العرض المسرحي ” أندرويــنــا” حينما يكون الإنسان أسير التكنولوجـيـا-بقلم : عباسية مدوني –الـجـزائـر

في حقل التبادل الثقافي والفني ، المسرح الجهوي أمّ البواقي كان في ضيافة المسرح الجهوي سيدي بلعباس ، وعلى مدار أسبوع كامل من التدريبات التقنية والفنية في آخر رتوشات الإنتاج المسرحي الجديد لأمّ البواقي ، تمّ بتاريخ الثامن (08 ) من شهر أكتوبر 2022 ، رفع الستار عن العرض العام الموسوم بــ ” أندروينا”  تصميم وإخراج ” دين الهناني محمد جهيد “.

أندروينا ” المنتمي إلى المسرح الصامت ، بين لحظة وأخرى دفع مصمّم العرض بممثليه على الخشبة إلى الاشتغال على الجسد الذي يطاوع البناء الدرامي في أبعاد ميكانيكية ، تلكم الشخصيات من الممثلين التي اعتمدها في طابع المهرجين الذين راحوا فيما بينهم يخفّفون من وطأة الصمت بالإعتماد على الجسد وردّات الفعل الكوميدية غالبا .

وفي استعراض للجسد والحركة وتعابير الوجه ، راح ينمّي حاسة التفاعل لدى المتلقي هذا الأخير الذي انفتح على عرض صامت من بدايته إلى نهايته ، ملتفّا حول حكاية وسط حكاية وسط أخرى ، لاعتماد المخرج أو سعيه لتقديم فلسفة أو نظرية مسرح في مسرح ، وكان الجمال حاضرا كما الحركة والإيقاع على الركح في تناغم مع الموسيقى والاستعراض على الشاشة الكبيرة كخلفية تعدّ مستهلا لكل حكاية من لوحات العمل المسرحي .

عرض ” أندروينا ” كشف سلسلة من التناقضات والأوهام والعقد في مجتمع ما يزال يقبع تحت تأثير التكنولوجيا التي استحوذت على العقول والفكر والروح ، ليتحوّل كل ممثل على الخشبة إلى نمط متحرك دونما روح ، تهميشا للعلاقة الإنسانية والروحية وإطفاء لوهج الحياة الزائفة وراء الشاشات وضمن تقنيات الأندرويد .

في العرض المسرحي كان الطفل المشحون والمشدوه بالتكنولوجيا الحديثة عصيّا عليه     التعايش وسط نمط صحيّ وآمن ، فكان العصب وكان الأساس وكان المتفرّج رقم واحد على مهزلة الآخرين ضمن سيناريو حياة واقعية لكنها شائكة ومزيفة ، من منطلق ثالوث المجتمع المكوّن من الشاب والشيخ والمرأة ، ولكل منهم عالمه ، نمطه ، احتياجاته ، مكبوتاته  وتناقضاته وعقده النفسية والاجتماعية .

في العرض المسرحي ” أندروينا “ تمّ الإعتماد وبشكل واضح على جزء من تقنيات التكنولوجيا في استخدام شاشة  ” الداتاشو ” التي مهّدت لكل لوحة من لوحات العرض ، وكان الإعتماد على الأداء الفردي والتنسيق الجماعي ، للكشف عن مدى حرص المؤدي أو صاحب الشخصية على تقديم ما وجب تقديمه وفق إرشادات المخرج ومتابعة الكوريغراف الدقيقة لكل التفاصيل فكان ” عبد الهادي بن عبو ” مستعينا في توجيهه الكوريغرافي على خيط الحكاية بكل تناقضاتها وملامحها وتفاصيلها واضعا لمسته على مستوى الجسد وملامح المؤدي ناحتا من روح الممثل إيقاعا وتناغما قد أسهم بشكل إيجابي في استنطاق الملكة الإبداعية لدى الممثل في عرض صامت ،هذا باعتبار العرض نسقا متواصلا ما بين الجسد والحركة والإيقاع دونما الإخلال بنمطه ، إذ في ملامح كل مؤدّ نلمس كمتلقين علامات الفرح واليأس والحسرة والمتعة ، مع استمرار خيط التناقضات وصولا إلى استيعاب الدور وتقمّص الشخصية بشكل مدروس فنيا وإبداعيا .

   ” أندروينا “ به مساحات من الدهشة والمتعة في الآن ذاته ، في استقراء عالمنا المثخن بالتكنولوجيا والذي ضحيته الأولى هو الطفل ، أسير الأيباد  والموبايل وكل وسائل المتعة تكنولوجيا ورقميا ، وسط ضياع المتعة الحقيقية والحياة الطبيعية ، ليكون ذلك الطفل أسير الحيرة والشتات والخراب الروحي الذي يبعده لا إراديا عن التناغم مع الحياة بكل مؤشراتها الطبيعية ، فينأى عن اللعب الصحي وعن المطالعة وعن الجمال الحقيقي الذي تجسده الحياة الخالية من المؤثرات .

لقد اعتمد المخرج في عمله ، على رصد سلسلة من التناقضات الروحية والاجتماعية  ، فجسّد ثالوث نساء متباينات الطبع والتوجه ، من المتسلطة إلى المتمردة الجامحة ، إلى القنوعة الراضية بالموجود والباحثة في الآن ذاته عن أي سبيل للتعايش ، فلا الأولى اقتنعت بتسلطها وأرادت المزيد ، ولا الثانية  أشبعت رغبتها ، ولا الثانية سلّمت بالأمر الواقع ، فكانت الهيمنة الوهمية أساس العلاقات ما بين الشخوص ، مع تشكيل إيحائي ورمزيّ لعديد المشاهد التي لربّما حرّكت لدى المتلقي جرعة من المتعة والدهشة والتأمّل ، وكشفت له كومة من عوالم الشخوص المتناقضة فيما بينها في إطار عالم وهمي محكوم بالرقمنة والتكنولوجيا المفخّخة .

في عرض ” أندروينا” تقاطع واضح لمعالم الشخصيات وهي في حوارها الناطق إضاءة وموسيقيا ، وحركة وإيقاعا ، ليبقى العرض المسرحي منفتحا على أكثر من تأويل وتفسير بحكم علاقة الشخصيات فيما بينها ، وفي محاولة تحرّر الطفل من سلطة وهيمنة التكنولوجيا في زمن الأندوريد التي شتّت كل مستويات التعايش السليم على أكثر من صعيد .

عن عباسية مدوني