أخبار عاجلة

الشمعة في المسرح.. أبعاد ودلالات ورؤى يوسف الحمدان

الشمعة في المسرح.. أبعاد ودلالات ورؤى

يوسف الحمدان

لماذا الشمعة في المسرح؟

هل لأنها فعل الضوء في عتمة المسرح؟

إذا سلمنا جدلا بهذا المسوغ، فهي إذن لا تختلف بطبيعة الحال عن أية تقنية أخرى مضيئة كفعل، مثل اللمبة، الفلورسنت، الكشاف، المصباح اليدوي، الإضاءة التلفزيونية.. إلخ، وبالتالي يتماثل هذا المسوغ (فعل الضوء) ـ مهما تباينت تأثيراته ـ مع أية مادة منتجة مسرحيا في استدعائها له كمؤثر خارجي أو معضد للحالة النفسية للممثل أو مهيء لحدث العرض، أو باعتباره تشكيلة جمالية لونية تفترضها تكاملية العرض المسرحي أو سياقاته الفنية.

نتساءل أيضا: هل غرضنا من الشمعة هو اختزال مساحة الضوء في العرض المسرحي باعتبار أن ذبالة الشمعة محدودة الاشتعال والإضاءة؟.

أحيانا لا تختلف مساحة الضوء في معطاها الفعلي عن استخدامها المسوغ كمؤثر خارجي أو داخلي أو جمالي، فلكي أصور أو أجسد حالة في قبو مظلم، أضطر لاستخدام الشمعة لتكثيف مساحة الضوء من جهة، ولإسقاط هذه المساحة على الحالة النفسية الداخلية للشخصية المؤدية في العرض من جهة أخرى، وينطبق ذلك إلى حد كبير على عرض تجري أحداثه في سجن أو سرداب أو نفق أو خندق وما شابه ذلك في الأماكن الضيقة المظلمة، وهذا يعني أن نوعية وطبيعة المكان تستدعيان استضافة الشمعة.

نحاول أن نبحث أكثر فنتساءل: هل دوافع استخدامنا للشمعة واتصالنا بها تعتبر دوافع كرنفالية أو طقوسية، ذلك أن حجم الشمعة الصغير وتكاثف ضوئها في حالة استقطاب مجموعة كبيرة من الشموع تسقط إيحاء لونيا ونفسيا احتفاليا مؤثرا ومعبرا على جو العرض المسرحي أكثر من أية إضاءة تقنية أخرى؟

نعتقد أن هذا الاستخدام لا يعدو كونه أكثر من مؤثر خارجي موحي بدلالاته وانعكاساته، وليس شرطا أن يكون منبثقا من عمق الشخصية أو بؤرة فعلها وتوالداتها، كما أن هذا التكاثف الضوئي للشموع يستخدم أحيانا كهمزة وصل بصرية بين العارض المؤدي والمتلقي أحيانا لأسباب اقتصادية ناجمة عن عدم توفر الإضاءة التقنية المطلوبة للعرض، وأحيانا بغرض تهيئة طقسية يرتئيها مخرج العرض أكثر جدوى من الإضاءة التقنية، مثال على ذلك، عرض في مقبرة ليلا كعرض (الباب) للكاتب المسرحي العراقي الراحل يوسف الصائغ لمخرجه الفنان إبراهيم خلفان، أو في قاعة قهرية كعرض مسرحية (ترنيمة الكرسي الهزاز) لمخرجه الفنان الراحل الدكتور عوني كرومي، أو كعرض الكمامة لمخرجه الفنان عبدالله السعداوي، أو غرفة بكبينة بحرية، أو في غرفة تحوي اجتماعا سريا أو في حضرة زار، وإذا لم يكن غرضنا منها كذلك، فهل هو بغرض استخدام هذه الشمعة كمسقط انعكاسي على جزء من الوجه أو الجسد أو من المادة التي في العرض لتحقيق حالة تعبيرية تأثيرية ما مثلا ؟ .

كثير من المخرجين يلجأ إلى هذه الطريقة على أنها أكثر جدوى تعبيريا وتأثيريا من الإضاءة التقنية، فغالبا ما تكشف هذه الإضاءة مناطق أكثر اتساعا وشمولا وفضحا في وجه الشخصية أو الجسد أو المادة المسرحية، وبالتالي تسرق لحظات جمالية يرتئيها المخرج ضرورية للعرض من زاوية تفاصيلها وانعكاساتها وغرابتها، وأكثر المخرجين اهتماما بهذا النوع من الإضاءة الإسقاطية هو أكثر الفنانين التصاقا واختصاصا بالمادة التشكيلية أو المادة التشريحية.

وإذا لم يكن غرضنا من هذه الشمعة كذلك، فهل هو غرض معاضد للإضاءة التقنية، لإبراز مخيال الظل الذي ـ ربما ـ يقلل تأثير الإضاءة التقنية عنه؟.

هنا لا تتجاوز الشمعة في مدلولها كيفية الشكل الجمالي للعرض ، فلو استغل المخرج الإضاءة التقنية المركزة لإبراز خيال الظل في (السايك) أو قماش الخلفية ، فحتما ـ كما نرى في عروض كثيرة ـ سيستقطب الضوء القوي الفيضي مساحة لا بأس بها من المخيال، وبالتالي يحد من عملية التباين الضوئي، على عكس الشمعة التي تعطي بمحدودية اتقادها مساحة ضوئية متباينة مركزة ومؤثرة بطبيعة الحال، فتبدو المبالغة في رسم الشخصيات أكثر حضورا في فعلها ، وأكثر تمايزا في تبايناتها ، حيث يبدو خيال الظل بارزا دون أية طوافر أو زوائد على سطح القماش .

لقد أخضعت هذه القراءة الاستبارية لفعل الشمعة وتأثيراتها الدلالية في العرض، حين تصديت لإخراج عرض مسرحي هو من تأليفي ويحمل عنوان (ميلاد شمعة)، وقد قمت بتقديمه في أحد البيوت القديمة في مدينة المنامة، وقد استثمرت كل الفضاءات المتاحة فيه، من غرف وأحواش متباينة المساحات ومداخل متعددة للأبواب، إضافة إلى (الليوان) المسقوف بخشب فارسي قوي وقديم، فمنذ بداية العرض يبدأ فعل الشمعة، حيث يستلم جميع من سيشاهد العرض الشموع، ليكونوا في الحوش الكبير للبيت بين صبي وصبية يطلبان من الحضور إرشادهم إلى الحبيبة أو الحبيب الشمعة التي فقداها، ليكونوا أيضا بمواجهة عازف الساكسفون المايسترو الراحل مجيد مرهون الذي يتماهى عزفه مع الشموع التي تحاور وجهه وآلته، لينتهوا في نهاية الأمر إلى (الليوان) المسقوف موقع تكثيف فعل الضوء في العرض، حيث يشاهد الحضور ثلاثة ممثلين وجوههم باتجاه مرايا ثلاث، والجمهور يراهم من خلال المرايا، وهنا نشهد حوار الشموع بمختلف دلالاته، القاسية والحميمة والقهرية النارية الحارقة، وينتهي العرض بدعوة زوجة الشهيد كل الجمهور الموجود لمشاركتها فعل الضوء في الشمعة، وهنا يتسع فعل الضوء ليشمل بحميميته ودفئه كل الشموع التي يحملها جمهور العرض ، وليمتد هذا الفعل الضوئي بعد نهاية العرض إلى خارج (الليوان)، ليبدأ معه حوار حميم مشاكس ومتساءل بين الجمهور في الساحة الخارجية .

إن ما نطمح في تقديمه ورؤيته يتجاوز حدود المكملات أو المعاضدة المعادلة لفعل المسرحية، فالشمعة هي الإنسان، الحياة، الحدث، وهج العرض، إذن هناك حالة توحد أو تماهي بين هذه العناصر الأساسية في العرض، والحضور الأساسي يتجسد في الشمعة، فالشمعة مخاض الشخصية، الفعل، الطاقة، منها تتوالد الأحداث، تتخلق العناصر، الجذوة فيها صوت، صرخة، وجه، حركة، انطلاقة، ماضي، حاضر، أزمنة متداخلة، دلالات لا حدود لها.

إن ثبوتية مكان الشمعة ينزاح بفعل تولد طاقتها، فإذا افترضنا الثبوتية في قصب الشمعة فإن الديناميكية تكمن في طاقة الشمعة، وبتحقق هذه الديناميكية الطاقوية الضوئية يتحقق الانصهار أو التخاصب المشترك بين وهج الشمعة وقصبها.

هنا لا يظل القصب ثابتا ولا يظل وهج الشمعة مستقرا، فالشمعة في المكان الاعتيادي مجرد مادة قابلة للاحتراق، ولكنها في العرض مادة تفاعلية حية، منها تتولد الشخصيات والأحداث، ومنها يتحقق شكل التفاعل بين هذه الشخصيات والمتلقين.

إذن الشمعة في مادتها الواقعية الصرف، ميسور إنتاجي مساعد، وفي مادتها التخيلية وهج دلالي متوالد يستقطب فعل الحياة ويمتد به إلى ما هو أبعد من حالة استدعاء المجهول أو المُحْدَس أو المُتصور.

إن دراسة الفعل الضوئي للشمعة في العرض المسرحي كما يبدو دراسة ليست سهلة، دراسة جمالية دلالية ربما تكون أحيانا أكثر صعوبة ودقة من دراسة الإضاءة التقنية الجاهزة الإعداد.

من هنا تأتي أهمية تسليط الضوء على الفعل الضوئي للشمعة ودلالته التوليدية، على أمل أن نُثرى بقراءة دارسة حول هذا الفعل الدلالي للشمعة في المستقبل القريب تجيب على تساؤلات طفرت في هذا المدخل الذي استثارته أسئلة التجربة في المسرحية التي تصديت لها بفعل الشمعة وأعني (ميلاد شمعة) والتي بالرغم من الاشتغال التجريبي المغاير فيها في حينه عام 1993 إلا أنها لم تنل حقها كفاية من الاستقراء والتقصي.

* يوسف الحمدان – البحرين

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح