

  • تعزيز دور المسرح المدرسي في التنمية الوطنية.
  • احتفاء المدارس والطلبة باليوم العربي للمسرح 10 كانون ثاني / يناير من كل عام، اليوم العالمي للمسرح 27 آذار / مارس من كل عام وإدراج هاتين المناسبتين على التقويم المدرسي.
  • الاحتفال باليوم العربي للمسرح المدرسي في 5 آيار / مايو من كل عام، ليكون نقطة انطلاق للمسرح على امتداد العام الدراسي.
  • توسيع قاعدة الاهتمام بالفنون في الحياة المدرسية.
  • تأصيل الوعي المجتمعي بأهمية المسرح المدرسي.
  • إبراز النماذج الإيجابية التي تشكل دافعاً لتشجيع الطلبة على دراسة الفنون.
  • تحسين وتمييز أوضاع المعلم المعني بالمسرح المدرسي مادياً ومعنوياً.
  • دعم وتحفيز اللقاءات والمهرجانات المحلية والإقليمية والعربية.

تأهيل القوى البشرية (معلمين ومعلمات) هو البداية والحلقة الأهم.

 أردنا أن ننطلق بالعمل كان السؤال، وسألنا ما الأجدر أن نبدأ به؟ البنى التحية؟ تأهيل المعلمين؟ وضع المناهج المسرحية المدرسية؟

فكانت الإجابة كالتالي: إن بنيت قاعة مسرح في المدرسة وليس فيها مختص بالمسرح ولا تعي إدارتها أهمية النشاط المسرحي، ولا توجد للمسرح مساحة زمنية مخصصة في حياة الطالب، فسيتحول المسرح إلى مستودع أو إلى منبر للخطابة في أحسن الأحوال.

لكن إن تواجد المختص بالمسرح في المدرسة وخصصت المساحة الزمنية للمسرح، فيمكن أن يكون العرض المسرحي في الصف أو الساحة، اي يستطيع الإنسان المختص المدرب المؤهل أن يجعل من أي ركن في المدرسة فضاءً مسرحيا.

وقياساً على ذلك فبأي حلقة نبدأ على صعيد كل دولة، وعلى الصعيد القومي؟ ما الذي يمكن أن يجعل المسرح مكوناً فاعلاً في تشكيل فضاء المدينة؟

الحلقة الأولى: الثقافة المسرحية والمسرح المدرسي.[15]

إشاعة الثقافة المسرحية، أي نشرها وتعميمها، وهذا يمكن أن نجد له قنوات عديدة، إلا أن أهمها على الإطلاق هو المسرح المدرسي، لأنه لا يخص المتعلم والمعلم فقط، بل يؤثر على العائلة بكاملها، فمثلما تحترم العائلة تعلم ابنائها للرياضيات والرياضة البدنية والعلوم الدينية والرياضيات واللغات والتاريخ والجغرافية كمواد تغني شخصية المتعلم، الذي لن يكون بالضرورة عالم رياضيات لأنه درس الحساب، ولن يكون رجل دين لأنه درس الدين، ولن يكون رائد فضاء لأنه عرف الكواكب ومداراتها.. إلخ وكذلك ليس بالضرورة أن يكون ممثلاً لأنه درس المسرح.

علينا أن نضع المسرح في حياة (المتعلم وعائلته) نشاطاً من خلال الأندية ومنهاجاً كباقي المناهج، حينها يصبح المسرح عِلماً يُحترم، فنًا يُفهم، نضمن جمهوراً مثقفاً يميز الطيب من الخبيث، وكما أن المتفوق في الهندسة يتجه للتخصص المهني في الهندسة وليس كل طالب درس الهندسة يصبح مهندساً، فالمتفوق الموهوب في المسرح هو الذي يتجه للمسرح.

المسرح سوق عمل وعلاج.

إن هذا الأمر وبكل بساطة يساهم في زيادة فرص العمل أمام الخريجين، فالمدارس ستطلب خريجي المسرح وهذا قطاع وظيفي مهم، وبالتالي ستهتم الجامعات بفتح كليات للفنون المسرحية، وهذه تتطلب اختصاصات عليا في المسرح، إنها خارطة كاملة من النهوض. لذا وضعت الأمر في صدر الحلقة الأولى التي ينبغي العمل عليها.

ولا داعي لجهد كبير كي نؤكد أن الثقافة المسرحية تصبح مادة مستساغة وملائمة في كل وسائل الإعلام التي أصبحت محكومة بالاستثمار، فلو لاحظنا أنها قليلاً ما تهتم بالمسرح حالياً، لكن عندما ينتشر كثقافة عامة سينمو الاهتمام به.

ولنتخيل كم من المعاهد والمؤسسات الخاصة التي ستنشأ بالموازاة لتتلقف الأطفال الموهوبين.

وحيث أن المسرح يساهم في بناء الشخصية وسويتها، فإنه يساهم في توسيع الاطلاع على آداب وفنون وابتكارات العالم من حوله، وينجز تربوياً الإيمان بالحوار وديمقراطيته، وهذه أمور تحصنه ضد الانعزال والاستعداء والتمييز والعنصرية والطائفية، المسرح علاج وشفاء لكل داء.

الحلقة الثانية الأنظمة والقوانين من قبل ومن بعد.

وقد نظن وبعض الظن (ضرورة) أن هذه الحلقة تتبعها حلقات، وفي الحقيقة لا تتبعها بل تسبقها بخطوة ثم تمشي معها جنبًا إلى جنب الحلقة التي نسميها مجازًا الثانية وهي: توفير المقومات الإدارية والقانونية التي تكفل الحقوق والحرية، أي أننا يجب أن نشكل الإدارات المعنية (مديريات وأقسامًا) في الوزارات والمؤسسات المعنية، والتي يتم الاعتماد عليها في وضع القوانين والأنظمة التي تلزم لحفظ الحقوق الفردية والمؤسسية، تلك القوانين والأنظمة واللوائح التي تضع النشاط والمنهاج وتوفير المختصين من المعلمين موضع التنفيذ.

كما تضمن باليد الأخرى المناخ الصحي والبيئة الآمنة لتشكيل المؤسسات والشركات والفرق المسرحية الأهلية، باعتبار المسرح مهنة وليس ترفاً، ومن نافل القول إن غياب هذه القوانين جعل المسرحيين خلال الجائحة بلا غطاء يسترهم في معظم الدول العربية، إلا من رحم ربي، وتخيلوا أن بعض الدول نظرت بعين العطف لتوقف عمال المياومة عن العمل وصرفت لهم المساعدات وهذا حق لهم، ولم تنظر في حال المسرحيين.

وهكذا نجد أن هذه الحلقة تبدأ قبل وتسير جنبًا إلى جنب مع الحلقة الأولى، فالحلقة الأولى على أهميتها لا يمكن أن تتحقق دون توفر الثانية، والثانية تحتاج إلى الإرادة السياسية، القرار، والقرار يحتاج المسؤول الذي يعي خطورة الوضع وأهمية المسرح، لذا فنحن بحاجة إلى إشاعة ثقافة المسرح على كل المستويات (الراعي والرعية).

الحلقة الثالثة، الإمكانات اللوجستية والبنى التحتية.

هي الثالثة مجازًا، نعود للمجاز في كل مرة، لأن هكذا مشاريع استراتيجية تحتاج إلى ضفيرة من كل شيء في الوقت نفسه.

الاهتمام بتوفير البنى التحتية والإمكانات اللوجستية، وهذا أمر – كما وضحته الاستراتيجية – يضمن تفعيل وتنوع المنتوج المسرحي، المنتوج التنمويِ التأثير، ويسهل عملية التطوير داخل العملية ذاتها، فبناء المسارح لا يقل أهمية عن بناء الحضانات  والمدارس ودور الشباب، وتعلمون كيف أن هذه المؤسسات قد أفرغت في وقت ما من الفنون، حين كان تيار ديني محدد قد بسط نفوذه فيها، وبحجة الاهتمام بالمواد العلمية، أفرغها من الفنون، فحل في الفراغ الذي تركته الفنون تيار متشدد متعصب ديني، أفرز لنا قطعاناً من المتطرفين الذين أضروا بمجتمعاتنا وديننا أكثر بكثير مما أضروا أعداءنا، بل إن بعضهم اعتبرنا اعداءً لأننا ضللنا سواء السبيل، فقتلوا ملايين من أبناء شعوبنا فيما لم يوجهوا بندقيتهم نحو العدو الحقيقي للأمة.

ولا بد من الالتفات هنا إلى أربع نقاط في باب تجهيز الفضاءات المسرحية في المدن الكبيرة والصغيرة، المركزية والنائية على حد سواء، وهذه النقاط هي:

  • إنشاء الفضاء ات المسرحية بصفة الفضاء مكان للتأهيل والتدريب، مكان للتدرب والتمرين، مكان للاستعداد، مكان لبناء العلاقات بين الهواة أو المسرحيين فيما بينهم، وبينهم وبين المجتمع المحيط بهم، أن يكون هذا الفضاء أشبه بنادٍ إبداعي مستمر التفاعل والفعاليات.
  • الفضاء المسرحي يحتوي مكان عرض، وبالضرورة هو مكان يشبه محيطه وينتمي لثقافته، فما زالت الباحات والساحات والخيم والسرادقات هي أماكن الاحتفال والفرجة في مجتمعاتنا، فنعمل عليها، لأنها ستساعد على ولادة عروض أداء مسرحي وفني تشبهنا.
  • ما تقدم لا يعني نفي ضرورة وجود مسارح العلبة الإيطالية، ولا ينفي أهمية إنشاء المدرجات المفتوحة، لكن بالضرورة أن تكون هذه المسارح مصممة بشكل يراعي متطلبات الخيال المسرحي، فكثير من المسارح والتي بنيت في العقود الثلاثة الأخيرة تعاني من أخطاء معمارية فادحة في فهم معمار الخشبة وضرورة الفراغات التحية والفوقية والجانبية ومهماتها التقنية. وكثير منها يعاني من أخطاء في زوايا نظر المشاهد، فمن المعيب أن يجلس شخص واحد في أي مقعد من مقاعد المتفرجين ولا يشاهد كل شبر من خشبة المسرح.
  • الحرص على جعل هذه الفضاءات بيئات جاذبة وليست بيئات طاردة أو بيئات محتكرة من فئة دون كل الناس، المسرح فن شعبي بمعنى فن لكل الناس.

تشجيع المبادرات المهنية الخاصة.

ولا بد لنا وبالاعتماد على الحلقتين السابقتين أن نشجع المبادرات الخاصة للمسرحيين لتسويق منتجهم، بل ويمكن بالتدريج أن نصل وقريبًا إلى أن تلعب المؤسسات الرسمية دور الراعي، فيما يلعب القطاع الأهلي دور المنتج والمسوق والمطور، ولنا في صنوف المهن المختلفة أسوة، في الهندسة والطب والعيادات النفسية، ومكاتب الاستشارة والتسويق والرياضة، وللمسرح تحديدا أسوة فنية في الموسيقى والسينما.

أي علينا أن نوفر المناخ الصحي للتسويق، لأننا في نفس الوقت الذي نعد فيه المنتج، نعد فيه المستهلك، ونعد فيه مؤسسات تعمل على حماية المنتج وحماية المستهلك، فالتسمم الغذائي يمكن أن يتم بغسيل المعدة، أما التسمم الفكري والجمالي فكلفته أكبر بكثير.

أعلم علم اليقين أن هناك دولا ًعربية مثل المغرب تشتري العروض المحلية وتدعم سفرها في جولات خارجية حيث تتواجد الجالية المغربية، وهي بذلك تكشف وعياً مهماً في دور المسرح لتعزيز الانتماء والهوية.

وهكذا فعندما تلعب المؤسسة الرسمية دور الشراء من الإنتاج الجيد، فإنها تصيب أربعة عصافير بحجر واحد، الأول تشجع المنتج على العمل، الثاني ترفع من أسهم المنتوج الجيد، الثالث تساهم في تنمية ذوق وثقافة أفراد المجتمع، والرابعة أن المؤسسة الرسمية تضمن لنفسها موقعًا ديمقراطياً يحترمه الجميع.

كما يمكن أن تلعب السلطات الرسمية دور المحفز من خلال الإعفاء الضريبي للمنتوج المسرحي، لا أن تضع عليه الضرائب المضاعفة فتنهكه وهو ما زال محدود الدخل.

الحرية، الحرية، الحرية المسؤولة.

كل ذلك يحتاج إطارًا جامعاً لكل هذه الحلقات، الحرية، حرية التعبير، الحرية المسؤولة، المسؤولية الوطنية الثقافية، فتشدد المؤسسات الرسمية غالبًا ما يؤدي إلى إفساد المنتج للفن، فهو إما أن يصير بوقًا للسلطة وهذا فساد فكري لا يستره المستوى الفني مهما علا شأنه، وإما أن يصير أداة بيد التمويل الخارجي، وهذا فساد يصل إلى مرحلة الخيانة أحيانًا، لأنه يصير أسير الأفكار والتوجهات التي تفرضها الجهات المانحة، ولنا في سوق “المثلية الجنسية” مثال ساطع هذه الأيام، وإما أن يصبح معارضاً معارضة مجانية تضر بالمجتمع والسلطة معًا، وقلة ممن رحم ربي يمكن أن يعوا معنى التناقض وعدم تحويله إلى صراع.

البلديات صمام أمان والقادرة على تحقيق وضمان التنمية الاجتماعية الشاملة.

حيث أن البلديات هي جزء من سلطة الشعب وقوته، فيجب أن تكون لاعباً رئيسياً، وأعلم جيداً أن بعض البلديات تبذل جهوداً كبيرة في إقامة مهرجانات دولية فنية، أهدافها الرئيسة ترويجية سياحية واقتصادية، وهي مهمة ولكنها لا تصب فيما نذهب إليه عنا، كما أعلم أن بعض البلديات تدير مراكز للطفولة ولليافعين، ولكني اسأل كم من البلديات والمدن ليس لها أي نشاط أو فعالية ثقافية وليس مسرحية فقط؟

إن دور البلديات هو دور مدني مديني، فكما تكنس الشوارع لتكون نظيفة لائقة بالبشر، فإنها يجب أن تكنس التخلف بالثقافة والقبح بالجمال وليس هناك فعل يجمع كل ذلك مثل المسرح.

فتعالوا إلى مقترحات لهذه البلديات، لنرتقي بها ومعها:

  • أن تشكل كل بلدية لجنة محلية للفنون تضم فيها الفاعلين والجهات المعنية بالفن في المدينة، وأن تعين في كادرها الوظيفي من أهل الاختصاص من يكون منسقاً للفعل الثقافي في المدينة.
  • أن يتم تشكيل لجنة وطنية تضم منسقي الفنون من كل البلديات.
  • أن تتبنى البلديات الكبرى تكوين فرق مسرحية لها ريبرتوار على مدار العام، ولنا في فرقة بلدية تونس أسوة حسنة.
  • أن تخصص كل بلدية مهما صغرت من ميزانيتها مبلغاً لشراء عرض مسرحي محلي كل شهرين ولن أقول كل شهر، فكم من فرص العرض والتسويق ستصبح أمام المسرحيين؟ وكم سيكون مفرحاً أن يقوم المسرحي بالتسويق وأن تشتري البلدية العرض وفق جودته.
  • وأخيراً تعالوا لفكرة قديمة علينا ألا تغادرها، فلس الثقافة، وكم سيكون فاعلاً ومهماً أن يكون هناك فلس/ مليم للثقافة في كل معاملات البلديات، وسيكون المواطن ممتناً لأنه سيلحظ المسرح وتطوره بهذا الدعم الذي لن يؤثر على جيبه.

مشروع العاصمة العربية للمسرح، ومدينة المسرح

سيظل المسرح مشرداً ما لم تكن المدينة حاضنته، وما لم تدافع المدينة عن أن المسرح هو ابن المدينة، وكما أننا نحتفي في كل عام بعاصمة للثقافة العربية، وفي هذا العام نحن في ظلال إربد (مدينة الشاعر العظيم عرار، والمفكر العبقري عبد الحليم عباس) عاصمة للثقافة العربية، وميا دي إيبا[16] (مأدبا) مدينة للثقافة الأردنية، فلم لا نعمل معاً على إيجاد السبل بتسمية (عاصمة عربية للمسرح) في كل عام، لتساهم في البرامج التفعيلية للمسرح محلياً وعربياً على مدار عام، ولم لا تكون هناك (مدينة للمسرح في كل دولة كل عام) وأعلم أن هذه تطبق في دولة واحدة ولا أدري إن ما زالت مستمرة، وأظنكم تتفقون معي أن هذا أمر مهم وفعال، وعلى عكس ما يتم في بعض تجارب العواصم الثقافية ومدن الثقافة، إذ تشهد الكثير من الهدر على شكليات أو فعاليات ينتهي أثرها بانتهائها، ففي المسرح لا بهرج ولا زوائد على الفعل المسرحي، وإننا في الهيئة العربية للمسرح نعتبر هذه المناسبة حيوية لنطرح مثل هذه التوصية لترى النور على أيديكم سدنة المدن العربية.

الاحتفال باليوم العربي للمسرح.

دعوة البلديات للاحتفال باليوم العربي للمسرح 10 يناير من كل عام، حيث سيشكل هذا الفعل إشارة قوية للفنان والمجتمع في آنِ معاً، علماً بأن هذا اليوم معتمد من وزارات الثقافة العرب، وتحتفل به عديد المؤسسات العربية والوزارات من خلال برامج لعروض وندوات وتكريمات.

علما أن الهيئة العربية للمسرح تكلف قامة مسرحية كبيرة لكتابة وإلقاء رسالة اليوم العربي للمسرح، وهو تقليد رسخه المسرحيون العرب حول العالم، إن احتفال البلديات ومجالس المدن بهذه المناسبة سيكون إضافة نوعية لدور البلديات.

زوال الرقابة أمر مهم.

ليس المطلوب الآن الإجابة على سؤالي التالي: هل ما زال من المعقول وجود رقابة على النص وإجازته قبل إنتاجه؟ هناك تجارب عربية مهمة في التخلص من الرقابة، وقد تحمل مسرحيوها مسؤوليتهم أمام هذا المنجز.. ولكن ما زال هناك من يعاني من الرقابة وسلطتها القمعية، والمضحك المبكي أن هذه الرقابات لم تكن يوماً لمنع الرديء الهابط الخالي الدسم، بل كانت سيفاً مسلطاً على الجديد والمجدد والمحدث.

المسرح بطلنا القوي إذا أعددناه، أعددنا جيلًا طيب الأعراق.

إذا وفرنا جميع هذه الحلقات والأطر، فسنكون أمام مخلوق مسرحي (معدٍ جيدًا، قوي، عفي، محصن بالعلم والمعرفة والانتماء، منتج ومساهم في التنمية، وإننا لعمري سنكون أمام تغيير قادم ومتراس مهم لحماية مجتمعاتنا، وإننا لمقبلون على صعود منارات معرفية وجمالية وحجيج لجمهور نحو الثقافة، حينها، وحينها فقط سيكون للمسرح دور في تشكيل فضاء المدينة والقرية والبوادي والأرياف.. بل وسيكون الفاعل الأساس، وسيتحول من عالة على كتف السلطة إلى مصدر دخل وطني، وسيكون عاملاً قومياً وحدوياً إذا ما تمكنا من مسارات عربية لتبادل تسويق المسرح العربي.

شارة الشارقة.

أنا قادم من الشارقة، التي حباها الله بعاشق مسرحي هو صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، وهو الذي أسس الهيئة العربية للمسرح التي أمثلها، وهو الذي جعل في الشارقة وحدها ما لا يقل عن عشرة فضاءات مسرح مجهزة، ناهيك عن القاعات الخاصة بمؤسسات الطفولة والناشئة والجامعات، والمسرح فيها متاح كنشاط ومنهج من الطفولة المبكرة حتى مرحلة الشباب والجامعة، وهو الذي تكفل بتكاليف وضع منهاج المدرسة الإماراتية، وهو الذي يقيم مهرجانا دوليا للقراءة خاصة بالطفل، أي أنني أعيش الفرق بين هذه المدينة ومدن (تدوخ) قبل أن تجد فيها مسرحاً متاحاً أمامك؟

التوصيات والتعاون

هذه مسارات الحلول التي أوردتها وهي كما أشرت مستلة من استراتيجيتين معتمدتين من وزراء الثقافة ووزراء التربية العرب، أي أن لها صبغة قانونية للتفاعل معها.

ونجد في الاستراتيجية العربية للتنمية المسرحية “مشروع تحصين المجتمع بالمسرح” في المدينة الفاضلة.

خلصت الاستراتيجية إلى أهمية أقانيم نهضة المسرح في المدينة العربية وما يعانيه من غيابها:

  • العزلة عن التأثير الاجتماعي الجذري.
  • عزلته أسبابها ذاتية وموضوعية.
  • يعمل رغم كل ذلك من أجل ترسيخ المسرح.

إذاً المسرح يعيش حالة اليوتوبيا دون أن ندفعه نحن لذلك، و لا بد من السعي إلى إيجاد المدينة الفاضلة المسرحية و التي تتكون من:

  1. الإنسان
  2. المكان/ البنى.
  3. النظام الاجتماعي.

النظام الاجتماعي

لكي يكون هذا النظام الاجتماعي قادراً على خلق واحتضان مقومات المسرح لا بد أن تتوفر له:

  • تشريعات ضامنة لقيام الفعل المسرحي وحريته.
  • آليات انتاج ودعم للعمل المسرحي.
  • توفير المناخات الحيوية للتفاعل الاجتماعي الثقافي انطلاقاً من مفهوم: المجتمع هو الحاضنة الآمنة والحيوية لفنون المسرح.
  • توفير البنى التحتية.
  • توفير التدريب والتأهيل.

التشريعات:

  • القوانين والأنظمة المنظمة للمهنة.
  • القوانين والأنظمة الضامنة لحرية التفكير والتعبير.
  • القوانين والأنظمة التي تشجع الاستثمار المسرحي.
  • القوانين والأنظمة التي تنظم التعليم والتأهيل.

آليات الإنتاج

  • إيجاد السبل لدعم النتاج المسرحي النظري والعملي.
  • وضع لوائح المساهمة في التسويق والترويج
  • إعفاء المسرحي من الضرائب والجمارك.

المناخات الحيوية الاجتماعية الثقافية

  • تشجيع قيام الجمعيات المهتمة بالمسرح ومشتغليه.
  • تشجيع قيام الجمعيات المعنية بالتثقيف الفني الجماهيري.
  • إقامة المهرجانات والمسابقات المحلية على المستويات كافة.
  • توسيع مساحة الإعلام والنشر للمسرح المحلي.

البنى التحتية

  • توفير أماكن وفضاءات العرض في كل المدن.
  • توفير فضاءات عروض مسرحية في المدارس كافة بكل مراحلها.
  • تسهيل امتلاك المؤسسات المسرحية الخاصة أماكن عروض خاصة بها.

الغد يبدأ الآن.

لقد اقترحنا تبني هذه التوصيات وما سبقها في هذه الورقة، لأن مؤتمركم هذا هو بمثابة القلب بالنسبة لأجساد أوطاننا، فأنتم القادرون على ضخ الجديد ومنحه مدنيته ومدينيته اللتين نسعى إليهما، والمسرح كما وصف على مرّ التاريخ قلب المدينة النابض.

   وإنني أنقل لكم ما حملني الأستاذ اسماعيل عبد الله أمين عام الهيئة العربية للمسرح بأن أعلن هنا بينكم أن الهيئة منفتحة ومستعدة للتعاون والشراكات المثمرة، لوضع هذه التوصيات موضع التنفيذ، بالشراكة مع ألكسو (شريكنا الأساسي) فإن الشراكة معكم تعني لنا الكثير، معها ومعكم نمضي إلى الأمام فالغد يبدأ الآن.

عشتم وعاش المسرح.

                                                                                

[1]  سيرة المسرح. أعمال وأعلام. الجزء الأول. العصور القديمة. روجيه عساف. دار الآداب. الطبعة الأولى. 2009.

[2] كتاب تاريخ سوريا الحضاري القديم. المجلد 2. الدكتور أحمد داوود. دار نينورتا للنشر والتوزيع. الطبعة الثانية 2011.

[3]  اليونان مقدمة في التاريخ الحضاري. لطفي عبد الوهاب يحيى. دار المعرفة الجامعية. 2008

[4]  أوفيد، حوفيد، الحافظ للحكايات، القوال الحكواتي. (باللغة الآرامية) / عشتار وأدونيس.

[5] كانت هنا تخاطب إيل الإله الأكبر المختفي في السماء، إيل أبوها وأبُ بعل وأبُ موت الذي رمزه الخنزير (كالي أدوني) قاتل السيد

[6] يعتبر هذا أمرًا إلهيًا من عشتار (عانات) بمحاكاة تمثيلية للحدث.

[7]  الزهرة الربيعية المعروفة بشقائق النعمان أو الدحنون.

[8]  تاريخ سوريا الحضاري القديم. المجلد 2، د. أحمد داوود، دتر نينورتا.. 2011 الطبعة الثانية.

[9]  بتصرف عن كتاب تاريخ سوريا الحضاري القديم، مجلد 3. د. أحمد داوود. دار نينورتا 2011. الطبعة الثانية.

[10]  تاريخ سوريا الحضاري القديم. المركز. المجلد الأول. دار نينورتا . الطبعة الرابعة 2011.

[11]  Decimus Junius Juvenalis شاعر وماني عاش في أواخر القرن الأول والقرن الثاني.

[12]   أباطــرة سوريــون حكمــوا رومــا
تربع على عرش روما خمسة أباطرة من أصل سوري لمدة /56/ عاماً (193-249) ميلادية، وبلغ هذا التأثير أشده بنقل حجر معبد إله الشمس إلى روما، فانتشرت عبادته ودخلت الآلهة السورية في طقوس العبادة الرومانية، هذا وقد اكتشفت في روما على منحدر جانيكولا آثار ثلاثة أبنية متراكبة، وعثر على كتابات تدشينية باسم الآلهة السورية: حدد، وحدد اكروريتس، وجوبيتير “مالكيبروديس” (ملك يبرود)، وقد عمل هؤلاء الأباطرة على إبراز أهمية سوريا ومكانتها ونشير إلى أن حملة الاضطهادات ضد المسيحيين قد خفت وطأتها أو توقفت في عهدهم.

1-الإمبراطور سبتيموس سيفيروس (193-211) ميلادية:

من أصل فينيقي-إفريقي –من طرابلس ليبيا، أو من أفاميا (قلعة المضيق)، تزوج من جوليا دومنة الحمصية لجمالها وثقافتها (158-217)، وهي ابنة كهنة معبد إله الشمس بحمص، وأخت بابينيان نابغة فن الحقوق، وقد أصبحت سيدة روما تدير شؤون الحكم، وملتقى نخبة من المثقفين الرومانيين في قصرها.

2-الامبرطور كراكلا (211-217) ميلادية:

وهو ابن الامبراطور سبتيموس سيفيروس وجولييت دومنة، استلم الحكم وهو شاب يافع، قتل في الرها بسوريا الشرقية.

3-الامبراطور ايلاغابالوس-إله الجبل (218-222) ميلادية:

والده من أفاميا (قلعة المضيق)، كان كاهناً في معبد إله الشمس بحمص، انتقلت جدته جوليت مايسة مع شقيقتها جولييت دومنة من سوريا إلى روما، وتمكنت من إقامة حفيدها على العرش، فاغتيل في روما، وكان يجلب العنب والخمور من سوريا، وحاول إنشاء ديانة توفق بين مختلف العقائد حتى تشمل المسيحية.

4-الامبراطور ألكسندروس سيفيروس (222-236) ميلادية:

خلف ابن خالته، كان والده من بلدة عرقة-عكار بشمال لبنان، اظهر عطفاً وميلاً إلى التسامح مع المسيحيين، وكان لديه عدد كبير منهم في بلاطه، كما أن أمه جولييت ماماية، ولو أنها لم تتنصر، فق كانت شديدة الاهتمام بالمسيحية، وقد اتصلت بمعلم الإسكندرية أوريجانس ليطلعها على أمور ديانة النصارى، هذا وقد ورد في سيرة ألكسندروس إشارة هامة إلى صورة السيد المسيح: “يؤدي الإمبراطور ألكسندروس سيفيروس كل يوم فروضه الدينية في مصلاه حيث توجد صور عظماء الاباطرة المؤلهين، وصور نخبة من الرجال المعروفين بمآثرهم الجليلة…، وصور السيد المسيح وابراهيم الخليل..”.

5-الامبراطور فيليبس الحوراني (244-249) ميلادية:

أصله من مدينة شهبا بحوران، كان قائداً في حرب الرومان ضد الفرس، أشركه الإمبراطور غورديانوس الروماني الفتي في الحكم (234) إرضاءً لجنود الشرق، ولما اغتيل غورديانوس اعلن فيليبس إمبراطوراً، فخفف الضرائب ونهج نهج الإمبراطور المثالي متمسكاً بالفضائل الرواقية، وعُرف بتأييده للمسيحية وعطف على النصارى ووظفهم ولم ينفذ في حقهم القوانين السارة والقاضية بملاحقتهم واضطهادهم وتعذيبهم وقتلهم، وجعل من بعض أساقفة أفريقيا الشمالية ولاة إمبراطوريين، ولا ننكر انه انتحل النصرانية في حداثته، إلا انه لم يتظاهر بها عملاً بالتقية الشائعة في أوساط النصارى في ذلك العهد، وتميز حكمه بالراحة والعمران ونالت النصرانية بهمته سلاماً مؤقتاً، ووقف منها موقف عطف مثل سلفه الإمبراطور ألكسندروس سيفيروس، وقيل انه كان أول قياصرة روما المتنصرين، وسبق الملك قسطنطين الكبير في تنصره، واهتم بتعمير مدينة شهبا-حوران فأقام فيها إنشاءات معمارية، وجهزها بكل المرافق والخدمات المدنية.

[13] المسرح العربي من الاستعارة إلى التقليد. أحمد شرجي، دار ومكتبة عدنان. 2016 بغداد.

[14]  عن سلسلة دراسات ثقافية، منشورات المجلس الوطني للثقافة والفنون في قطر.

[15] توصية باعتماد دليل النشاط المسرحي ومنهاج المسرح الذي وضعته الهيئة العربية للمسرح

[16]  شتق اسم مادبا من لفظة آرامية (سريانية، وهي مركبة من كلمتين ميا دي إبيا، بالكلمة الأولى تعني المياه والثانية (إيبا) تعني الفاكهة وحرف الدال هو أداة الإضافة (التعريف) فيكون معناهما: مياه الفاكهة وقد بقي اسم مادبا كما هو الدال في المصادر القديمة دون تحريف حتى التاريخ الإسلامي في العصر الوسيط.

 

Please wait while flipbook is loading. For more related info, FAQs and issues please refer to DearFlip WordPress Flipbook Plugin Help documentation.

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح