أخبار عاجلة
الرئيسية / الهيئة العربية للمسرح / مقالات / المسرح عيادة نفسية في دراما كوميدية فلسفية – شريف الشافعي

المسرح عيادة نفسية في دراما كوميدية فلسفية – شريف الشافعي

 

راهنت عروض المسرح الخليجي المتطورة في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي السادس والعشرين الذي اختتم الخميس 19 سبتمبر، على التمرد والتحرر من القوالب النمطية في الأفكار والمعالجة والأداء والتقنيات، ومنها مسرحية “الساعة الرابعة” لفرقة جمعية الشارقة للفنون الشعبية والمسرح من دولة الإمارات.

شكل الجنون بأوجهه المتعددة محورًا شيّقًا وشائكًا في العروض الخليجية بالمهرجان القاهري، ولم تكتف مسرحيات الكويت والعراق والإمارات بإبراز هذا الجنون فنيًّا ورمزيًّا وتكنيكيًّا كمعادل للتثوير وكسر الضجر والسأم والرغبة في الانفلات من قبضة الروتين اليومي، وإنما جرت ممارسته فعليًّا على خشبة المسرح في بعض الأحيان، أي أن الممثلين أنفسهم قد تحوّلوا ببساطة إلى مختلّين، في مواجهة الأصحّاء. وتبادل الفريقان الأدوار في الصراع الأزلي الدائر حول السؤال المعلّق: “مَن العاقل حقًّا، وَمَن المجنون؟”.

العلاج بالحكي

في العرض الإماراتي “الساعة الرابعة”، على المسرح العائم الكبير في حي المنيل بالقاهرة، من تأليف طلال محمود وإخراج إبراهيم سالم وبطولة محمد جمعة وفيصل علي وآلاء شاكر ونيفين ماضي ونور الصباح وعبدالله محمد، اختلطت الأوراق وذابت الفواصل بين الخيال والحقيقة، وتلاشت الحدود تمامًا بين عالم الفن ومعترك الحياة، باعتبارها مسرحًا كبيرًا في الأساس.

هكذا، صار المسرح بديكوره وإضاءته وموسيقاه وتفاصيله عيادة نفسية معدّة لاستقبال المرضى الممثلين المصابين بالوسواس القهري بأشكاله المتنوعة (النظافة، التدين، الخوف من ضياع الممتلكات، تكرار العبارات، عدم التحكم في الألفاظ، فوبيا الخطوط المتداخلة). وبدت الدراما الكوميدية الفلسفية العميقة متحققة من تلقاء ذاتها من خلال دردشة هؤلاء الهاربين من دنيا الأسوياء مع بعضهم البعض في لحظة معينة، هي الساعة الرابعة، ذلك الموعد الذي تحدد لكل منهم على حدة لمقابلة الطبيب المعالج “نادر”.

تطرق العرض إلى عشرات الجروح ومواضع الخلل الفردية والجماعية والظواهر السلبية، متخذًا من السخرية والكوميديا والعيوب المرضية لدى شخصيات العرض وسائل لكشف العيوب السائدة لدى جميع البشر

إذا كان العلاج بالحكي والفضفضة الجماعية العفوية من الأنماط المجرّبة الناجحة في الطب النفسي الحديث، فقد سعى المسرح (العيادة) هنا إلى كشف المعاناة الداخلية للذوات الإنسانية المعذبة في الواقع المزدحم الملتبس، بهدف الوصول إلى تشخيص مشكلات المجتمع وأزماته الطاحنة، واقتراح وصفات علاجية لها.

واتضح مع نهاية العرض أن تحديد موعد واحد للمرضى جميعًا لمقابلة الطبيب ليس خطأ من الممرضة أو من برنامج الحجز في الكمبيوتر “السيستم”، وإنما هي حيلة مقصودة من الطبيب، ليُشفوا جميعًا من أمراضهم دون الحاجة إليه، عن طريق تجاوز كل منهم التركيز في محنته الشخصية، ونسيانها، من خلال الانشغال بأزمات الآخرين وأمراضهم ومحاولة الإسهام في حلها.

سلك الطبيب المعالج حيلة أخرى مكنته من إدارة الحوار بين مرضاه، وتوجيهه في المسارات العلاجية المطلوبة، هي أنه تنكر في شخصية أحد المرضى “فؤاد المحامي”، وهو ذلك الذي دفعه جنونه إلى صراحة زائدة، بحيث لم يعد يستطيع التحكم في عباراته الجارحة وشتائمه التلقائية المهينة للآخرين، بما أوصله إلى عزلة إجبارية، وأفقده كافة فرص العمل، وآخرها عمله كبائع ببغاوات، وهي مفارقة هزلية، إذ قلّدته جميع الببغاوات في ترديد الشتائم وفضح نقائص البشر.

ألعاب متداخلة

لم يكتفِ العرض المسرحي بتقديم مونولوجات ذاتية على كرسي الاعتراف وتفاصيل “ديالوجات” بين المرضى في جلسة علاج جماعية، دبّرها طبيب ذكي، فصنّاع العرض (المجانين) لم ينسوا أنهم فنانون، وأن هذا المكان مسرح وليس عيادة، وقد تجلت الفنيات والجماليات عبر عناصر المسرحية ومفرداتها، وتقنيات الاشتغال الدقيقة التي حوّلت الأزمة الطاحنة لكل مريض على حدة إلى قصص متشابكة، وخطوط حياتية متداخلة، ومواقف معقدة التقى فيها الحقيقي والمتخيل.

شكّل الوسواس القهري الثيمة المثالية للحالة المرضية “العامة”، التي أمكن تفريعها إلى خصوصيات مرضية ملائمة لكل شخص بمفرده، فكذلك حال المجتمع ككل تحت مظلة المحنة الطاغية، أو تلك الأزمة العامة، المتشعبة بدورها إلى تفريعات لا حصر لها من تمظهرات كارثية مؤلمة، وإصابات عصيبة دامية في البدن والروح.

محطات الشفاء والتعافي من القهر والوساوس
محطات الشفاء والتعافي من القهر والوساوس

تطرق العرض إلى عشرات الجروح ومواضع الخلل الفردية والجماعية والظواهر السلبية، متخذًا من السخرية والكوميديا والعيوب المرضية لدى شخصيات العرض وسائل لكشف العيوب السائدة لدى جميع البشر، من الأسوياء كذلك، بما يعني أن كل إنسان معرّض للسقوط، ما لم يُطهّر ذاته كفرد، وما لم يتحرك المجتمع نحو الإصلاح وتدارك الأخطاء ودرء الأخطار.

من بين ما انتقده العرض الجريء، الذي حرص على البساطة دون إهدار التعمق، التعصّب الديني في التعامل بين المتشددين الإسلاميين والمسيحيين، وهيمنة القوى المتسلطة والأبوية على الشباب إلى درجة إفقادهم إرادتهم واستقلالية شخصياتهم، وسقوط الكثيرين فريسة للإدمان والعزلة والاستلاب وسيطرة الأفكار الهدامة والشذوذ عن الجماعة بما عرّضهم للقسوة وربما العقوبة.

وقدم العرض رؤيته للقيم الإنسانية المُثلى والمفاهيم الأعمق للإيمان والتسامح والتآخي والصداقة والمحبة كضرورات لمواصلة الحياة والتخلص من الضغوط والإحباطات والإخفاقات.

تضافرت عناصر الديكور المحبوك للعيادة النفسية، وإضاءة محمد جمال القائمة على الكشف والتعمية وتكثيف الضوء على المتحدث والجالس على كرسي الاعتراف، والساعة الكبيرة المعلقة على الحائط مشيرة عقاربها إلى الرابعة، وموسيقى موسى البلوشي المتوترة المصحوبة بتكّات الساعة الصاخبة، في صياغة عمل متكامل مريح للممثلين كي يعيشوا الحالة بأريحية، مطلقين قدراتهم التعبيرية باللغة العربية الفصحى السليمة والتي لم تكن متعسفة أو متعالية، وبالحركة الهادئة الدائرية في مكان ضيق، مخصص للتأمل والغوص الداخلي وإذابة العقد والتفاعل المنطقي المتزن والامتزاج التدريجي عبر التصاعد الدرامي المدروس.

لجأ العرض إلى تقنية “الأقنعة” مرتين، في بدايته ونهايته، للإشارة إلى تساوي مجتمع المجانين (المرضى قبل شفائهم)، ومجتمع العقلاء الأسوياء (المرضى أنفسهم بعد تعافيهم)، فالأزمة الحقيقية تكمن في أن أحدًا لا يعيش بوجهه الحقيقي، ولو فطن الجميع إلى ذلك، وعاشوا شخصياتهم الطبيعية دون كذب ولا تجمّل، لحدث مبكرًا ما أعلنه الطبيب المعالج في ختام العرض: “أغلقوا المصحة، لم تعد هناك حاجة إليها”.

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح