«الروبة».. مسرحية نهضت بها رؤية المخرج وجماليات الأداء

جمال عياد – ناقد مسرحي

لا نبالغ إذا قلنا ان وهج ثورة 14 كانون الثاني العام 2011 في تونس، انعكس على البناء الفوقي الثقافي لجهة المسرح، حيث دفعته إلى تطور آخر جديد عما راكمه قبل هذه الثورة، ومن ذلك نتاجات المؤلف والمخرج المسرحي حمادي وهابي، في أخريات نتاجاته مسرحية «الروبة» التي عرضت أول من أمس ضمن فعاليات مهرجان الأردن المسرحي، على مسرح هاني صنوبر في المركز الثقافي الملكي.

رسائل هذه المسرحية؛ كما في مسرحيتيه السابقتين، «الصابرات» في العام 2015، التي تغوص في عوالم (بنات الهوى) كنتاج للظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ومسرحية«جويف» 2018 التي أكدت على أن مجتمع الحضارة الإسلامية حضن متسامح بتقبله تعددية الأنماط الثقافية والدينية.

رسائل هذه المسرحية جاءت لافتةً كسابقتيها بعد ظاهرة الربيع العربي، وتتناول ظاهرة الفساد المنتشرة على مستوى العالم.

البناء السطحي دارت مُجرياته في أحد أروقة المحاكم، وبعد لحظات من اندفاع أحداثه إلى الأمام، تفاجأ المشاهد بتطاير أشلاء بشر وأثاث، بفعل تفجير مفخخ، قامت به جهات ليس لها مصلحة في توسع دائرة الديمقراطية، التي طالبت بها الشعوب العربية، كمكاسب أحدثتها ظاهرة الربيع العربي.

وكشفت الأحداث الدرامية لمختلف المشاهد واللوحات، التي جرت في فضاء تحتي من بناء المحكمة، انجمعت فيه ست شخصيات.: قاضية، وأربعة محامين، ومتهم، مدى الفساد الوالغ في فئات هذه المحكمة التي تتشابه نمطيتها أغلب محاكم دول الجنوب الفقير.

بينما طرحت الأبنية المضمرة للمسرحية؛ رسائل مروعة، مفادها أن الفساد هو مؤسسة هائلة آخذة يوماً بعد يوم في ابتلاع السلطات القضائية والتشريعية والتنفيذية بما فيها السلطة الرابعة الإعلامية.

سينغرافيّاً كانت دلالات اللونين الأسود والأبيض، وإن كان الأول هو السائد، يزينان مختلف اللوحات البصرية للمشاهد، ضمن قصدية الرؤية الإخراجية على انسداد وقتامة الأفق، بفعل خضوع السلطات الثلاث للبناء العميق في المجتمع، الذي (يُهندس) العمران البشري، بالمفهوم الخلدوني، كيفما يشاء لجهة مصالحه فقط، ضارباً بعرض الحائط أي اعتبار بحقوق الإنسان.

فاللون الأسود الذي ظهرت به الروبة (العباءة) التي يرتديها المحامي والقاضي، في التأشير الأيقوني اجتماعياً، دلالة على على مدلول النزاهة والعدل، بينما رؤية وهابي هشمته بقسوة إلى الدرك الأسفل قيمياً، فتوازى مع قيمة الفساد، الذي يدفع البلاد، التي تكتوي بناره، إلى نكوص حضاري.

الإضاءة عبر سقوطها المدروس، في ظلام المسرح، على الممثل وبعض المنظورات التي صممها وهابي في انجماع الممثلين ساكنين، أو في انزياحاتها في الفضاء، كانت في أساليبها، الأثر الكبير في إثارة ووصول الزخم التعبيري لفعل الممثل في حالاته الإنفعالية المختلفة، إلى المشاهدين.

ولا ننسى دورها في تشكيل المستطيل الأبيض على المسرح الذي حدد حيزات الأداء للممثل، وتبديل تموضعه من أفقيٍ إلى عاموديٍ وبحسب استدعاءات الحالات الشعورية لأداء الممثل.

نجح الممثلون من خلال الاسترخاء وجودة الالقاء في التركيز أثناء الأداء الصوتي، اما المؤثرات الصوتية كلغة متممة للعمل المسرحي، فلم تسرف الرؤية الإخراجية في استخدامها، فكان الاستخدام صحيحاً لها، فقد تلقاها الجمهور، هذا من جهة، ومن جهة ثانية ساعدت الممثل في تفعيل دوره بإتجاه إنشاء الزخم التعبيري له.

أداء الممثلين الذي جاء ظهوره شريكاً للمخرج في تنفيذ رؤيته، كان على مستوى فعال، حيث عاشوا حالات الشخوص الحسية ومكوناتها المركبة، التي كانت جذابة، لجهة براعة تعبيرية الصوت والجسد والخيال، لا بل كان لديهم الفهم العاطفي وتطويره في السياق لكل حالة من حلات الشخوص النفسية، لإدراكهم الواعي لأدوارهم.

ونوجه تحية لهم كونهم كانوا سفراء على مستوى جمالي لبلادهم، وهم: عواطف عبيدي، مهد شوقي، نور الدين الهمامي، سامية بوقرة، لطفي المسهالي، وخلود بديده. التقنيات شعيب بشر، موضبة انتاج بسمة الهادفي.

alrai.com

 

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

مسابقات الهيئة العربية للمسرح


This will close in 20 seconds