أخبار عاجلة
الرئيسية / عين على المسرح العربي / ورقة “أ.د. أشرف زكي” في “ملتقى عمان الثقافي 16”.. “الصناعات الثقافية والفنية …تجارب عربية وعالمية”- رسمي محاسنة

ورقة “أ.د. أشرف زكي” في “ملتقى عمان الثقافي 16”.. “الصناعات الثقافية والفنية …تجارب عربية وعالمية”- رسمي محاسنة

ورقة “أ.د. أشرف زكي” في “ملتقى عمان الثقافي 16”.. “الصناعات الثقافية والفنية …تجارب عربية وعالمية”.
رسمي محاسنة 

كانت مشاركة” أ.د.أشرف زكي” اضافة كبيرة لـ”ملتقى عمان الثقافي “16”، حيث جاءت مشاركته في جلسة الافتتاح، وهو فعليا قدم ورقتي عمل، الأولى مكتوبة، وهي الموثقة هنا، والثانية مرتجلة، تساءل فيها عن حقيقة العلاقة بين الدولة والثقافة، وهل للدولة رؤية ثقافية؟ وهل لدينا مشروع ثقافي؟ وهل نترك المسؤولية على عاتق الدولة وحدها؟ ويعود للسؤال الراهن، وهو لماذا تأخرنا؟ وهو يقصد بذلك كل الدول العربية،وان تفاوتت تجاربها، حيث استعرض التجربة المصرية التي بدأت بفتح المجال واسعا أمام القطاع الخاص،والتجربة المغربية، وتحديد في استثمارها للمكان المغربي، وبشكل خاص الصحراء المغربية لتصوير الأفلام العالمية.

“أد.أشرف زكي” ايضا قدم تجربته الشخصية، عندما قام بإشراك البنوك في المشهد المسرحي المصري، وكذلك تجربة “سور الازبكية” للكتب.

أما الورقة المكتوبة، فهي قراءة واعية في تطور “الصناعة الثقافية” عبر المراحل المختلفة، مع إضاءات على بعض التجارب العالمية.

ونظرا لأهمية الورقة، ننشرها كاملة هنا.

“الصناعات الثقافية والفنية …تجارب عربية وعالمية”.

“إن الرؤية الخاصة بقطاع الخدمات الثقافية في أي دولة متحضرة تتضمن بناء منظومة قيم ثقافية إيجابية تحترم التنوع والاختلاف وعدم التمييز حيث تستهدف تمكين المواطن من الوصول إلى وسائل اكتساب المعرفة وفتح الآفاق المختلفة للتفاعل مع مُعطيات العالم المعاصر إلى جانب مساعدة المواطن على إدراك تاريخه وتراثه الحضاري، فضلاً عن إكسابه القدرة على الاختيار الحرّ وتأمين حقه في ممارسة وإنتاج الثقافة على أن تكون العناصر الإيجابية في الثقافة مصدر قوة لتحقيق التنمية، وقيمة مُضافة للاقتصاد القومي، فالأهداف الاستراتيجية للقطاعات الخدمية الثقافية تتضمن في مخططها تمكين الصناعات الثقافية لتُصبح مصدراً للنمو وأساساً للقوة الناعمة إقليمياً ودولياً إلى جانب رفع كفاءة وفاعلية المؤسسات الثقافية وإتاحة خدماتها لكافة فئات المجتمع مع ضمان صيانة التراث الحضاري وتنمية الوعي به داخلياً وخارجياً.

ومع دخول عالمنا إلي العصر الذي أصبح يسمي عصر مجتمع المعرفة ازدادت قيمة الإنتاج الثقافي وأهميته، وأصبحت الصناعات الثقافية عنصرًا أساسيًا من عناصر حساب قوة الدول والشعوب، قوتها المعنوية والمادية أيضا.

