قبلة عشاق الخشبة

يؤكد عدد من المسرحيين أن الحركة المسرحية في الإمارات عامة وفي الشارقة خاصة ليست طارئة على المشهد الثقافي، وإنما هي نابعة من مسيرة لها جذور ضاربة في عمق التاريخ؛ فقد تأسست أول فرقة مسرحية في الشارقة عام 1963، وبفضل الاهتمام الذي يوليه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة للحركة المسرحية، ظل المسرح الإماراتي يواكب التطور المتسارع الذي يشهده المسرح في العالم، وتواصل مع الحركة المسرحية العربية والعالمية، من خلال عروض فنية تلامس العديد من القضايا المجتمعية وتنشر الوعي المسرحي، كما ظل دعم الشارقة للمسارح مستمرا في أنحاء الوطن العربي.

إن تنظيم المهرجانات الاحترافية مثل «أيام الشارقة السنوي» و «الأطفال» ومهرجان المسرح الخليجي، و»الصحراوي» بالإضافة إلى إطلاق مسابقات عدة في المسرح مثل «التأليف المسرحي»، وتأسيس أكاديمية الشارقة للفنون الأدائية، كل ذلك ساهم في تحول الشارقة إلى بوتقة للمسرح تنطلق منها أهم الأعمال المسرحية بمشاركة مبدعين إماراتيين وخليجيين وعرب.

دعم

يقول الفنان عبد الله صالح: «إن الاهتمام الذي يوليه صاحب السمو حاكم الشارقة للحركة المسرحية يعد ظاهرة فريدة من نوعها، لم نشهد مثلها في تاريخ الثقافة عربياً أو عالمياً، فقد حرص سموه على دعم مسيرة المسرح منذ بداياتها، وبفضل توجيهاته السامية تم إنشاء خشبات المسرح في معظم المراكز الثقافية في الشارقة وكلباء وخورفكان ودبا الحصن والذيد، مما ساعد على خلق بيئة مشجعة على استقطاب المواهب، وكذلك فإن اهتمام سموه متواصل في تقديم الدعم المادي والمعنوي للفرق المسرحية بالشارقة ما حفز على الاستمرارية بجد واجتهاد حتى حققت النجاح والتميز بعملها المسرحي ونالت العديد من الجوائز المحلية والعربية، على كافة الصعد سواء في التمثيل أو الإخراج أو التأليف».

ويضيف: الحركة المسرحية في الإمارات عامة وفي الشارقة خاصة ليست طارئة على المشهد الثقافي وإنما هي نابعة من مسيرة لها جذور ضاربة في عمق التاريخ، فقد تأسست أول فرقة مسرحية في الشارقة عام 1963 على يد الفنان واثق السامرائي، وظلت هذه الحركة تنمو وتتطور وتزدهر باستمرار، وقد وجدت دعماً كبيراً من القيادة الرشيدة التي كانت ولا تزال تؤمن بقيمة الفن وأهميته في بناء الإنسان، فشهدت الدولة حراكاً مسرحياً كبيراً مرّ بعدة مراحل، منها ابتعاث الخريجين لدراسة أبي الفنون، الذين صقلوا موهبتهم بالدراسة الأكاديمية ثم قدموا مسرحيات راقية مثل «حبة رمل» لناجي الحاي، و«جميلة» لجمال مطر، وغيرها الكثير.

وعرج صالح على إنشاء الهيئة العربية للمسرح في 2007 وتوالي المسيرة بنضج ووعي وأهداف مرسومة بدقة من خلال الاهتمام بالمهرجانات مثل أيام الشارقة المسرحية و»الإمارات لمسرح الطفل»، و»المسرحيات القصيرة» و»الكشفي و»الصحراوي» ودعم الفرق المسرحية المشاركة في عروض الأيام بمكافآت سنوية من قبل سموه، وهذا يؤكد دعم سموه واهتمامه على إظهار الشارقة في أحسن حلّة ثقافية، فالمسرح فن من فنون عديدة يدعمها سموه، والشارقة بالفعل عاصمة للثقافة بجدارة عالية.

مواكبة التطور

ويستشهد الفنان مبارك ماشي بمقولة شهيرة لصاحب السمو حاكم الشارقة «نحن كبشر زائلون ويبقى المسرح ما بقيت الحياة»، موضحاً أن بدايات الحركة المسرحية في الإمارات كانت عن طريق جمعيات الفنون الشعبية والنوادي الرياضة والمدارس التي تبنت المسارح، فكانت تجارب فنية بسيطة عفوية، لكنها وجدت اليد البيضاء من الأب الروحي صاحب السمو حاكم الشارقة، مما ساعد على ازدهار المسرح الإماراتي عامة والشارقة خاصةً، وكان لإنشاء دائرة الثقافة بحكومة الشارقة دور كبير في تحقيق قفزات نوعية في مسيرة المسرح، وتم استقطاب العديد من الكوادر الفنية العربية بالعمل المسرحي، كان لهم أثر إيجابي بالنهوض في المسرح كالفنان العراقي جواد الأسدي وغيره، وظل المسرح في الشارقة يواكب التطور المتسارع الذي يشهده المسرح في العالم، كما تواصل مع الحركة المسرحية العربية والعالمية، وبالفعل تحولت الشارقة إلى بوتقة الثقافة في الوطن العربي، وصارت تضم معاهد وجامعات يتم فيها تدريس المسرح والسينما، كما تنظم الشارقة العديد من الملتقيات التي تركز على المسرح ودوره وأهميته مثل ملتقى الشارقة للمسرح العربي، وملتقى الشارقة للبحث المسرحي، وتهتم بنشره كي تثري المكتبة المسرحية العربية، فالشارقة دائماً سبّاقة في إقامة المهرجانات الثقافية والمسرحية الموجهة للكبار وللأطفال.

إيمان بالمشروع

ويقول الدكتور محمد يوسف: «المسرح بالإمارات تبلور من خلال المواقف المسرحية البسيطة المعتمدة على الارتجال، في وقت لم يكن هناك مخرج ولا كاتب متميز يمكن الاعتماد عليه، وكان الارتجال سيد الموقف، ومع بداية التعليم النظامي بالدولة ظهرت محاولات تأسيس المسرح المدرسي انطلاقاً من الفرق الكشفية وحفلات السمر، كما إن وجود الأندية الرياضية ساعد على انتشار«الاسكتشات» المرتجلة التي ركزت مواضيعها على غلاء المهور والواسطة في ذاك الزمن، وبعض الأعمال ذات طابع وطني وقومي (قبل الاتحاد) كالتي كانت تسود الوطن العربي».

ويتابع يوسف: مشروع المسرح بالشارقة والإمارات مر بمراحل طويلة منطلقاً من المسرح المدرسي حتى بات الإيمان بضرورة الاهتمام به، وأشهرت عدة فرق مسرحية أهلية، إلا أن نشاطها بدأ يتضاءل بعد فترة لضعف الإمكانيات المادية ولندرة الخشبة المتكاملة فنياً، ثم برزت فرق مسرحية تكاملت إمكانياتها البشرية والفنية ومن أهمها فرقة مسرح الفنون الشعبية بالشارقة التي تحولت إلى فرقة المسرح الوطني، ومن ثم تحولت إلى فرقة مسرح الشارقة الوطني بعد دمجها مع فرقة مسرح الإمارات، وتحول مسرح الإمارات إلى إمارة دبي تحت مسمى المسرح القومي وتلقى دعماً مالياً تحت مظلة وزارة الشباب والرياضة.

ويوضح د. يوسف أن المسرح بالشارقة كبر وواجه تحديات كثيرة واتجه إلى الأعمال الجادة، بعد نضج أعضائه وكان من بينهم الفنان والمخرج الكويتي صقر الرشود، وتم تقديم مسرحية «شمس النهار» لتوفيق الحكيم كأول مسرحية تعرض تلفزيونياً على الهواء مباشرة من قاعة إفريقيا، التي تحولت من قاعة للندوات إلى خشبة عريقة وقف عليها كبار الفنانين العرب وقدموا أعمالاً لن ينساها التاريخ مثل «كاسك يا وطن» و«نورة للمسرح العربي –الكويت»، موضحاً أن من أصعب التحديات التي واجهت المسرح عدم وجود متخصصين فيه، حتى عاد مبتعثو الدولة من الكويت ومصر وبعض الدول الأجنبية.

وأكد أن الإيمان الكامل بمشروع وأهمية المسرح أدى إلى تنمية القدرات الفنية بالكتابة والإخراج والتمثيل، فانتشرت الدورات الفنية، فنهض المسرح الإماراتي من دورات «الشارقة المسرحية» وما يتم خلالها من تقدير وتكريم وحماس يتسابق عليه الجميع، ولا ننسى مسرح الطفل و»المسرحيات القصيرة» ومن خلال هذا البزوغ تكونت العديد من الأسماء التي سطع نجمها مثل محمد العامري وإسماعيل عبدالله وغيرهم كثيرون، كما أن المشاركات العربية داخل وخارج الإمارات جعل الشارقة العنوان الأبرز للمسرح، ويكفي أن نعلم أن «النمرود» التي كتبها صاحب السمو حاكم الشارقة وقدمتها فرقة «الشارقة الوطني» عرضت على أكثر من 30 خشبة عالمية إلى جانب عرضها على خشبات المسرح العربي، لقد طافت العالم على مدى 12 عاماً من العروض المدهشة.

ويرى يوسف أن المسرح الكشفي أيضاً منح العديد من المواهب للمسرح المحلي، التي أشرقت من الشارقة، وهناك جهود جمعية المسرحيين و»العربية للمسرح» و»دائرة الثقافة» ومهرجاناتها، ليكتمل العمل ولتبقى الشارقة قبلة المسرحيين في الوطن العربي، شمس لا تغيب، مبدعها راعي المسرح الأب الروحي صاحب السمو حاكم الشارقة، فلولا جهوده العظيمة لانطفأت أنوار الخشبات المسرحية.

ملاذ

الكاتب والمخرج المسرحي عبد الرحيم المجيني يقول: «عوامل عديدة ساعدت على ازدهار المسرح الشارقي لا يمكن حصرها، من أهمها، الدعم الكبير لسموه، ثم تنظيم المهرجانات الاحترافية مثل «الأيام» ومهرجان الأطفال» و «المسرح الخليجي» وغيرها بالإضافة إلى إطلاق مسابقات عديدة في مجال المسرح كالتأليف المسرحي، وتأسيس «أكاديمية الشارقة» وكل ذلك ساهم في تحول الإمارة إلى بوتقة للمسرح تنطلق منها أهم الأعمال بمشاركة مبدعين إماراتيين وخليجيين وعرب، حتى غدت الشارقة ملاذاً لعشاق المسرح، كيف لا وقد تم إنقاذ أكثر من مهرجان عربي وخليجي من السقوط برعاية صاحب السمو حاكم الشارقة،

ومما لا شك فيه أن تعدد المهرجانات المسرحية يثري الساحة ويقوي التنافسية، فهي تأتي بخبرات متعددة وبقامات كبيرة، كما أن المسابقات المستمرة تبرز الأجمل كل عام، بالإضافة إلى دور أكاديمية الشارقة للفنون الأدائية، التي تعمل بدعم خاص ومباشر من سموه وتضم بين جنباتها مسارح ومسرحيين وأكاديميين مخضرمين على أعلى المستويات، كما تقام فيها ورش عمل ومختبرات أداء، تصب في خانة إثراء العروض المسرحية، وصدقاً فإن مساندة ورعاية ودعم سموه للمسرح، جعله يتلألأ بألوان زاهية برّاقة، كالبلور عندما يسقط عليه النور.

 

تحقيق: نجاة الفارس

https://www.alkhaleej.ae/

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح