أخبار عاجلة

مسرحية: (خلاف)المهيمن السردي في فرضيات المخرج المؤلف – صميم حسب الله

مسرحية: (خلاف)

                                           المهيمن السردي في فرضيات المخرج المؤلف                                      

صميم حسب الله

افرزت متبنيات المقترح الإخراجي التي تبلورت مع تطور فاعلية العرض المسرحي إلى إجتراح مسميات  شكلت حضورها في الخطاب المسرحي المعاصر، لاسيما مقاربات (الدراماتورجيا ، والمخرج المؤلف) التي تبناها عديد المخرجين في المسرح العالمي ، ولم يزل المسرح العراقي يعيد إنتاج تلك المقترحات سعياً إلى التساوق مع حراك المسرح المعاصر، وقد أسهمت عديد التجارب المسرحية التي تبنت الاشتغال على فكرة المخرج المؤلف والعمل على إنتاج نصوص درامية تنتمي إلى العرض المسرحي أكثر من انتماءها إلى النص بمعناه الادبي، الامر الذي دفع بالمخرج المؤلف إلى امتلاك القدرة على إزاحة المتراكم السردي الذي يتوافر في نصوص الأدب المسرحي، وصولاً إلى صياغات نصية تمتلك خصوصيتها في التجربة الاخراجية ، وهو ما تبدى لنا على نحو مكرر في تجارب المخرج المؤلف (مهند هادي) السابقة ، ونجده على نحو مغاير في تجربته المسرحية الأخيرة ( خلاف) تمثيل ( هيثم عبد الرزاق ، سهى سالم، مرتضى حبيب، حسين أمير، علي صباح ، رسول زيد، أسامة خضر) إضاءة ( محمد رحيم ) ديكور ( محمد النقاش) إدارة مسرحية (علي عادل السعيدي) والتي قدمت على خشبة مسرح الرشيد في بغداد مؤخراً .

خلاف المضمون واختلاف الشكل:

إختار المخرج المؤلف التعاطي مع فكرة (التطرف) شديدة الحساسية في تشكيل بنية النص المسرحي، وانطلاقا من تلك الفكرة التي بدت مضمرة في جسد نص العرض والتي سارع المخرج المؤلف إلى تسريبها إلى فضاء العرض مستفيداً من التأسيس الأولي الذي تشكل مع صوت (الراوي) الذي تبنى دور القاتل السردي المجهول في جسد العرض، حاملاً مع ملفوظه النصي متراكمات النص السردي من دون ان يكون فاعلاً على المستوى الادائي(الصوتي) ، إلا انه كان حاضراً في تجسير المسافة بين أنماط (التطرف) التي بدأ نص العرض يكشف عنها ، إبتداءاً من مسمى العرض (خلاف) للتأكيد على ان مضامين العرض لا تتساوق مع فكرة (الاختلاف) الذي يراد به الحوار والجدل على أن يحافظ كل فرد على حريته في التعبير عن توجهاته الفكرية والسياسية ومن منطلق ان (الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية)، إلا أن المخرج المؤلف إختار قاصداً مجانبة معنى (الاختلاف) والركون إلى مضمون(الخلاف) الذي يراد به إزاحة الآخر وإقصاءه ، وهو ما بدا حاضراً في شخصية ( أمل) التي وقع عليها فعل الإقصاء بوصفها تابع مجرد من المعرفة أو كما تقول الباحثة ( غاياتري سبيفاك) في دراساتها حول مفهوم (التابع) وسؤالها المثير للجدل (هل يستطيع التابع ان يتكلم؟)، فالشخصية (امل) تابع لم يتسنى لها التفكير في الاتجاه الذي تبناه (الأب) وتم فرضه وتصديره إليها من دون ان تدرك انها قد تحولت بمرور الزمن إلى نسخة ( تابعة) لصورة الأب ، تحفظ المقولات والمبادئ، وتدخن السيجار( الذي لم نجد ما يبرر للمخرج المؤلف عدم توظيفه في العرض بعد أن أسس لوجوده في جسد النص) كما يفعل رموز اليسار العالمي وهي تتمثلهم في خطواتها وقبعة (تشي جيفارا) على رأسها وتتغنى بأناشيد الثوار، الأمر الذي لم تعد معه قادرة على تبني أفكار مغايره، بل نجدها على نحو (متطرف) بالأفكار (التابعة) لسلطة الذكر ( الأب) ومن بعده ( الزوج) الذي تأكدت من كونه صورة مستنسخة عن (الأب) قبل أن توافق على الارتباط به ، فالتطرف في شخصية (امل) بدا متجذراً في سلوكها تمارسه بوصفه فعل ثقافي لا خلاف عليه ، وهو الأمر الذي دفع بها إلى السعي إلى إنتاج إنموذج آخر ينتمي لفكرة (التابع) متمثلاً بابنها ( كاميليو) الذي حفظ المقولات الذكورية التي توارثتها الأم ، إلا انه غادرها مسرعاً من اجل إكتشاف ينتمي إلى العصر الذي يعيش فيه ، باحثاً عن فضاء مغاير لا يكون فيه (تابعاً) لسلطة ذكورية متطرفة في أفكارها تحولت معها الام إلى نموذج هجين (ذكوري/ انثوي) ، إلا ان معادلة التطرف التي إجترحها المخرج المؤلف تجسدت مع شخصية (الابن) على نحو مغاير، فالهروب من (تطرف) اليسار لم يكن آمناً مادامت البيئة لا توفر فضاءا محايداً ، لذلك نجده يغادر العقل اليساري بما فيه من إشتراطات معرفية وإلزام بفكرة التابع، باحثا عن أجوبة لأسئلته الكونية التي بدأت تتشكل مع عصر تسيطر فيه التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي على مقدرات الوعي وتتحكم بأساليب الحياة وتفرض انماطاً محددة من التفكير يحتاج المرء ان يكون (تابعاً) فيها لكي ينتمي إليها ، ونجده قد إختار ان يكون (تابعاً اميناً) للغيبيات والجنة الموعودة ومقترحات (الحور العين) يضاف لها جميع متبنيات الخطاب الديني المتطرف الذي تبدى على نحو واضح ومباشر في تنظيم ( داعش)، رافضاً لفكرة العقل الجدلي وطروحات الحداثة ونظرياتها التي توافرت في المنظومة اليسارية التي تنتمي (الام) اليها، وقد كشف المخرج المؤلف عبر هذه الثنائية اشتغاله على تقديم مضامين مختلفة تعبر عن هيمنة (التطرف) على البنية الاجتماعية تحت مسميات مختلفة، ونجده قد اعتمد في تقديم فرضيته الفكرية على بنية سردية ضاغطة ومهيمنة على الخطاب المسرحي بالرغم من محاولاته التي بدت حاضرة في تهشيم الفضاء السردي القاتل سواء عن طريق إجتراح (الراوي) بوصفه صوت آخر يضاف لفضاء العرض يراد به ان يكون مغايراً ، إلا أن (الراوي) تحول بسبب رتابة المنطوق اللفظي إلى مهيمن سردي مضاعف ، ويعود ذلك إلى إعتماد المخرج على شخصية (المحقق) في تبني خطاب الراوي، فضلا عن ذلك فإن السرد القاتل تحول مع تقنيات الكتابة التي أراد لها المخرج المؤلف ان تنتمي إلى العرض عن طريق تحويلها إلى سيناريو العرض عبر تقنيات الكتابة التي تعتمد في (السينما ، والتلفزيون) والتي يتم فيها وصف الحالة او المشهد بما فيه حالة الشخصية وانفعالاتها وحركتها ، والدفع بـ (الراوي) لوصف تلك الحالات التي لم يكن العرض يحتاج إليها، ذلك أن المتلقي يبحث عن الفعل على خشبة المسرح ولا يكتفي بالوصف المشهدي فحسب، بل يتعداه إلى ما تكشف عنه الرؤية البصرية للمخرج.

المقترح الإخراجي ومقاربات التفكير:

لم يركن المخرج المؤلف إلى مقترحاته التي توافرت في المتن النصي والتي تشكلت على وفقها البيئة النصية أو ما يعرف بفضاء النص والذي يتضمن بيئة مكانية مقترحة توافرت في النص بوصفها (بيت) تعيش فيه الشخصية (امل)، ويمكن خلق توصيفات عدة لهذا النوع من البيوت الذي أهملت فيه الحياة وسادت فيه اللامبالاة والرتابة، إلا ان المخرج دفع بمقترحاته النصية إلى خارج فضاء العرض في محاولة لتأسيس فضاء بصري مجرد من ملامح البيئة التي توافرت في سرديات النص القاتلة، بل نجده فضاءا معبراً عن فكرة (التطرف) التي تبنى التأسيس لها في المتن السردي، الأمر الذي دفع به إلى إجتراح فضاء متحرك يؤكد فيه حالة التطرف التي تركن الشخصيات إليها ودافعاً بمقولات السرد إلى الهيمنة على الصورة  التي كانت بها حاجة إلى منطوق نصي مغاير يتسق مع المقترح البصري بما فيه من جمالية صورية شكلت علامات فارقة ، لاسيما تلك الصور المختزلة والفاعلة والتي افاد المخرج فيها من توظيف تقنيات ( الداتا شو) بحرفية عالية في التعبير عن حالة البحر بوصفه وسيطاً ناقلاً ( للتطرف) من جهة وسقفاً لبيت يتهاوى نتيجة لما يتعرض له من تحولات وتصدعات تعصف به ، (فالمناضلة أبنة المناضلة صارت المجاهدة أم المجاهد) على وفق مقاربات (التابع) ، فضلا عن ذلك فإن  حركة القطع الديكورية التي أضفت العديد من المعاني على الشكل (باستثناء الخطوط التي شكلت مربعات على أرضية الخشبة والتي لم يكن وجودها في فضاء العرض سواء على مستوى التشكيل البصري أو حركة الممثلين مبرراً) وبخلاف ذلك فإن تشكيلات القطع المتحركة جاءت للتعبير عن خزانة ذكريات ومقترحات لافتراضات وتهويمات وهلوسات وأبواب مغلقة وأخرى مشرعة لكل من يختار إقتحام (الفضاء/البيت) كما بدا ذلك واضحاً في عديد المشاهد التي يقتحم فيها (المحقق) فضاء البيت وعزلته، وبحركتها القصدية شكلت تلك القطع الديكورية بألوانها المحايدة العنصر الديناميكي الأكثر فاعلية في العرض المسرحي، فضلا عن توافر العرض على منظومة ضوئية احتكم المصمم (محمد رحيم) فيها على حساسية عالية في التعبير عن المقترح البصري المثير للريبة والترقب.          

الممثل التقني في الفضاء المتداخل:

ان اختيار المخرج العمل على وفق منظومة بصرية تشكلت على وفق إنتاج فضاءات متداخلة، وعدم الركون إلى صورة أحادية للفضاء المسرحي أسهم على نحو أساس في خلق شكل ادائي ينتمي لتلك المنظومة البصرية ، وقد تمثل ذلك الشكل الادائي في إزاحة كل المتراكم الادائي الذي تشكل عند ممثلين محترفين يمتلكون خبرات معرفية أسهمت في بلورة تأريخ أدائي خاص لكل منهم ، ولأن فرضية العرض التي تبناها المخرج فرضت على الممثلين انتاج سلوك ادائي يتوافق مع تلك المنظومة ، الأمر الذي أسهم في إنتاج (الممثل التقني) الذي يغادر فيه الممثل مقترحات بناء الشخصية الدرامية المرتبطة بأساليب التمثيل المعروفة والمعتمدة في تجسيد الدور المسرحي ،  والتحول إلى منفذ تقني لمقترحات الفضاء التي يكون الممثل فيها   (تابع) لسلطة الفرضية الاخراجية من دون ان يكون لحضوره الادائي أي خصوصية ، وقد تكشف ذلك في مستويات متنوعة عند الممثل الفنان (هيثم عبد الرزاق) الذي عاد إلى خشبة المسرح ممثلاً بعد رحلة في التجربة الاخراجية اكتسبت حضورها في المشغل المسرحي المحلي والعالمي، ونجده في هذا العرض اميناً لمتطلبات العرض حتى وإن كان ذلك على حساب الخبرة الادائية التي يحتكم عليها ، إلا ان ذلك الانتماء الادائي لفرضية المخرج لم يترك للممثل حرية تكوين (نصه الادائي) او العمل على بناء إيقاع مرتبط بشخصية (المحقق) والإكتفاء بتقديم تلك الشخصية بوصفها (تابع) للسلطة عبر صورة إيقونية لهذا النوع من الشخصيات التي سيطر عليها الملفوظ السردي القاتل ، ويضاف لها تجسيده لشخصية (صوت الراوي) التي أضافت ثقلاً ادائياً على الممثل ، وهو ما دفع بالأداء إلى السقوط في فخ الرتابة فلم يكن ثمة تباين او تحول ادائي بين شخصية (الراوي) بما فيها من وصف مشهدي لحالة الشخصية الأخرى (أمل)، ومع محاولات المخرج في توظيف تقنيات (السينما ) في تقطيع المشاهد وإعادة تقديمها ، إلا ان سلطة السرد كانت أكثر هيمنة من المتغير الأدائي، ولم تكن شخصية (امل) التي جسدتها الممثلة الفنانة (سهى سالم) بمعزل عن منظومة (الممثل التقني) ، بالرغم من ان نص المؤلف كان يتضمن العديد من المقترحات الادائية التي كان يمكن لها ان تفيد الشخصية ، لاسيما ما يتعلق منها بتمثلها لسلطة (الأب / الذكر) والمساحة الادائية  التهكمية التي يمكن ان تتوافر في هذه الشخصية، وبما تمتلكه الممثلة من خبرة ادائية إكتسبت حضورها عبر تجارب مسرحية عديدة، الا ان المخرج وعلى وفق اختياراته للمنظومة البصرية والتأكيد على حركية الصورة وتداخل الفضاء ، فضلا عن هيمنة السرد على الشخصية بمشهديات متعددة لم يتم تحويلها إلى فعل ادائي مع وجود (استثناءات قليلة تمثلت في مشهدية الهلوسات التي نتجت عن تعاطيها للحبوب المنومة والتي انتجت بدورها صيغة ادائية إرتبطت بالمعنى الكابوسي للحالة المشهدية)، الأمر الذي دفع بالممثلة إلى الخضوع لمقترحات الإخراج والعمل على إزاحة أي مقترح ادائي لا يتفق مع المنظومة الاخراجية الصارمة التي تحيل في بعض توصيفاتها إلى انتماء المخرج المؤلف لفكرة (التطرف) التي إختار التعاطي معها في صياغة المقترح الإخراجي، ونجد ذلك حاضراً في شخصية (كاميليو) التي جسدها الممثل الفنان ( مرتضى حبيب) والتي ظلت حبيسة في أقبية السرد الواصفة لحالات التحول والانهيار والرفض لفكرة (التابع) والبحث عن مقترحات للتفكير، ووصولاً إلى حالة ( التطرف) كل هذه المقترحات الادائية عمل المخرج على إزاحتها من اجل تقديم شخصية تنتمي لمنظومة (الممثل التقني) وتغادر فكرة الممثل الإبداعي أو الممثل الباحث عن نصه الادائي، لذلك نجد ان المحاولات التي عمل الممثل ( مرتضى حبيب) لم تجد صداها في مواجهة السرد القاتل ، والتي نذكر منها الاشتغال على تحول الشخصية عن طريق الأزياء والتي إختلفت في التعبير عن حالة التطرف بين (اليسار و اليمين)، فضلا عن تضمين الممثل لبعض العلامات الدالة على حالة (التطرف) التي توافرت في(غطاء الرأس، او ساعة اليد) التي وصلت إحالتها إلى أن الفكر المتطرف يميل إلى إرتداء الساعة في اليد اليمنى بدلا عن اليسرى في التعبير عن رفضهم التشبه بالأجنبي المختلف عنهم في الدين والعقيدة، إلا ان عديد المشاهد كانت بحاجة على تجسيد ادائي اكثر من حاجة الممثل إلى وصفها اللفظي فحسب والتي نشير إلى بعضها في مشاهد ( العلاقة مع تنظيم داعش) رحلة التحول من (التابع اليساري) إلى (التابع اليميني) كل هذه التحولات لم يركن المخرج إلى توظيفها ادائياً تاركاً الممثلين ينفذون المقترح الإخراجي عن طريق التحول الحركي داخل الفضاء المتداخل من دون ان يسعى إلى إزاحة المتراكم السردي القاتل عن طريق تحويله إلى فعل ادائي في الفضاء المسرحي الذي اكتسب المخرج فيه قدرة عالية في صناعة المشهد البصري ، إلا انه إختار السرد أداة للتعبير.  

            

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح