احتفال كئيب باليوم العالمي للمسرح: أضواء القاعات مطفأة وكلمات متفائلة لعشاق أب الفنون – الطاهر الطويل #المغرب

احتفال كئيب باليوم العالمي للمسرح: أضواء القاعات مطفأة وكلمات متفائلة لعشاق أب الفنون –الطاهر الطويل

لأول مرة منذ سنين طويلة، انطفأت الأضواء في جل مسارح العالم، فقد هجرها الفنانون والجمهور مكرهين بفعل جائحة “كورونا”. وبذلك، بدا الاحتفال باليوم العالمي لأب الفنون كئيبا، واختار المسرحيون استحضار المناسبة رمزيا وافتراضيا، موقدين شموع الأمل والمحبة، وداعين بالسلامة للبشرية جمعاء.

أوكلت الهيئة الدولية للمسرح للكاتب المسرحي والإعلامي والناشط الحقوقي شاهد نديم (من باكستان) توجيه رسالة اليوم العالمي للمسرح 2020. وهكذا أوضح في كلمته أن المسرحيين الباكستانيين تمسكوا بخيط رفيع جاهدوا فيه للحفاظ على التوازن بين الترفيه والتعليم، وبين البحث والتعلم من الماضي والاستعداد للمستقبل، بين حرية التعبير الإبداعي والمواجهات الجريئة مع السلطات، بين المسرح الذي يهتم بالقضايا الاجتماعية والمسرح الربحي، بين الوصول إلى الجماهير والحفاظ على الإبداع والريادة.

وأضاف قائلا: “في باكستان، هناك فصل واضح بين ما هو “مقدس/ حلال” وما هو “مدنس/ حرام”، فلا يوجد مجال للتساؤل الديني فيما يتعلق بالحرام ولا توجد إمكانية للنقاش المفتوح أو الأفكار الجديدة فيما يتعلق بالحلال. وحقيقةً تعتبر الأنظمة المحافظة الفن والثقافة خارج حدود القداسة والحلال، ولذلك فإن ساحة الأداء المسرحي دائما ما كانت مليئة بالعقبات والحواجز، حيث يتوجب على المسرحيين أولاً أن يثبتوا أنهم مسلمين صالحين ومواطنين ملتزمين وأن يحاولوا أيضاً إثبات أن الرقص والموسيقى والمسرح أمور “مباحة” في الإسلام، فقد تردد عدد كبير من المسلمين الملتزمين في تبني الفنون الأدائية على الرغم من كون عناصر الرقص والموسيقى والمسرح جزء لا يتجزأ من حياتهم اليومية، وانبثقت بعد ذلك ثقافة فرعية دمجت الحلال بالحرام على خشبة المسرح.”

واستطرد بالقول: “خلال الحكم العسكري في باكستان في الثمانينيات من القرن الماضي، تأسس مسرح أجوكا على يد مجموعة من الفنانين الشباب الذين تحدّوا الديكتاتورية من خلال تأسيس مسرح يتسم بالجرأة الاجتماعية والسياسية. وفي بحثهم عما يعبر عن مشاعرهم وغضبهم وكربهم وجدوا ضالتهم في شاعر صوفيٍ عاش قبل نحو 300 عام وهو الشاعر الصوفي الكبير بلهى شاه، حيث أصبح بإمكانهم الإدلاء بتصريحات متفجرة سياسيا من خلال أشعاره، متحدين بذلك السلطة السياسية الفاسدة والنظام الديني المتعصب. فقد كان بإمكان السلطات أن تحظرنا أو تبعدنا ولكن الشاعر الصوفي المحترم والمحبوب بلهى شاه كان خطاً أحمر! وكلما تعمقنا في دراسة سيرته، وجدناها مليئةً بالإثارة والأفكار الثورية كشعره تماماً والذي عوقب بسببه بالفتاوى والنفي في حياته.”

وأوضح شاهد نديم أنه شخص علماني وأن اهتمامه بالصوفية أساسه ثقافي، وينصب أكثر في الجوانب الأدبية والفنية للشعراء البنجابيين الصوفيين. وأفاد بأن السبب وراء مشاركته لقصة بلهى شاه واستكشافه لهذا النوع من المسرح الصوفي هو أننا ـ كما يقول ـ “أثناء الأداء على خشبة المسرح ننجرف أحياناً وراء فلسفتنا المسرحية ودورنا كرواد للتغيير الاجتماعي، وبذلك نترك الجزء الأكبر من الجمهور وراءنا.

