مسرحية “أمل : جماليات التناقض : د. جمال ياقوت

دراسة نقدية عن العرض المسرحي العراقي

“أمل”

إنتاج  الفرقة الوطنية للتمثيل التابعة لوزارة الثقافة والسياحة والآثار العراقية

تمثيل   

  حيدر جمعة

رضاب أحمد

سينوغرافيا   د. علي محمود السوداني

تأليف وإخراج

د. جواد الأسدي

 

دراسة: د. جمال ياقوت

عن العرض

يقدم العرض لمأساة زوج وزوجته يعيشان في بغداد في الفترة التي سيطرت فيها داعش على مقدرات الأمور، والمعاناة التي يلاقيانها من جراء فقد الأهل والأصدقاء، وفقدان الأمان، والخوف من المستقبل.

 

تحليل مفردات الصورة المسرحية

 تعد الصورة المسرحية أحد أبطال هذا العرض، فالصورة تتكون من المنظر المسرحي بما يشمله من موجودات مادية، وإضاءة مسرحية، وإكسسوارات، وأزياء مسرحية، وأخيرًا، تتضمن الصورة المسرحية عنصر جسد الممثل في علاقته بالمساحات الفارغة عل خشبة المسرح، وهو في رأيي العنصر الذي يؤكد  – بحضوره الحي وبتفاعله مع باقي عناصر الصوت والصورة المسرحية –  الوحدة العضوية، التي تعنى  بإيجاد علاقة بين أجزاء العمل المسرحي بعضها ببعض تقوم على التكامل لتشكل كلًا واحدًا متسقةً أجزاؤه، ويمكن في هذا الصدد أن نتوقف عند هذه الصورة البصرية التي يطل منها العرض علينا، والتي تتمثل في مجموعة الموجودات المادية التي تشكل المنظر المسرحي مثل:

  • صالة البيت

صالة البيت يوجد بها مكتبة الكتب، وكنبة وفوتيه ومنضدة عليها أكوام من الكتب غير المعتنى بها، وعلى يسار الممثلين يوجد برميل مياه .. أما الأرض فقد انتشرت عليها أكوام من الكتب تشير وضعيتها المادية على الأرض بقدر كبير من الأتربة التي شوشت على ما في هذه الكتب من أفكار بالتأكيد تتناقض مع هذه الوضعية المهينة على الأرض بما تحوي من قاذورات ..  أعلى الصالة توجد فتحة في السقف، هي بالتأكيد من فعل التخريب الذي أصاب المدينة بأكملها، لكن هذه الفتحة التي تشير للدمار هي نفسها قد استخدمت كي يدخل منها ضوء الشمس ناصع البياض كي يلقي ببصيص أمل على مستقبل هذا المكان.

  • البرميل

برميل المياه الموجود يعطي مؤشرًا واضح بأن هذا البيت لا يستخدم صنابير المياه، الأمر يتعلق بعدم توافر الحد الأدنى من مقومات الحياة الآدمية وهي المياه والصرف، أما أرضية الغرفة فهي متسخة بشكل كبير من فعل اختلاط غبار الأتربة المسربة من فتحة السقف مع رزاز الماء الذي يتناثر خارج البرميل، إن “باسم” في أحد المشاهد ينثر رزاز الماء على جسده، في اختزال جمالي للاستحمام، ، ولكن أين يذهب الماء المتسخ حال تعطل الصرف في المدينة، يبقى داخل الغرفة كي يتراكم الطين في صورة بليغة لتردي الحياة في هذه المدينة التي انتشر فيها الرعب والمخدرات والإرهاب .. والرعب الأبدي.

 

 

  • المكتبة بما عليها من كتب

وبصفة عامة يمكن القول بأن هذه الكتب تسيطر على مفردات الصورة المسرحية، الكتب هنا ليست في حالتها الاعتيادية، فنحن في الأجواء العادية نرى مكتبة منتصبة بها مجموعة من الكتب المرصوصة بجانب بعضها البعض والتي تتمثل فيها جمالية الشكل قبل أن تشي بأهمية الموضوعات التي تحتويها هذه الكتب، أما هنا فنحن بصدد مكتبة مائلة تنبئ عن دمار أكثر مما يبدو أي شيء آخر، وبالتالي فهي في حالة حركة لأسفل .. وتنتفي عنها صفة الثبات والاستقرار التي تتسم بها عادة مثل هذه القطع من الأثاث المنزلي، إنها على وشك السقوط على الأرض، إن هذه المكتبة بها عدد كبير من الكتب يجثم على صدر المتفرجين ويهجم عليهم بضراوة، فهي تميل للأمام .. هذا الميل للأمام أعطى المتلقي إحساسًا بعدم الاستقرار طوال الوقت، كما أن هذا الميل فرض عليه إحساسًا بالخطر الداهم الذي يهدد البيت من خلال إحساس دائم بأن هذه المكتبة ستسقط ومعها يسقط كل شيء، إنه إحساس بانتظار دمار يأتي من عالم المجهول، وإذا كنا نشعر بهذا النوع من مشاعر الخطر، فإننا نعجب أن هذه المشاعر كانت نتاج مكونات مادية عمودها مكتبة مليئة بالكتب، تلك الكتب التي اعتدنا أن تكون مصدرًا للثقافة والفكر والمتعة وتنمية الإنسان، هذا التناقض الذي يقع بين المغزى العام لفكرة الكتب والمغزى المراد تأكيده من خلال وضعية المنظر المسرحي يعد واحدًا من أهم صور الجمال في هذا العرض، خاصة عندما نشاهد هذا الكم الكبير من الكتب التي غادرت المكتبة نتاج هذا الميل، الميل هنا يمثل عنصر الترقب من خلال انتظار الزمن الآتي ، من المفهوم أن الكتب كانت بالمكتبة منتظمة في أماكنها الطبيعية، إلا أن هناك من الأحداث التي هزت كيان البيت على المستوى المادي بالانفجارات التي نتج عنها اهتزاز البيت فوقع جانب كبير من الكتب على الأرض، وكذلك  تعكس هذه الوضعية حالة التأهب لانفجارات جديدة تأتي على ما تبقى من المكتبة فتقع، وتنتهي معها قصة هذا البيت الذي كان آمنًا.

 

الموجودات المادية

وتؤكد أشعة الشمس التي تدخل عبر شق في السقف فكرة أن هذا البيت ليس في حالته المستقرة وأن البيئة الخارجية ألقت بظلالها بعنف وقسوة على البيئة الداخلية أو على البيت بالداخل فهناك أخطار ودمار وحروب و انتهاكات و الكثير من الأمور المرعبة التي ألقت بظلالها على البيت ولكن أكثر ما ألقت عليه الظلال كان هو مظهر الكتب ومظهر الشخصيتين – الزوج والزوجة –  أما الإضاءة فقد لعبت دورًا كبيرًا في إضفاء جو من الظلمة على المكان ..  ومن حين إلى آخر تظهر أشعة الشمس التي تدخل المكان وهي رغم أنها قد تحمل بصيصًا من أمل فإن هذا البصيص سرعان ما يتلاشى مع عنف الكلمات التي يتبادلها الزوجان.

 باسم وأمل يقرآن

أمل                  سألت ابني .. ابني .. أي درب ستسلك يا ابني .. قال .. قال سأسوق دراجتي نحو البحر، قلت .. قلت له وماذا ستفعل هناك؟  .. قال .. أماحك المويجات وأضع ذراعين من غيمتين ومجدافين من ريح عاتية، أشق .. أشق .. أشق بهما جسد البحر لأصل الى تلك التلة في الطرف الآخر من المدينة، حيث تنتظرني أمي، ترکها أبي مکسورة الرغيف والروح، حملتني .. حملتني في رحمها تسعاً وسأعيدها الى رحمي واحمیها دھرًا، أمي .. أمي البعيدة عن بلادي المهرولة، حليفة القهر والغبار والعواصف والأرصفة، أنجبتني ثم وضعتني في على ظهر فرسي، في النهر الدامي وغادرت البلاد؟ مثل هندي أحمر باحثة عن عشبة الأمان، أمي .. أمي .. أمي بضفيرتين وعكازتين قذفتها الدروب إلى محطة المنتظرين أولادهم في دروب الندم والجوع .. أمي .. أمي .. أمي .. 

باسم                سألت أمي .. أمي؟ ..  ألم تتعبي من الجلوس عند باب الرب، تدخين سنواتك، .. وترمين ذاكرتك إلى حفرة الريح .. قالت أمي أنتظر ابني المنقوش على رحمي الذي سقيته دمعاً حاراً من قلبي ..  أخي منذ فتوته اصطادته سيارة قرب أكاديمية اللون، .. أربعة ملثمين جروه من نور عينيه الملونتين إلى زنزانة الموتى ..  ركضت أمي … لبست عباءتها على رأسها وهي حافية القدمین  .. طرقت بوابات السجون .. طرقت بوابات المستشفيات .. طرقت بوابات الردهات السرية .. فتحت برادات الموتى .. فلم تجده .. عادت أمي إلى البيت .. دخنت وجعها ليلًا ونهارًا وهي تنتظره عند باب البيت عله يعود ..  قتل أخي وقبله قتل أبي في مشهد وحشي أمام عيني؟

ونلاحظ من كلمات الأم مقارنة بين العلاقة الحالمة التي يفترض أن تربطها بالابن من جانب .. والواقع المظلم الذي توقع الأم فيه اللوم على الأب الذي تركها وحيدة تصارع الجوع وتبحث عن الأمان .. أما الزوج “باسم” فهو  يصف الأم بأنها تدخن سنوات عمرها وتفقدها في الهواء دون فائدة .. وهو يصف حادثة مقتل الأخ بواسطة أربعة ملثمين .. ومن بعد الأخ قتل الأب .. والأم عاجزة عن فعل أي شيء .. فهي في حالة انتظار يائس تدخن الوجع .. العلاقة هنا معقدة للغاية الأب باسم ترى الابن الأمل القادم الذي تبحث عنه والذي ترى أنه سوف ينقذها من حالات العجز التي يعاني منها الزوج والتي تنعكس ظلالها على الأم ..  أما الأب فيرى أن هذا الابن الذي سيأتي سوف يأتي إلى بيئة كلها أخطار تهدده وتهدد أمه وتهدد أباه، وبالتالي فلن تجني الأم  إلا الألم إن هذا البرولوج الافتتاحي الذي يقدم لنا Exposition  أو المعلوماتية التي تقول إن هناك زوجًا وزوجةً يعيشان في بيئة شديدة القتامة وهما على الجانب الآخر يعانيان من التناقض في الأفكار رغم وحدة المعطيات الحياتية التي تجمعهما.

أهم الأحداث

الزوج والزوجة يقرأن وهو ما يلقي بظلال قوية على طبيعة المستوى الثقافي الذي يعيش فيه الزوج والزوجة، وبالتالي يؤثر على المنظومة الفكرية التي تقود كل منهما في معترك الحياة أو لحسم المشكلة التي تواجههما .. تطلب أمل عيادة الطبيب لأنها سبق وأن حجزت موعدًا، ولكن هذا الموعد لم يتأكد بعد فهي تصرخ وتنفعل إنها تريد أن تذهب لكي تجهض جنينها .. في الوقت ذاته باسم يقرأ فان جوخ .. إنه يقرأ عن اللطف والحب والرومانسية واللطف وهو ما يتعارض مع البيئة الصوتية والحركية التي تقرها أمل بالمكان لذا فهو يعترض، إذ هو يريد أن يكون في حالة أكثر هدوءًا.

يقول لها إن صوتك كالجبل يقع على رأسي ويجلد مخيلتي ..  هذه التعبيرات البليغة تؤكد حالة التأجج التي عليها باسم وحالة الصراخ التي عليها أمل ..  ولكن ما الذي أدى إلى وجود هذه الصعوبات في حجز موعد عند الطبيب؟

أمل                  تصور يا باسم .. طبيب ساعد في إنجاب كل شباب وبنات هذه المدينة يكفرونه ويطلقون عليه الرصاص بحجة الحلال والحرام؟ .. وأنه لا يجوز أن يلمس النساء ويساعدهن في الإنجاب؟ ..  قل لي ماذا أفعل يا باسم قل لي قل لي؟

وتتصل مرة أخرى وتصرخ ويحاول تهدئتها، ولكنها لا تتوقف حتى يصرخ عاليًا أن تتوقف

باسم                توقفي يا أمل توقفي  .. صوتك يخترق جسدي مثل جيش من الديدان ويأكل كل أحلامي

صوتك يطن في رأسي؟ يطن في رأسي؟

هنا يسود المكان صمت مهيب .. هذا الصمت الذي يأتي بعد لحظة من الصراخ وهي ما يمكن أن تطلق عليها إستراتيجية البارد على السخن تلك الاستراتيجية التي تؤتي ثمارها في تحقيق إيقاع جيد على مستوى الإخراج .. هذا الصراخ وهذه البيئة الصوتية المشتعلة التي تتوقف فجأة فيحضر الصمت الذي يكون أبلغ من أي كلام ..  هنا يحدث ما يمكن أن نطلق عليه التنبيه ثم التركيز على ما هو آت من كلمات

باسم                الخوف .. الخوف .. الخوف .. الخوف يا أمل .. الخوف اجتاح كل مكان؟   .. الخوف اجتاح البيوت .. اجتاح الطرقات  .. اجتاح الشوارع ..

أمل                  أعرف باسم أعرف … الخوف يقتل .. العالم يزداد يومًا بعد يوم .. عهرًا .. وفسادًا .. وقسوةً .. وألماً …  لا بل يزداد ضحالة وحنقاً؟  ..  يوم بعد يوم والهواء يتناقص في بلدي .. أحس بالاختناق يا أمل .. أعطني البخاخ أرجوكِ؟ .. افتح الأبواب والشبابيك؟  .. (يختنق باسم)

تنتاب باسم أزمة شديدة يطلب على إثرها البخاخة، وتذهب أمل لنجدته لإعطاء البخاخة وهنا مرة أخرى بعد لحظات من الصراخ والصوت المرتفع والحركة الدائبة نصل إلى نقطة الهدوء والصمت التام التي تحقق حالة إيقاعية جيدة، ومع حالة الهدوء والصمت يخرج الدخان من البخاخة وكأنه يبث كل الغضب الذي كان بداخل “باسم” و”أمل” تقف خلفه وهي تنظر إليه في دهشة وهي تفكر في هذا الواقع الأليم في حين تظهر من سقف الغرفة شعاع الشمس الذي يحاول أن يعطي أملًا في غد قد يكون أكثر آدمية، وهنا تلجأ أمل إلى أن تشعل السيجارة، وهذه السيجارة بدورها من المفترض أنها تتناقض مع حال “باسم” الذي هو الآن يختنق فكيف يكون تأثير دخان هذه السيجارة عليه؟ .. على الجانب الآخر تقرر أمل أن تخرج إلى الطبيب ويحاول “باسم” أن يمنعها لأن هذا الخروج يمكن أن يهدد حياتها بالخطر بسبب وابل الرصاص الذي يسمع دويه،  وينجح بس في إقناعها بالبقاء.

باسم                اتركِ فكرة ذهابكِ الى الطبيب؟ كل الشوارع تغلي بالرصاص؟

أمل                  اسمعني باسم اسمعني .. تغلي .. تشتعل .. تتهدم .. تتصدع .. تتقطع.. بغداد هي بغداد .. وأنا ادمنت جحيمها منذ زمن بعيد؟

باسم                ذهب أبي لشراء العصير لنا .. وبعد لحظات مرَّتْ جثة أبي أمامنا في النهر؟ وهو يحمل بيديه العصير وثلاث رصاصات في الرأس؟  .. تردين تموتين ابني بالدخان تردين تخنقيه .. تردين تكتلين ابني؟

أمل                  أخطط لأتخلص من الجمرة التي رميتها في رحمي باسم؟ النار؟ .. النار تحرقني كلما رأيت  الفتيان وهم ينزفون ويقتلون ويذلون؟

باسم                رأيتك يا أمل ..  رأيتك كيف تضربين بطنك بالجدار لإطاحة الجنين؟  .. أمل .. راح أعلم ابني الرقص والموسيقى؟

الرقص والموسيقى هي أجمل عبادة للتقرب من الرب وتطهير النفوس؟

أمل                  هل أزفه براس مقطوع بالسكاكين .. أم أزفه بجسد منخور برصاص الكاتم ..  أم أزف أشلاء وقطع صغيرة بعد أن يفجرونه.. أو أزفه بجسد مشنوق بسبب تعاطيه المخدرات والكريستال؟ .. قل لي يا باسم؟ .. ألا ترى تلك الوحوش التي ملئت شوارع المدينة بسبب تعاطيها هذا السم؟ ..  ألا ترى كيف تحول الشباب إلى أجساد ميته وخاوية بلا وعي بسبب الإدمان؟ ..  الجميع يقلد الجميع .. حتى وقعنا في الخراب الكبير؟ .. إلى أي خراب تريدني أن أنجبه؟ .. (تخرج أمل كي تجهض الطفل)

باسم                هل أجهضت الجنين يا أمل؟ ..

يمزق الكتب وهو يدخن ويصرخ ويعترض … ويبكي .. يلقي بالكتب وكأنه يكفر بكل ما آمن به منها .. يلقي بالكتب ويتخلص منها وهو يتخلص من كل معتقداته التي آمن بها .. يرتمي بجانبها على الأريكة

 

 

 

جماليات قائمة على التناقض

في هذا العرض مجموعة من الصور الجمالية البليغة التي اعتمدت على التناقض في المقام الأول.. ويمكن أن نوجزها فيما يلي:

  • – جمالية تحطيم الكتاب على رأس باسم

في هذه اللقطة الجمالية استخدم باسم الكتاب الذي يعد من أهم وسائل تغذية العقل .. بأن يضرب بالكتاب ذاته رأسه وكأنه يدمر عقله بنفس الأداة التي كونه بها معرفيا .. هذه الاستخدام المتناقض للكتاب أضفى قيمة جمالية أكدتها حركة يد باسم التي تحمل الكتاب كي تضرب به بعنف على رأسه .. في الوقت الذي تلعب فيه الإضاءة دورًا كبيرًا في إضفاء لمسة جمالية تتأكد بتعانق الضوء من الدخان المتصاعد.

  • – شعاع الشمس وسط الظلام

إن شعاع الشمس الذي يحمل كل طاقات الأمل .. والذي ينسل من سقف صالة البيت المتهدم .. يحمل بين طياته النقيضين .. فهو الآتي بالأمل من خلال الوهج الأبيض .. في ظل وجود ظلام يشمل غالبية المسحة الفارغة .. وتعانق الدخان مع ضوء الشمس يحيلنا إلى السماء بسحبها البيضاء .. وينقلنا لعالم من البهجة لطالما افتقده هذا البيت الذي يغرق في الظلمة.

  • – التناقض الصوتي بين صراخ أمل وصمت باسم

حالة السخونة الشديدة التي تتمثل في صراخ أمل في غالبية الأوقات والتي تتبع بصمت هي من أهم مناطق الإيقاع .. حيث تتعاظم قيمة لحظات الصمت التام بعد توقف فجائي لحالة من التأجج الصوتي .. هنا تكون لحظات الصمت مليئة بالفعل المسرحي المؤثر .. لأنها تمثل عامل تنبيه مضمونًا لتشبث المتفرج بالعرض مثلها تمامًا مثل حالة الصراخ التي تنطلق من لحظة صمت مطبق.

4 – التناقض في الأسماء .. أمل بلا أمل .. باسم لم يبتسم مرةً

أمل اسم يحمل كل معاني التفاؤل بالمستقبل .. باسم اسم يحمل معنى البهجة والتفاؤل .. لكن كل منهما يعيش حالة مغايرة للاسم .. وهو ما يؤكد القيمة الجمالية القائمة على التناقض.

5 – الحديث عن تخيله لمستقبل ابنه الذي سيعلمه الموسيقى والرقص في مجتمع يقتل أبناءه لممارستهم الموسيقى والرقص

 

 

 

ملاحظات عامة حول العرض

  • العرض يؤكد فكرة أن العرض هو استكمال لحياة النص، والقارئ للنص يدرك المساحة التي تركها المؤلف للمخرج، قد يكون هذا هو السبب الرئيس الذي جعل النص المسرحي يختفي منه الإرشاد تمامًا، فلا توجد جملة إرشادية واحدة، إنما ولوج مباشر للحوار .. حتى أن القارئ للنص لا يتخيل كم الصور والأفعال المسرحية الموازية التي يمكن أن يتضمنها العرض، إن عناصر المنظر المسرحي والأزياء وحركة الممثل ومنهج الأداء التمثيلي .. كانت موجودة وبالتفاصيل في ذهن الكاتب الذي جسدها عندما تصدى لإخراج النص، في حين أنه لم يضمن أي منها بالنص، وهو ما يؤكد فكرة أن النص المسرحي دائمًا هو حياة لا تكتمل إلا بالتجسيد على خشبة المسرح، لكن هذه الحالة تطرح سؤالًا، هل يحق للمؤلف ألا يكتب جملة إرشادية واحدة إذا كان هو القائم بفعل الإخراج؟ .. وهل انتفاء صفة المخرج عن المؤلف يمكن أن تقود لنص فيه الكثير من تفاصيل تتعلق بتفسير المواقف الدرامية، وتفاصيل المنظر المسرحي والحركة ومنهج الأداء التمثيلي؟
  • هناك اهتمام كبير من المؤلف/ المخرج بفكرة الوحدة العضوية لعناصر العرض، فالمنظر المسرحي متسق الأجزاء، تغلب على مفرداته المعنى الكامل للقتامة، المكتبة المائلة التي تنذر بخطر السقوط، الكتب المبعثرة على الأرض والكراسي والمنضدة، برميل المياه الذي زاد المكان قذارة بالطين الناتج عن اختلاط الماء بالأتربة، الإضاءة المعتمة التي لا تتغير إلا بدخول شعاع النهار من سقف صالة البيت، والموسيقى تمضي على وتيرة شبه ثابتة تعبر عن البطء الذي يمر به الوقت على الشخصيتين، كما أن المنهج الصوتي الذي يتناوب بين الصراخ والصوت المتهدج من أثر التعب يؤكد حالة الموات التدريجي للشخصيتين بوصفه استجابة عفوية لما يحدث بالمجتمع الخارجي الذي يعد البيت وحدة مصغرة منه.
  • الإيقاع

إذا قمنا برسم خط مستقيم يمثل “فعل أول” يستغرق “زمن أول” .. ثم رسمنا خطًا آخر يمثل “فعل ثاني” يتم التعبير عنه بالصمت يستغرق “زمن ثاني” يفصل بين الفعل الأول والفعل الثالث الذي يمثل رد الفعل الأول في الغالب .. وهو يستغرق “زمن ثالث”، هنا نكون أمام ثلاثة أفعال درامية مكتملة .. الثاني فيها هو فعل صامت يستخدم للتعبير .. وكذلك يكون لدينا ثلاثة أزمنة .. إن دراسة العلاقات المتشابكة بين الأزمنة الثلاثة وطبيعة الفعل الأول والثالث ..  يمكن أن تنبأ بطبيعة الإيقاع في هذا العرض .. فالفعل الأول والثالث في الغالب يكون في حالة تناقض على مستوى الصوت والصورة .. والفعل الثاني هو الصمت الدرامي المعبر المشحون بالمشاعر الناتجة عن الفعل الأول .. وبالتالي فإن الزمن الثاني هو زمن صمت .. والمعادلة في الغالب تكون:

صراخ – صمت – هدوء

أو

هدوء – صمت – صراخ

هذا التباين في مستويات الصوت إذا ما تم صياغته في معادلات زمنية ملائمة يحقق التباين الصوتي الذي هو جوهر الإيقاع الجيد .. وهو ما يحقق جوهر المسرح الذي يتمركز حول الإيقاع المنضبط.

  • منهج الأداء التمثيلي تجسدت فيه روح التباين .. وبالرغم من استخدام نبر عال من الممثلين؛ فإن ذا النبر كان مناسبًا للحالة الدرامية التي فرضتها طبيعة النص، وخطة الإيقاع التي اعتمدت على التباينات الصوتية وما بينها من لحظات صمت.
  • بذل مصمم السينوغرافيًا جهًدًا فكريًا مميزًا في أن تأتي الصورة المسرحية معبرة عن قيم درامية تتسق مع الموضوع الذي يطرحه العرض، وقد يكون الميل في المكتبة والكتب التي انزلقت – أو ألقيت على الأرض – هي أحد أهم عوامل تأكيد الحركة التي أضفتها الصورة المسرحية على العرض، فالسينوغرافيا أبعدت العرض عن حالة السكون وأدخلته بفاعلية في حالة من الحركة الدائبة .. الأمر نفسه ينطبق على حركة الدخان المنبعث من بخاخة باسم وتعانقه مع الضوء الآتي من سقف البيت، كذلك الغبار الناتج عن ضرب الكتاب برأس باسم، وأخيراً رزاز الماء الذي يتعانق مع الضوء .. كل هذه التباينات حققت حركة دائبة وأبعدت العرض عن السكون الذي يؤثر بالسلب على الإيقاع .. وقد ساعد على تحقيق هذه الحالات الموسيقى التي مضت على وتيرة شبه واحدة في سرعة بطيء يعبر عن حالة السكون والملل التي يعيشها باسم وأمل دون أن تدع هذا الملل يتسرب للجمهور .. وهذا هو الفارق الكبير أن توصل حالة الملل للجمهور .. دون أن تصيب الجمهور ذاته بالملل.

كل الشكر