الرئيسية / الهيئة العربية للمسرح / مقالات / «نزهة فى أرض المعركة» دعوة للحب ونبذ العنف فى أجواء كرتونية ساخرة : هند سلامة

«نزهة فى أرض المعركة» دعوة للحب ونبذ العنف فى أجواء كرتونية ساخرة : هند سلامة

المصدر : روز اليوسف : نشر محمد سامي موقع الخشبة

من البديهى أن تصاب بحالة من الدهشة والفضول بعد سماع عنوان مسرحية «نزهة فى أرض المعركة»، التى افتتح بها مسرح الهناجر أحدث إنتاجه ثانى أيام عيد الأضحى، كيف تجتمع النزهة والبهجة فى ساحة القتال، وكيف يتنزه الناس فى أرض المعركة، وهذا ما قصده المؤلف الاسبانى فرناندو آربال أن يوقعك فى الدهشة والحيرة، قبل مشاهدة عمله المسرحى الذى يتناول قصة جندى يعيش فى أرض معركة وتغلب عليه مشاعر الملل والوحدة لعدم وجود من يؤنس وحدته،

 أنه لا يعلم لماذا يقاتل ومن هم هؤلاء الأعداء، ولماذا أصبحوا أعداء حتى وصل الأمر إلى مرحلة القتال، ثم يتساءل المؤلف على لسان أبطاله هل من الضرورى أن نحارب وطالما نحن وأعداؤنا اجتمعنا على كراهية الحرب فلابد أن نتوقف عنها ويتفق الجندى والأسير الذى وقع فى يديه من أرض العدو أن كلا منهما سيذهب إلى زملائه ويتفق معهم على ضرورة التراجع والتوقف عن القتال كى يعودوا لحياتهم الطبيعية، خاصة وأن الجندى تم تجنيده بشكل مفاجئ وكذلك الأسير، كل هذه الحوارات تدور بينهما أثناء ذهاب والد الجندى ووالدته إلى ميدان المعركة لتسلية ابنهما بدلا من جلوسه بمفرده وحرصت والدته على حمل الطعام والفاكهة معها ضمن مواقف كوميدية كثيرة استنادا على هذه الزيارة المفاجأة، والتى جاءت بالطبع فى غير محلها..!
كراهية الحرب والسخرية منها
كتب آربال مسرحيته عام 1952 وهى تنتمى إلى مسرح العبث أو للامعقول ويتلخص شعار مسرح العبث على مدى  عبثية وجود الإنسان فى هذا الكون ونشأ هذا النوع من المسرح تحديدا بعد الأهوال والمخاوف التى شهدتها الشعوب من جراء الحرب العالمية الثانية، فهذه الحرب زعزعت القيم وأدت إلى شعور الإنسان بعدم الجدوى من وجوده لما شهدته الدول من أعمال قتل ووحشية، ويبدو أن هذه المسرحية كانت نقدا ساخرا ولاذعا لما شهدته وأحدثته الحرب العالمية الثانية ومن الواضح أنها كانت رد فعل ساخر وعنيف لهذه الحرب، فبرغم بساطة طرحها للفكرة إلا أنها تحمل مضمونًا ومعانى شديدة العمق والحساسية، حيث طرح الكاتب موضوعاً كبيراً فى قصة حميمية بسيطة جمعت رجل وزوجته بابنهم فى ميدان القتال، الفكرة نفسها تحمل الكثير من السخرية والكوميديا فى اجتماع أسرة للهو داخل ساحة حرب فهم يتعرضون لمواقف كوميدية فى ظاهرها لكنها تحمل معانى مؤلمة، مثل دخول أسير من أرض العدو إلى الأرض التى يجلس الجندى فى حراستها وإندماج هذا الأسير مع هذه الأسرة البسيطة المرحة ومشاركتهم الطعام واللهو والرقص، ثم طرح تساؤلات وهواجس وأفكار عن كراهية الحرب من الطرفين وبالتالى لماذا نحارب وبسذاجة شديدة يطرح الجنديان فكرة ومعهم الأب الذى يتحدث طوال الوقت عن بطولاته الوهيمة عن ضرورة الذهاب ودعوة زملائهم للتوقف عن الحرب فبما أننا جميعا نكرهها يجب علينا التوقف عنها ولا نرضخ لأوامر الجنرالات الذين يصنعون أمجادهم من وراء هذه الحروب وفى نهاية المسرحية تقتل هذه المجموعة البسيطة والبريئة التى دعت إلى نبذ العنف والكراهية، فى مشهد صنعه المخرج بعذوبة وسخرية نفت عنه قسوة الدم أو قسوة المعنى حتى يظل العرض محتفظا بأثر بهجته وحميمية هذه المجموعة البلهاء وهم يستمعون لآخر أخبار التفجيرات فى وضع كوميدى ساخر تحت مظلة الشمسية التى تحملها الأم!!
إعداد مسرحى بسيط لفكرة شديدة التعقيد
برغم أن النص كتب عام 1952 إلا أنه ما زال نصا نابضا بالحياة فهو يمس وبشدة كل ما يعانيه العالم اليوم من عنف ووحشية فاقت الحروب العالمية، وبالتالى كان اختيارا موفقا للمخرج أحمد فؤاد والذى قدمه فى إعداد مسرحى يناسب هذه الحميمية التى كتب عليها آربال نصه، ففى قالب بسيط وبلا أى تعقيدات على مستوى الطرح والحوار أو الصورة المسرحية قدم فؤاد عرضه على الهناجر، حتى المواقف الكوميدية تم نسجها بشياكة حملت سخرية مستترة من فكرة الحرب وحقيقية كراهيتها من الجميع، ولخص المخرج والمعد فلسفة المؤلف على طريقته المصرية، حتى الألفاظ والإفيهات الملقاة تم اختيارها بعناية شديدة وكأنه كان شديد الحرص على ألا يخرج أحد عن السياق أو القالب الذى أراد أن يصنع عليه العرض الذى بدا دافئا برغم أنه يتناول قضية ساخنة، وبدا كوميديا ساخرا رغم أنه يتناول مأساة ضياع حياة أبرياء فى سبيل حرب لا يحبونها ولا يعرفونها كما أنه بدا بسيطا خفيفا رغم ما حمله من معان شديدة العمق والتعقيد وكانت مهارة صناعه فى غزل ونسج كل هذه التناقضات والخروج بعمل ممتع قد تشعر معه بقدر كبير من مشاعر التواصل بل والراحة النفسية فى حين أنه انتهى نهاية مأساوية..!
الحفاظ على البعد الفلسفى والكرتونى للشخصيات
بالطبع ساهم أداء الممثلين غير التقليدى لهذا العرض فى الوصول معهم إلى هذه الحالة من الانسجام والتواصل وكأن هدفهم كان إيقاع الجمهور فى حبهم من الوهلة الأولى حتى يحتفظوا بحالة الـ«فسحة» أو النزهة ركز كل منهم وبمهارة شديدة على إبراز روح كل شخصية التى كانت تجمع بين مزيج من السذاجة والمرح والسخرية وكذلك التحريض بمنتهى الاستخفاف على ترك هذه المعركة، ورغم أن معظم المشاركين فى الأصل كوميديانات لكن لم ينشغل أحدهم بإبراز مهارته ككوميديان فى إضحاك الجمهور على حساب بساطة الشخصيات التى يؤدونها ومن ثم الحفاظ على البعد الفلسفى والكرتونى لكل شخصية وهم أحمد السلكاوى فى دور الأب والذى قدمه بمهارة شديدة ولم يفتح المجال لافتعال مواقف كوميدية فى غير محلها، وكذلك مروة رضوان التى خرجت من كواليس الإخراج وأعادت اكتشاف نفسها كممثلة على خشبة المسرح كى تفاجأنا بموهبة جديدة قادرة على السيطرة وجذب الانتباه، أحمد سامى ويزو فى دور الجندى الذى قدمه ببساطة وعذوبة حافظ بها على شخصية هذا الجندى الساذجة البلهاء فى كراهية الحرب غير المبررة من وجهة نظره وشاركه فى نفس مستوى الأداء نمير القاضى فى دور الأسير، وكذلك أحمد طارق ومصطفى سالم فى دور رجال الإسعاف، قام بالإعداد الموسيقى للعرض محمد عبد الله وملابس اسماء عبد الشافى، ديكور أحمد أمين، وإضاءة أبو بكر الشريف.

عن محمد سامي

محمد سامي عضو نقابة الفنانين العراقين – وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين ييعمل لدى مركز روابط للثقافة والفنون ومحرر في موقع الخشبة و موقع الهيئة العربية للمسرح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *