أخبار عاجلة
الرئيسية / الهيئة العربية للمسرح / أخبار مهرجان المسرح العربي / مهرجان مسرح العربي بالأردن من 10 إلى 16 ينايــر 2020 عروض مسرحية في يومها الأول تباين في الطرح والتوجهات – بــقـلـم : عــبـاسـيـة مــدونــي – الــجـزائــر

مهرجان مسرح العربي بالأردن من 10 إلى 16 ينايــر 2020 عروض مسرحية في يومها الأول تباين في الطرح والتوجهات – بــقـلـم : عــبـاسـيـة مــدونــي – الــجـزائــر

  مسرحية “رهين” من المسرح الجهوي باتنة – الجزائـر

   رهين الوطن والأرض والحرية المغتصبة  

ضمن فعاليات مهرجان المسرح العربي على أرض المملكة الهاشمية الأردنية والذي تنظمه الهيئة العربية للمسرح في دورته الثانية عشر الممتدة إلى غاية 16 من شهر يناير 2020 ، تنطلق فعاليات العروض المسرحية ، لتكون البداية مع عرض ” رهين ” من المسرح الجهوي باتنة – الجزائر ، نص ” محمد بويش” وإخراج ” شوقي بوزيد” مع تشخيص كل من ” نوال مسعودي “،  “مبروك فروجي ” و “محمد الطاهر زاوي”  ، وهذا على ركح مسرح الحُسين الثقافي في العاصمة الأردنية عمّان

” رهين ” وسرداب التحقيق الذي جسّد معاناة معتقل الرأي الحر ، رهين وطن متعطش للحرية ، للانعتاق ، للحب وللسلام ، إنّه تجسيد لمسار نضال بغية التحرر من التبعية والأنظمة الفاسدة التي نزيد نحن من جبروتها وتسلّطها .

” رهين ” لفافة وطن يستنزف آخر أنفاسنا ونحن نزفر شهيق ” أن حررونا” ، وهو وجه من وجوه الصمود ضدّ الظلم ، وضدّ كل ما يدفن طموحاتنا وآمالنا ، ضدّ كل من نادى بالحريّة فسقط رهين القمع والحرمان من أدنى الحقوق الشرعية .

يقع سجين الرأي بين فكيّ جلاّديه ، وبين تعذيب نفسي مرهق ، يكون هذا الشاب الثائر المجبول على حبّ الوطن بين خيارين إثنين لا ثالث بينهما ، إمّا أن يدخّن لفافة الوطن وإما لفافة الحرية ، وبين المطرقة والسنديان لا مفرّ ، فيظل المخبرون في سعي مضن محاولة منهم لإخضاعه ، فالوطن قائم بمقوماته وخصوصياته ، والحرية عملة صعبة في زمن التبعية والتشرذم والشتات .

ليكون العرض المسرحي ” رهين ”  إسقاطا على عديد الزوايا ، ويبقى ذلكم الشاب قويا ، ثابتا ، محافظا على رجاحة عقله وبرودة أعصابه ، ومؤتمنا على عواطفه ، لينتصر إلى حب الوطن ومحبوبته ، فتلك الحبيبة ما هي إلا أرضه ، عرضه ووطنه ، وانتصاره لحبّه ولوطنه ولثباته ومبادئه يغدو انتصارا جماعيا ، وانتصارا هامّا في حركة أية أمة نحو التحرّر من قمع الأنظمة وفسادها ، بين صراع مرير وقائم ما بين ما نريد وما نحمله من مكنونات للآخر في أسمى صوره الحب ، إذ ثمة دوما وابدا صراع أبديّ وقائم بين ما نريد وبين ما يفرضه الواقع من قذارة ورجعية .

العرض المسرحي ” رهين ” وبحكم ما حمله من قيم وأفكار في نصّه والتي تحمل أمّهات القضايا وهي الحرية والتحرر ، القضايا الإنسانية التي وجب أن تنتصر دوما وأبدا ، فقد اعتمد في خطابه اللغة المباشرة ، ولغته الشاعرية رغم القيم التي حملتها وما تكتنزه من دلالات إلا ّ أنها بدت منخفضة الإيقاع ، متباينة الطرح ، ناهيك عن الإيقاع الذي تماشى في خطّ واحد ، ثابت غير متحرّك وفعّال ، بالرغم من علمنا أن شخصيات العرض ذات وزن وقيمة تفاعلية فيما بينها ، ومع ذلك سقطت بين براثن المباشرة التي في الغالب لا تخدم المتلقي بخاصة المتذوّق منه .

سينوغرافيا ، وبالنظر إلى مكونات العمل المسرحي ، والمنحى الذي انتهجه المخرج في إخراجه العمل ،  فقد خانته الإضاءة في كثير من مشاهد العرض المسرحي التي سبق وقد هندسها بشكل أكثر إبداعا ممّا لامسناه بركح الحسين بالأردن ، ومع ذلك الوعي الذي تمّ الانطلاق منه بمدى عمق شخصية ” رهين ” وتشدّقه بالمحبوبة ” الوطن” وبالحبيبة         ” حورية” وجهان لعملة واحدة اسمها الهمّ الديمقراطي والبعد التحرري في زمن مصادرة الآراء وقمع الحريات الشخصية والحدّ من الطموحات في زمن الرقابة المفروضة على كل شئ ، لتبقى الحرية حلما ذا ضريبة باهظة  لابدّ أن ندفعها عاجلا أم آجلا ، لأنه ببساطة مهما اشتدّت واستعصت سبل التحرر ثمّة غالبا منفذ لإثبات العكس عن طريق النضال والتشبث بالمواقف مهما استنزفونا .

“سماء بيضاء ” من تونس

تأويلات تنفتح على عديد  الحكايا

فرقة ” كلاندستينو” وعلى ركح مسرح محمود أبو غريب ، عرضت مسرحية ” سماء بيضاء” من تأليف وإخراج ” وليد دغسني” ، وتشخيص الثنائي ” منير العياري” و” أماني بلعاج” ، المسرحية انفتحت على كثير من التأويلات التي تحمل المتلقي إلى التساؤل والاستفسار ضمنيا عن الحكايات التي تحملها السماء بألوان متعدّدة ، لعلّ البياض لونها الطاغي ، ليكون الثنائي ممثلان لثنائية الأسود والأبيض ، واشتباك الطرح مع جملة من الأساطير الإغريقية ، وحتى مع فضاءات شكسبير .

وفي ” سماء بيضاء”  تحملنا الممثلة على أن نشاركها حلمها ورحلتها ، على أن نكون طرفا مهما في القبض على سر الحكاية ونهايتها ، مقتحمة المجهول غير مبالية بالآتي على أن نصل إلى أقصى الحدود معها دونما مبالاة أو خوف بالذي سيحدث ، حيث أن العرض حمل بين ثناياه عديد  الأسئلة والاستفهامات من لبّ هذا الوجود الذي نحياه ، فكان الرجل قدرا وروحا في الغالب ، وكانت هي المرأة المقتحم لعالمه عنوة لتفرض بطريقة أو أخرى تواجدها محاولة التمسك بالحياة ، في ثنائية محمومة بالتوجس والإنطواء ، منفتحين على قضايا الجنس والموت والوجود وغيرها  ، وبين الـتأرجح بين مجاراتها والعزوف عن ذلك تأتي هي أكثر صخبا وأكثر شهوانية ، لينغمسا في اللذة ، فاتحا عوالمها على المدى الأبيض الذي هو عالمه متأمّلة من خلاله عوالمه الشاهقة ، لتتوالى الأحداث ويدخل العرض حيز الانفتاح على قضية الوجود الأزلي وهي آدم وحواء والثمرة ، وكيف انغمسا في هذا الوجود ليستمرا ويتكاثرا ويجسدا تلكم الرغبة المشتهاة من خلال رقصة الانصهار ، وكيف تحاول التملص من سلطته الذكورية محاولة العبور من خلاله فهي من اقتحمت عوالمه دونما استئذان .

سينوغرافيا عرض ” سماء بيضاء” وفي بساطتها إلا أنها حملت رؤى التوجه المسرحي ، متنقلين بين الزمكنة والفضاءات ، متنقلة بين حدث وآخر دونما مبالغة ، والعمل المسرحي وفي لغته الفصحى ونقله لنا إلى عوالم الحكايا والأساطير فقد لامسنا من خلاله المدّ الإنساني الشاهق لمقاربة فكرة العمل إلى هذا المتلقي .

الصبـخة من الكويت _ملامسة للموروث الشعبي

عرض ” الصبخة ” من الكويت ، من تأليف وإخراج الدكتور” عبد الله العابر” جاء لينقل الجمهور إلى عوالم الموروث الشعبي المتوارث عبر الأجيال ، ويسلّط الأضواء على العلاقات الأإنسانية في اسمى معانيها الحب ، هذا الأخير الذي يتحول بين مرحلة وأخرى إلى المحرّم واللامشروع ، لتجري مجريات العرض المسرحي كاملة وسط فضاء عتم يحملنا على الانصهار تارة وعلى الانفلات تارة أخرى .

وقد كان ذلكم الفضاء الركحي بسينوغرافيته ذا ماهد تصويرية ذات دلالات سيميائية نقلتنا بين مجريات الأحداث على لسان ممثلي العرض الذين تعاملوا مع ذلكم الفضاء بكل طواعية ناقلين لنا الوجع والألم والتشظي .

فالأسود الطاغي منذ بداية العرض المسرحي حتى نهايته بكتله وزواياه نحت لنا من          ” الصبخة” حكاية موبوءة حقا ، بضغط نفسي بإشاراته ودلالاته ، وما شكلته الإضاءة من إشارات ذات شيفرات متعددة جمعت ما بين الأبيض والأسود لتمنحنا صورة بصرية بإيحاءات تتحول وتتغير حسب سياق العرض ، فالجميع مسجون رغباته ، ومسجون شهواته ، مسجون طموحاته وآماله ، مسجون الآخر الذي له عالمه وانطوائيته مهما ضاق يظلّ يفرض شخصيته المسرحية .

فالكبت بشتى أشكاله وأنواعه من اجتماعي ونفسي وسلطة المجتمع الذكوري كشفت عن سرّ الحكايا ومستوى الكبت الذي لاحق الشخصيات ، لنعيش التغريب في الرؤية الإخراجية من خلال ظلال الشخصيات وملابسها ، والاسود والأبيض بدلالاته الواسعة ، مع أداء للشخصيات بلغة ولهجة كويتية محضة.

عن عباسية مدوني