ليس بالأسود وحده نصنع المسرح : محمد الروبي

باتت ظاهرة ملفتة؛ أن أغلب عروض المسرح العربي تتشح السواد. وما أقصده بالسواد ليس مجازًا كأن تقول “كوميديا سوداء” مثلًا، أو تقول سواد الرؤية؛ بمعنى تشاؤمها، أو تقول سواد اللفظ؛ بمعنى قتامة المعنى . لكنني أقصد السواد بمعناه الحرفي، بمعناه اللوني المرئي والملموس، فمعظم خشبات مسارحنا العربية وخاصة تلك التي تشارك في مهرجاناتنا العربية، تتلون بالأسود ملبسًا وحوائط وبؤرًا ضوئية صفراء كابية.
في البداية (بداية الموضة) كنا نظنها محاولة للاستغناء عن بهرجة لونية لا طائل من ورائها، أو رغبة محمودة في إظهار إمكانات ممثلين كانت تغطيها ركامات الكتل والإكسسوارات. لكن تكرار اللون، ومن فرق عربية مختلفة، جعلنا نشك في أن الأمر وراءه ما وراءه. ولا أكاد أخفي ظني في أن المنبع واحد. أفكار تلقفها أحدهم فقلدها واستحسناها نحن فقلدها آخرون وآخرون وآخرون.
وإن أردت دليلًا زميلي المسرحي العربي راجع آخر مجموعة من المهرجانات لتكتشف معي ملامح هذا التكرار في أغلب عروضها: صندوق أسود، ومربعات، ومستطيلات ضوئية كابية، وحركة ممثلين حادة ومتشنجة تتقاطع طولا وعرضا تتخللها التفاتات ونظرات غاضبة.
راجع آخر عروض شاهدتها عزيزي في آخر مهرجاناتنا هذا العام (مثلًا).. وقل لي ألا تتشابه عليك العروض؟ ألا تسمع الفحيح نفسه؟ ألم تشاهد الحركات نفسها؟ ألم تصل إليك الرسالة نفسها التي يمكن اختصارها في (امرأة مهزومة تقاوم رجلًا مهزومًا)؟
تكرار الفعل ومن فرق مختلفة هو ما استرعى انتباهي، وبت أسائل نفسي والأصدقاء من أين جاء هؤلاء بكل هذا السواد؟ ومن أقنعهم أن السواد هو اللون الرسمي للمسرح؟
بعض الأصدقاء كانوا يخففون عني بمحاولات بائسة للبحث عن معنى فيقولون (ربما كان ذلك انعكاسًا لغضبهم من العالم والحياة)؛ لكن الإجابة لم تشفِ غليل السؤال. فمن قال إن الغضب ذو لون واحد؟ وإن كان الأمر كذلك، فلماذا لا ننبههم إلى أن تكرار المشهد باللون والحركة يلقي بهم في هوة الاتهام بالتقليد الخالي من المعنى؟ لماذا لا ننبههم إلى أن الادعاء قاتل الفن؟ لماذا لا نقولها لهم صراحة إن إعجابهم بأسلوب شاهدوه في سفراتهم أو على شاشات أجهزتهم المحمولة لا يعني أبدًا أن ذلك هو ما أصبح عليه المسرح في العالم، وأن نقله حرفيًا يعني أننا قد أصبحنا (فجأة) ما بعد حداثيين؟
أظن -والله أعلم- أن الأمر وصل حدًّا يتطلب وقفة، وقفة تأمل.. وقفة استدعاء هدف المسرح (لماذا وكيف).. وقفة نصارح فيها أنفسنا ونسأل ما علاقة ما نقدمه بالناس، وأولهم عمال المسرح الذين نظن أو للحق ندعي أننا نعبر عنهم.. وإلا فما جدوى المسرح إذن؛ بل وما جدوى الفن إذا لم يكن بالناس وللناس. أو لعلنا اكتفينا بأن تكون عروضنا (المهرجانية) منا وإلينا.. ندخل ظلام القاعة نشاهد سواد الخشبة ثم نخرج إلى نور الشارع نسب ونلعن أولئك الجهلة المارين بجوارنا؛ بل ونطالب السياسيين بتبجح يليق بنا أن يمنحونا فرصة أكبر وأموالًا أكثر وقاعات أرحب لنلطخ جدرانها وخشباتها بمزيد من السواد.
والآن.. هل يحق لنا السؤال: (لماذا المسرح؟)
أظن أنه السؤال الذي لن نسأله أبدًا.. فهو السؤال الكاشف المعري.. فلنغض الطرف عنه ولنهنأ بلقاءات الأصدقاء.