وبانشغالنا مع تحديات الحاضر فإننا نحرم أنفسنا من إمكانيات تجربة روحية مؤثرة للغاية يمكن أن يوفرها المسرح لنا. في عالم اليوم حيث تتصاعد وتيرة التعصب والكراهية والعنف مرة أخرى، وتحرض الدول شعوبها ضد الشعوب الأخرى، ويتقاتل المؤمنون مع غيرهم من المؤمنين وحيث أصبحت المجتمعات تثير الكراهية ضد المجتمعات الأخرى… نغفل عن الأطفال الذين يموتون بسبب سوء التغذية، والأمهات اللواتي يمتن أثناء الولادة بسبب نقص الرعاية الطبية، وإيديولوجيات الكراهية الآخذة في الازدهار، وكوكبنا الذي يغرق بشكل أعمق وأكبر في كارثة مناخية، ولا يمكن للمرء إلا أن يفكر حينها في نهاية العالم الوشيكة.”

وختم كلمته بالتأكيد على ما يلي: “نحن بحاجة إلى تجديد قوتنا الروحية. نحن بحاجة إلى محاربة اللامبالاة والخمول والتشاؤم والجشع التي يعاني منها عالمنا. للمسرح دور محوري ونبيل في تحفيز وتحريك الإنسانية لتنقذ نفسها من هبوطها إلى الهاوية، فتتخفف خشبة المسرح عند الأداء صاعدة للسماء لترقى إلى شيء أسمى وأكثر تقديسا.”

عاش المسرح وليسقط الوباء!

الناقد المسرحي العراقي الدكتور محمد سيف يلاحظ في تدوينة جديدة له أن “ما يحدث اليوم لعالمنا، يلقي بنا مباشرة في أطروحات أرتو ومقارنته للمسرح بتجربة الطاعون والآثار التي يخلفها المرض على الجسد، وفي جميع السياقات الاجتماعية. ولكن المسرح ليس بخطر مثل الطاعون كما يعتقد القديس أوغسطين، ويكمن الفرق بينهما، أن الطاعون يقتل دون أن يقضي على الأعضاء، في حين أن المسرح لا يقتل، ولكنه يثير أكثر التغييرات غموضا، لا في فكر الفرد، بل في فكر شعب بأكمله.

صحيح أن الهذيان الأخلاقي الذي ينتجه المسرح يمكن أن يكون هو أيضا معديا، لأنه يكشف من خلال تطرفه العنيف عن عمق اللاشعور الفردي والجماعي المليء بالقسوة. ولكن، مع ذلك يبقى المسرح نافعا، مثلما يقول أرتو، (إذ يدفع البشر إلى أن يروا أنفسهم كما هم، وهكذا يسقط القناع، ويُكشف الكذب، والنذالة والنفاق. إنه يكشف للجماعات عن سلطانهم القاتم، وقوتها الخفية، ويدعوها إلى أن تتخذ، أمام القدر، موقفا بطوليا ساميا).

وهذا ما نحتاج إليه اليوم أكثر من أي وقت مضى، حسبما يعتقد محمد سيف، مفسرا ذلك بالقول “أن ننظر إلى المسرح والعالم من وجهة نظر إنسانية، متفائلة حتى وإن كانت نسبية، بعض الشيء. وإذا كان المسرح اليوم مهدداً بالموت، شأنه شأن الحياة، مثلما يقول جان كوكتو مع تغير طفيف في صيغته، فلنصرخ معاً وبصوت عالٍ: عاش المسرح! وليسقط الوباء! فالمسرح إرادة ودراما جذورها الحرية، وتقاسم الأمل، إنه يجمع البشر من خلال الضحك والبكاء والدموع. ولهذا، أقول، علينا ان نحتفل، كل حسب طريقته، ومن خلال عزلته، وألا نستسلم للكارثة التي حرمتنا اليوم من بهجة الاحتفال. نعم، ان نحتفل، ثم نحتفل، ثم نحتفل، حتى لا تقتلنا الكآبة، وتتحول إلى كابوس، وتنتصر علينا الوباءات.”

 

“هذه صلاتي لخشبة خلاصي”

وتقاسم الفنان المسرحي الفلسطيني غنام غنام مع أصدقاء صفحته الفيسبوكية كلمة مسجلة قال فيها: “في ظل هذه الجائحة التي تعيشها البشرية، فإن أسوأ ما سيحدث هو أنها تعطي الفرصة كاملة لقوى الظلام والظلم أن تعيد إنتاج أدواتها وإيديولوجياتها وآليات تحكمها وظلمها للبشرية. ومن هنا، ليس لنا إلا أن نصلي للجمال وللحرية وللمسرح، في اليوم العالمي للمسرح، في كل يوم هذه صلاتي، لخشبة خلاصي:

“شكرا لك سيدي، منبع عذاباتي المقدسات وسبب بهجاتي النبيلات، أملي لأنك جعلتني شفيفا، أملي لأنك جعلتني شغوفا. قسوتي لأنني أخاف عليك. وشجاعتي لأنني أخاف منك. اقترابي من البعيد وابتعادي عن القريب حين صرت بوصلتي، إيماني وضلالتي، غيي ورشدي، قيدي وحريتي. قدري الذي جاء بي وذهبت به وإليه. صليبي وحبيبي. شكرا لك أيها السيد النبيل. أيها المسرح. كل عام والمسرح بخير، ليكون الكون بخير”.

 

استحضار قوة الخيال

الباحث والكاتب المسرحي المغربي الدكتور حسن يوسفي أدلى بدلوه في الموضوع، حيث دوّن العبارات التالية: “يؤكد برتولد بريشت في “الأورغانون الصغير حول المسرح” أن “كل الفنون تساهم في الفن الأكثر سموا منها كلها، وهو فن الحياة”. وهو نفسه حاول طيلة مساره ان يجعل المسرح واحدا منها وان يكون عشق الحياة ومعايشتها كفن من أكثر المهام المنوطة باب الفنون. هذه المهمة النبيلة تعاش، وهو يدرك ذلك تمام الادراك، من خلال الطقس الجماعي الذي يتيحه المسرح ويسمح بتفاعل الناس والافكار والحساسيات من خلال اللقاء المباشر.

الآن، ونحن تحت وطأة هذا الكابوس الذي أدخلنا بيوتنا وحكم علينا بالمسافة مع الناس، كيف نحافظ على هذه القيمة التي من أجلها كان وسيكون المسرح: أن نعيش فن الحياة؟ في مسرح “دارنا” يبقى لنا أن نكون أوفياء لروح الفكرة وأن نعانق الحياة “في الهامش الضيق متطلعين إلى فسحة اوسع” كما هو شأن جاذبية في رواية “رسائل من امرأة مختفية” لمحمد برادة.

في مسرح دارنا نستعين بما لاذ به السارد في “عالم بلا خرائط” عندما سألته الشخصية: إذا وجدت نفسك يوما في زنزانة طولها متر وعرضها متر ولا قلم ولا ورقة أعزل إلا من نبضك الواجف، ماذا تفعل؟ كان جوابه: سأستحضرك بقوة خيالي”.

قوة الخيال لن ينال منها الفيروس الذي يتربص بنا. فلنجعلها سلاحا، من داخل بيوتنا، لنعلن عشقنا للحياة ولنجدد صلتنا بالمسرح أب الفنون.”

الحالة “الكورونية”

ومما جاء في تدوينة للكاتب والمخرج المسرحي المغربي عبد المجيد فنيش: “في كل مارس، ومنذ قررت اليونسكو في 1963، يوم 27 مارس، يوما عالميا للمسرح، والعالم يحول هاته اللحظة انتصارا لمعاني السمو والجمال والتحضر التي يختزلها أبو الفنون، من خلال تمظهرات قد تكون مهرجانات، عروضا، مناظرات احتجاجات، تكريمات الخ…

ويكون تتويجها بكلمة تصاغ بحبر أحد رموز نساء ورجال المسرح. ربيع هاته السنة غير الربيع الذي تغنى به كبار شعراء الانسانية، واليوم العالمي للمسرح هاته السنة (ذات العشرين مرتين) على غير العادة لبس لبوسا آخر. في يومنا العالمي في السنة الغبراء هاته، لن ترفع الستارات في المسارح، ولن تجد الدقات الثلاث من يدقها. كم هو كئيب هذا المشهد القاتم الذي لن ترفع عليه الستارة، ولن تضاء فيه جوانب الخشبة.”

ثم تطرق فنيش إلى واقع المسرح في المغرب قائلا: “عيد المسرح في سنة العشرينيتين، في بلدنا الحبيب، اجتمع فيه ما تفرق في غيره، ففي كل بقاع الأرض الأمر سواء، ولا صوت يعلو فوق صوت كورونا، لكن عندنا نحن كورونا الوباء الذي نجحنا كثيرا في مقاربات تطويقه، وكورونا الأهواء، اي خرجات الأمزجة بدل المخططات. حالتنا الكورونية في الشأن المسرحي تزداد نفشيا، وأساسا منذ التعديل الحكومي الأخير، الذي تحمل فيه المسؤول على قطاع الثقافة أكثر من مسؤولية. وهل نحتاج الى تأكيد على أن المسرح اول ضحايا كورونا الأهواء في عهد ذي الوزارتين؟ كيف لنا الاحتفاء وكل مؤشرات التراجع المعلن وغير المعلن هي السيدة السائدة، وقد بدأت تقتل في النفوس جل عوامل بعض الفرح الذي كنا نعيش على وقعه في انتظار اليوم العالمي للمسرح.”

الطاهر الطويل – المغرب

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح