أردنيون ومسرحيون ومخرجون عرب يعاينون .. «مسرح ما بعد الدراما»

 

شهد رواد مهرجان الأردن المسرحي بدورته 28 «دورة الفنان جميل عواد»، انعقاد ندوة فكرية حملت عنوان «مسرح ما بعد الدراما» عبر جلستين، شارك فيها د.عبدالمجيد أهري، د.عبدالواحد بن ياسر من المغرب، د. فاضل الجاف من العراق، كما شارك بالندوة الفكرية استاذ الدراما في المعهد العالي للفنون المسرحية د.فيصل القحطاني من الكويت، المخرج المسرحي د.ياسر البراك، الباحث د.عدنان المشاقبة وأدار مفرداتها د.عمر نقرش، حيث عاين أردنيون وعرب أكاديمون ومسرحيون ومخرجون وباحثون من عدد من الدول العربية المشاركة واقع وهموم المسرح والدراما.

جلسة أولى

وقال الناقد د.عمر نقرش وتحت عنوان «المابعديات والغواية بين المفهوم والمصطلح»، ان المفهوم يختلف عن المصطلح ويركز على الصورة الذهنية، فيما يركز المصطلح على الدلالة اللفظية للمفهوم، فكل مفهوم مصطلح وليس العكس، مضيفا ان هذه الغواية غدت فتنة اصطالحية ومفاهيمية.

وقدم الكاتب والباحث المسرحي د. عبد المجيد اهري من المغرب دراسة نقدية بعنوان: «الدراما تورجيا ومسرح ما بعد الدراما» حيث رصد جانبا من الصور التي تقدم من خلالها الدراماتورجيا تفسها باعتبارها دراماتورجيا بديلة، لانها  تعيد بناء نواميس الكتابة المسرحية المعاصرة، وفق براديغمات جديدة أخرى، متجذرة في أفق مسرح مغامر بتعبير «هانز تيس ليمان» هذا الافق الذي يتجاوز الحدود ما بين الفنون تجاوز فن المسرح حدوده الجمالية من خلال  التوجه الى انواع فنية أخرى مثل ألأوبرا والموسيقى والرقص وفنون الكاميرا وغيرها.

وأوضح د.عبد المجيد أهري ادوار الدراماتورجيا وموقعها بالقول، إن ادوار الراماتورجيا تتعدد الى درجة تكشف عن البون الشاسع الموجود في الممارسة المسرحية في مختلف ربوع العالم، مبينا ان دور الدراماتورجيا يقوم في المانيا وفرنسا على التأويل التاريخي والسياسي للنص المسؤحي الى جانب المخرج، وفي المملكة المتحدة يساهم في تطوير الكتابة الدرامية أو يشارك في إلاعداد الجماعي للمسرح التوليفي وفي بلجيكيا وهولندا غالبا ما يناط به الرقص او الاشكال التعبيرية المرتبطة بالفن التشكيلي.

وعن شعرية الدراما الحديثة «بيراديغم جديد» أوضح أهري انها شهدت تغيرات عميقة على مستوى بنيات إنتاجها، وبسببب تفاعل المسرحيين مع الفنون ألأخرى المجاورة، فإن الوعي التام بتحولات نظرية الدراما وشعريتها، وبفهم تشكلات البراديغمات الجديدة في المسرح لا يستقيم من دون الانتباه الى تصورات «جان بيير سرزاك» في شعرية الدراما الحديثة وما تحمله من براديغم جديد وما يتأسس عليه من مفارقات متعددة وجديدة منها تلوث المسرح من قبل الرواية والشخصية المنقسمة وايضا «مسرح الرواية» الرابسودي.

واستعرض اهري تجربة المخرج اللبناني ربيع مروة مبينا أنها تجربة ابداعية تنحو منحى البحث والتجريب في محاولة جادة لولوج عتبات جديدة في مجال الفن البصري، حيث اعتمد ربيع مروة على كثافة الصورة وتقويض حركية الجسد، والميل نحو فنون الحيك والسرد وذكر الحساسيات الفنية الجديدة ما بعد الحرب في لبنان، حيث تحيك المسرحية حكايات اربعة من المقاتلين التابعين لاربعة  من المليشيات التي تكون الادرع العسكرية لبعض الاحزاب والطوائف.

كما تحدث استاذ التعليم العالي في المسرح الحديث د. عبد الواحد ياسر من المغرب في دراسته حول «الجماليات الأدائية في مسرح ما بعد الدراما معرفا للمسرح، بالقول: «هو أولا فرجة، فن إدائي عابر، عطاء ممثلين أمام متفرجين يشاهدون فعل جسدي تمرين صوتي وحركي يقدم في الغالب في مكان خاص وبديكور خاص فهو لا يرتبط بنص مكتوب ومعد للنشر».

واستشهد ياسر في موضوعه حول «المسرح ما بعد الدراما» الذي يكاد يكون لا محدودا في الانتشار مثلما في الفهم، بأن «هانسليمان»، صاحب كتاب «الجامع والشامل» كان يعد بإعطاء تعريف للمعايير الذي ينهض عليها المسرح، ولكنه سرعان ما ينسى وعده في خضم عرضا ألأمثلة والنماذج والتجارب، حيث نلاحظ أن اختياراته تتجاوز حدود الثقافة العالمية وألأدبية، وتذهب به الى ظواهر الثقافة الشعبية ونحو الفنون البصرية ومختلف الفرجات، فالرقص وفنون السيرك وفن الفيديو والفنون التشكيلية والتنصيب والمسرح الموسيقي تندرج ضمن جماليات ومكونات المسرح ما بعد الدرامي ومن مكونات جهازه او بنائه الفني.

وذكر ياسر الاشكالات التي يواجهها الباحث في مجال المسرح ما بعد الدرامي والمتمثلة في تحديد موضوع هذا الاخير ذاته في ممارسة ركحية أكثر منه نمط كتابة، وغالبا ما يكون من الصعب معرفة ما اذا كن هذا المسرح يعني نمطا من الكتابة أو ممارسة تمثيلية أدائية إخراجية، مستشهدا بما تحدث به «ليمان»، عن إلاخراج باعتبار ان الكلمة ذات إرتباط قوي بالكتابة الدرامية التقليدية وبطريقة الاخراج الكلاسيكية  حيث تهتم بعبور النص الذي يعتبر مستقرا ثابتا نحو الركح غير المستقر والمتقلب، وأن نمط المسرح ما بعد الدرامي أستطاع أن يشكل تيارا حيا وقويا ومجددا في حقل المسرح الغربي في أوج في أوج أزمته، وأن يكتسب درجة عالية من العالمية بكل تناقضاته والتباسات الحاضر ونزعته التشكيكية حتى الاستهانة بعقائد المسرح القدمة، وان النمط الدرامي لم ينتهي ولم يقل كلمته الاخيرة.

بدوره قدم الباحث والمخرج المسرحي العراقي د.فاضل الجاف دراسة نقدية بعنوان: « الاشتغالات التقنية في مسرح ما بعد الدراما»، مبينا أن دراستة ترمي الى عقد مقاربة عمومية بين مفهومي ما بعد الحداثة وما بعد الدراما بهدف الوصول الى السمات المشتركة بين مفهومين وتحديد التجانس العضوي بين منجزات المفهومين على المستوى الجمالي وإلبداعي.

واستعرض الجاف من مبحث بعنوان «المسرح العربي ما بعد الدراما» للدكتور حسن المنيعي أهم السمات الرئيسية لمسرح ما بعد الحداثة كما حددتها الباحثة «جاكلين مارتين»، مبينا ان المسرح لا يسعى الى تحقيق شمولية التركيب الجمالي وانما يسعى الى إضفاء طابع تشذري لهذا التركيب المر الذي يخول له إكتشاف عالم جديد للفرجة وحضور متجدد للفنانين، وأفقا لتطوير مكونات المسرح إرتكز دوما على الدراما نقال عن «هانسثيز ليمان»، مضيفا ان المسرح لا يرتكز على مبدأ الحدث واسعًا والحكاية، وأن مسرح ما بعد الدراما يسعى لتغيير المتفرج وان الفضاء المسرحي يتحول للواقع فقال عن نفس المصدر، مؤكدا ان التطابق او التجانس بين مسرح ما بعد الحداثة ومسرح ما بعد الدراما كما قال الباحث ميلي يتموو «لكن ما نسميه الان ما بعد الحداثة هو في الواقع ما بعد الدرامية» من كتاب الحياة المسرحية.

جلسة ثانية

كما شارك بالندوة الفكرية استاذ الدراما في المعهد العالي للفنون المسرحية د.فيصل القحطاني من الكويت، عبر ورقته التي حملت عنوان «تجليات مسرح ما بعد الدراما في المسرح العربي»، والناقد والمخرج المسرحي د.ياسر البراك من العراق، الذي قدم ورقة حملت عنوان «التلقي ومسرح ما بعد الدراما»، ورئيس قسم المسرح في الجامعة الأردنية د.عدنان مشاقبة عبر دراسة نقدية بعنوان «النقد المسرحي ومسرح ما بعد الدراما»، فيما ادار مفردات الندوة د.عمر نقرش.

وتطرق د.فيصل القحطاني الى تجليات المسرح ما بعد الدراما في المسرح العربي، فقال: إن التشابك الموجود بين المسرح والدراما شكل منبعا متدفقا لكثير من الدراسات العلمية على مر العصور، متسائلا  هل كل مسرح دراما، وكل دراما مسرح، مستشهدا بكتاب هانز ليمان: «ظهر المسرح والدراما وما زال في عالقة تعاني من توتر التناقضات»، وان للتركيز على هذا الشأن ودراسة كل ما هو متصل بهذه المضامين لا بد من الفهم الصحيح للمسرح ومعرفة مسرح ما بعد الدراما الذي تأكد مدى حضوره، وتحرير التبادلية بين الدراما والمسرح.

وشدد القحطاني على أهمية تحديد المفاهيم ووضعها في نصابها العلمي لفهم معمق لمسرح ما بعد الدراما، وفهم أسباب ودواعي ظهور تلك الحركات التجريبية والطليعية التي مهدت لظهور مفهوم ما بعد الدراما، مشيرا الى ان وجود تشابك وتداخل بين المسرح التجريبي والمسرح الطليعي شكل نوعا من الارباك والخلط في التفريق بين المصطلحين بسبب النشاطات المسرحية التي بدات في بداية القرن العشرين، وايضا بسبب تسارع وتيرة التجريب في المسرح الحديث حيث يقول «جيمس روس»: «أن تكون تجريبيا يعني أن تقوم بغزو المجهول وهذا شيء لا يمكن التأكد منه لا بعد حدوثه وأن تكون طليعيا يعني أن تواجه الامور في عينها»، وان المسرح الجديد قائم ولن يتغير ما لم تتغير تلك البيداغوجية التقليدية في معاهد وأقسام الفنون الموجودة حاليا في الوطن العربي، مضيفا ان تنشيط الحالة الفرجوية من خلال تكثيف دراسات الفرجة في منطقة الشرق الاوسط سيساعد على فك اللتباس المفاهيمي الموجود لدى الكثير من المسرحيين.

بدوره تطرق المخرج المسرحي د.ياسر البراك في ورقته النقاشية «التلقي ومسرح ما بعد الدراما» الى التحديات الكبيرة التي وضعت أمام التيارات التجريبية الخطاب المسرحي، وفي مقدمتها ضرورة تعامل البحث المسرحي خاصة النقدي مع هذه التحولات التي هي بالتأكيد استجابة ديناميكية لروح العصر، وأن المتلقي بقي في خانة السلبية التي تتلقى الخطاب المسرحي بطريقة استهلاكية قبل أن يسعى بريخت الى تغيير تلك الاستجابة الى فعل ثوري عبر التحريض الذي يمارسه الخطاب على متلقيه عن طريق فعل التغريب الذي ينقل استجابة المتلقي من الوهم الى اللاوهم ومن الاندماج في الحدث الى مراقبتة، ليحقق في النهاية فعل التغيير الذي يكون فيه المتلقي لاعبا  اساسيا بسبب اختزال المسافة الجمالية السائدة في المسرح التقليدي الى مسافة أكثر ديالكتيكية عن طريق إلغاء الجدار الرابع وإشراك المتلقي في اللعبة المسرحية القائمة على اتخاذ موقف فكري واضح من الحداث التي تجري على خشبة المسرح.

كما تحدث الباحث د.عدنان المشاقبة، عن النقد المسرحي ومسرح ما بعد الدراما، مستعرضا التطورات السريعة والمتسارعة في عالم الفن المسرحي التي فرضت العديد من السياقات الجديدة وانفتاح الفن المسرحي على الثقافات المتعددة الذي جعل من العديد من المصطالحات والمفاهيم تظهر على سطح الحدث المسرحي العالمي والمحلي، مما استوجب مواكبة الحداث والتصدي لفهمها وفك شفراتها وتقديمها للقراء «المتلقي» في صيغة محاوالت استشرافية فنية لواقع الفن المسرحي في ضوء هذه التطورات واالمكانات الناشئة عنه، وان عملية إزاحة النص الدرامي ألادبي لدى المسرحيين ولدى النقاد ليست بالعملية يسيرة التقبل بحسب ما يشير باتريس بافيس، مشيرا الى ان موضوع مسرح ما بعد الدراما لا  يعرف له حدود من حيث الامتداد، وان محاولات الناقد المسرحي في التعاطي مع مفهوم بهذه الدرجة من الألغاز يجعله يتمادى في مشاهداته قبل ان يصل الى استنتاج، حيث يوسع ليمان هانز من مجتمع البحث الخاص به الى العديد من المشاهدات المسرحية ثم يدون ملاحظاته وقراءته ويحلل العرض من وجهة نظر لا ترتكز على قاعدة استباقية او قبلية، بل يجعل من العرض نفسه مفتاحا لتفسير شفراته ومساحة كافية للتعبير عن رؤاه وحالته بشكل متحرر في التعبير عن الصيغ التقليدية.

ويشارك في العروض المسرحية للمهرجان الذي يستمر 11 يوما؛ من العراق مسرحية «الوطن/Home» اخراج غانم حميد، ومن سوريا «المناديل» اخراج بسام حميدي، ومن تونس «الروية» اخراج حمادي الوهايبي، من الامارات «ليلة مقتل العنكبوت» اخراج إلهام غلوم، ومن الاردن مسرحيات «صناديق» اخراج عصمت فاروق، و»صناديق» اخراج عبدالصمد البصول، و»الروح الابدية» اخراج كرم الزواهرة، و»وستغسل يا نهر الاردن» اخراج حكيم حرب و»حدث في الجنة» اخراج زيد خليل مصطفى، و»مدرقة» اخراج عمر الضمور، كما يشتمل المهرجان على ندوات تعقيبية على العروض وندوة فكرية بعنوان «مسرح ما بعد الدراما» يشارك فيها الدكتور عبدالمجيد أهري والدكتور عبدالواحد بن ياسر من المغرب، والدكتور فاضل الجاف والدكتور ياسر البراك من العراق، والدكتور فيصل القحطاني من الكويت والدكتور عدنان مشاقبة من الاردن، بالاضافة الى ورشتين فنيتين؛ «تحريك الدمى» يقدمها الدكتور كريم دكروب من لبنان، و»تقنيات الاخراج وإدارة الممثل» ويقدمها المخرج هشام شكيب من المغرب، كما يستضيف المهرجان 31 ضيفا من الاكاديميين والنقاد والفنانين المسرحين والاعلاميين العرب من دول الامارات العربية المتحدة والسعودية وفلسطين والكويت والعراق ولبنان والمغرب ومصر وسوريا وعمان والبحرين والسودان.

 

www.addustour.com

 

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

مسابقات الهيئة العربية للمسرح


This will close in 20 seconds