مهرجان المسرح العربي: مسرحية “أمل” إخراج جواد الاسدي: “هل تصلح أوطاننا لإنجاب طفل وحلم”؟ المغرب: الدار البيضاء:مفيدة خليل

تصلح أوطاننا لإنجاب طفل اليوم؟ هل يتحمّل الطفل ولادته في أوطان تعيش الصراع الاقتصادي والحروب الفكرية ومعها انتشار ظاهرة الإدمان التي تقصف الحلم قبل تشكّله؟ اي وجع سيسببه الوالدين لو قرّرا الإنجاب وإضافة طفل آخر الى عالم مسكون بالنزاعات والصراعات؟ هي الاسئلة المحورية التي بنيت عليها مسرحية “امل” إخراج جواد الاسدي.

“امل” من تمثيل رضاب احمد وحيدر جمعة وسينوغرافيا علي محمود السوداني والمسرحية تعرّي الصراعات الدموية والحروب الجديدة “الادمان” في العراق والاوطان العربية، وتطرح السؤال عن ثنائيتي الحياة والموت.

حبكة سينوغرافية تتماهى مع خراب الخارج

تتناثر الكتب على الارض، ديكور الفضاء يحيل الى منزل، المكتبة نصف ساقطة تكاد تهوي، جميع كتبها على الارض، الماء يقطر من كل مكان، صوته يعتب المتلقي تماما كما الشخصية في المسرحية، منذ البداية يحمل الاسدي جمهوره الى سقوط المثقف وقدرته على التغيير في الساحة العراقية والعالم العربي الحديث، فلم يعد للكتاب قيمة، ولا للمثقف حظوة وسلطة ليقول رأيه وان قاله فأما يكون بين يدي الميليشيات او الزنازين وربما مصحة المجانين.

الإضاءة تنقسم الى ثلاثة اجزاء، في أقصى الركح اضاءة صفراء خانقة كأنها إحالة إلى صفرة الجدران المغلقة منذ سنين على أصحابها، الجزء الأوسط تصبح زرقاء اقل حدّة لون سيتماهى مع بوح الشخصيات ورغبة إحداها في الخروج من تلك العتمة، والنصف الأمامي للركح إضاءته واضحة تكشف للمتلقي ما يحدث في ذاك الفضاء المغلق وتجبره على الولوج الى عوالم الشخصيات ومشاركتها الوجع.

هما اثنان، رجل وامراة، زوجان يتصارعان طيلة الوقت، “اصمتي امل اكره ثرثرتك، اريد النوم حبيبتي” الجملة الأكثر تكرارا في العمل، طيلة ساعة والشخصيتين تتحاوران وتتصارعان وعبرها يدخل المتفرج إلى القصة ويعرف بعض ملامح الوجع العراقي الذي ينقله الممثلين على الركح بالكثير من “الصراخ” المتماهي مع أصوات الخوف الساكنة في الإنسان العراقي منذ سنين بسبب القصف، الدم واخيرا انتشار الإدمان.

“امل” (رضاب احمد) اسم الشخصية، امراة عراقية هربت من الكثير من المجازر، نجت من الموت اكثر من مرة لكنها شهدت ذبح اخيها وتهجير عائلتها، “امل” تهرب الى زوجها، تعيش معه الكثير من الخوف، تصارع زوجها عبر المنطوق لتقنعه بضرورة الإجهاض “هذا الكون الفاسد لا يصلح لانجاب طفل، الى ايّ مقصلة تريدني ان انجب طفلي، باي شكل سأزف ابني الى القبرة، الى اي مذبحة تريدني ان انجب ابني؟” فسوداوية الخارج واصوات القصف والحرب والدمار السبب الاول لتجهض “امل” نطفة الحب تلك.

اما زوجها فاسمه “باسم” (حيدر جمعة)، اسم لا تنطبق صفاته على حامله، فطيلة الساعة لم يبتسم، شخصية كئيبة ومنهكة، سكنتها الحرب والدم حتى تحول الى مومياء لا تعرف النوم وتعيش فقط مع الخوف، الحالات النفسية والانفعالات المرضية للشخصية تتماهى تماما مع سينوغرافيا العرض، فكل الدمار الموجود على الركح وصوت قطرات الماء العنيفة والمربكة هي صورة لدواخل “باسم”، مثقف كره الحرب والخوف “كفرت بالفن والثورات والديمقراطية،والميليشيات” لكنه يرفض فكرة الاجهاض.

صراع بين زوجين، يبدو في البداية انه خلاف عادي بين رجل وامراة بخصوص موضوع “الانجاب” الذي يعنيهما فقط، لكن مع سيرورة الأحداث يكتشف المتلقي انّ الخلاف ليس ثنائي شخصي بل هو صراع يعيشه المجتمع العراقي، صراع بين الحياة والموت، صراع لاجل البقاء على قيد الحياة وسط الفوضى واثار الحروب وانتشار ظاهرة جديدة في الشوارع هي “الادمان” وهو سلاح اخر تستعمله الميليشيا للقضاء على الشباب.

حين يجبر الوطن أبناءه على إجهاض احلامهم

فكرة إجهاض الطفل تحيلنا الى معنى إجهاض الأحلام في اوطاننا، الى إجهاض الافكار قبل تشكلها سلاحا منيعا للدفاع عن حقوق الانسان وحقه في اختيار مصيره ومن يحكمه باسم الديمقراطية لا الخوف والدم، فالرغبة في الاجهاض مع ميلان المكتبة رسالة مفادها تهاوي المثقف وسلطته في العراق والدول العربية، لم يعد للمثقف القدرة على الدفاع عن حياته فكيف سيدافع عن افكاره والخراب يسكن روحه وبيته وشارعه، الاجهاض لا يقتصر على إجهاض ام لجنينها، بل هو إجهاض الوطن لأحلام ابنائه “الطبيب مختفي، هناك حملات بتصفية الأطباء، رجال اشبه بالغربان يكفرونه باسم الحلال والحرام” كما تقول امل لزوجها.

حروب طائفية عبثية ، احتلال اجنبي، معارك بين أبناء الشعب الواحد، ضغوط خارجية على البلد،اتهامات بامتلاك اسلحة نووية، حرب، وحرب وحروب كثيرة نشرت طيف الخوف والموت، ثم حرب اقل دموية هي حرب الإدمان الذي يهدد احلام الاطفال والشباب، كل هذه الحروب وآثارها حوّلها جواد الاسدي رفقة السينوغراف علي محمود السوداني على الركح، فكانت “تخمة” بصرية تجبر المتفرج ليكون جزء من العمل، سيشعر بخوفهم، تنتقل اليه عدوى الالم والسؤال “هل يصلح عالمنا لانجاب طفل؟”.

“امل” مسرحية تتعب المتلقي، مشحونة بطاقة الغضب والخوف، تجدك مجبرا على الانفعال مع الشخصيات وتستشعر خوفها الدفين، الجو السوداوي للبيت كرمز للخارج مع الاضاءة المائلة الى الصفرة الخانقة، تلك الكتب المرمية بشكل فوضوي يتعب العين، جميعها تفاصيل سينوغرافية صنعت ليكون المشاهد داخل اللعبة المسرحية ويشعر انّه جزء من القصة، ربما قصته هو الاخر مع اختلاف بعض الجزئيات، مسرحية ناقدة، ساخرة، من خلال رجل وامراة تعرّف المتلقي ببوضعية الخوف التي يعيشها الانسان العراقي جراء الحروب الكثيرة.

“امل” اسم المسرحية والشخصية كذلك، اختيار الاسمين ليس اعتباطا، فهناك امل في النهاية، هناك ضوء بعيد خارج النفق  المظلم، فالمراة تخرج للبحث عن طبيب، لكنها لا تجهض والرجل يستشعر بقليل من الامان بعد حلم راوده “حلمت بابننا يكبر، شاهدته يجري، والشارع امتلئ بالمسارح ودو الاوبرا، شاهدتهم ذهبوا ليزيحوا سواد المدينة بالرقص والموسيقى” ثمّ تخرج الشخصية من فضاءئها المغلق لتتصالح مع الفضاء الخارجي، فهناك “امل” ومادام يوجد مسرح وموسيقى وصانعي جمال هناك امل في انتشار الجمال في شوارع العراق.