أخبار عاجلة

تشيخوف.. مسرح عابر للثقافات

تتبدى براعة الكُتاب الروس في تصوير الحياة الواقعية وما قد يتخللها من مفارقات، وبطرق شتى وتكنيك كتابة بارع وعميق. وهذا ما نجده في اللمسات اللماحة الخافتة في أعمال أعظم وأرق كُتّاب المسرح الروسي في القرن الـ19 أنطون بافلوفيتش تشيخوف «1860 – 1904» الذي يرى فيه معظم النقاد قمة العمق والدقة في تصوير الحياة الواقعية ومفارقاتها غير الواقعية في بعض الأحيان، وتتميز مسرحياته خاصة بجو عام فيه من سمات المزاج والحنين ما يكاد يلامس حدود الشاعرية. ويتجلى أسلوب هذا الكاتب ونظرته الإنسانية للحياة في مسرحياته: طائر النورس والشقيقات الثلاث وبستان الكرز، وهي بصورة عامة من أروع مسرحياته على الإطلاق. ولاشك أن مسرحية «طائر النورس» -كتبت عام 1895- خاصة هي الأروع، وقد صنعت شهرته، وقد اتخذت شعاراً رسمياً لمسرح موسكو الفني إلى اليوم، نظراً لدفء موضوعها وشموليته وكم العواطف الهائل الذي تتضمنه مشاهد المسرحية، إلى جانب تنويعات من الشخصيات المركبة والحالات والتحولات النفسية التي تعتريها عبر الأحداث.
وإذا كان من الطبيعي أن نبحث عن آراء تشيخوف في مسرحياته، فمن المرجّح أيضاً، كما قال «روبرت بروستاين» في كتابه «المسرح الثوري: دراسات في الدراما الحديثة من إبسن إلى جان جينيه»، أن يكون قد عبّر أيضاً عن بعض مواقفه من تجربة القالب في رائعته هذه «طائر النورس»، فهي مسرحية تتناول إلى حد كبير وظيفة الفنان المبدع في محاولة للتوفيق بين المسرح والواقع. وفيها أيضاً ينحاز إلى جانب شخصياته في كونها آخر معقل للتّنوير ضد كل ما هو سلبي ومتآكل في الحياة الروسية. ذلك أنها تعتبر من أهم الأعمال التي تنطق بإنسانيتها الشاملة من خلال روعة الحوار والمضمون العام وتنوع مصادر الصراع الدرامي ومقدرتها على صنع عنصر التشويق. 

فشل البدايات

والمسرحية التي منيت بالفشل بعد عرضها الأول على مسرح بطرسبرغ، كتب تشيخوف بعدها قائلاً: «لن تغيب ذكرى ليلة الأمس عن بالي مطلقاً، ولن أعود إلى كتابة المسرحيات مرة ثانية، ولن أسمح لأحد بإخراجها»، ولكنه ما لبث أن غيّر موقفه هذا بعد النجاح الذي لقيته المسرحية في عرضها الثاني، فقد تم عرضها في مسرح الفن في موسكو عام 1898.

  • تشيخوف وغوركي
    تشيخوف وغوركي

وكان تشيخوف على قدر كبير من الإنسانية، وأعمق من غيره من كُتاب المسرح المعاصرين له، فبينما هو يحلل السخافة اليائسة لشخصياته، لا يغفل مع ذلك أبداً عن رؤية الصفات الإيجابية في تلك الشخصيات التي تجعلهم، رغم يأسهم ومرارة أحلامهم، ممتلئين حياة، وفي ذلك يقول: «إن قدس أقداسي هو جسم الإنسان وصحته وذكاؤه وموهبته وإلهامه وخياله وحبه وحريته، وأشد الحريات إطلاقاً هي التحرر من الأكاذيب». 
وكانت هذه الصفات تتجسد في تشيخوف نفسه بشكل عميق تماماً كنظيريه الأديبين الروسيين الكبيرين الآخرين تولستوي وغوركي، حيث لم يستطع أحد أن يكتب عنه من دون أن يتوقف عند البعد الإنساني في أعماله، وكان متفرداً في رسم شخصيات رواياته عبر ثنائية القلق والإيجابية، وهو إذ يجمع بين رقة المزاج وصلابة العقل يحمّل مؤلفاته مزاجاً غير عادي من الأخلاق والواقع، من الثورة والقبول، من الاستهزاء والعطف، مما أسهم في انتشار أعماله المسرحية على أوسع نطاق في الأدب والفن على مستوى العالم. 

أحلام صبية
والنورس كما يعرفه الصيادون والبحارة طائر يعيش كل حياته على شواطئ البحار، يبني أعشاشه في صخورها ويحوم أبداً حول مياهها، لا يبتعد عنها قط، وهذا الإيحاء الذهني هو ما تستدعيه في العنوان مسرحية «طائر النورس» التي قدمتها في الستينيات فرقة «أولدفيك» على مسرحها الخاص بموسكو. 
أما فكرة المسرحية فتقوم على تصوير فتاة قروية تعشق المسرح والتمثيل، تركض هنا وهناك، حالمة ملهوفة من أجل تحقيق حلمها بالوقوف على خشبة المسرح.. وتسوقها الأقدار لتجد نفسها أمام كاتب مسرحي شهير يحل بقريتها طلباً للراحة والاستجمام مع صديقته الممثلة العجوز ذائعة الصيت. وعندما تلتقي الصبية بذلك الرجل الذي تسلط عليه الأضواء، تجثو على ركبتيها عند قدميه! ولكنه يخشى صديقته الثرية، ومع ذلك لا يتردد في تشجيع الفتاة الساذجة خلسة على الهرب إلى المدينة لتشق طريقها في الحياة، وتجرب حظها مع المسرح. وتندفع الفتاة منقادة مسلوبة الإرادة نظراً لعشقها الجارف للمسرح والتمثيل والأضواء والشّهرة، وأيضاً لحبها للرجل الذي سلب عقلها من أول لقاء! وتذهب إلى المدينة.. وإلى الرجل الذي كان ينتظرها هناك لكي يحطم أحلامها.. كما تحطمها المدينة باتساعها وجبروتها وصلابتها وتجردها من كل ما هو عاطفي وإنساني.
ومن هذه الثيمة تبرز قسمات أسلوب وفن الكتابة عند تشيخوف، فمن خصائصه الإبداعية تصوير الشخصيات اليائسة المتخبطة في خضم الحياة، كما إنه مولع بمزج دواعي الضحك مع الأسى، الكوميديا مع التراجيديا، في بوتقة واحدة، فهناك دوماً شخصية تضحك، ولكنه ضحك أسود له صدى البكاء بين الضلوع! 

  • تشيخوف وتولستوي
    تشيخوف وتولستوي

حب من طرف واحد
ومن ضمن شخصيات المسرحية مدرس قروي في منتصف العمر.. ساذج وطيب القلب، مذعور النفس من الدنيا ومن الناس والمجتمع.. وهو يحب فتاة عانساً حباً يائساً في استسلام، ولكنها لا تحبه.. وهذه سمة أخرى من سمات تشيخوف في رسم شخصياته في أجمل سرد مسرحي، حيث التناقض واختلاف المشاعر، وما تحدثه من انقلابات في تفكير وسلوك وعواطف الشخصيات.
وهكذا فالمسرحية، تثقل على القلب من فرط الشجن الذي تزخر به نفوس شخصياتها المحطّمة، ولكن روعة التحليل والتصوير ومرارة السخرية وبراعة قلم تشيخوف، قد تنسي القارئ الدنيا من حواليه وما فيها، وتوقعه في دوامة من المشاعر المتضاربة بين ضحكة قلب ودمعة عين. ويلاحظ الناقد «وانيس بندك» في مقال بعنوان «في مسرح تشيخوف أحلام لا تتحقق» أن الفعل الدرامي يتطور في مسرحية النورس بصورة منطقية نتيجة التفاعل التام بين الشخصية والموضوع، كونها تعالج واحدة من أهم مشكلات الفن، هي مشكلة الدوافع والعوامل التي تخلق الفنان الموهوب.

مفكر إنساني
و«طائر النورس» هي ثالث مسرحيات «تشيخوف»، وكانت الأولى هي «إيفانوف» والثانية «شيطان الغابة»، وكان سبب فشلها عندما عُرضت أول مرة أن المخرج والممثلين لم يفطنوا إلى الأسلوب المسرحي الجديد الذي عالج به تشيخوف مسرحيته، ولم يتفطنوا إلى الخيال الرحب الذي تحتاج إليه، فكانت النتيجة أن قرر تشيخوف الامتناع عن كتابة المسرحيات بعد فشله المرير هذا في «سانت بطرسبرغ»..
 ولكن من حسن الحظ أن «مسرح موسكو للفن» أقنعه بالسماح لفرقته بإعطاء مسرحية «طائر النورس» فرصة أخرى جديدة.. وكان أن أتت تلك الفرصة بنجاح مبهر للمسرحية التي أخذت مكانها إلى جوار المسرحيتين السابقتين وأضحت مسرحيات هذا العبقري الروسي تؤدّى بنجاح ساحق على أكبر المسارح في أوروبا.
والحال أن تشيخوف كمفكر إنساني وفيلسوف وكاتب مسرحي، سبق عصره وكان بحق حالة أدبية استثنائية بكل المقاييس، فكثير من كُتاب اليوم يعزفون في كتاباتهم على وتر واحد عزف هو عليه من قبلهم، وتر يأتي لهم بالصيت والنجاح السريع هو: الغوص في تضارب المشاعر في النفس البشرية، حتى ليصعب على الأفراد فهم بعضهم بعضاً برغم العيش في مكان واحد، وبرغم بيئتهم وحياتهم الواحدة، تماماً كما نعيشه اليوم في فضاءات عولمة الثقافة والتكنولوجيا التي قد تزيح بعض البشر أحياناً عن فطرتهم. هذا من دون أن ننسى الإشارة إلى أن تشيخوف ما زال حتى اللحظة مثار اهتمام وإعجاب الكثير من النقاد والمترجمين والكُتاب العرب، حيث أصدروا عنه أكثر من 80 كتاباً ودراسة من أهمها السيرة الذاتية بعنوان «أنطون تشيخوف دفتر المذكرات واليوميات» بترجمة محمد خميس.

حس إنساني وحضور عالمي
تشيخوف صاحب مسرحيات: الجلف، الدب، جيل بلا آباء، في الطريق الكبير، عرض زواج، مأساوي عن غير قصد، وغيرها من الروائع المسرحية ما زال يقف في صدارة الكُتاب العالميين الذين أبدعوا الكثير في مجال القصة القصيرة والرواية وفن المسرح.. ولا يكاد يوجد أديب حقيقي في أي بلد من بلدان العالم لم يتأثر بكتاباته وأسلوبه بطريقة ما، فقد كان مدرسة في الكتابة الأدبية المليئة بالعذوبة والشاعرية والحنان والتصوير الساحر العجيب لمشاكل الإنسان وأحزانه وتناقضاته. والتركيز على الجانب الإنساني في الحياة، لأن كتاباته لم تكن مجرد تصوير لأحوال الناس في روسيا فحسب بل كانت كتابات إنسانية عالمية تعبر عن أحوال الناس في كل مكان بمثل تلك الرؤية الشمولية التي توفرت أيضاً في مسرح شكسبير.

متى قابلت تشيخوف؟
لعل أفضل طريقة تساعدنا على فهم شخصية تشيخوف ونفسيته هي ترجمة مقتطف مما كتبه عنه صديقه الحميم المخرج قسطنطين ستانسلافسكي، الذي قال عنه «أين ومتى قابلت تشيخوف لأول مرة؟ لا أتذكر! ربما كان ذلك عام 1889. لقد كنا نلتقي كثيراً في فترة تعارفنا الأولى، قبل أن يكون لمسرح موسكو للفــن وجـود! نلتقي من وقت لآخر في حفلات غداء رسمية.. أو في احتفالات.. أو في المسارح، وأنا هنا أكره أن أعترف بأنني نفرت منه خلال ذلك الوقت.. لكنني نفرت منه حقاً! لم ينفتح له قلبي.. فقد كان يبدو لي متكبراً.. متعجرفاً.. ومتعالياً أشد الاستعلاء! لعل ذلك كان بسبب عاداته في إلقاء رأسه إلى الخلف بين الفينة والأخرى. مع أن الحقيقة التي تكشفت لي بعد ذلك، هي أنه كان يلقي برأسه إلى الخلف ليس استعلاءً، ولكن لأنه كان ضعيف النظر وتساعده تلك الحركة التي يكررها على الرؤية من خلال نظارته الطبية التي تمسك بأنفه»!

 

 

محمود إسماعيل بدر

https://www.alittihad.ae

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح