مسرحية “الروبة” اخراج حمادي الوهايبي: الجميع منخرط في منظومة الفساد بالصمت او التجاهل : مفيدة خليل

المسرح مساحة حرة للنقد وطرح السؤال، الركح فضائهم الواسع للخوض في كل الممنوعات والحديث عن المواضيع المسكوت عنها بجرأة، زادهم قدرة الممثل على الإقناع وإيصال رسائل العمل وشيفراته الى المتلقي، فالمسرح منذ الأزل مساحة للعب والنقد، هكذا كان اللقاء مع مسرحية “الروبة” إخراج حمادي الوهايبي وإنتاج مركز الفنون الركحية والدرامية بالقيروان ضمن فعاليات الدورة الثالثة عشرة لمهرجان المسرح العربي بالدار البيضاء.

“الروبة” من إخراج حمادي الوهايبي وتمثيل سامية بوقرة وعواطف عبيدي وخلود بديدة ونور الدين همامي وشوقي خوجة وحسام الغريبي وإضاءة طه حراث، عمل ينقد فساد المنظومة القضائية بكل جرأة.

الموسيقى والاضاءة لتحديد عوالم الحكاية

أصوات ضجيج تصم الآذان، إضاءة خافتة اقصى الركح، أصوات أقدام متسارعة تصنع موسيقى العرض ثم تليها صفارات الإنذار وأصوات متباعدة لصراخات بشرية، الركح خاو من الديكور فقط الإضاءة ستكون دليل المتفرج اولا ليغوص في عوالم المسرحية، شخصيات تجري داخل الفضاء كأنها تبحث عن منفذ ما.

تخفت الموسيقى، يبتعد صوت الصراخ والضجيج، من بين الجماهير تبدأ اللعبة المسرحية، محامين يلبسون العباءة السوداء يحملون محافظهم الجلدية ويصعدون إلى الخشبة مهرولين، تدفعهم قوة غامضة الى الامام، هم مجموعة من المحامين استطاعوا النجاة من جحيم سقوط سقف المحكمة ليجدوا انفسهم في مكان مظلم، رائحته عطنة جدرانه عالية ومظلمة، تسكنهم الرغبة في الخروج الى النور فيخرجوا ما بداخلهم من قصص الفساد، فسادهم وتورطهم في منظومة قضائية فاسدة.

طرح موضوع فساد القضاة من المواضيع الجريئة، طريقة النبش وزاوية النقد جريئة ومشاكسة، نص مسكون بفكرة الهدم لاعادة البناء، نص كتب بغضب ورغبة في الاصلاح كذلك، نص قدمه ممثلين مهرة استطاعوا اقناع المتلقي العربي والتماهي بين لغة الجسد واللغة المنطوقة.

موضوع المسرحية يثير جدلا كلما عرضت “لان موضوع فساد القضاء والمحاماة ينخر مختلف المجتمعات وهذا موضوع حارق تصيدناه، ونتقصد هذه المواضيع المسكوت عنها، لكن لا نكتفي بالموضوع فحسب، فالمسرح مشهدية، ننتقل لنشاهدها دون ان يلغي هذا أهمية النص ولو اننا ننطلق من فكرة لا من نص جاهز” حسب تعبير مخرج العمل حمادي الوهايبي.

“الروبة” هو اسم المسرحية، في إشارة مباشرة الى العباءة السوداء للقضاة والمحامين، منذ الاسم يطرح المخرج سؤال، هل القضاء فاسد؟ وكيف يؤثر فساد القضاء والمحاماة على المواطن والدولة؟، اسئلة تجيب عنها الاحداث ليكتشف المتلقي ان فساد المنظومة القضائية يحيل مباشرة إلى انهيار أركان الدولة.

ماذا لو انقلبت موازين القوى؟ كيف يحكم المستضعف لو امسك بزمام السلطة؟ هل سيكون نزيها ام هو الاخر سيصبح شريكا في الجريمة؟ كيف سيتحدث المهمشين لو أتيحت لهم فرص الكلام والتصريح؟ ماذا لو اختلفت الامكنة واصبحت القاضية سجينة السجين، وتحول المحامي الى متهم يدافع عن نفسه لينجو من الموت؟ مجموعة اسئلة توضع على الركح حين تتحول شخصية المتهم “خميس قوبة” الى صاحب السلطة وتصبح القاضية والمحامين سجناء دهائه لانه الوحيد العالم بطريق الخروج.

في انقلاب موازين القوى، تغير كلي لسيرورة الاحداث، فلا شيء منطقي امام فكرة الموت وشبح الخوف، المتهم “المنقذ” يصبح جلاد الجميع ويجبرهم فقط على الاعتراف بحقيقتهم، يضعهم امام مرآة قبحهم، فتنزع الشخصيات عنها صفات الصرامة والنزاهة وتبوح بما تخفيه من فساد وانتهازية.

الى عالم المحاماة يحمل الممثلين جمهورهم، كل ممثل له آلياته لشد انتباه المتلقي، شخصيات مركبة، متناقضة، متنافرة ومتصارعة يجمعها المخرج في فضاء درامي واحد، لتبوح بقصصها، جميعهم فاسد وكل يبرر لفساده، على الركح تكون الإضاءة وسيلة لتحديد مميزات الفضاء، فتكون صفراء خافتة وقت الدخول الى القبو، ثم تنتشر تدريجيا على كامل مساحة اللعب حين إيجاد سبيل للخروج، الإضاءة استعملها المخرج كما “الزووم” تسلط من فوق على الممثل وقت الحوار كأنها كاميرا تلتقط بوحه لحظات الاعتراف بفساده وانخراطه في افساد منظومة جدّ هامة في الدولة.

فساد القضاء ينقله الممثلين بحنكة

الممثلين هم حمالي نجاح النص المسرحي، استطاعوا بأجسادهم وإتقانهم للشخصيات ان يجعلوا الجمهور يعايش الحكاية ويستشعر مكان الركام، وبقايا الدم المتناثر في كل مكان، بقدرتهم على التجسيد تمكنوا من تشجيع الجمهور ليتخيل فضاء الحادثة ويصنع في ذاكرته كل التفاصيل، وتلك السوداوية بين الإضاءة واللباس دفعت عقل المتلقي لطرح مزيد من الاسئلة عن مدى نزاهة “الانا” (المتلقي) في علاقة مع الاخر (الدولة، المسؤولية،الوطن)، ففن التمثيل هو “ذلك العالم الذي يتيح لك أن تحيا حياة الآخرين، من دون أن تكون مضطراً لأن تدفع الثمن كما يقول روبرت دينيرو.

الروبة صرخة ضد الفساد،  في مجال مكاني ضيق يضع المخرج ممثليه، مع اضاءة خافتة يجبرهم على التعري والكشف عن حقائقهم المخفية،لكل منهم زلة ونقطة سوداء تتسع حسب مكانته الاجتماعية ومدى نفوذه.

فالقاضية (عواطف عبيدي) تعيش اضطراب نفسي، تحاول الخروج من دائرة عشقها لزوجها “كناتري”، اكبر مهرب في البلاد تتوسط له ليخرج كلما تعرض لموقف مع الشرطة والديوانة، “خديجة” اسم القاضية الباحثة داخلها عن نقطة ضوء تنقذها من عتمة تورطها في فساد زوجها.

و”زينب” (خلود بديدة) محامية شابة، مزدوجة الجنسية، تبيع وتشتري المباح والممنوع “كرونيكوز” هدفها الاول مزيد من “البوز” وصناعة الحدث لتكون محط انظار القنوات التلفزية ووسائل التواصل الاجتماعي، زينب لا يوجد في قاموسها “السر المهني” او “القسم” قدر سعيها للصعود في سلم الشهرة.

و”التوهامي جاب الله” (نور الدين همامي) اكثر الشخصيات سخرية، محام “منشار” نقطة ضعفه النساء، انتهازي، متحرش، محام يعيش بشخصية مزدوجة بين الاستاذ الصارم والصادق والاب النظيف (monsieur propre) والمحامي الانتهازي، بينهما تتأرجح الشخصية التي أبدع الهمامي في المسك بزمامها.

اما “فاطمة” (سامية بوقرة) فاكثر الشخصيات وضوحا “انا فاسدة” أكثرها صراحة،شخصية محامية تسعى للوصول الى مجلس النواب للحصول على الحصانة لتزيد من فسادها وفساد عصابتها الصغيرة،شخصية مركبة، متناقضة نجحت الممثلة في التماهي معها واقناع المتلقي انها شريرة حقيقية.

“شكيب”  (حسام الغريبي)، الشخصية الاقل فسادا بين الجميع، يؤدي القسك بكل الصدق، يحاول الخروج من دائرة الموت، محام نزيه لازال يؤمن بالثورة واحلام الشباب ومنظومة قضائية حرة ونزيهة، شخصية بسيطة اتقنها حسام الغريبي واضاف لها الكثير من روحه لتكون بتلك الجمالية في الأداء، الشخصية الوحيدة غير المتورطة في قضايا الفساد وهي الوحيدة التي ستنزل الى الجمهور رافعة السبابة مشيرة الى فكرة “جميعنا فاسد مادمنا صامتين”.

“خميس قوبة” (شوقي خوجة) الشخصية المختلفة، متهم يوم محاكمته يصبح سيد المكان وعوض ان ترمي به القلضية الى السجن، يسجن هو الجميع في القبو ووحده العارف بمصائرهم لانه يعرف سبيل الخروج، شخصية تجمع النكتة والقوة، ضعيف أمام النساء ويبحث عن رجولة منتهكة امام الرجال “خميس راجل وسيد الرجال”، الشخصية مختلفة وطريقة تقديمها تتطلب الكثير من الجراة والقدرة على صناعة الاختلاف.

“الروبة” نص جريء وممثلين خبروا الركح وعرفوا كيف يقدموا للجمهور شخصياتهم المركبة والمتناقضة، صرخة ضد الفساد ودعوة لفتح ملفات القضاة الفاسدين، مسرحية تشاكس منظومة شدية القوة والاهمية، لعب بالاضاءة والموسيقى وتماهي بين الممثل وشخصيته صنعوا عوالم ابداعية مميزة تحسب للمشهد المسرحي التونسي.

“الروبة” تجربة مسرحية اخرى، هي احدى ثلاثية اشتغل عليها حمادي الوهايبي بعد “الصابرات” (تناولت موضوع النساء العاملات في بيوت الدعارة) و”جويف” (موضوعها التراث اليهودي بتونس ومحاولة البعض سرقته) و”الروبة”، ثلاثية سعى من خلالها المخرج للعمل في مساحات ممنوعة ونقد مواضيع من المسكوت عنها في المجتمع والمسرح.