“رحل النهار” لمسرح الشارقة الوطني – الإمارات: صرخات الإنسان والحلم بغد أفضل د. حسن رشيد

يؤكد الكاتب الإماراتي إسماعيل عبد الله، مؤلف نص “رحل النهار”، أن الدراما التلفزيونية لم تسرقه من عشقه الأزلي منذ أن ارتمى في حضن المسرح… لماذا؟ هذا السؤال الاستفزازي مرجعه إلى أن إسماعيل عبد الله صاحب مشروع، ولذا فهو عبر نتاجه الثر، يعود مرة أخرى إلى الواقع المعاش بعد أن قام بنبش الماضي وعرى جزءًا من وقائع الماضي عبر رائعتيه “البوشيه ومجاريح” واعتمد على أفكار الآخرين في إطار بحثه الدؤوب عن التجديد والتطوير عبر نتاج الكتاب الآخرين ولكن بطعم ورائحة واقعنا المعاش.

لا يهم إن كان روسيًا أم تركيًا.. فهو في كل مسرحية يسابق الزمن حتى أصبح اسمه علامة فارقة لمسرح عربي يتنفس حرية كانت في أحايين كثيرة مغلفة بالخوف من الرقابة.. رقابة المبدع ورقابة السلطة، كل هذا لأنه وجد الواقع الداعم لمسيرة المسرح، ولنموذج عشق المسرح وغرسها في ذاكرة جل المبدعين من أبناء وطنه، فانطلق إسماعيل ورفقاء الدرب.. أحمد الجسمي، محمد العامري، حسن رجب، مرعي الحليان وغيرهم. هذا الانطلاق من قبل فرسان الشارقة خلق حالة مسرحية عربية، وعبر سنوات قصار تلاشي تلك المقارنات بين مسرحنا الوليد خليجيًا والمسرح العربي أو الآخر، فالأمر مرتبط بالعطاء.

الكاتب إسماعيل عبد الله صاحب مشروع خاص، مرتبط بفكره وثقافته، فكان هذا الارتماء في أحضان المسرح، لأنه بمقدوره أن يعبر بأعلى صوته ويجيب على تلك الأسئلة الوجودية “لماذا وكيف؟” أو كما أسلفت فسلاحه الكلمة وهذه الشخوص التي تحمل أحلامه، ويتحرك فوق خشبة المسرح، لا يهم من يحركهم سواء حسن رجب أو محمد العامري أو غيرهم فهو قد خلق وشائج مع رفقاء الدرب يذكرنا بما كان بين “تشيخوف وستانسلافسكي” كما قرأنا أو الماغوط ودريد أو عبد العزيز السريع وصقر الرشود أو ذات يوم بين محمد صبحي ولينين الرملي.. إلخ.

إسماعيل عبد الله لا يكتب بحثًا عن جائزة أو استعراضًا للعضلات، ولكن عبر لغة شاعرية يصبغ حوار شخصياته، وعبر تجاربه وعبوره في رحلة الحياة يستحضر هذه النماذج التي تحمل أفكاره وأحلامه بغدٍ أكثر إشراقًا.

في “رحل النهار” كعادته لا يقف على شكل مسرحي، وفي هذا النص يعتمد أيضًا على صرخات الشعراء العرب، هنا “محمود درويش، سميح القاسم، بدر شاكر السياب، توفيق الزياد، أحمد مطر، أمل دنقل، المنصف المزغني، خلف الخلف، الصغير أولاد أحمد، وغاب عن الإسهام مظفر النواب صاحب وتريات ليلية، كما غاب شاعر آخر صرخ ذات عام (1985) في مهرجان المربد، رائعة من روائعه ألا وهو نزار قباني، وقام لاحقًا المرحوم الموسيقار القطري عبد العزيز ناصر بتلحينها، وهي صرخة أخرى من صرخات شعراء الضاد “مسافرون، مسافرون، نحن في سفينة الأحزان، قائدنا مرتزق وشيخنا قرصان، مواطنون دونما وطن، مطاردون كالعصافير على خرائط الزمن، مسافرون دون أوراق وموتى دونما كفن.. إلخ”.

في هذا النص.. الصرخة، يغلف الكاتب المضمون في البداية بحكاية.. ومن ثم يطرح عبر رؤيته الإخراجية ما يشغل ذاكرته ويتواءم هذا الأمر مع فكر المخرج محمد العامري، فكلاهما يعرفان ويقرآن أفكار الآخر، من هنا المواءمة بين لغة شاعرية يصبغ بها الكاتب حوار شخوصه، وبين مخرج يمنح الحياة لهذه الشخوص عبر اختيار من يملك القدرة على إيصال الفكرة للمتلقي عبر القدرة على التجسيد.

وإذا كان الكاتب يستعرض في أي نص قدمه عبر تاريخه الطويل مقدرته على استحضار اللغة السامقة حتى قيل إن المسرح قد سرقه من الشعر، إلا أن الحنين دائمًا يجرفه إلى الشعر، فهو غواص ماهر في اختيار الكلمة المتفردة في أي فكرة مسرحية سواء ما ارتبط بقضايا المجتمع أو الإطار الشعبي أو الخرافات.. تتعدد مصادره ولكن في “رحل النهار” صرخة أخرى.. فبرحيل النهار يغلف الكون الظلام، وهنا يكون “للخفافيش” دورٌ آخر، وهذا ما عراه عبر النماذج. في هذا النص يعيش الكاتب هاجس الواقع المغلف بالقهر والظلم والطغيان، نماذج عدة نعم.. ولكن لا يختلف أحدها عن الآخر.

هنا لا يتحمل الكاتب متفردًا صرخات الإنسان، نعم الأحداث تأخذنا إلى عدة أقطار، ولكن في براءة يقول صاحب النص.. هذا امتزاج بين أكثر من فكرة، هنا “كولاج” بين صرخته وصرخة جل الشعراء العرب.. نعم البناء المعماري للنص من ابتكاره، والعمل ينسب له، حتى وإن استعان بما جادت به قريحة الشعراء.. حركة ذكية إذا حوصر فسوف يبرر.. كل هذه الصرخات ترنم بها كثيرون قبلي.

وعبر التشكيل في الفراغ المسرحي.. وعبر الحلم بالغد الآتي.. تتعدد المآسي.. هروب العاشق خوفًا من الاعتقال، ومن أجمل المشاهد التي عالجها العامري.. مشهد العقاب على مستويين.. والتشكيل في الفراغ المسرحي عبر الحبال.. أما أجمل المشاهد ففي نقطة “عاد النهار” وتعدد المستغلين سواء الأجنبي أو المستغل عبر تعرية لواقع عربي مأزوم.

كل هذا لأن النص يحمل فكرًا، ولأن المخرج يملك أدواته في تحريك كافة عناصر العرض المسرحي.. وكان استحضار (المالد) ذلك الطقس الديني احتفالاً بمولد سيد الأنام وترديد مفردة “مدد.. مدد” ليس تأكيدًا على الهزيمة ولكن ارتباطًا بقوى أخرى سيكون للإنسان الباحث عن النجاة.

ولذا، فلم يستفد الكاتب فقط بما قدمه الشعراء.. هناك اعتماد آخر لا يقل مؤازرة للنص عبر استحضار الآيات القرآنية والأحاديث.. “وأما السائل فلا تنهر”، “ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك”.. إلخ.

سؤال برسم الإجابة: هذه الصرخة التي أطلقها الكاتب الكبير إسماعيل عبد الله هل تحمل التحذير مما هو آت أم صرخة أخرى؟! إن هذا الواقع لن يتغير!

أعتقد جازمًا.. لا هذا ولا ذاك، ذلك أن الإرادة بلا شك أبرز الأمور وتحقيق الأماني والأحلام “سنصنع السفينة من ضلوعنا”، وتلك الصرخات “حي على البناء” “ليس بالسيف يوقد النور”، وإذا كان المشهد الافتتاحي عبر الرؤوس، وكذلك المشهد الختامي، فالمؤلف والمخرج لا يقدمان ما يجسد روح اليأس، وأن المقاومة أعجز من تحقيق أماني الشعب.. الرسالة من كلاهما أهم بكثير من هذه الرؤية المتواضعة.. لابد وأن تشرق شمس الحرية حتى وإن صرخ القائد العسكري “من الشعب” والمؤسف أنها صورة مكررة.

والأجمل أن النماذج الأربعة عبر المشاهد تجسد مسرحية بذاتها، خاصةً مشهد “الملالي” وسيطرة الولي الفقيه وعبر الترنيمة “وا ويلاه ويلي..” كان طرحًا صريحًا ومباشرًا، هذا المشهد قد حمل الكثير من المعاني حيث يتساوى رجل الدين مع المفكر مع الجنرال..

“رحل النهار” عرض مسرحي قال كل شيء.. وعرى واقعنا، قدم نماذج نعرفها وبلادًا دفعت الثمن عبر أناس ترنموا بحب الوطن، ولكن عبر شعارات جوفاء، واستلهم الكاتب الفكرة وتبرأ من كل هذا وقال: أنا سجلت ما قاله الشعراء، فإذا كان هناك احتجاج من قبلكم فإن الذنب ذنب جل أصحاب الصرخات، وإذا كان هناك محاكمة للبعض، فليكن محاكمة الشعراء الذين طرحوا قصائدهم وترنموا بها…!

نعم هذا العرض المسرحي، وإن استحضر واقع الأمة والإنسان.. فإنه قد أطلق صرخة الاحتجاج.. متى تصحون من غفلتكم؟ انتبهوا.. فكان الرد.. مازال الوقت بكرًا.. وصرخ آخر.. نحن مقيدون باليأس.. وعبر الشعب: إذا الشعب يومًا أراد الحياة.. وأمسك الكهل بعصاه وهو يردد… ما معنى الحياة…؟!