أخبار عاجلة

مسرحية «سماء بيضاء» لوليد الدغسني: «طريق الحقيقة أصبح سرابا»

عاش الإنسان منذ الازل صراعات عديدة، منذ البدء هناك صراع الابيض والأسود صراع الموت والحياة صراع الامتلاء والعدم

صراع الحب والكره، صراع القوة والمال، صراع الخوف والنقمة، صراع ادم وحواء صراعات بدأت منذ اكل الثمرة المحرمة وأولى قطرات الدم الى اليوم، هذه الصراعات نقلها وليد الدغسني في مسرحية «سماء بيضاء».

مسرحية من اخراج وليد الدغسني وتمثيل الثنائي المبدع أماني بلعج ومنير العمار وتقني صوت محمد صالح المداني وتقني اضاءة «ميش» هي مسرحية تختزل الصراع الانساني، تحاكي الوجع والقوة في عمل مسرحي يتنافس في الدورة 12لمهرجان المسرح العربي على جائزة الشيخ سلطان بن محمد القاسمي وعرضت المسرحية مساء السبت في المسرح الثقافي الملكي.

السينوغرافيا والترميز لمحاكاة الصراع
ضوء أصفر خافت، تتسع درجاته قليلا، يتضح المكان، زينة الركح بسيطة، رحى تتوسط المكان في آخر الركح درجتان وكرسي يشبه عرش مملكة ما، إلى اليمين وضعت مصطبة مربعة الشكل تشبه كثيرا المعابد التي تذبح فيها القرابين عادة، يعلوها عمود كالذي يصلب فيه بعض البشر قربانا للحب أو الاله، فوقه سيف مغروس في الخشب، على الركح شخصية امرأة، تلتحف باللون الأسود لون الخراب والموت، تتسارع الموسيقى لتدق نوتات الحرب تتحدث بسرعة عن أوراق وعن لعبة القدر «أوصيك بالأوراق، هي السر هي البداية والنهاية، هي الحكاية».

تشير إلى صراع ما، صراع تعيشه البشرية، تتسارع الموسيقى لتصبح كما الفوضى التي تسكن دماغ شخص خائف، تتضح معالمها لتدق نوتات الحرب، حينها تنزع المرأة السواد عنها لتظهر ملابسها البيضاء، الضوء يميل الى البياض ليسلط عليها تجلس وتبدأ عملية تدوير الرّحي وهي تتحدث إلى شخص مجهول تطلب منه فتح الباب «لأحمل عند الأخطاء والخطايا» وتسأله «هل تخشى الموت؟.

يتغير الضوء إلى ازرق، تصبح الموسيقى أشد قوة، ينتفض جسد المرأة تتسارع حركاتها على الرّكح، بجسدها تكتب الممثلة انفعالاتها الشخصية النفسية في آخر الرّكح ضوء خفيف وشبح يظهر تدريجيا يلبس الأسود، هيكل رجل ومع ظهوره يبدأ الصراع، صراع الأسود والأبيض، صراع البقاء والموت.
هي بشر من لحم ودم، امرأة تبحث عن سر الخلود والحقيقة وهو كائن تراجيدي لا يفنى ولا يموت، هي أنثى وهو الذي أكل التفاحة المحرمةّ، هي المعشوقة الأبدية وهو العاشق المتعطش إلى الدماء، هي كائن فان وهو المهندس الطبيب الذي اكتشف كل شيء ويفتح الباب وتبدأ « لعبة الانتقام بالدم و لعبة الموت والمنازلة العشوائية التي لا رحمة فيها».

تنطلق الصراعات والانكسارات التي تعيشها الشخصيات، الموسيقى تصبح عنوانا للعنف الضوء يكون دليلا على الصخب والخوف أما أجساد الممثلين وحركاتهم فرمز الى الصراع الذي تعيشه البشرية، على الركح حكاية داخل الحكاية، تقوم برواية القصة وهي جزء منها، على الركح تتغير ملابسها حسب الحدث والشخصية، أما هو فيحافظ على اللباس الأسود، بالسينوغرافيا يلج وليد الدغسني إلى التفاصيل النفسية للبشر، يحاكي الصراعات والقتل والدمار والفوضى لينقلها في مسرحية «سماء بيضاء».

«سماء بيضاء» هو اسم العمل ، العنوان المتكون من مترادفتين «السماء» بما تعنيه من انفتاح وامتداد نراها على الركح مكان غير واضح المعالم ولا التفاصيل مكان ممتد كما السماء، المرادفة الثانية «بيضاء» وصف نجد نقيضه في العمل فالبياض ليس صفة المكان لانه ينقل الحرب والحرب عادة ما تتميز بالدم والعنف والخوف، لكن البياض هو لون الغشاوة في عيني الشخصية «انا عمياء لا أبصر» ومن المتناقضات بين الأبيض والأسود نقدت المسرحية الصراع الذي يعيشه الإنسان لأجل اللاشيء، صراع الموت والحياة، صراع الخلود والفناء، صراع تدور رحاه لتفتت البياض وتحوله إلى عدم ومن هذا العدم ولد عمل مسرحي نابض بالنقد والسخرية والوجع.

المرأة سيدة السر
«سماء بيضاء» مسرحية من تمثيل منير العماري واماني بلعج، على الركح يبدع الممثلون في صياغة تفاصيل الحكاية، الأجساد تكتب الصراعات البشرية منذ الأزل، منذ حادثة التفاحة إلى اليوم والإنسان يعيش الصراع الذي أتقن تفاصيله ممثلون مختلفون، الممثل هو الكائن التاريخي الذي يتأرجح بين الشخص والشخصية، أي انه إنسان حقيقي عضويا ونفسيا فوق خشبة المسرح، هكذا كان الثنائي منير العماري واماني بلعج.

كل منهما قدم شخصية تسكنها الصراعات والتناقضات، شخصية مركبة يملأ الوجع والقوة معا، كلاهما عمل بمقولة «كوكلان»، «الممثل يخلق نموذجا في خياله وعندها يصنع ما يصنعه المصور الذي يأخذ كل لمحة من هذا النموذج وينقلها الى لوحته ينقلها إلى نفسه فالممثل لا يعيش في دوره انه يمثله، به يظل باردا إزاء الهدف الذي يستهدفه بتمثيله، غير ان فنه لا بد أن يكون كاملا كل الكمال» وعلى الركح كانت الشخصيات كاملة من حيث تقمص التفاصيل النفسية والدخول في المركبات والعقد التي تحملها الشخصية.

«سماء بيضاء» عمل ينتصر للمرأة، فهي الكائن المقدس والقوي، هي التي دقت الباب على البطل التراجيدي «الهادئ والوحيد والبعيد لا اعرف إن كنت على قيد الحياة» واقتحمت خلوته لتأخذ منه سرّ الخلود، هي «كانت تظهر أمامه كحقيقة يحاول إخفاءها، كان يقدم لها القربان كل ليلة من أجل أن تبقى ولا تأفل»، المرأة ذلك الكائن العصي عن الفهم والكسر نجدها في المسرحية محركة الأحداث وصانعة الفعل فهي «من كسر الظلام، أضئت هذا الظلام الموحش، حررتني من الموت» كما يقول الرجل مضيفا «تودين الرحيل بعد أن صنعت ممرا دافئا إلى عقلي؟»

فهي إذن باعثة الحياة، هي سيدة السر، هي الراوي والرواية، المرأة سيدة السر وصانعة الحدث، هي «عشتار» التي تحول بسببها الراعي إلى ذئب، هي كليوباترا ساحرة انطونيو الذي حرق أوطانا لأجلها، هي حواء التي تحدى ادم الله لأجلها، هي في المسرحية عنوان البداية والحكاية، شخصية مركبة وانفعالية أمسكت اماني بلعج جيدا بخيوطها وحركتها كما شاءت لتقدم أداء ممتعا وشخصية مركبة تعبّر عن المرأة بكل عنفها وعنفوانها وتوقها الدائم الى الحرية فالمرأة هي الحرية.

(المغرب)

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح