ألبير كامو.. مسرحي يحاصره العبث

في السابع من نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1913 ولد «ألبير كامو» بالجزائر، ونشأ على صوت طبول الحرب العالمية الأولى، وكما يقول: «لم يكف تاريخنا منذ ذلك الوقت عن أن يكون قتلاً أو ظلماً أوعنفاً» وشبّ في محيط فقير، في منزل يتكون من حجرتين، بين أمٍّ تعمل في مصنع للبارود، ثم تخدم في المنازل، وجدّة متسلطة، حتى إنه كان يقول: «لقد تعلمت الحرية من البؤس».

حين ظهرت عليه أعراض السل، ترك منزل الأسرة، الذي لا تتوافر فيه أسباب للعناية بصحته، ثم عاش حياة مستقلة تماماً، في جميع أنحاء الجزائر، وفي 4 يناير عام 1960 يلقى حتفه في حادث سيارة، وفي موته تصديق لما أكده أكثر من مرة في أغلب كتبه.

كانت ظروف وفاته تناسب عدة حقائق، طالما ذكرها، كلما تحدث عن تفاهة الحياة وعبثها، لقد وقع في حادث سخيف، خاتمة السطر الأخير من حياة لم تستمر إلا أربعة وأربعين عاماً، كرّس أكثر من عشرين عاماً منها لإظهار المتناقضات، التي يصطدم بها كل منا، إذا حاول التفكير في الأوضاع الإنسانية.

كان يقول: «إن المكان الذي أفضّل أن أعيش وأعمل فيه، والذي يستوي عندي أن أموت فيه، هو حجرة فندق، لم أستطع قط أن أنساق لما يسمونه الحياة المنزلية، التي هي في أغلب الأحيان عكس الحياة الداخلية الروحية» قال هذا الكلام في مقدمة أحد كتبه، وقد باغته الموت على طريق من طرق فرنسا، أي بعيداً عن كل ما يمكن تسميته منزلاً أو مأوى.

قصة حب

يقول «كالياييف» بطل مسرحية «العادلون» عن الدوق الكبير سيرج، الذي قتله بإلقاء قنبلة على عربته: «إنه مات بغتة، موت مثل هذا، لا شيء»، وتدور أحداث مسرحية «العادلون» لألبير كامو في روسيا القيصرية، من خلال جماعة سرية تريد قتل القيصر، لتخليص روسيا من ظلمه.

ذلك هو الإطار العام، أما القضية الأساسية التي تدور حولها المسرحية فهي قضية الروابط الإنسانية المتعمقة التي تقارب أو تباعد بين أفراد الجماعة السرية، إحدى هذه الروابط تجعل الموت وسيلة للحياة، إنها ليست قصة قتل واغتيال بقدر ما هي قصة حب.

لقد تخلت إحدى شخصيات المسرحية عن الحب والسعادة والجمال في سبيل عمل مشترك يقربها من زملائها، إنها تقول لكالياييف الذي يمتدح ثوبها: «كان يسعدني أن أكون جميلة، لكن لا ينبغي التفكير في هذا، إن ما تفكر فيه وتسعى إليه بعيد عن الحب السهل، إنه حب من نوع آخر، حبٌّ لا يرحم ولا يجعل صاحبه يهدأ له بال، إنه يعزل صاحبه، لأنه حب العدالة».. وما يجعل هذه المسرحية تحتل مكانتها من مسرح كامو أنها تضع أمام أعيننا شخصيات، تنسى فرديتها في سبيل عمل جماعي كبير.

لماذا لجأ كامو إلى إطار المسرح والتمثيل أربع مرات؟ سيرته تجيب عن هذا السؤال فعندما كان عمره 21 سنة أسس «مسرح العمل» وقام بجولة في الجزائر مع فرقة «راديو الجزائر» ولاقى نجاحاً كبيراً، وكان يؤدي دور الممثل والمخرج والكاتب، وقد أبدى النقاد أسفهم لأنه ضحى بقدرته كمؤلف مسرحي، وعني باقتباس مؤلفات الآخرين.

كاليغولا

يقول كامو: «إن الفنان يعيد صنع العالم وفق هواه»، وقد استعار من التاريخ بعض البيانات والمعلومات عن كاليغولا، ليضع هذا الإمبراطور الشاب وسط مسرحية من مسرحيات الذكاء والتفهم، ويدخل المتفرج إلى عالم لا معقول يسير وفق منطق جنوني.

بعد مرور ست سنوات على ظهور مسرحية «كاليغولا» كتب مسرحية «سوء تفاهم» لكن هذه المرة كانت «مارتا» التي تمارس القتل لتحقق حلماً جائز التحقيق، وتنتهي حياتها بالموت، دون أن تغير موقفها، فالموضوع ليس فيه تعقيد كثير أو حركة، إنه يبدأ في المساء، وينتهي في اليوم التالي عند بزوغ الفجر، إن هذه المسرحية مثلها مثل «كاليغولا» هي مأساة العزلة الدائمة، وفيها يبدو أن هذه العزلة هي عزلة اللغة والحوار.

وفي مسرحية «حالة حصار» نرى عالماً جهنمياً في مدينة إسبانية، اغتالها الطاعون، عالم يحاصره العبث، ولا يقل سوءاً عن عوالم مسرحيات كامو السابقة، ورغم النجاح الذي حققه كامو فإنه يعرض مسرحية مقتبسة من دستويفسكي، أشرف على إخراجها بنفسه، ويبدأ في كتابة جزء من كتابه «الإنسان الأول» آخر كتبه.

 

 

القاهرة: «الخليج»

https://www.alkhaleej.ae

 

 

 

 

This will close in 5 seconds

حمل استمارة المشاركة في

This will close in 5 seconds