“حمّام العيالات” على المسرح .. انتصار للحياة في مواجهة “الإغلاق”

"حمّام العيالات" على المسرح .. انتصار للحياة في مواجهة "الإغلاق"

في “حمّام العيالات” يناقَش زمن الجائحة، وقيوده، وواقع الإنسان، والفنون، وحاضر المغرب، وطبقاته؛ يُصدَح بالعِلَل، ويُتَشَبَّث بالأمل.

“حمّام العيالات” مسرحية كشف عنها ستار مسرح محمد الخامس بالرباط، مساء أمس الثلاثاء، بإخراج الفنانة المغربية لطيفة أحرار، ومساعدة إخراج من خلود البطيوي، وتشخيص السعدية لاديب، خلود البطيوي، فاطمة بوجو، نورا قريشي، سكينة لفضايلي، وماجدة زبيطة؛ بسينوغرافيا بدرية الحساني، وإنارة طارق الربح، ومحافظة زكرياء البوعناني، وإدارة إنتاج عبد القادر بوزيد.

“حمّام العيالات” هذا في معناه الدارج هو الصخب، والثرثرة، والغيبة، لكن تنبه المسرحية إلى أن “حمام النساء” مثل “حمام الرجال”؛ تختلف نيّات مرتاديه وأحوالهم، ولو أن وظيفته واحدة: منهم من يذهب إليه لينظف أدرانه، ومنهم من يرتاده ليراقب الناس وعوراتهم، ومنهم من يهرب به من الناس والمشاكل، ومنهم من يدخله ويخرج دون تطهّر؛ لأنه لم ينتبه إلى الوسخ القابع تحت جلده.

هذه المسرحية من بنات أفكار خلود البطيوي وأنس العاقل، بتأليف جماعي، استند، من بين ما استند إليه، إلى شهادَتي “طيّابَتي حمام” (عاملتان بالحمام)، هما لَكْبيرَة وعزيزة.

ولا يحصر هذا العمل عرضه في الخشبة (صالون التدليك)، بل يكسّر ذاك الجدار المتواطَأ على إقامته، فيخاطب الجمهور، وينتظر تفاعله ويطلب تصفيقه وأجوبته، بل ويتحدث مع “قمرة القيادة” مطالبا بالزيادة في الصوت أو إيقاف الموسيقى؛ مضفيا، بذلك، على العرض حياة أخرى، لا يبقى معها الجمهور متفرجا، بل مشاركا في نقد واحتفال جماعيّين، يتحديان قيود الواقع.

نص المسرحية، ابن “زمن كورونا”، يرخي “الإغلاق” بظله الثقيل عليه، وتحضر الكمامة، والمعقمات، والبلاغات الحكومية المفاجئة، ويحضر الإنسان سَئِما من سجن جسده وحركته، يشتكي التحكم: “سْدُّوا، حلُّوا، وقفوا، جْلسوا، سكتوا، هضروا…”.

وتحضر في هذه المسرحية هموم الفنانين بعدما يقرب من سنتين من إغلاق بيتهم، المسرح، ثم الحد من الولوج إليه. إغلاق دفع فنانينَ موسيقيين إلى بيع آلاتهم لتغطية مصاريف العيش، وأغرق فئات من المواطنين في الديون، وحبس آخرين خارج أرض الوطن، ولم يستثن مرفقا من المرافق.. “حتى المساجد التي يمكن أن نتسوّل أمامها أغلقت”.

وتحضر جائحة “كورونا” في “حمام العيالات” بوصفها واقعا “فضح كل شيء”، و”عذرا” و”علّاقة” (شمّاعة)؛ كما تحضر “أبو جهل” أو “أم جهل” التي ما لها غير التشكيك والفتاوى الطبية دون سند علمي.

ويحضر نقد فني للوضع الراهن لاستقطاب “الطاقات الفنية” بالمغرب؛ شهرة عبر تطبيق “تيكتوك” وفيديوهات “روتيني اليومي” على “يوتوب”.

وفي المسرحية ملامح، أيضا، من حياتنا اليومية: حب، وخيبات أمل في المحبوب، عقد، تطلّع للمستقبل، وقسوة في الواقع والاضطرار…

داخل “حمام العيالات” “تنكشف الحُجُبُ الطبقية”، ويظهر واقع الحال: “لا الفوق هاني ولا لْتْحت (الأسفل) هاني”، كما يصطاد الجمهور إشارات مثل الحمامة التي قد “تبصق” على المشخّصة (تقضي حاجتها)، لتجيب الأخيرة: “(وا بصّح نستاهلو حسن- إذن، حقيقة نستحق الأحسن-)”، في تفاعل نقدي مع شعار حملة الحزب الذي يقود الحكومة بالبلاد ورمزِه (الحمامة).

وتبرز المسرحية، من بين ما تبرزه، إشكالاتٍ في الشخصية المغربية، مثل اعتقاد التفوق بفرنَسة الحديث، والاقتباسات، والأغاني… مع احتقار الألسنة والموروثات المغربية؛ كما “تحتفي” بطبائع إنسانية مثل ثورة المستضعفين، ممثّلة في البنت التي تحتقرها أمها “البورجوازية” أمام الملأ، وتتحكم في أكلها، وحركتها، وحتى نبرة صوتها؛ كما تُمثّل في التعبيرات المناهضة للتقييد والإمعان في التحكم في معيش الإنسان وحركته، منتصرة بذلك لانعتاقٍ بعد انقياد، وصخب بعد صمت.

يريد المسرحيون في هذا العمل، والإنسان معهم، أن يمثلوا ويرقصوا ويغنوا، أن يحيوا “ولو دون جمهور”. تقولها المشخّصات، وتصفق الكراسي (ذاك الجمهور الغائب الحاضر الذي يُنتَقد بسخرية تغييبُه المستمر، مع كل شطحة من شطحات الجائحة ومتحوّراتها).

وتطوي المسرحية عرضها بنهاية صاخبة، تتحدى صخب الحياة، رافضة إسدال الستار على صوت الأغاني المهمومة والشكوى، ليس غضّا للطّرف عن القبح، والمعاناة، وعن الذين غلب قبحهم حسنَهم، بل انتصارا للتحدي، و”النّشاط”، والحياة.

هسبريس – وائل بورشاشن

https://www.hespress.com/

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

مسابقات الهيئة العربية للمسرح


This will close in 20 seconds