أخبار عاجلة
الرئيسية / الهيئة العربية للمسرح / مقالات / مونودراما “سيلفي”: من تونس الى العالمالانتصار للمهمشين والفقراء – تحسين يقين

مونودراما “سيلفي”: من تونس الى العالمالانتصار للمهمشين والفقراء – تحسين يقين

 

 

 

مونودراما “سيلفي”: من تونس الى العالم

الانتصار للمهمشين والفقراء

تحسين يقين

من تونس سنصغي إلى النداء الوطني والإنساني معا.

هل نحن بحاجة للقول بأن الإنسان العادي، والمواطن، هو شرط وجود المجتمعات، كما الأرض، وهو معمّر الكون، وصانع جماله، هو المنتمي بحق لبلاده؟

ولعل مشهد الفلاح في فيلم الأرض الشهير كيف تمسك بالغرسة، وهو يجرّ على الأرض لتعبير قويّ عما هو واقع الإنسان الفرد.

ما هو محليّ جدا في الأدب، يصير عالميا، هكذا صارت العبارة مقياسا ودليلا للكتاب من البلاد والقوميات والثقافات المختلفة. كنت قرأت هذه العبارة حين حصل الراحل نجيب محفوظ على جائزة نوبل في الآداب، فتعلمنا وقتها كيف أن الكاتب ضمير شعبه ووسيلة التغيير الإيجابي فيها. وهو تغيير تصالحي غير عنيف ولا دمويّ.

والمسرح رغم أنه أبو الفنون، إلا أنه ابن الأدب وشقيقه الأجمل والحيوي، كونه ينقل لنا النص الى خشبة المسرح، فنشاهد النص في فترة زمنية محددة، من خلالها لا نرى فقط ردود أفعال الشخصيات تجاه الحدث، بل نرى انفعالنا الإنساني أيضا، حيث نوضع في المكان نفسه..ربما..

وهنا يلعب المسرح في كشف نفوس الشخصيات فوق الخشبة، ومقابلها أيضا..

ولعله من الأولى هنا، ونحن نتحدث عن الفن العربي من خلال هذه المونودراما الشهيرة، أن نجد أنفسنا شعوبا عربية في مسرحية تونسية، تثير فينا الفكر والشجن معا.

تعيد مونودراما “سيلفي” الاعتبار للإنسان العادي والمهمش، من خلال التأكيد على أمرين هما: الانتماء للوطن، والوعي السياسي. وهما، للأسف، أمران مشكوك بهما من قبل نظم الحكم والنخب. أما الشك بالانتماء فبسبب تعميم نظرة الارتباط بين الفقراء والتطرّف والإرهاب، في حين تدعي النخب أن الوعي مقصور عليها، وأن الوعي الفكري يعدّ ترفا للفئات المهمشة الباحثة عن الخبز.

من هنا، نزعم أن “سيلفي” المونودراما القادمة من الشارع التونسي، قد هزّت النخب ونظم الحكم، لدرج السخرية، بل

أنها قدمت عامل النظافة كمهمش وفقير عاشقا لتونس، وواعيا بأدق التفاصيل وإن زهد في التعبير عن مشاعره وأفكاره.

لأجل ذلك، استطاعت مونودراما “سيلفي” مواصلة النجاح وهي مؤهلة كي تستمر بعروضها سنوات قادمة، وسيطول ذكرها في سجل الروائع المسرحية الخالدة. ولربما يعود نجاحها عربيا وعالميا أيضا كونها مغرقة بما محليّ، والذي عادة ما يكون شرط العالمية. وهذا ما يفسّر حصول المسرحية المستمر على جوائز عالمية من المهرجانات المسرحية، آخرها جائزة أفضل عمل في المهرجان الدولي لمسرح المنودراما، بآيت ملول بالمغرب.

موضوع المسرحية، وشكلها، قائمان على رحلة عامل النظافة في الشارع، حيث نجده يعاني من التلوث والنفايات، والتي يلقيها بها أفراد المجتمع، حيث تصبح لدية القدرة على تحليل الشخصيات، وتصبح لديه رؤية نقدية وإن كانت في سياق كوميدي محبب.

وفي لحظة مفاجئة، يتم العثور على قنبلة موقوتة تحت عربته، وهنا، يظهر لنا كيف أن التهمة تصبح جاهزة له، كونه فقيرا ومهمشا.

تظهر مفارقة موضوعية، حين يتم الزج به في مسألة بعيدة عن اهتماماته، حيث يتم اتهامه بالمس بأمن البلاد، مما يضطره للجلوس للتحقيق. لكنه يستطيع إثبات تواجده بعيدا عما نسب إليه، من خلال ما يستعيده من يومياته التي سجلها من خلال هاتفه النقال، الذي كان أنيسه في وحدته كعامل نظافة، والذي يظهر أيضا حسّ العامل بالنظافة واحترام البيئة، من خلال تصوير انتهاكات المواطنين لبيئتهم. تساعده تلك اليوميات على إثبات براءته. ومن خلال الحوار من جهة، والمونولوج الداخلي له، يظهر حبه للوطن الذي لا يمكن بيعه.

وقد مثّل مشهد التحقيق من خلال الشاشة المصاحبة للعرض، سخرية عميقة من المحقق، أمام الحاسوب، حيث لا يظهر اغتراب العامل-المواطن فقط، بل تظهر سخريته التي تتحول إلى احتجاج أيضا.

وتمضي أحداث المسرحية، من خلال شكل جذاب يجمع بانسجام دقيق بين الممثل على خشبة المسرح، وبين الشخوص من الشاشة الكبيرة التي ملأت عمق المسرح، أكان ذلك بالحلم، أو بالحوار مع الشخصيات المختلفة من محقق وأم وأصدقاء، أو من خلال جعل مشاهد الشاشة بما فيه من ممثلين، دراما أخرى بصرية تعمق المونودراما على الخشبة نفسها. كما ساهمت الرقصات المصاحبة التي تمت من خلال عدة أشكال راقصة من باليه وغيره، ورقص الديسكو، في إضفاء الحيوية على المونودراما، كذلك في تعميق الفكرة، وخلق سيناريو حركي معبّر عنها.

ثمة علاقة ما بين موضوع المونودراما وفكر الفنان إكرام عزوز، خصوصا فيما له علاقة باستقلالية الثقافة، بل إنه قام قبل عامين بتأسيس مهرجان قرطاج للمونودراما الدولي، ولعلّ اختيار شكل المونودراما، له علاقة بالمنحى النقدي والانتصار لقضايا المهمشين والفقراء وإعادة الاعتبار الثقافي والوطني ولإنساني لهم.

ويعدّ الفنان إكرام عزوز أحد نجوم المسرح والميلودراما التونسية، ومن أعماله المعروفة “عم فرج، والسانية” و”كنا نصنع ربيعنا بأيدينا”. وهو نجم تلفزيوني أيضا.

المونودراما من نص أحمد عامر، واقتباس وإخراج طاهر عيسى بالعربي، في حين قام التمثيل الفنان المبدع إكرام عزوز.

Ytahseen2001@yahoo.com

عن Administrator

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.