حدائق الأسرار: السرد بحثا عن حياة – د. كمال خلادي -المغرب

حدائق الأسرار: السرد بحثا عن حياة

ما دمنا بصدد السر والأسرار، ومادام الاطلاع على السر يحتاج إلى اصطبار ومراودة فإنني سأحتال عليه بداية ببيت شعري لأبي العلاء المعري، يقول فيه:

ولدي سر ليس يمكن ذكره   يخفى على البصراء وهو نهار

السر بطبيعة الحال ما لا يمكن ذكره، وما لا يمكن الاطلاع عليه، يستدعي السر الإمساك عن القول، وإخفاء الكلام في الصدر، السر قرين الصمت، وصنو الغرابة، السر هش لأنه يعلم أن فتنة البوح تهدده دائما، وأن إدامة الصمت أمر شاق ومهمة عسيرة، فليس السر إلا الحديقة الخلفية للبوح والكلام، ففي اللسان أسر الشيء تعني كتمه مثلما تعني أظهره، ومثلما يكون سر كل شيء جوفه، فإن الثوب إذا تسرر فهذا يعني أنه تشقق فأبان عما بداخله. مشكلة الأسرار أيضا أنها، وإن أعلنت فهي مهددة بالنكران وعدم التصديق من فرط ما ركنت في الجوف، وفي الصدر، لهذا قال المعري “يخفى على البصراء وهو نهار”، السر يبعث على الريبة والشك، لذلك فالأسرار خطيرة تستلزم أحيانا ألا ننتظر نضجها، ولكن أن نسعى إليها سعيا، ونقتلعها اقتلاعا. فإذا كان من الألم بد فمن الحكمة -أيضا- شق الصدر وإخراج السر واجتثاث الألم من جذوره.

في “حدائق الأسرار” لمسرح أكون سر يرويه الموتى للأحياء، مسطور في ورقة مرمية تحرسها برتقالة.

فجأة، يتعثر رجل بورقة مرمية، وضعت فوقها برتقالة، يتردد في التقاطها، تتوقف الأشياء لبرهة على الخشبة؛ الأوراق التي تتعثر بك صعبة وخطيرة قد تنطوي على سر خطير، ينبغي أن تتردد كثيرا قبل فتحها خصوصا إذا كانت تحرسها -وعلى غير المعتاد- برتقالة. يتناول الرجل الورقة بعد تردد، تنبعث الأصوات وترتسم الكلمات على الشاشة الخلفية، يدحرج الرجل البرتقالة باتجاه الجدار في عمق الخشبة، ثم تندلق حكاية زوجين لم يختارا بعضهما، ومعهما حكاية بنتهما الوحيدة التي تحب شخصا يمتهن الفن، يريد أن يتزوجها لكن أبويها ينتصران لزواج مدبر آمن. لا يحكي العرض حكاية أصيلة، لكنه -وبالمقابل- يدبر من خلال حكاية غير أصيلة لأصالة أخرى جديدة خاصة، تدبير نرى أنه يمر من خلال نقطتين اثنتين:

  • أولا: إنه يعي أن ليس هناك قصة أصيلة، فجميع القصص -ربما- قد رويت فعلا، وعليه قد يكون الانتباه إلى الأسرار التي تنطوي عليها القصص المكرورة أمرا مفيدا ومجديا أكثر، أليست المشاكل، كل المشاكل قادمة من هذه الأشياء اليومية الصغيرة والمكرورة؟ ثم ما عساها تكون استحالة فهم الواقع واستيعابه غير استحالة فهم واستيعاب هذه القصص المكرورة التي لا تغادرنا إلا لتعود من جديد؟ تكمن صعوبة فهم الواقع في سيولة القصص بداخله أولا، وفي استحالة تثبيت هذه السيولة ثانيا؛ إحدى مشكلات الفهم هي أننا لا نفهم ما يعسر على التثبيت، ما لا يمكن أن يتكثف أمامنا داخل صورة واحدة ثابتة. إننا نتأول اللحظة التي امتدت فيها يد الرجل بتردد إلى الورقة وما تلاها من توقف تام ومفاجئ للأشياء على الخشبة تماما في ما يشبه Arrêt sur image توقيفا للزمن نحتاجه للفهم والاستيعاب، إنها مقترح دراماتورجي يبتغي خلق الضغط المطلوب في حركية الزمن، يشبه تاركوفسكي الأمر بالحركة التي نقوم بها لضغط أنبوب المياه للحظة معينة لتأمين جريان فعال للماء. يروم هذا المقترح الدراماتورجي محاولة توقيف سيولة القصص المكرورة في الواقع، وتثبيت الصورة لفحصها، وبحثها، وتدقيق النظر فيها أكثر وأكثر، وهو المقترح الذي يعود للظهور مرة أخرى عندما يريد الرجل أن يلبس زوجته المعطف، فتسقط على الأرض وتثبت الصورة مرة أخرى.

ينتبه العرض إلى هذا الشيء الذي سبق رؤيته، هذا الشيء الذي يعود بجميع تفاصيله، هذا Déjà vu قصة المرأة التي أرغمت على الزواج بابن عمها تتكرر بحذافيرها مع البنت، والأسئلة هي نفسها تعود ولا من إجابة كم مرة؟ كم مرة؟ كم مرة ينبغي أن تتكرر هذه الأشياء وهذه القصص؟ هكذا تصرخ شخصية الزوجة، واش أنا غلطت ف شي حاجة؟ تسأل الأم في نهاية العرض، وعوض أن تتلقى ونتلقى معها جوابا ينتصب أمامها وأمامنا نفس السؤال قادما من فم الأب واش أنا غلطت ف شي حاجة؟ نفس القصة، نفس الخطأ؛ تكمن مأساة الإنسان تماما في هذه الموهبة الخارقة في تعقيد الحياة في الوقت الذي يعتقد أنه يعمل على تبسيطها، تريد الأم ومعها الأب أن يؤمنا لابنتهما حياة هادئة وآمنة، ويختاران لذلك الطريق التي مرا منها عوض أن يتركا لها الحرية لتجريب طريق جديدة، ليس لأن الطريق الأولى آمنة، ولكن -فقط- لأن مخاطرها معروفة ولا يدري أحد ما قد تأتيك به طريق تسلكها لأول مرة؛ لقد انتهى زمن الحب وزمن السعادة، وحتى العدل المكلف بتوثيق الزواج لا يسأل عن الحب، إنه يسأل فقط عن الرغبة والاستعداد والقبول؛ القبول بالتكرار الممل، وبحصتك من الألم والخسارة. لقد انتبه فريدريك نيتشه إلى هذه الخرافة المجنونة التي تجعلنا نعتقد أن كل شيء سيتكرر ذات يوم كما عشناه في السابق، وأن هذا التكرار بالذات سيتكرر إلى ما لا نهاية، كتب في العلم المرح: ماذا عساك تقول لو أن شيطانا تسلل يوما أو ليلة حتى داخل وحدتك الأكثر انزواء، وقال لك: هاته الحياة، مثلما تحياها الآن، ومثلما حييتها، سيلزمك أن تحياها مرة أخرى ومرات لا حصر لها، ولن يكون فيها شيء جديد، سوى أن كل ألم وكل متعة، كل فكرة، وكل تأوه، وكل متناه في الصغر والكبر في حياتك لا بد أن يعود إليك…

طرح نيتشه فكرته عن هذا العود المتكرر ليثير الانتباه إلى حجم المسؤولية التي لا تطاق والتي تحملها كل حركة في الحياة صغيرة كانت أو كبيرة، لقد جاءت الشذرة تحت عنوان أثقل وزن. يراهن العرض على طابع التكرار الذي تحمله قصة غير أصيلة، ويعمل على تثبيث هذه اللحظة التكرارية وتبئيرها لكي يقول بأن الحياة التي يعيشها الزوجان ونعيشها معهم إنما هي تكرار ممل، وهذا التكرار الممل في حد ذاته هو الحمل الأكثر ثقلا. هكذا يجترح العرض وبطريقته أصالة خاصة لحكايته.

  • ثانيا: يتعلق الأمر في “حدائق الأسرار” ليس فقط بـ ماذا نحكي؟ ولكن أيضا -وخصوصا- بـ كيف نحكي؟ تنمو حكاية الزوجة/الحبيبة السابقة مع العاشق الملسوع كسر بينهما لم تطلع عليه إلا الأخت الصغرى. يقبض الميثاق المسرحي على هذا السر ويؤسس من خلاله لتعاقده مع المتفرج بما يجعل العرض بوحا بهذا السر. وإذا كانت أسرار العاشقين تنتقل بينهما بواسطة الرسائل فإن العرض المسرحي انطلق مع وجود رسالة تائهة مرمية في طريق شخصية الزوج/الأب/حارس المقبرة، وتطور مع رسائل أخرى انتثرت فوق الخشبة. وإذا كان العاشق الملسوع حريصا على إهداء الحبيبة برتقالا حتى تتذكره كلما صادفت برتقالا أو ما يدل عليه من رائحة، أو ماء، أو لون فإن شخصية حارس المقبرة تعلن بداية السرد بدحرجة البرتقالة باتجاه عمق الخشبة لتسقط بين يدي الزوجة/الحبيبة السابقة؛ لقد تسرر الثوب الذي يخفي السر، ولم يعد الصمت ممكنا، ليس أمامنا الآن إلا أن نقتلع الأسرار من جذورها. وكما أن قصص الحب تحتاج ذرائع لإدامة الاتصال وافتعال اللقاء، يحتاج السرد أيضا ذرائع لبعث الأحداث وضمان تدفقها، لقد انتبه عبد الفتاح كيليطو -في سياق آخر- إلى اللحظة التي يقف فيها شخص أمام فستقة، يقلبها ويديرها بين أصابعه متسائلا هل تتضمن ثمرة أم لا، الفستقة سر، والبرتقالة سر، ومعضلة السر في حدائق الأسرار أنه سر الجميع؛ تقول البنت لأبيها: هادي قصتي وانت دخلت معايا فيها، ويتشبث الأب بأن القصة قصته وبأنه هو من سيأخذ بزمامها؛ ربما هي طبيعة الأسرار أن تأتي متشاكلة ومشتبكة الخيوط. حافظت اختيارات العرض المسرحي الدراماتورجية على هذا التشاكل والاشتباك من خلال تعدد الأصوات التي يتدفق بواسطتها السرد، ويتكشف من خلالها السر: الأم/الحبية السابقة والزوجة تحكي، البنت والعاشقة الحالية تحكي، الزوج/حارس المقبرة يحكي، العاشق الملسوع في زمن آخر يحكي، الرسالة تحكي، والبرتقالة تحكي، الأصوات قادمة من الخشبة ومن خارجها، قادمة من كل الأزمنة…نعتبر هذا التعدد مسألة حيوية ووسيلة من جنس الغاية التي يتوجه إليها، إنه تعدد وتشاكل وتوالج لتحصيل توالج الأسرار وتشابكها. تتعلق الأسرار -أيضا- هنا بحيوات ممتدة، الأسرار هنا ليست وليدة لحظة أو فترة معينة، إنها مستمرة، تبدأ عند الأم/الحبيبة وتمتد إلى الابنة العاشقة وبينهما توجد الحياة السرية للزوج/الأب/حارس المقبرة؛ لتغطية الحياة السرية لكل هؤلاء اعتمد العرض ما يمكن توصيفه بدراماتورجيا المحطات حيث تتم كتابة الشخصيات بما هي مجموعة من الانتقالات والتحولات الدؤوبة تتبع محطات تحلل الأسرار (العثور على الرسالة، المكاشفة بين الأم وابنتها، المكاشفة بين الثلاثة، وبين الأب وزوجته، تمرد البنت ونهايتها على الطريق…)؛ لا ننسى أن المحطات الدراماتورجية تتأسس عند جان بيير سارازاك بما هي تحقق استعاري لمسار الحياة نفسها.

 يهرب عرض حدائق الأسرار إلى هوية بصرية مقلة ومتقشفة من جهة اللون، معتمدا الأبيض والأسود مرجحا بذلك روحانية النظر على سلطة وإغراء البصر. الأسود لون يفتقد إلى الضوء، إنه لون لا يرى، عكس الأبيض الذي قد يبدو مستغنيا بما لديه من ضوء؛ لا يكون -في تقديرنا- هذا التباين الفيزيائي إلا ذريعة لقول تباين من نوع آخر ذاك الذي تشير له الحركة المضطربة التي يخلقها تأرجح الأسرار بين كتم وكشف. إذا كان الأسود لون السر، فالأبيض هو فتنة البوح التي تهدده، ومثلما يحتاج الأسود الأبيض لتظهيره، يستلزم السر إمكانية كشفه وإعلانه. نعثر على الأبيض والأسود في كل شيء وتتعثر بهما أعين المتفرج أنى ذهبت وزاغت، الثلاجة في الوسط بيضاء، الملابس بين الأبيض والأسود، الكراسي سوداء، الميكروفونات سوداء…لا تكسر سطوة الأبيض والأسود إلا بقع ملونة يبعثها الورد الميت، أو البرتقالة التي لا تدري كيف زج بها في الأمر، ولا تدري كيف تحولت من أمينة سر إلى كاشفة أسرار، حتى الإضاءة جاءت كابية لا تريد أن تزعج الأسرار في مرقدها وتستدرج أعين المتفرج لتلتذ بالأسرار وهي تقتلع على مهل.  راهن العرض أيضا على الأشياء المستعملة، الأشياء المعروفة، الأشياء القريبة منا كأنه يقول: تعال ننجز عرضا من خلال ما نعرفه جميعا، الثلاجة، المروحيات، الأباجورة، وأكسسوارات مثل الكراسي، والورد، والبرتقال، والماء… إنها شواهد قادمة من مأساة العيش ومن تجربة الخيبة المعممة، سأسأل: ماذا لو قالت الثلاجة كل شيء عما يجري في البيوت؟ وماذا لو تفاجأنا بأننا وفي يوم قائظن نضغط زر المروحية فإذا بها تقذف في وجهنا سيلا لا يتوقف من الكلمات عوض الهواء المنعش؟ أي أسرار ستخرج لو تكلمت الأباجورة؟ تنتصب هذه الأشياء أمامنا لتذكرنا بأن أشياءنا الصغيرة والمهملة -عفوا أريد أن أقول تلك التي نعتقد أنها صغيرة ومهملة- تحتاج إلى تفكير وإلى إعادة تفكير. إن مأساة العيش المشترك هي أننا نعرف تماما ما علينا فعله لكننا لا نفعله، لا نستطيع أن نتخلى عن أخطائنا، الثلاجة تنتصب أمامنا بما هي خطأ كبير، هي هنا لتذكرنا بأننا فشلنا في أن نكون معا لأننا لم نستطع أن نحول الثلاجة/الحياة من مكان للبرودة المميتة إلى مكان للحياة الرطبة والعذبة؛ تهتف البنت في هستيرية: مشاكلي كلها من الثلاجة، غير تتبدا الثلاجة راسي تيبدا يزنزن…

يعود مسرح أكون بإصرار وترصد لتفقد مقترحاته الدراماتورجية، وتقليب عناصر خلطته السابقة، كمن يدق على نفس المسمار كل مرة وحين لإنعاش ذاكرة الأشياء والأفكار. في “حدائق الأسرار” يعود الجدار في عمق الخشبة الذي صادفناه في “صولو” وفي “سماء أخرى”، هنا يفسح المجال عندما تحتد لوعة فضح الأسرار إلى مرايا تعمل على تكسير الأجساد وتشويهها وتضبيب صورتها، تحضرني هنا المقارنة التي يقيمها “ميلان كونديرا” بين المرايا التي تجمل والمرايا التي تشوه، فيقول عن الثانية إنها تقاوم حاجة الإنسان إلى الكيتش، ويعني ذلك حاجته إلى أن يرى نفسه في مرآة الكذب المجملة. يعود أيضا المجسم أو التمثال الصغير يمين الخشبة الذي كان حاضرا في “صولو”، وعوضه سرير الطفل المرغوب في “سماء أخرى”، يحضر في “حدائق الأسرار” مجسم وجه الرجل حارس المقبرة وقد سلط عليه الضوء فعمل على إذابة ملامحه ، في الحقيقة كنت أنتظر ذوبان ملامح الوجه فعليا أثناء العرض، كان سيذكرنا هذا بالتنصيبات الأدائية المعروفة Minimum Monument التي أقامها النحات البرازيلي Nele Azevedo في سلسلة من المدن، وكانت تقتضي وضع مئات من التماثيل الثلجية تذوب وتتلاشى تدريجيا ونهائيا أمام الأعين المراقبة، وتحت تأثير الحرارة المسلطة عليها؛ لربما كان سيضيف الأمر طراوة وحسية للعرض. يعود الماء أيضا، بعدما حضر في “صولو”، وانفجر حضوره في “سماء أخرى”، تأتي الأم لبنتها بكأس ماء من الثلاجة، فتدلقه الأخيرة غاضبة على الأرض، ليس هناك ما يقبل الاقتسام ولو كان كأس ماء، ويطلب الزوج من زوجته ماء، فتصب له كأسا يفيض بما فيه ودون أن تنظر إليه أيضا، لقد فاضت القلوب بما فيها، ولم يعد هناك ما يضمنا معا، لقد كف الماء على أن يكون ماء للحياة، وإذ يصبح الماء ثلجا فإن الشخصيات تصير أقرب إلى موتها النهائي، وعندما يتحرش الماء بتيار الكهرباء الذي تنقله الأسلاك المرمية على الخشبة فإنه يصبح خطرا على الجميع؛ لقد سبق لـ “غاستون باشلار” أن ميز بين الماء الخفيف والثقيل، فربط الأول بمعاني الرقة، والعذوبة والسلاسة، والبهجة، وربط الثاني بمعاني الحزن والدم والألم والموت.

على مستوى اللعب، توجه عمل الممثلين إلى موازنة معادلة الانضباط والتلقائية عبر المراوحة المحسوبة بين حديها، أو لأقل على وجه التدقيق عبر خلط هاذين الحدين، عمل الممثلون على أن يكون لعبهم منضبطا وتلقائيا في الوقت ذاته، عبر ترجيح الحركة المقلة، التي تنطلق من سجل العادي، ويتم الاشتغال عليها والتحكم فيها لتصير حركة ما فوق اعتيادية دون أن تفقد علاقتها بالسجل الذي انطلقت منه، يشتغل الممثل -هنا- بمنطق النحات الذي يطرح وينقص من الكتلة حتى تستقر على ما يريد، وليس بمنطق الرسام الذي يضيف ويزيد إلى اللوحة لتكتمل. يوازن اشتغال الممثل بين حيوية الداخل والخارج معا، فالداخل محتدم، لكن الخارج بارد ومسيطر عليه، ليست هناك عواطف زائدة، أو انفعالات غير متحكم فيها، أو صراخ حاد عدا مرة واحدة صرخ الأب في وجه ابنته عندما طالبها بالجلوس. كل شيء يتم بهدوء وسلاسة، إنها المفارقة المرعبة التي يفرضها منطق التعايش لا العيش المشترك، أن ندعي الهدوء والدعة رغم أن الدواخل تمور أحزانا واضطرابا. انشغل عمل الممثلين بإخراج حركة صافية متعددة وعضوية خصوصا، في اللحظة التي تريد البنت أن تبدي رد فعل تجاه استفزاز أمها لها، تجعل رأسها يدور في اتجاه مخالف لحركة اليد التي تقدف بالماء في الاتجاه المعاكس وتخرج الكلمات معادلة تماما لحدة الحركة n’importe quoi ، كنت أنتظر -على هذا المستوى- أن يتم الانفتاح أكثر على عمل الميكروفونات لترسيم حدود دراماتورجية أكثر اتساعا وجدت جذورا لها في النص لا في العرض، فأسماء الشخصيات في مخطوط النص هي نفسها أسماء الممثلين، كان من الممكن استغلال الميكروفون والدفع باللعب ليتواجد على الحدود الملتبسة والخصيبة بين التمثيل والأداء، وليخرج الممثل من منطق الشخصية ليكون شاهدا على ما يقول، مؤديا -فعليا- لسرديته الخاصة لم لا؟..

سأنتقل -الآن- للتفكير مع فريق العمل، والجمهور الذي حضر وشاهد العرض في الممكن دراماتورجيا، وسأطرح هنا خطين ممكنين للتفكير:

  • سأبدأ من قصة الصرار والنملة التي تضمنها العرض، انطلقت القصة من سوء فهم مزمن يعيشه الناس بخصوص مسألة الفن. أظن، ينبغي أن نفرق بين شيئين اثنين: أن نتحدث عن وظيفة الفن في المجتمع وهو أمر يتم دائما التفاوض بشأنه داخل المجتمعات ولا يخلص على الإطلاق لنتائج حاسمة، والحديث عن الحاجة إلى الفن وهو ما لا يقبل التفاوض لأنها وببساطة مسألة حيوية، بحسب “طاغور” لا نسأل عن: لماذا نشرب؟ ولماذا نأكل؟ وبالتالي لا نسأل عن: لماذا الفن؟ أظن أن هذا الجزء من العرض استدرج تبعا للموقف الذي كانت تتنزله البنت داخل عائلتها لمناقشة الحاجة إلى الفن ما أدى إلى حشر وظيفة الفن في تلك المهنة التي قد تكون على هامش مهن أخرى أكثر أهمية، لقد تخلى الصرار مؤقتا عن مهنته ليقوم بمهن يطلبها منه المجتمع، واقتصرت علاقته بمهنته على مصاحبة وتوفير الظروف الملائمة لمهن أخرى أكثر أهمية، هو تيدندن وهي تاتخدم، هو تايدندن وهي تاتخدم…مناقشة الحاجة إلى الفن مأزق معرفي ضيق، في حين تتيح مناقشة وظيفة الفن أن نفاوض وفق إمكانيات أكثر اتساعا، كأن نقتنع ونسعى إلى فن يمكن أن يحدث تغييرا على خيال الناس ومعرفتهم بالأشياء، وحتى أن ندافع على موقع الفن بما هو جنون على اعتبار أننا لا يمكن أن نشكل مجتمعات من خلال الأجساد الطيعة والسوية…
  • في خط التفكير الثاني، سأعود إلى الجملة الأخيرة التي وردت في العرض: هناك شيء ما نتن في المملكة، وهي مأخوذة عن هاملت شكسبير، هي جملة جميلة تغري بأن تكون نهاية مثالية للعرض، وبالنسبة لي، تكتسب هذه الجملة أهميتها انطلاقا من أنها تفتح الخاص على العام، على أن هذا التجسير تم في وقت متأخر من العرض، كان من الممكن أن يكون رهانا دراماتورجيا منذ البداية. السؤال هنا هو: كيف نجعل سردية هذه العائلة سردية عامة؟ وأنا لا أتحدث هنا عن التعرف البدائي عن قصصنا في قصص الآخرين، ولكن عن شيء آخر تماما أعبر عنه بالسؤال التالي: ماذا لو كانت قصة الحرمان العاطفي ليست سر عائلة خاص، ولكن سياسة جسد عامة، تقضي بحرمان الجسد من الحب، لإخضاع هذا الجسد، وتدجينه وتنميطه، وتكبيل قدراته؟ مشكلة السر أنه يوهم بأنه خاص جدا، وقد يخفي وراء خصوصيته أسرارا عامة وجماعية قد لا يكون السر فيها إلا الجزء البارز من جبل الثلج.

د. كمال خلادي

-المغرب-

 

 

 

 

This will close in 20 seconds