fbpx
الرئيسية / الهيئة العربية للمسرح / مقالات / نوتة نشاز’ عن الخطأ والذنب والصفح / أبو بكر العيادي

نوتة نشاز’ عن الخطأ والذنب والصفح / أبو بكر العيادي

 

  • المصدر / العرب / نشر محمد سامي موقع الخشبة
  • هل يمكن أن يهرب المرء من ماضيه؟ هل يعفيه المجد والنجاح من العقاب؟ وهل يمكن أن يعيش بعد الفضيحة والعار؟ عن الخطأ والذنب والصفح، تدور أحداث “نوتة نشاز” على خشبة مسرح “ميشيل” بباريس، في لقاء متوتر يضع وجها لوجه ممثلين بارزين هما كريستوف مالافوا وتوم نوفمبر، للكشف عن الحقيقة أو ردمها نهائيا.

نوتة نشاز” مسرحية ألفها وأخرجها مدير مسرح “ميشيل” الفرنسي ديدييه كارون، وهو من المؤلفين البارزين، وقد سبق أن كتب “السّرّات” و”سعفات السيد شولتز” و”حديقة ألفونس” وخاصة “وجبة الوحوش” التي حصدت ثلاث جوائز موليير.

والمسرحية الجديدة التي يجتمع فيها كريستوف مالافوا وتوم نوفمبر تقوم على بنية الرواية البوليسية، التي تعتمد على التشويق والتطورات غير المتوقعة والتوتر حدّ الذروة حتى لحظة الانفراج، والأحداث هنا تعرض في لوحتين.

لوحة أولى يظهر فيها هانس بيتر ميلر، مايسترو أوركسترا الجوق السيمفوني لسويسرا الرومانشية بجنيف، واقفا أمام الجمهور وسط هالة من الضوء، وحوله ظلام مطبق وسكون شامل وزمن معلق، وعندما يهم بإشارة بدء أول عزف، تمتدّ يده اليسرى فجأة وتحاول الإمساك بمعصم يده اليمنى التي ترفع العُصيّة لتوقف رجفة لا تقاوم، رجفة سوف توحي بالخيط الأحمر للدراما التي ستدور أحداثها أمام المتفرجين.

ولوحة ثانية يظهر فيها المايسترو بعد أن عاد إلى مقصورته تحت عاصفة من الهتاف والتصفيق، وهو يفاجأ بغريب يقتحم عليه خلوته، قال إن اسمه ليون دِنْكلباخ، وإن الناس ينادونه دنكل، وإنه من المعجبين بالمايسترو، وأنه عازف كمان أيضا، وقد جاء خصيصا من بلجيكا كي يحضر حفله، ويعبّر له عن إعجابه.

بدا الرجل في البداية مضطربا في كلامه، مشوّشا في حركاته، فلم يجد ميلر بدّا من تلبية طلباته عسى أن يتخلّص منه ليعود إلى بيته، حتى الغريبة منها، كأخذ صور مع آلة الكمان، وطلب إهداء للذكرى، وقبول الاستماع إليه وهو يمزّق موسيقى موزارت شرّ ممزّق، ولكن كل تلك النزوات كانت محسوبة، لغاية في نفسه، وهي سبب مجيئه واختلائه بالمايسترو.

المسرحية حكاية يأتلف فيها النور والعتمة، حيث وراءها مأساة سيكولوجية يستشف منها أوجه الإنسان، المليح منها والقبيح

كان كالضيف الثقيل الذي يأبى المغادرة، ثم مضى يلقي السؤال تلو السؤال، لنعلم في النهاية أنه ما جاء إلاّ ليثأر لروح أبيه، يقول له ميلر مندهشا “أنت مجنون.. ماذا تريد مني؟” فيردّ عليه دنكل “لا تخف، هذا هو الأهم. أعرف جيدا معنى أن يخاف المرء، وهي حال لا أتمناها لأحد، شيء واحد يمكن أن نستحسن الخوف منه، ألا وهو المثير للسخرية، لأنه لا يقتل”.

ولئن كانت اللوحة الأولى بسيطة، وكأنها ما جعلت إلاّ لوضع الشخصية المحورية في إطارها، وتهيئة المتفرج للتعرف على ما يمكن اعتباره لاحقا ازدواجية الشخصية، أو ما يمكن أن تخفيه المظاهر عن حقيقة البشر، فإن اللوحة الثانية كانت مسرحا لتوتر ما انفك يتنامى، أبدع الممثلان في التعبير عنه.

كريستوف مالافوا في ثوب رجل الشارع البسيط، المتواضع، المعجب بالفن ورجالاته، قبل أن يكشف عن وجه ماكيافيلي، ليضيق الخناق على مخاطبه، ويبدي من الهيمنة ما لا يستطيع ميلر صدّه ولا ردّه، وتوم نوفمبر في هيئة المايسترو، الرجل الأرستقراطي المزهوّ بنفسه وبما حققه، قبل أن تدركه المهانة، فإذا هو في موقف النادم، ينسحق قلبه أسفا، ويطلب من مخاطبه الصفح على ما كان ارتكبه في حق أبيه.

في البداية لا يملك المتفرج إلاّ أن يتعاطف مع هذا الفنان وهو يقابل إزعاج أحد المعجبين بصبر وسعة صدر، لا سيما أن الرجل الغريب ملحاح بشكل يولّد الضيق حتى لدى المتفرج، فلا يدري هل هو أمام متحمّس أم مهووس أم مجنون، ولكن النهاية ستكشف عن وجهه الحقيقي، مثلما تكشف عن الغاية التي جاء من أجلها، ألا وهي تذكير المايسترو بماضيه، وبحقيقته، تلك الحقيقة سوف تظل لغزا غامضا حتى النهاية.

وكما في الروايات البوليسية، فإن كل ما يحدث يتكثف ليمضي نحو مصبّ واحد، ليخدم النهاية التي مهّد لها الكاتب منذ البداية، والطريف هنا أن ذلك يأتي في شكل حوار، وفي فضاء مغلق، ما جعل الأحداث تتركّز على الاستدلال والحجاج، واعتماد خطاب قوي من الجانبين يشد انتباه المتفرج، وسلوك لا يني يتغير بمرور الوقت، بين شخصين ما كان لهما أن يلتقيا، لأنهما يختلفان في كل شيء، وإن جمعهما سر ثقيل.

وكان للممثلين من الاقتدار ما يكفي لنقل تلك الدراما التي تمتزج فيها عدة ثيمات كالخطأ والذنب والصفح، والإفصاح عنها بشكل مقْنِع، وإذا كانت شخصية دنكل معقدة، فإن شخصية ميلر أكثر تعقيدا وغموضا، لأنها تطرح مسألة حرية الإنسان في اختياره، ومسؤولية ذلك الاختيار.

هي حكاية يأتلف فيها النور والعتمة، لأن وراءها مأساة سيكولوجية نستشف منها أوجه الإنسان، المليح منها والقبيح، وهي ثنائية حاضرة في كل فرد منا بقدر يتفاوت من شخص إلى شخص، وما الحدّ الفاصل سوى جدار واه، ولكن أهميتها تكمن أساسا في بنيتها وفي أداء الممثلين، لأن الثيمات المطروحة ليست جديدة فقد سبق أن عالجها المسرح والأدب.

عن محمد سامي

محمد سامي عضو نقابة الفنانين العراقين - وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين ييعمل لدى مركز روابط للثقافة والفنون ومحرر في موقع الخشبة و موقع الهيئة العربية للمسرح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.