المنصات الرقمية تجبر المسرح ليتوجه إلى الناس حيث هم

مسرحيون عرب ينادون من الأردن بإخراج المسرح من الفضاءات المغلقة.

الجمهور ركن أساسي في المسرح، في غيابه لا يمكننا الحديث عن فن مسرحي، وفي عصر تنافس فيه فنون بصرية أخرى، أولها السينما، المسرح، وفي ظل انتشار وسائل البث التدفقي التي سهلت الوصول إلى المواد الفنية البصرية كالأفلام والمسلسلات، فإن المسرح مطالب اليوم وأكثر من أي وقت مضى بمراجعات كبرى لعلاقته بجمهوره الذي يتناقص عاما فآخر. وهذا ما تفطن له “مهرجان مسرح الرحالة الأول للفضاءات المفتوحة” الأردني.

عمان – أجمع مسرحيون عرب على أهمية الوصول إلى الجمهور أينما كان، في مسعى لخلق حالة من الإمتاع البصري بين الطرفين في الأعمال المقدمة بعيدا عن القاعات المغلقة.

وأكد المسرحيون العرب، على هامش المسيرة الكرنفالية التي أقامتها فرقة “مسرح الرحالة”، الثلاثاء في اللويبدة بالأردن قبل ساعات من افتتاح “مهرجان مسرح الرحالة الأول للفضاءات المفتوحة”، أهمية الوصول إلى الجمهور بهدف كسر حاجز العزلة بينهم وبين المسرح.

متعة للجمهور

وقال الناقد المسرحي اللبناني عبيدو باشا إن خلق فضاء مسرحي مفتوح أمام الجمهور يشجع المتلقي على خوض التجربة التي وصلت أمامه، مضيفا “على المسرح أن يقارع اليوم مكان العرض، فالخروج من قاعة مغلقة إلى مكان واسع سيجعل المسرحي يقف أمام تحد مضاعف، عبر تقديم المتعة للجمهور الذي إن استمتع سيقتنع بالتجربة ويكررها”.

☚ على المسرح تغيير أماكن العرض التقليدية رغم أن الخروج إلى مكان مفتوح سيضع المسرحي أمام تحد مضاعف

وأشار إلى أهمية العودة إلى أساسية المسرح وهي اللعب، موضحاً أن دور الممثل هو اللعب على منصة العرض المسرحي ليقدم المتعة للجمهور وهو ما يبحثون عنه حتى يستعيدوا الثقة بالمسرح.

بدوره، قال الفنان الفلسطيني كامل الباشا إن فكرة مسرح الفضاء الحر ليست جديدة، لكن تكييفها لتقديم العمل المسرحي هو فعل إبداعي.

وأضاف “المسرح يعيش اليوم في أزمة وهي كيفية الوصول إلى الناس ومسرح الرحالة هو محاولة جيدة للوصول إلى الجمهور بهدف إقناعه”.

واشترط الباشا نجاح فكرة تقديم المتعة للجمهور، حتى يستطيع جذبهم للعمل المسرحي قائلا “أيّ شخص سيسعده تقديم تجارب جديدة أمامه، لكن على المسرح اليوم أن يقدم للناس ما يحتاجون إليه من فن يخاطبهم ويلبي اهتماماتهم، ومن خلال هذه الأعمال نستطيع إيصال رسالة العمل إليهم”.

وأثنى الناقد المسرحي السوري الدكتور عجاج سليم على فكرة الاقتراب من الجمهور أكثر، مذكراً بأن المسرح اليوناني بدأ أساساً من فضاءات مفتوحة قبل 2500 عام، وقال “المسرح قائم على الفنان والجمهور، ويمكن الاستغناء عن أيّ عنصر بخلافهما، ولذا يجب الاهتمام بالعنصرين معاً”.

واقترح سليم لحل أزمة المسرح ترسيخ فكرة الذهاب إلى الجمهور واعتبار المسرح ضرورة اجتماعية من قبل الناس، مؤكداً أن المسرح لا يعيش أزمات نص أو إخراج أو ممثلين، بل أزمة العلاقة بين المسرح والجمهور، وقال “الذهاب إلى الجمهور مغامرة يجب أن يؤمن من يقوم بها بالفكرة وأن يبذل جهداً لإيصالها”.

وربما يغفل الكثير من المسرحيين الدور الهام للمسرح في تحقيق المتعة، أو ما يصطلح عليه بالتطهير الأرسطي، فحتى الكوميديا وهي تقدم لنا أشخاصا يرتكبون أخطاء فنشعر أننا أعلى منهم، ولكننا نشعر أن ما يقدم أمامنا يمكن أن يفتح البصائر نحو واقعنا، ولذا فإن التأثير ينطلق في المسرح من تحقيق المتعة الجمالية والفكرية بدرجة أولى، لا من خلال الابتعاد عن الجمهور عبر تهويمات مبالغة في التعقيد.

المسرح العربي لا يعيش اليوم أزمات نص أو إخراج أو ممثلين بل يواجه أزمة العلاقة بينه وبين الجمهور

وقال رئيس مسرح الرحالة ومدير المهرجان المخرج حكيم حرب في حفل الافتتاح إن فرقة “مسرح الرحالة” انطلقت قبل ثلاثين عاما بهدف اقتحام الفضاءات المسرحية باقتراحات جديدة ومغايرة، بعيدا عن السائد والمألوف للارتقاء بالذائقة الفنية والجمالية.

وأشار حرب إلى أن عروض الرحالة بدأت من الشوارع والساحات العامة، لإيجاد حل لمعضلة علاقة الجمهور بالمسرح، الذي يعدّ العمود الفقري لأيّ فعل فني.

ولفت إلى أن ما يبحث عنه “مسرح الرحالة” هو تأكيد مقولة أن المسرح لكل الناس، مبينا أنه “قررنا مجددا أن نذهب بمسرحنا حيث يكون الجمهور في الساحات والحدائق العامة”.

وشدد المخرج المصري عمرو قابيل على ضرورة استمرار فكرة العروض المسرحية في الفضاء الحر، مبيناً سهولة تحويل أيّ مكان إلى مسرح، معتبراً أن المسرح فكرة وليس مكاناً للعرض فقط.

الفضاء المفتوح

مسرح الفضاء الحر

أضاف “وسط التدفق الهائل لمنصات المشاهدة الرقمية وسهولة وصول الجمهور إلى كل الأعمال الفنية التي يريدها، صار من الضروري أن يتوجه المسرح إلى الناس في أماكنهم التي يتواجدون بها، كون المسرح كفيل بالتأثير فيهم عبر خلق حالة وجدانية تفاعلية بين الممثل والمتلقي لاستقاء المتعة الروحية والحسية، كما أن استمرار التجربة كفيل بنجاحها ونساهم في تشكيل جزء من وجدان الجمهور”.

وقال المخرج العراقي كاظم نصار إن تأثير المسرح بطيء عادة، مضيفاً “خلق حالة الفضاء المفتوح للعروض المسرحية يزرع بذرة يمكن أن تنمو مع الاستمرارية وينمو معها الجمهور، فالمسرح ليس محفلاً سرياً فهو خلق أساساً للجمهور”.

ورأى نصار في الخروج من المسرح المغلق إلى الفضاء الواسع فعلاً إيجابياً، متمنياً أن يصبح جمهور المسرح كجمهور مباريات كرة القدم.

يذكر أن الدورة الأولى من مهرجان “مسرح الرحالة لفنون الفضاءات المفتوحة”، انطلقت في التاسع عشر من يوليو، تحت عنوان “فضاءات عمّان” وهي دورة تأسيسية مهداة إلى روح المخرج المسرحي الراحل حسين نافع الذي يعتبر من أبرز الوجوه التي أحدثت تغييراً في الفنّ المسرحي الأردني.

وتتواصل فعاليات المهرجان لأربعة أيام، خارج المسارح التقليدية المغلقة، لتشمل الفضاءات المفتوحة من ساحات وحدائق وأماكن أثرية وسياحية، تأكيداً من مسرح الرحالة على نهج بدأه منذ عام 1991 بتقديم عروضه في الفضاءات المفتوحة والشوارع والمقاهي لتعميق التواصل بين المسرح والجمهور في أماكن تجمعه.

ويمنح المهرجان في اختتامه جوائز في التمثيل والإخراج والسينوغرافيا والعرض المتكامل، بهدف إيجاد حالة من التحفيز نحو المزيد من الإبداع، واكتشاف حلول إخراجية وتصاميم سينوغرافية ووسائل تعبير أدائية تستثمر الفضاءات المفتوحة والبديلة وتعمل على توظيفها مسرحياً، بشكل فلسفي وجمالي يخدم الحالة الدرامية بشكل مبتكر وخلاق، بعيداً عن النمطية والتقليد والتكرار، وبحثاً عن أشكال وأماكن عروض مسرحية جديدة، تكون نابعة من بيئتنا وتاريخنا وتراثنا وأماكن سهرنا وسمرنا.

https://alarab.co.uk/

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

مسابقات الهيئة العربية للمسرح


This will close in 20 seconds