الرئيسية / الهيئة العربية للمسرح / مقالات / رائد المسرح الذهني توفيق الحكيم – د. رشاغانم -#مصر

رائد المسرح الذهني توفيق الحكيم – د. رشاغانم -#مصر

د. رشاغانم| الجامعة الأمريكية – مصر

كانت مسرحيته المشهورة «أهل الكهف» في عام 1933 حدثًا مهما في الدراما العربية، فقد كانت تلك المسرحية بداية لنشوء تيار مسرحي عرف بـ«المسرح الذهني» يعالج فيها الصراع مع الزمن ، بالرغم من الإنتاج الغزير لتوفيق الحكيم فإنه لم يكتب إلا عدداً قليلاً من المسرحيات التي يمكن تمثيلها على خشبة المسرح فمعظم مسرحياته من النوع الذي كُتب ليُقرأ فيكتشف القارئ من خلاله عالماً من الدلائل والرموز التي يمكن إسقاطها على الواقع في سهولة لتسهم في تقديم رؤية نقدية للحياة والمجتمع تتسم بقدر كبير من العمق والوعي.

توفيق الحكيم  من أهمِّ مؤلفاته: أن أول مسرحية كتبها : أهل الكهف  يعالج فيها الصراع مع الزمن، سنة 1933، وأن آخر مسرحية كتبها : الحمير ، سنة 1975.من أشهر مسرحياته: ،شهرزاد1934،براكسا أو مشكلة الحكم 1939،بجماليون1943،سليمان الحكيم1943،شمس النهار 1966،مصير صرصار1966،بنك القلق1967،مجلس العدل1972،الدنيا رواية هزلية 1974، والسلطان الحائر، عودة الروح، يوميات نائب في الأرياف، الأيدي الناعمة، عصفور من الشرق، عدالة وفن، الملك أوديب، سلمان الحكيم، وغيرها.

اشتهر بالمسرح الذهني الذي تميز بــــ:البناء التراجيدي- الصراع التراجيدى القضايا الذهنية  معنى الحياة المعرفة الحب الأبعاد الانسانية أمَّا المسرح الذهني فهو على عكس المسرح التقليديِّ، مسرحيتين هما (يا طالع الشجرة) و (طعام لكل فم) ، وهما من مسرح اللامعقول فالغرض من المسرح الذهني أن يكون مقروءًا وليس قابلًا للأداء على خشبة المسرح من قبل مجموعة من الممثلين، وهو ما يسهُل تصوُّره وتأمله، لكن من الصعب أن يتمَّ أداؤه أمام الجمهور، قد ارتبط هذا النوع الأدبي من التخيُّل الروائي بالكاتب توفيق الحكيم رائد المسرح الذهني؛ لأنَّ مسرحيَّاته تنتقل إلى داخل ذهن المشاهد وتأخذه في تفكيرٍ عميق وهي من النوع الذي يسهلُ تخيُّلها ويصعبُ أداؤهَا. وإنما كانت معظم مسرحياته من النوع الذي يمكن أن يطلق عليه (المسرح الذهني)، الذي كتب ليقرأ فيكتشف القارئ من خلاله عالما من الدلائل والرموز التي يمكن إسقاطها علي الواقع في سهولة ويسر؛ لتسهم في تقديم رؤية نقدية للحياة والمجتمع تتسم بقدر كبير من العمق والوعي. وهو يحرص علي تأكيد تلك الحقيقة في العديد من كتاباته، ويفسر صعوبة تجسيد مسرحياته وتمثيلها علي خشبة المسرح؛ فيقول: (إني اليوم أقيم مسرحي داخل الذهن، وأجعل الممثلين أفكارا تتحرك في المطلق من المعاني مرتدية أثواب الرموز.. لهذا اتسعت الهوة بيني وبين خشبة المسرح، ولم أجد قنطرة تنقل مثل هذه الأعمال إلي الناس غير المطبعة)

ولا ترجع أهمية توفيق الحكيم إلي كونه صاحب أول مسرحية عربية ناضجة بالمعيار النقدي الحديث فحسب، وهي مسرحية (أهل الكهف)، وصاحب أول رواية بذلك المعنى المفهوم للرواية الحديثة وهي رواية (عودة الروح)، اللتين نشرتا عام 1932م، وإنما ترجع أهميته أيضًا إلى كونه أول مؤلف إبداعي استلهم في أعماله المسرحية الروائية موضوعات مستمدة من التراث المصري. وقد استلهم هذا التراث عبر عصوره المختلفة، سواء كانت فرعونية أو رومانية أو قبطية أو إسلامية، كما أنه استمد أيضا شخصياته وقضاياه المسرحية والروائية من الواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي المعاصر لأمته.

؟شتهر توفيق الحكيم على مدى تاريخه الطويل بالعديد من المعارك الفكرية التي خاضها أمام ذوي الاتجاهات الفكرية المخالفة له؛ فقد خاض معركة في أربعينيات القرن العشرين مع الشيخ المراغي شيخ الأزهر آنذاك، ومع مصطفى النحاس زعيم الوفد، وفي سبعينيات القرن العشرين خاض معركة مع اليسار المصري بعد صدور كتاب “عودة الوعي”، وكانت آخر معارك الحكيم الفكرية وأخطرها حول الدين عندما نشر توفيق الحكيم على مدى أربعة أسابيع ابتداء من 1 مارس 1983 سلسلة من المقالات بجريدة الأهرام بعنوان “حديث مع وإلى الله.

سمي عدو المرأة وذلك يرجع إلى السيدة هدى شعراوي بسبب مهاجمته أسلوبها في تشكيل عقلية المرأة المصرية خاصة البنات، بأن حذرتهن من الاستمرار في حياة الجواري وخدمة الرجال والأزواج في البيت لأنهن مساويات للرجل في كل شيء، واشتكى لي بعض الأزواج من البنات والزوجات، اللاتي يفكرن بطريقة شعراوي فهمهمن لرقي المرأة وأنه استعلاء على الرجل وعدم الخدمة في البيت فكتبت في ذلك، ونصحت الزوجة الحديثة بأن تعرف على الأقل أن تهيئ الطعام لزوجها وأن أسهل صنف يمكن أن تطبخه له هو صينية البطاطس في الفرن

وفي 1946م تزوج الحكيم أثناء عمله في «أخبار اليوم»، وأنجبت له زوجته طفلين هما إسماعيل وزينب، ولم يخبر أحداً بأمر زواجه حتى علق مصطفى أمين قائلاً (نحن الصحفيين مهمتنا الحصول على الأخبار ونحصل عليها من السراي ولا نعرف بزواج الحكيم) ويكتب مصطفى أمين عن زواجه في مقال له بعنوان (عدو المرأة يتزوج بشروطه) وينقله لنا الدكتور أحمد سيد محمد في كتابه «توفيق الحكيم.. سيرته وأعماله» فيقول: إنه أخفى عليهم أمره ثم اعترف لهم بأنه تزوج من سيدة مطلقة لها ابنتان، وأن الزواج عقلى الغرض الأول منه تأسيس بيت يصلح لحياة فنان، الكتب فيه أهم من الفراش، والموسيقى فيه أكثر من الطعام!

 قال المرأة عقل الأمل إذا ذبل عقلها ذبلت الأمة” رغم ما شاعَ بين الناس عن رائد المسرح الذهني بأنَّه كان عدوًّا للمرأة، لكنَّ معظمَ كتاباته كانت تشهد له بعكسِ ذلك، فقد أحاط الحكيم المرأة بنصيبٍ وافرٍ من كتاباته التي يتحدَّث فيها عن المرأة بإجلالٍ واحترامٍ قد يقتربُ من درجةِ التقديس وتناولَ قضايا تحرُّر المرأة في كتاباته، وتتصفُ المرأة عنده بالإيجابية والتفاعل ولها تأثير واضح في الأحداث ودفع عجلة الحياة، ويظهرُ ذلك جليًّا في عدد من مسرحيَّاته مثل: شهرزاد، إيزيس، الأيدي الناعمة وغيرها. لكن بعد أن نشرَ مسرحيَّة “المرأة الجديدة” والتي مثَّلت نوعًا من المحاكاة الساخرة للحركة الصاعدة التي قادها قاسم أمين، وغيرها من المسرحيات الجدليَّة لقِّبَ بعدوِّ المرأة رغمَ أنَّه حاول كثيرًا أن يبعدَ هذه الصفة عن نفسه، وقال إنَّ مواقفه من حركات تحرُّر المرأة كان ردًّا على مواقف السيدة هدى شعراوي فقط لا غير، ورغمَ ذلك بقيَ توفيق الحكيم رائدُ المسرح الذهني كاتبًا محبوبًا وشخصيَّةً مرموقةً في العالم العربي.

احتلت المرأة فى مسرح “توفيق الحكيم” مكانة مرموقة عالية حيث كرمت وأعطيت حقها من التقدير والاحترام، ولم يعد ينظر إليها على أنها متاع مملوك للرجل، تأكل وتشرب وتنجب وكفى، بل أصبحت محترمة، خلافا لما كان سائدا.ومن ناحية أخرى تمتعت المرأة أيضا عنده بسمة أخرى تمثلت فى أنها تقوم بالخطوة الأولى لتحريك كل الأمور المحيطة بها مما جعلها مركز الثقل بالمسرحية شهرازاد. هذا إلى جانب أنها تمتعت ببعض السمات التى تمثلت فى قوتها التى يخشى بأسها، تحمل من صفات الرجل الكثير ولم تعد تلك المرأة المستكينة الضعيفة التى صورها الكتاب من قبل.مثال لها مسرحية شهرازاد  صور “توفيق الحكيم” دور المرأة من خلال مسرحيته “شهرزاد” فجعل لها الحق فى القيام بالخطوة الأولى المتمثلة فى مبادرتها من أجل تغيير حال ترى أنه مشين، ويتحقق هذا لـ”شهرزاد” التى رفضت ما كان يقوم به “شهريار” تجاه النساء ونجحت فى أن تصرفه عن حبه وعشقه لسفك الدماء وتحول إلى طلب المعرفة والعلم، من وهذا ما حدث بالفعل أيضا مع شخصية “شهرزاد” التى استطاعت برغم القيود الظاهرة أن تمارس ميولها دون قيود حقيقية عن طريق التحايل على “شهريار”، وتنجح فى أن تنقذ حياتها، وتستمتع بتحقيق ما تتمناه، وأكثر من ذلك نجاحها فى تحقيق التغيير فى شخصية “شهريار”

 كذلك شخصية الغانية فى مسرحية “السلطان الحائر” تنجح فى إعطاء “السلطان” و”القاضى” بل الجميع درسا فى إصرارها على أن يصححوا نظرتهم إليها كامرأة نظر إليها على أنها ساقطة تسعى من أجل المال واللذة، وتعطيهم درسا تبادر فيه وتوضح ضرورة التمسك بالقيم والقانون والابتعاد عن القوة تحقق عند “توفيق الحكيم” أيضا حقها فى الاختيار والرفض فيما يتعلق بأمور الزواج والحب، وتتحقق هذه السمة عند “الحكيم” فى مسرحيته “السلطان الحائر”، فـ”الغانية” التى اشترت السلطان وأجلسته إلى جوارها وأصرت على حقها فى أن تتمتع بوقتها، كيفما تحب، نراها تصر على أن يبقى “السلطان” معها تلك الليلة إلى أن يؤذن المؤذن لصلاة الفجر، وهنا نرى أن “الغانية” تحادث “السلطان” وتطلب منه أن يشاركها فى الاستمتاع بالغناء والموسيقى، ويتساءل “السلطان” هل هذا كل ما تطلبه، فتجيبه أنها لا تسعى إلى أكثر يفترض البعض أن جميع نساءه أخذن ملامحهن من جو الأساطير “إيزيس.

المسرح اليوناني وأثره على كتابات الحكيم:

 نجد مؤسسي المسرح اليوناني وسفوكليس ويوربيدس اكتشف الحكيم حقيقة أن الثقافة المسرحية الأوروبية  فمثلا كتاب ومسرحيو فرنسا موليير و كورنيه وراسين أسست أعمالهم على أصول المسرح اليوناني فقام بدراسة المسرح اليوناني القديم كما اطلع على الأساطير والملاحم اليونانية العظيمة. مسرحية أوديب غير مثال للتأثر بالأدب اليوناني فأوديب عند سوفوكليس غير عند الحكيم في بحثه عن الحقيقة فهو طورها جدا.

اثر العمالقة جورج ابيض الريحاني يوسف وهبي على فكر توفيق الحكيم تردده على فرقة جورج أبيض ما يرضي حاسته الفنية لانجذابه إلى المسرح ولا يمكن لأي باحث أن ينكر الجهود الإبداعية التي قام بها لفيف من كتاب المسرح العربي في عصرنا الراهن ، مما أدى إلى تنوع المسرح العربي في اتجاهاته وفي بنائه الفني ، ونذكر من هؤلاء على سبيل الذكر لا الحصر : علي أحمد باكثير ، والفريد فرج ، وسعد الدين وهبة ، و يوسف إدريس ، ومحمود دياب .. وغيرهم ، وغيرهم ممن كان لهم الأثر الواضح في النهوض بالمسرح العربي وفي هذه الفترة اهتم بالتأليف المسرحي فكتب محاولاته الأولى من المسرح مثل مسرحية “الضيف الثقيل” و”المرأة الجديدة” وغيرهما إلا أن أبويه كانا له بالمرصاد فلما رأياه يخالط الطبقة الفنية قررا إرساله إلى باريس لنيل شهادة الدكتوراه.

استخدم موضوعات مستمدة من التراث الفرعوني كما  لنشأة الحكيم من أب يشتغل بالقضاء نتيجة ادراكه العقلي ساعده ذلك في  تحويل الواقع إلى رموز، يرجع إلى كونه صاحب أول مسرحية عربية ناضجة بالمعيار النقدي الحديث فحسب، وهي مسرحية “أهل الكهف”، وصاحب أول رواية بذلك المعنى المفهوم للرواية الحديثة وهي رواية “عودة الروح”، اللتان نشرتا عام (1350 هـ=1932م)، وإنما ترجع أهميته أيضا إلى كونه أول مؤلف إبداعي استلهم في أعماله المسرحية الروائية موضوعات مستمدة من التراث المصري.

وقد استلهم هذا التراث عبر عصوره المختلفة، سواء كانت فرعونية أو رومانية أو قبطية أو إسلامية، كما أنه استمد أيضا شخصياته وقضاياه المسرحية والروائية من الواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي المعاصر لأمته.

مزج توفيق الحكيم بين الرمزية والواقعية علي نحو فريد يتميز بالخيال والعمق دون تعقيد أو غموض. وأصبح هذا الاتجاه هو الذي يكون مسرحيات الحكيم بذلك المزاج الخاص والأسلوب المتميز الذي عرف به. ويتميز الرمز في أدب توفيق الحكيم بالوضوح وعدم المبالغة في الإغلاق أو الإغراق في الغموض؛ ففي أسطورة إيزيس التي استوحاها من كتاب الموتى فإن أشلاء أوزوريس الحية في الأسطورة هي مصر المتقطعة الأوصال التي تنتظر من يوحدها ويجمع أبناءها علي هدف واحد. و(عودة الروح) هي الشرارة التي أوقدتها الثورة المصرية، وهو في هذه القصة يعمد إلي دمج تاريخ حياته في الطفولة والصبا بتاريخ مصر، فيجمع بين الواقعية والرمزية معا على نحو جديد، وتتجلي مقدرة الحكيم الفنية في قدرته الفائقة على الإبداع وابتكار الشخصيات وتوظيف الأسطورة والتاريخ على نحو يتميز بالبراعة والإتقان، ويكشف عن مهارة تمرس وحسن اختيار للقالب الفني الذي يصب فيه إبداعه، سواء في القصة أو المسرحية، بالإضافة إلي تنوع مستويات الحوار لديه بما يناسب كل شخصية من شخصياته، ويتفق مع مستواها الفكري والاجتماعي؛ وهو ما يشهد بتمكنه ووعيه. ويمتاز أسلوب توفيق الحكيم بالدقة والتكثيف الشديد وحشد المعاني والدلالات والقدرة الفائقة علي التصوير؛ فهو يصف في جمل قليلة ما قد لا يبلغه غيره في صفحات طوال، سواء كان ذلك في رواياته أو مسرحياته. ويعتني الحكيم عناية فائقة بدقة تصوير المشاهد، وحيوية تجسيد الحركة، ووصف الجوانب الشعورية والانفعالات النفسية بعمق وإيحاء شديدين.

المراحل الأدبية التي مر بها الحكيم؟لمرحلة الأولى:

وهي التي شهدت الفترة الأولى من تجربته في الكتابة، وكانت عباراته فيها لا تزال قليلة، واتسمت بشيء من الاضطراب حتى إنها لتبدو أحيانا مهلهلة فضفاضة إلى حد كبير، ومن ثم فقد لجأ فيها إلى اقتباس كثير من التعبيرات السائرة لأداء المعاني التي تجول في ذهنه، وهو ما جعل أسلوبه يشوبه القصور وعدم النضج. وفي هذه المرحلة كتب مسرحية أهل الكهف، وقصة عصفور من الشرق، وعودة الروح.

المرحلة الثانية:

حاول في هذه المرحلة العمل على مطاوعة الألفاظ للمعاني، وإيجاد التطابق بين المعاني في عالمها الذهني المجرد والألفاظ التي تعبر عنها من اللغة. ويلاحظ عليها أنها تمت بشيء من التدرج، وسارت متنامية نحو التمكن من الأداة اللغوية والإمساك بناصية التعبير الجيد. وهذه المرحلة تمثلها مسرحيات شهرزاد، والخروج من الجنة، ورصاصة في القلب، والزمار.

المرحلة الثالثة:

هي مرحلة تطور الكتابة الفنية عند الحكيم والتي عكست قدرته على صياغة الأفكار والمعاني بصورة جيدة. وخلال تلك المرحلة ظهرت العديد من مسرحياته مثل سر المنتحرة، نهر الجنون، وبراكسا، وسلطان الظلام.

توفيق الحكيم  لا نعطيه حقه في ريادة المسرح حقا قامة  مصريةعربية عظيمة وصلت للعالمية تستحق المزيد والمزيد من الدراسات فهل من مجيب؟!

 

https://news.akhbarten.com/

 

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح