مسرحية أمل – بقلم: ضياء حجازي

نص واخراج :جواد الأسدي

سينوغرافيا :علي السوداني

تمثيل : حيدر جمعة ورضاب أحمد

على خشبة مسرح محمد زفزاف، الدار البيضاء. ضمن عروض المهرجان العربي للمسرح الذي تنظمه الهيئة العربية للمسرح.

حين نتحدث عن المشهدية في العرض المسرحي فاننا بطبيعة الحال نقصد اولا “بيئة” العرض وفضاءه. ودعوني اسميه “بيت العرض” الذي يفتح لك ابوابه كي تلج الى عالم المسرح السحري. وحين تلج الى “بيت أمل/العرض” تشعر، ومنذ خيط الاضاءة الاول، انك تحاول أن تلتقط تلك التفاصيل الكبيرة والصغيرة والمتقنة في هذا البيت/البيئة التي تتفتح تدريجيا وتتفاعل في حوارية تقترب من الشعرية، مع تفاصيل حياة الشخصيتين والى اللحظة الاخيرة من العرض. يحدث أحيانا، انك كمتلقٍ، تتورط خلال مشاهدتك للعرض، في البحث عن بدائل لبعض تفاصيل السينوغرافيا، أو أن العرض يجعلك تتساءل عن وظيفة او جدوى جدار، او باب او طاولة لا تدرك دلالاتها وبالتالي، تتورط في أسئلة تقطع هذا التواصل الحي مع العرض. الحال مختلفة في عرض “أمل” فقد تمكن السينوغراف الفنان علي السوداني من تأسيس فضاء حسي من خلال بناء محسوب يصح تسميته بدرماتورجيا السينوغرافيا. والتي شكلت نسيجا متفاعلا مع جسديّ الممثلة والممثل خلال حركتهما بين هذا الركام الهائل من الكتب المبعثرة تارة والمصفوفة تارة اخرى في ارجاء المكان. وبالتالي تم خلق سلسلة من الدلالات الحية التي تدفع بالافكار والمشاعر بشاعرية، تتم ضمن انساق معينة في الصياغة الفنية التي اقترحها المخرج جواد الاسدي، واستطاع السينوغراف على السوداني ان ينجح في خلق حواريته الخاصة مع هذه الصياغة الفنية.

شائكة جدا وموجعة ثيمة العرض. فبيت “أمل/الحب/الوعود/الفن والجمال” قد تحول الى مطحنة لروحي هذين الحبيبين والزوجين. لأن القتل الذي يحيق بالمدينة، يحول البيت الى معتقل، وما دلالة حالات صعوبة تنفس الزوج “باسم” المتكررة إلا رمزا لهذا الاختناق الذي تتصاعد وتيرته خلال العرض، فيُعدي هذا الاختناق ليس الحبيبة والزوجة “أمل” فحسب، بل حتى الجنين الذي تحمله في رحمها. ينجح المخرج الفنان جواد الاسدي في بناء مشهدية بصرية/سمعية، ويورط المتلقي في هذه اللعبة الجميلة والمحسوبة التفاصيل. فثيمة الماء والاغتسال بكل ما تعنيه وتثيره من افكار ومشاعر ليست جديدة في عروض الأسدي، لكنها الجدة فيها هي توظيفها حسيا وجماليا في كل عرض. والماء هو العنصر الحي الوحيد في هذه الزنزانة او هذا القبر أو الجحيم الذي يلفه الغبار الخانق، وأي غبار هذا الذي اجتاح مدننا، وشوّه معالمها واختزال الوانها الجميلة بلون واحد، هو السواد، لون الظلمة.

الحديث عن تفكيك شفرات العرض بما فيه من ثيمات واحالات يطول، ولعل هذه القراءة المقتضبة لاتتسع لهذا الحديث المهم. لذلك سأعرج وسريعا على الاداء. لأننا ندرك جيدا، أن المسرح كان وسيظل هو فن الممثل بامتياز. اثني كمتلق للعرض على الجهود الكبيرة للممثلة رضاب أحمد والممثل وحيدر …..خاصة ان المقترح الفني للاداء والذي اشترطه الأسدي ليس سهلا أبدا، وهذا ليس بجديد على طريقة اشتغال الأسدي مع ممثلاته وممثليه. كان جسد الممثل حيدر (والمقصود هنا حيوية الجسد جماليا) حاضر بقوة في سلسلة من الافعال التي دعمت نسيج ونشيج العرض. وسعت الممثلة رضاب وبذلت جهدا كبيرا كي تجسد شخصية تحاول رغم الخراب، ومصيبتها في غياب الاهل والاحبة، ورغم وحدتها الثقيلة، أن تصمد كي تخفف من اوجاع حبيبها وزوجها الذي يموت ميتات عدة اما عينيها.

الملاحظة الوحيدة التي لابد من ذكرها هنا، هو كثرة الصراخ وبعض التشنج والتوتر المبالغ بهما في مفاصل معينة في العرض، وهذا قاد في مشاهد معينة الى ما نسميه اذا صح التعبير بالاداء “البراني/الخارجي” الذي عادة ما يجعل الممثل يلاحق شخصية قد غادرته، أو غادرها، وقد يفشل في أحيان معينة الى ان يلج الى روحها، فتنفلت منه، وهذا ما يحس به المتلقي لانه الممثل على الخشبة هو الساحر الذي يمسك بكل الخيوط وهو قائد اللعبة.