مسرحية “ميت مات” اخراج علي عبد النبي”المهزلة ان تموت وانت تنتظر الحياة لتعيشها” المغرب:الدار البيضاء:مفيدة خليل

“الاله” و”مولاي” و”غودو” مسميات عديدة لمفرد واحد معناه الانتظار والخواء، كم واحدا منا قضى سنوات عمره الطويلة في انتظار الغد فنسي ان يحيا ويعيش؟ كم من انسان فكر، واجهد نفسه وشارك في حروب ونزاعات لاجل الغد حتى تلاشى حاضره؟ كم الف عام مرت على البشرية والانسان يصارع طواحين الانتظار لتكون النهاية تلاشي وخواء والكثير من السنوات التائهة في زحام اللاشيء؟ كل الفراغ والانتظار يصنع منه علي عبد النبي عمله المسرحي “ميت مات”.

“ميت مات” تأليف ودراماتورج علي عبد النبي الزيدي وتمثيل محسن خزعل ومخلد جاسم وسجاد جارالله ومن انتاج مشغل دنيا للإنتاج السينمائي والمسرحي في الناصرية.

السينوغرافيا وسيلة لفك شيفرات العمل

تبعث الموسيقى هادئة، تقسم الإضاءة الخافتة الركح الى جزئين، جزء مضيء وأخر معتم قليلا، كرسيين اثنين وابواب اربع هي مكونات الديكور الموجود، لكل عنصر من عناصر السينوغرافيا دلالاته فالزيدي يستعمل الرموز قبل البوح بنصه المنطوق.

عجوزين على كرسيين، يجلسان في وضعية جامدة، كلاهما يلبس ثياب رثة، لا يستطيعان الحركة، فكلاهما يجلس على تلك المسطبة منذ الف عام واكثر، كل ينتظر شخصا “معشوقا ومحبوبا ليساعده والبشرية وينقذهم” تبدو الصورة بسيطة في البداية والحوار سهل، لكنّه يندرج في خانة السهل الممتنع، نص وجودي وبحث فلسفي مسرحي وضعه علي الزيدي على الركح، اختزل في ساعة من الزمن الاف السنين، لخص العديد من الحروب ونقل مشاعر الخواء التي يعيشها المنتظِرُ ويتناسى معها معنى الحياة.

بين الحياة والموت خيط رفيع يلتقطه علي الزيدي ويحيك منه لعبته الدرامية، فيجعل شخصياته منهكة الجسد، خائرة القوى “لا استطيع التحرك، انا جالس منذ الف عام واكثر”، يغوص الى دواخلها من خلال الإضاءة المائلة الى الصفرة، نصف الركح مضاء والآخر بنصف اضاءة في اشارة الى نسبية الحقائق دوما، ابواب اربعة كبيرة مغلقة طيلة العرض مع الإضاءة تتغير ألوانها لتكون بمثابة الجدران الصماء الفاصلة بين الانسان وحياته واحلامه، ملابس شخصياته تميل الوانها الى الترابي لون يحيل الى القدم وطول سنوات الانتظار حدّ شيخوخة الروح الكثير من الشيفرات يستعملها المخرج لجعل المتلقي واعيا حاضرا ذهنيا طيلة الساعة ليلتقط الرموز ويعيد تفكيكها وترتيبها.

“ميت مات” و اسم العمل، فهل يموت الميت؟ هل هناك موت اخر بعد الموت؟ سؤال يطرحه متلقي المسرحية، ومع تقدم احداثها يكتشف انه يشاهد العمل وهو ميت ايضا، فمن يرمي باحلامه الى عتبات الطريق ميت، ومن ينصت للحرب ميت، ومن يرمي بحكايته ومشاكله الى كائن مجهول نسميه عند الشرق “مولاي” ويسميه الغرب “غودو” فهو ميت. ميت كل بشر لا يسعى ليحقق احلامه، ميت من يرمي بأفكاره الى الاخر لتسييرها عوضا عنه. ميت من خلقه الله ليكون فاعلا وصاحب قرار لكن يتخلى عن ملكة العقل ويترك الاخرين يقودونه ويسطرون حياته، يرمونه وقودا للحروب، وسلاحا ضد الانسان بتعلة “المقدّس”.

 والمقدس ونقده فضاء اشتغال الفنان العراقي علي الزيدي في اغلب اعماله المسرحية، فنان جريء يصنع من المقدس مادة مسرحية ودرامية، ينزع عنه قدسيته ليكون مادة ابداعية تنعش قلب المتلقي وتجبره على مراجعة ذاته وطريقة افكاره انطلاقا من باب ان المسرح فنّ الوعي والنقد بامتياز.

انهضوا وتحرروا من الانتظار فهو قاتلكم

يصنع الزيدي عوالمه المسرحية العجيبة، على الركح يجمع ثقافة الشرق والغرب، في مكان واحد وبين كرسيين يفصل بينهما فقط متر واحد يجتمع “مولاي” و”غودو”، كلاهما ينتظر الاخر منذ الف سنة واكثر، كل منهما خلفه مئات بل ملايين البشر ممن ينتظرون من ينقذهم، يحملهم الانتظار لنسيان كيف يعيشون، “مولاي” و”غودو” كل منهما تمسك بعجزه وضعفه ويريد البحث عن القوة في الاخر فينتظره الى ان تشيب الروح يقول الاول “لحيتك شديدة البياض” فيجيبه الثاني “الحروب تغطيها”.

كلاهما ينتظر الاخر ولم يسعى للسؤال عمن يجلس حذوه، كلاهما ينسى حياته وافكاره ويرمي بها إلى سكة الانتظار القاتل، كل منهما لا يريد السعي او محاولة الوقوف وينتظر “المنقذ” ليعيد الروح إلى قدميه والحيوية إلى جسمه والأمل الى روحه، الانتظار القاتل يتشاركه الممثلين مع الجمهور، الممثلين يلعبون بكل هدوء، نصهم المنطوق يقال بصوت هادئ دون صراخ او عنفوان، ذاك الهدوء يسكنه الكثير من وجع الخوف والانتظار الذي تعيشه الشخصيات يستطيع الممثلين ايصاله الى جمهور مسرح محمد الزفزاف بالدار البيضاء.

لكل ممثل أدواته الدرامية وطريقته في إيصال ملامح الشخصية النفسية، جسديا يتشاركان في الهزال والسعال واستعمال الأدوية والشعر المنفوش، فقط “مولاي” بلحية بيضاء و”غودو” بلحية سوداء، ربما لرمزية اللون الأبيض لدى المشارقة، فالمشرقي ومنذ الطفولة يضع صوره للصديقين، والاله والملائكة بلحية كثة بيضاء اللون، وكانه بياض الامل الميّت فينا.

بين اللونين الابيض والاسود تكون رحلة الزيدي المسرحية، بين الهنا ركحا ونصا وممثلين، والهناك نقد للمقدس وسؤال عن تاثيرات الحروب في الانسان وتعرية لبؤس فعل انتظار المنقذ تكون التجربة الفنية لمسرحية “ميت مات”، بوح بألم الشعوب العربية التي تنتظر فرجا وتكتفي بالدعاء لتزول الكروب والحروب، غوص في مشاعر متناقضة يعيشها الانسان العربي المتأرجح بين العقل والنقل، صراع الانا مع ذاتها هي التيم الفنية لعلي الزيدي المخرج المعروف بجنونه الابداعي وجرأته في اعماله المسرحية.

“من قال انتظروني؟” كلاهما يسأل، مع هذا السؤال تضاء بعض جهات الركح، تصبح الوجوه اكثر بروزا، من قال انتظروني؟ سؤال يطرحه “مولاي” و”غودو” فهل “الاله” طلب من البشر عدم الاجتهاد واستعمال العقل والاكتفاء بالانتظار؟ هل النص الديني من شرّع لانتظار انتهاء الحروب حتى يحيا بعدها الانسان؟ هل “مولاي” أرسل من ينوبه ليخبر الناس بضرورة الاستسلام للألم، للموت التدريجي عوض العمل والسعي للحياة؟ اسئلة تطرحها الشخصيات وكانها تنقد فكرة “الاستسلام” لدى الانسان العربي.

“ميت مات” تجربة مسرحية جديدة تغوص في الذات الانسانية، تنقد فكرة الانتظار المخيف، تعري بؤس الانسان العربي وميله للتواكل عوض التفكير والعمل، مسرحية مشحونة بالغضب والدعوة الى التمرد على السائد وصناعة البديل الاجتماعي والثقافي والفكري والانساني “اريد ان استيقظ منك”، هي صرخة ضد التنويم المغناطيسي الذي يستعمله رجال الدين واصحاب السلطة لينوّموا الانسان حتى لا يفكّر ويحيا، مسرحية تشاكس الواقع العربي وتضعه على طاولة التشريح المسرحي.