ويرتبط مفهوم الصناعات الثقافية ببعض الأنشطة الفكرية والإبداعية للإنسان أي بالمعنى الضيق للثقافة، فللثقافة معناها العام الذي يتفق عليه السوسيولوجيين الأنثروبولوجيون باعتبارها استجابة الإنسان لإشباع حاجاته من خلال نماذج معيشية أو نماذج للفكر والعمل ابتدعها الإنسان في سبيل البحث عن إشباع هذه الحاجات المعيشية، وهي نماذج مكتسبة يصل إليها الإنسان إما بالتفكير والعقل كاستجابة للوسط الذي يعيش فيه، أو عن طريق النقل من المجتمعات الأخرى، كما تتميز الثقافة بأنها اختراع أو اكتشاف إنساني ينتقل من جيل إلي جيل مع القابلية للإضافة والتعديل والتغيير. أما الثقافة بمعناها الضيق فيقصد بها الأنشطة الفكرية الإبداعية والفنية التي يمارسها الإنسان، أي أن هذا المعنى ينصرف إلى الآداب والفنون بشكل أساسي ثم إلي بعض أشكال الإنتاج الفكري. ويرتبط مفهوم الصناعات الثقافية بهذا المعنى الأخير للثقافة.

مفهوم الصناعات الثقافية من المفاهيم لصيقة الصلة بالتحديث وبعصر الثورة الصناعية، ويقصد به عادة الأعمال الثقافية الموجهة إلي الجماهير الواسعة، والتي تنتج بأسلوب الإنتاج الكبير أو الإنتاج للجماهير، وتدخل في عملية إنتاجها رءوس أموال كبيرة، وتمر بمراحل متعددة حتى تخرج في صورتها النهائية، ويدخل في إنتاجها ممول أو منتج وعمالة كبيرة العدد نسبيا ليست بالضرورة هي المصنف للعمل أو المبدع له، وتشبه العملية الإنتاجية فيها ما يتم في مجال الصناعات الحديثة، مما جعل هذا النوع من المنتج الثقافي يوصف بأنه «صناعة ثقافية» حيث تتحول طرق إنتاج الأعمال الإبداعية والفكرية من الطرق التقليدية التي يلعب فيها المبدع الفرد أو مجموعة المبدعين الدور الأساسي في إخراج المنتج الثقافي بصورته النهائية، إلي عملية إنتاجية مركبة يشارك فيها آخرون، ويستعاض عن الاتصال المباشر بين المبدع والمتلقي بآليات السوق لنقل العمل الإبداعي إلي قطاعات أوسع من الجمهور من خلال وسائط متعددة ومختلفة.

ومثلما كان التصنيع مسئولا عن النمو الهائل في قدرة المجتمعات الحديثة على توليد الثروة مقارنة بالمجتمعات التقليدية، فإن التصنيع الثقافي كان مسئولا كذلك عن التطور الهائل في القدرة على توليد «الثروة» الفكرية والفنية والثقافية في تلك المجتمعات، وعن تحقيق الاتصال الواسع بين المبدع والجمهور، ذلك الجمهور الذي أصبح جمهورا كبيرا من المتلقين، وعن تغيير نوعية المتلقين للمنتج الثقافي، فبعد أن كانت الصفة الغالبة للجمهور المتلقي للفنون والآداب «نخبوية»، أتاحت الصناعات الثقافية إمكانية وصول الإنتاج الثقافي إلي قطاعات واسعة من الجماهير التي تنتمي إلى مختلف الطبقات بغض النظر حتى عن معرفة المتلقين الجدد للقراءة، كذلك أدي ظهور الصناعات الثقافية وتطورها إلى تغيير محتوى المنتج الثقافي، بل تغير رسالته التي يحملها، وتعاظم تأثير الإنتاج الثقافي في المجتمع بصورة لافتة.

الصناعة الثقافية تقوم علي: «مادة خام» هي الإنتاج الفكري أو العمل الإبداعي، وعملية تحويلية تتم عبر التصنيع الذي يعتمد على المقومات التقليدية للصناعة: التنظيم، ورأس المال، وقوة العمل، ووسائل الإنتاج المتطورة، وينتج عن كل هذا عمل إبداعي في صورة جديدة، ثم تأتي في النهاية عملية التسويق.

لقد كانت البداية الأولى لتحول العمل الثقافي إلى صناعة بهذا المعنى مع ابتكار «يوحنا جوتنبرج» الطباعة بالحروف المتحركة، حقا لقد ظهرت الطباعة في الصين وبعض بلدان الشرق الأقصي قبل ظهورها في أوروبا بعدة قرون، لكنها لم تنتشر علي النطاق العالمي انطلاقا من هناك، كما ظهرت أشكال من الطباعة كذلك في مصر ما بين القرنين العاشر والرابع عشر للميلاد لكنها ظلت لا تشكل سوى ظاهرة هامشية في المجتمعات العربية واختفت فجأة دون أن تترك أثرا قويا، أما ابتكار جوتنبرج فقد تحقق له الانتشار والتطور، وربما كان ذلك بسبب ارتباط ابتكاره بتحولات اجتماعية وفكرية وثقافية عميقة عاشتها المجتمعات الأوروبية في فترة التحولات التاريخية في القرن الخامس عشر الميلادي، التي انتقلت فيها تلك المجتمعات من العصور الوسطى إلى العصور الحديثة، وكانت الطباعة علامة من علامات التحول وأداة من أدواته في الوقت نفسه.

وقد حققت الطباعة لأول مرة في التاريخ الإنساني إمكانية الإنتاج الكبير للكتاب، وأتاحت الفرصة لانتشار المعرفة وإمكانية تداولها بين الجماهير، لقد دفعت الحاجة إلي المعرفة الإنسان للبحث عن وسيلة لنشرها على نطاق واسع، فكان التطور التقني في إنتاج الكتاب وسيلة نقل المعرفة في ذلك الحين الذي تمثل في التحول من الكتاب المخطوط الذي يحصل عليه عشرات من أفراد النخبة إلي الكتاب المطبوع الذي يتاح الحصول عليه لآلاف ممن يعرفون القراءة، الأمر الذي أدي بدوره إلي سلسلة من التحولات الفكرية والثقافية والعلمية والاجتماعية واسعة النطاق، وكانت تلك هي اللبنة الأولي في صرح الصناعات الثقافية.

وتُعتبر الصناعات الثقافية والإبداعية من أسرع الصناعات نمواً في العالم وقد ثبُت أنها خيار إنمائي مستدام يعتمد على مورد فريد ومتجدد هو الإبداع البشري. ويُقصد بمصطلح الإبداع قدرة الإنسان على وضع حلول وأفكار جديدة ومبتكرة نابعة من الخيال أو من مهارة الابتكار.

ولقد وضِعت الإمكانيات التي توفرها الصناعات الثقافية في صميم اتفاقية عام 2005 بشأن حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي. وتمثل هدف هذه المعاهدة الدولية الملزمة قانوناً في تمكين الفنانين، والمهنيين والممارسين العاملين في مجال الثقافة، وسائر المواطنين من ابتكار مجموعة واسعة من السلع والخدمات والأنشطة الثقافية وإنتاجها ونشرها والتمتّع بها، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بأشكال التعبير الثقافي الخاصة بهم. وتدعم هذه الاتفاقية الآليات التي تشجع الابتكار وتعزز نشوء صناعات ثقافية وإبداعية نشيطة من أجل تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة، بما في ذلك الآليات التي ترمي إلى تعزيز الإنتاج المحلي، وتطوير الأسواق المحلية، وتيسير الانتفاع بالمنابر المخصصة لأغراض التوزيع والتبادل في شتى أنحاء العالم.

إن البعد الدولي لهذه الصناعات يجعلها تلعب دوراً حاسماً في رسم المستقبل من حيث حرية التعبير والتنوع الثقافي والتنمية الاقتصادية، وإذا كانت عولمة المبادلات والتكنولوجيات الجديدة تفتح بالفعل آفاقا جديدة مثيرة، إلا أنها تخلق أيضاً أشكالاً جديدة من عدم المساواة.

وتكشف خريطة توزيع هذه الصناعات في العالم عن وجود هوة شاسعة فيما بين الشمال والجنوب. ولا بد لمواجهة هذا الوضع من تعزيز القدرات المحلية وتيسير الوصول إلى الأسواق العالمية على المستوى الوطني من خلال إقامة شراكات الجديدة، وتجديد المهارات الفنية، وضبط القرصنة، وزيادة التضامن الدولي بكافة أشكاله.

إن مؤشرات التنمية العالمية تشير إلى أن الدول التى حققت معدلات أداء مرتفعة من التقدم العلمى والتكنولوجى والمعرفى توجِّه نسبة عالية من إنفاقها الرأسمالي لصالح الأصول المنتجة للقوى الناعمة، إذ مثلت الصناعات الإبداعية والثقافية بالولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال نحو (7.75%) من الناتج المحلى الإجمالى فى بداية الألفية الثالثة، كما ساهمت فى توفير ما يقدر بنحو (5.9%) من فرص العمل على المستوى القومي، وبلغ عائد صادراتها فى نفس الوقت ما يزيد على (85) بليون دولار سنويًا. وقد ساهمت الصناعات الإبداعية والثقافية بالمملكة المتحدة بالمثل فى إنتاج عائد بلغ (112) بليون جنيه إسترلينى فى عام (2002)، بينما أتاحت هذه النوعية من الصناعات ما يعادل (1.3) مليون فرصة عمل. وتفيد المؤشرات الدولية أيضًا بأن عوائد الصناعات الإبداعية والثقافية بأستراليا تقدر بنحو (25) بليون دولار.

وفى ظل تزايد الدور التنموى والمعرفى للصناعات الإبداعية والثقافية على الصعيد العالمى، قام عدد من المؤسسات الدولية والإقليمية بالمفاضلة بين المنتجات الإبداعية والثقافية ووضع التصنيفات الملائمة لها بهدف صياغة خططها الاستثمارية المناسبة، إذ تتبنى منظمة الانكتاد (UNCTAD) على سبيل المثال، تقسيماً رباعياً يفرق بين المنتجات الثقافية، والفنون الاستعراضية والبصرية، والوسائط السمعية والبصرية والرقمية، وخدمات التصميم والإبداع الأخرى.

وتنقسم الصناعات الثقافية بدورها إلى منتجات التراث (مثل الحرف الفنية، والتعبير عن التقاليد، والمهرجانات الشعبية)، ومواقع ثقافية (مثل المواقع الأثرية، والمتاحف، والمكتبات، والمعارض). أما الفنون الاستعراضية (المسرح، الموسيقى، الرقص،…) والفنون البصرية (الرسم، النحت، التصوير،…) فتحتل مرتبة هامة فى مجال الإبداع. كما تتضمن المنتجات الإبداعية الوسائط السمعية والبصرية والرقمية (مثل التلفاز، والمذياع، والسينما، والكتب، والأعلام، والمحتوى الرقمي، والبرمجيات).

ومن أجل قيامها بمهامها القانونية، تتبنى المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO) تقسيم المنتجات الثقافية والإبداعية إلى الإعلان، والأفلام الروائية، والموسيقى، والفنون الاستعراضية، والنشر، والبرمجيات، والتلفاز، والمذياع، والفنون البصرية والجرافيك، بصفتها منتجات تخضع لقواعد حقوق الملكية الفكرية.

وتفيد مؤشرات الاقتصاد والتكنولوچيا الدولية، بأن أداء مصر يمثل نقطة انطلاق مناسبة نحو تطوير قواها الناعمة وزيادة دورها فى جهود التنمية المستدامة والتحول المعرفي. إذ تحتل مصر المرتبة (43) فى مؤشر صادرات الخدمات الإبداعية والثقافية، والمركز (39) دوليا فى مؤشر صادرات السلع الإبداعية بدليل المعرفة العالمى فى عام (2018)، فى حين تقدر معدلات أدائها بدليل الابتكار العالمي بالمرتبة (28) من ضمن (126) دولة فى مجال السلع الإبداعية فى عام (2018).

ومن ثم فإن التقارير التحليلية الدولية للإبداع والابتكار تعتبر هذا الأداء إحدى نقاط قوة مصر فى مجال القوى الناعمة، بيد أن الأمر يتطلب أيضا زيادة الاستثمارات فى الأصول غير الملموسة من أجل تحسين معدلات أدائها وهناك ضرورة لأن تصاغ استراتيجية ترتكز على تميزها النسبى فى مجال القوى الناعمة المعتمدة على السلع والخدمات الإبداعية والثقافية بهدف تعظيم معدلات إنتاجها وزيادة حجم صادراتها إلى محيطها العربي والشرق أوسطي، فى ظل رؤية متكاملة تسعى إلى دعم جهود التنمية المستدامة.

ان التحدى الحقيقى الذى يواجه الصناعات الثقافية والإبداعية يتمثل فى قدرتها على تقديم قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، وليس فقط ان تكون هذه الصناعات مجرد حفاظ على التراث لأن هذا سيجعل مصير هذه الصناعات المتاحف فقط وتوقف قدرتها على الاستمرارية، أما قدرة هذه الصناعات على تحقيق قيمة اقتصادية سيحافظ على قدرة هذه الصناعات على الاستمرارية.

وفي هذا الاطار قامت أغلب الحكومات الخليجية، بإنشاء المؤسسات المعنية بصناعة الكتاب ونشره، وهي تتولى الآن الريادة في مجال نشر النتاج الإبداعي والثقافي للمفكرين العرب والخليجيين، ومن هذه المؤسسات المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث الذي يصدر سلسلة كتب عالم المعرفة التي تعُد من أهم الكتب المؤلفة والمترجمة والتي تشكل زاد فكري لاينضب يمكن الاستفادة منه من قبل كافة المعنيين بالشأن الثقافي، وكذلك مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية الذي يصدر سلسلة كتب مؤلفة ومترجمة تشكل إضافة متميزة في المجالات الاستراتيجية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمعلوماتية ، ومؤسسة اليمامة الصحفية بالمملكة العربية السعودية والتي تصدر كتاب الرياض الشهري الذي يعنى بالأدب والثقافة والفكر.ومؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم تسعى إلى إعادة الاعتبار للفكر والمفكرين في الوطن العربي، وتشجيعهم مادياً ومعنوياً على الإبداع والابتكار، دعم الثقافة، وتوسيع قاعدة المشاركة فيها ، تعزيز المنتج الثقافي كمّاً ونوعاً عبر إعداد جيل من المبدعين والمثقفين المستنيرين الذين يساهمون في بناء مجتمع المعرفة والتنمية، إحياء التراث الثقافي العربي، وتشجيع التفاعل بين مختلف الثقافات؛ لتقديم صورة إيجابية عن ثقافة المنطقة وإرثها الحضاري.

أما فيما يتعلق بصناعة البرمجيات فقد أنشأت دول مجلس التعاون الكثير من مؤسسات وواحات ومدن المعرفة وحدائق التكنولوجيا ، وتم تطوير البنية التحتية لتقنية المعلومات، وزيادة الإنفاق على البحث والتطوير الموجه للصناعات الثقافية، كما يوجد الكثير من البنية التحتية المناسبة وتتوافر الخبرة المحلية في تطوير التطبيقات العربية أو تعريب التطبيقات الأجنبية كما تتوافر رؤوس أموال قادرة على دعم هذه الصناعة.

الصناعات الثقافية والإبداعية تتمتع بمزايا في دمج الصناعات وفي القيمة المضافة العالية وحماية البيئة، وتحمل مغزى إيجابيا في دفع الاستهلاك وتوسيع التجارة الخارجية وزيادة التوظيف وتعزيز قوة الحشد المجتمعي، فتزداد أهمية مكانتها في الاقتصاد الوطني يوما بعد يوم، باعتبارها قوة محركة هامة للارتقاء بمستوى الصناعات ونمو الاقتصاد الكلي والابتكار العلمي والتقني.

من خلال مسار تنمية الاقتصاد العالمي، نجد أن تنمية الصناعات الثقافية الإبداعية خيارا حتميا لتحويل نمط النمو الاقتصادي، وعلامة هامة لدخول الدولة في المجتمع ما بعد الصناعي، وقد أثبت ذلك تاريخ تطور بعض الدول المتقدمة. على سبيل المثال، فإن بريطانيا وضعت في تسعينيات القرن الماضي سياسات وإجراءات لدفع تنمية الصناعات الثقافية الإبداعية، على خلفية الأزمة التي واجهها قطاع التصنيع آنذاك، واتخذت الصناعات الثقافية والإبداعية كالنقاط الهامة الرئيسية لنهوض الاقتصاد البريطاني، ونجحت في تحقيق هدف دفع نمو الاقتصاد وتخفيض نسبة البطالة.

كما أولت ألمانيا، وهي دولة كبيرة في قطاع التصنيع، اهتماما بالغا بتطوير الصناعات الثقافية الإبداعية التي تبرز مكانتها في الاقتصاد الألماني يوما بعد يوم. خلال الفترة من عام 2009 إلى عام 2012، حققت الصناعات الثقافية في ألمانيا نموا متواصلا. صحيح أن نسبة مساهمة الصناعات الثقافية الإبداعية في نمو الاقتصاد الألماني مازالت أقل من مساهمة صناعة الخدمات المالية وقطاع تصنيع الماكينات وصناعة السيارات وغيرها من الصناعات، ولكنها تجاوزت مساهمة الصناعة الكيماوية وصناعة القطارات، وغيرهما من الصناعات التقليدية.

في سبتمبر عام 2009، أجاز مجلس الدولة الصيني أول خطة خاصة للصناعات الثقافية في الصين وهي ((خطة نهضة الصناعات الثقافية))، فكان ذلك إشعارا بأن الصناعات الثقافية قد ارتقت إلى مستوى الاستراتيجية الوطنية، ووفقا لهذه الخطة، ستعمل الصين على دفع تنمية الصناعات الثقافية الإبداعية، بما في ذلك الابتكار والتصميم الثقافيين وإنتاج الأفلام والمسلسلات التلفزيونية والنشر والتوزيع والعروض والترفيه والمؤتمرات والمعارض الثقافية والإعلام والرسوم المتحركة.

أما الخطة الخمسية الثالثة عشرة فقد أكدت بشكل موسع على هدف جعل الصناعات الثقافية ركيزة الاقتصاد الوطني، هذا يعني أن الصناعات الثقافية الإبداعية ستصبح نقطة جديدة لنمو الاقتصاد الصيني وقوة محركة جديدة لدفع تحويل نمط نمو الاقتصاد والارتقاء بمستوى هيكل الصناعات، وقد صارت الصناعات الثقافية الإبداعية نقطة جديدة لنمو الاقتصاد الصيني.

إن تنمية الصناعات الثقافية الإبداعية عملت على نمو نمط الاقتصاد الصيني وارتقت بمستواه، منذ انتهاج الصين سياسة الإصلاح والانفتاح قبل ثلاثين سنة، فحافظ الاقتصاد الصيني على معدل نمو سريع، تجاوز 10% سنويا، وكانت العناصر الرئيسية للاستثمار في الصناعات الثقافية الإبداعية هي الموارد والثمار الفكرية، في حين كان اعتمادها على الموارد المادية محدودا، واستهلاكها للطاقة وتلويثها للبيئة قليلا، فهي صديقة للبيئة ومنخفضة الانبعاثات الكربونية، لقد باتت الصناعات الثقافية الإبداعية في الصين جزءا هاما من صناعة الخدمات الحديثة، يساعد على دفع الارتقاء بمستوى الصناعات المعنية وتنميتها. ففي مارس عام 2014، أصدر مجلس الدولة الصيني ((المقترحات الخاصة للمشاركة في دفع التنمية المندمجة للثقافة والإبداع والتصميم والصناعات المعنية))، باعتبار أن دفع التنمية المندمجة لصناعات الثقافة والإبداع والتصميم وقطاع التصنيع وقطاعات البناء والسياحة والزراعة والرياضة البدنية مهمة رئيسية، يعني أن تنمية الصناعات الثقافية الإبداعية تسير باتجاه الاندماج في الاقتصاد الحقيقي.

وتأسيساً على ما سبق فإن مفهوم الصناعات الثقافية ينطبق على الصناعات ذات الطبيعة الثقافية التي تجمع بين ابتكار المضامين وإنتاجها والمتاجرة بها، وهي تكون على صورة سلع أو خدمات، أما الأسس التي تستند عليها الصناعات الثقافية فهي تتمثل بالآتي:

أولا/ المنتجين لعناصر الثقافة: وهم المفكر والأديب والصحفي والرسام والممثل وغيرهم.

ثانيا/ المنتجات: وهي تشمل على سبيل الإبانة الأدب والفن والفنون الشعبية والفكر والغناء والموسيقى والعلوم وغيرها.

ثالثا/ المستهلك للثقافة ومفرداتها: وتمثل بالجمهور الذي تتفاوت قدرته على التلقي حسب مستواه التعليمي والاقتصادي وفئته العمرية.

ويشير ظهور الصناعات الثقافية بوصفها مثالاً لمناطق أخرى من الاقتصاد مسألة مهمة تتعلق بطبيعة العمل في هذه القطاعات الصناعية الإبداعية ، فقد لاحظ “ميج وهزموندالج” أن العمل في الصناعات الثقافية يتصف بقدر كبير من الاستقلال الذاتي للفنانين وغيرهم من المبدعين ، بتقسيم طليق نسبياً للعمل في عملية الإنتاج، وتواجد جمع عريض من المواهب يمكن الاستعانة به من خلال التعاقد أو المشاركة في المشروع، كما تتسم تلك القطاعات بما يطلق عليه مييج أزمة دائمة في الإبداع ، حيث يتحتم على المنتجين السعي الدائم وراء أشكال أو موهبة معينة.

وتشير أنجيلا ماكروبي في كتابها صناعة الفنون والأزياء إلى أن ظهور الصناعات الثقافية جاء كنتيجة لما أسمته بـ هلودة Hollywoodization أسواق العمل سواء بمعنى أن سحر العمل الإبداعي يشجع الناس على تقبل ساعات طويلة من العمل وأجر متواضع على أمل فعلها، أو ما يطلق عليه جيريمي ريفكين ” نموذج هوليوود التنظيمي– الذي يعلم كجزء من فرق إبداعية في أنشطة مشروعات قصيرة الأمد – يستقر أكثر فأكثر لكونه معياراً للتوظيف في القطاع الثقافي.

ويُعد النموذج الفرنسي من أنجح التجارب العالمية في مجال الصناعات الثقافية، حيث يؤكد هذا النموذج على شرعية تدخل القطاع الحكومي في الصناعات الثقافية وذلك استناداً إلى عدم القدرة على الاستجابة لتنمية صناعات ثقافية محلية ذات خصوصية في مواجهة قوانين السوق وقوة العرض، حيث أسست فرنسا أول وزارة للفنون عام 1918م وتطور هذا النموذج في رعاية الدولة للصناعات الثقافية من خلال تدخلها في التأهيل الفني والحفاظ على التراث ورعاية المبادرات المبدعة تاركة الإنتاج الثقافي للقطاع الخاص.

إن دور الرعاية المرنة لصناعات الثقافية الذي حافظ لهذه الدولة على دورها في الثقافة والفنون وما يرتبط بهما من صناعات له نتائجه الواضحة في مركزية دور فرنسا في الثقافة الإنسانية، حيث اختار حوالي مليون و750 ألف مفكر وفيلسوف وشاعر وروائي وموسيقى وسينمائي ومسرحي من مختلف دول العالم فرنساً مكاناً للعيش وإنتاج المعرفة والإبداع فيها.

وهكذا إذن تتداخل تنمية الثقافة، والتنمية بالثقافة بمفهومها الشمولي، ومع الاستثمار في مجالاته والحقوق المادية كافة المترتبة عن ذلك.

لقد حققت الصناعات الثقافية ثروات كبيرة للعديد من اقتصادات العالم المختلفة، غير أن الاهتمام بهذه الصناعات في العالم العربي مازال هامشياً، كما أشار إلى ذلك التقرير الأول للتنمية الثقافية الصادر عن مؤسسة الفكر العربي مما انعكس سلباً على دورها في اقتصادات البلدان العربية، فالعوائد المتأتية من مخرجات هذه الصناعات قليلة جداً ولا توجد أية إحصاءات أو بيانات دقيقة عن مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية. ففي حين تشكل الصناعات الثقافية ما بين 5-10% من قيمة المنتجات في العالم، فإنها لا تمثل قيمة تذكر في الدخل القومي العربي، فطبقاً لتقارير المنظمة العالمية للملكية الفكرية، فإن الصناعات الثقافية في العالم العربي في مؤخرة الترتيب على الصعيد العالمي، من هنا تأتي أهمية أن نعمل على هذا الملف شديد الأهمية ملف الاستثمار في الفن والثقافة وأشكر الأردن على تبنيه لهذا الملف الضروري بعقد هذا الملتقى المتميز ببرنامجه وأوراقه”.

رسمي محاسنة

(إعلام الهيئة العربية للمسرح)

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح