مهرجان المسرح العربي.. مدرسة للحرية والإبداع – تحسين يقين

مهرجان المسرح العربي .. مدرسة للحرية والإبداع

أو لعله مختبر، أو معهد فوق عال، بما يقدمه من عصارة فكر فني وعروض طازجة تعبر عن الحال والآن!
ان مجرد أي حديث تسمعه أو تجريه، تجده نوعيا نتعلم منه، ولعل ذلك هو ما أشارت إليه ندوة افتتاح المؤتمر الفكري.
والجميل والأجمل هو ما جرى، وما زال حتى هذه اللحظة يجري من نقاش وحوار حرّ، حول مختلف المواضيع والعروض، إنها الحية القيمة الكبرى.
ولعل تعانق الحرية بالأخلاق تعني الالتزام بكافة معاني الالتزام الإنساني، بتجلياته الوطنية والقومية والوجودية. وهذا ما يظل راعي المهرجان صاحب السمو دكتور سلطان القاسمي حاكم الشارقة يؤكده دوما: لنجعل المسرح مدرسة للحرية والأخلاق.
الاستمرار بحد ذاته إنجاز، وفي حالة المهرجان العربي، فإن استمراريته إبداعية وفكرية وعروبية إنسانية بامتياز؛ خاصة بما حفلت به كلمة أمين الهيئة العربية للمسرح الفنان إسماعيل عبد الله، الذي جال الأردن والوطن العربي بكلمة عروبية محبة لجمه الشمل العربي.
لقد تم تناول فرق مسرحية وشخصيات عربية وأردنية بشكل خاص من خلال المؤتمر الفكري، أنارت على تجارب إبداعية فعليا، بل أسست لنهوض مسرحي في الأقطار العربية. لقد اختار المهرجان هذا العام أسلوبا ينسجم مع المسرح نظريا وتطبيقيا لأول مرة؛ حيث لم تقدم الأوراق بشكل المحاضرة، بل جمعت أكثر من أسلوب عرض، فإلى وجود التدخل والحديث عن التجربة، فقد وجدت التجربة العملية من خلال تدريبات جذابة وعرض تقارير توثيقية من خلال الفيديو.
انه فعلا مهرجان يدعم مسرح الفرجة البصرية، لكن ذلك لا يعني غض الطرف عن أهمية المضمون، حيث تظل الكلمة-الفكرة هي الأساس، ومهما قدم المسرحيون من أشكل إبداعية، فإن المشاهدين/ات يقدومون دوما بعملية تأويل لحكاية ما، ويقمون دوما بعملية استخلاص فكري وشعوري.
لعل اتجاهات المضمون في الانتصار لقيم الحرية والتنوير، عبر أشكال معاصرة تعتمد الفرجة البصرية والحركية، تضفي الحيوية على العروض وجذب المشاهدين، حيث حفلت العروض بشكل عام بأشكال جادة في التطوير على مستويات الإخراج من خلال طواقم تمثيلية محترفة. وقد شكلت مختبرا مسرحيا لتبادل الخبرة بين الفنانين/ات العرب.
لعل التجارب الأردنية كان لها نصيب الأسد في التناول والدرس، وهذه إضافة نوعية للمهرجان، بأن يتم دراسة الحالة المسرحية تاريخيا للبلد المضيف، خصوصا في التجارب المعاصرة.
فهذه حكمة وصراحة وسخرية الفنان خالد الطريفي التي ابتدأ بها المؤتمر الفكري، جعلنا فعلا”نسرح ونمرح) مسرحيا وفكريا ورمزيا، من خلال الاشتغال على علاقة الممثل بالمشاهد عبر هذا الفضاء بغض النظر عن تسمية المصطلح. في حين أعادنا العرض الفكري لمسرح فوانيس (نادر عمران، وخالد الطريفي، وعامر راضي) للتجارب العربية المجايلة، خصوصا تجربة مسرح الحكواتي غرب النهر التي كانت قد بدأت في السبعينيات، التي ضمت رواد المسرح الفلسطيني المعاصر، الذين قاموا بالتأسيس الجديد للمسرح الفلسطيني. لقد كانت فعلا تجربة الفوانيس غنية بالنظرة تجاه الحياة والفن، ضمن هامش الحرية الممكنة والخبرة المعرفية المتاحة.
اما فرقة المسرح الحر، فقد استخلصنا كيف أنه راح باتجاه تأصيل الخطاب الفكري، باتجاه التنوير، من خلال قضايا المرأة، بوجود خلفية سياسية داعمة لهذا النهج، بالارتكاز على الميثولوجيا الحضارية.
في حين وجدنا في مسرح “ع الخشب” من خلال الفنان الشاب زيد خليل، اتجاها عميقا في بحث دور الموسيقى والغناء في العرض، ليكون دورا أساسيا، واختبار الموسيقى الشعبية كهوية للمسرح وهوية للشعبفي اتجاه نقدي اجتماعيا وسياسيا، يواكب التحولات.
لقد اجتهدت الفنانة د. مجد القصص مؤسسة المسرح الحديث، في الارتقاء بدور الجسد والرؤية الفنية له، من خلال استمرار التعلم بلب والسفر لتعميق التعلم.
مسرح طقوس الذي تحدث عن دكتور فراس الرموني، وجدنا فيه أيضا جدية في التفكير الفني، ولعله بعد هذه الندوة والمساءلة، ينطلق باتجاهات توظيف الطقوس في المسرح أكثر من التركيز عليها، حيث فعلا أثار أسئلة تجربة طقوس ومستقبلها.
كذلك فإن مسرح الرحالة بقيادة الفنان حكيم حرب سد ثغرة مهمة في التربية على المسرح خصوصا في الوصول للاجيال، وتقريب المسرح لها وتحبيبهم/ن به.

عربيا: حفلت تجربة الأستاذ خالد جلال، المعتمدة عمليا على تكامل الفنون: التمثيل والغناء والإلقاء والرقص، وتعميق نهج الارتجال بتقدير الوفود، ولعل تأكيده على تقدير معلميه، والتعلم المستمر والاستفادة من الثقافات العالمية، قد وفّر حاضنة للعديد من النجوم الذين تخرجوا من البيت الفني.
كما حملت تجربة الفنان انتصار عبد الفتاح من مصر عمقا انسانيا وفنيا من خلال جعل الفن نفسه هو المرجعية. وعدم الانكفاء وراء الاكاديميا الجامدة.
من التقاليد النوعية التي أرساها مهرجان المسرح العربي الدورة 12، ما عرف بالمساءلات النقدية، والتي كان يقوم بها خيرة الأساتذة العرب في مجال المسرح، والتي تمت لكل العروض الفكرية التي تحدثت عن التجارب المسرحية خصوصا للفرق الأردنية.
ولعل هناك علاقة بين المساءلة والتفكير النقدي والمسرح بشكل خاص، لذلك شكل البيان الأخير عن المؤتمر الفكري والمساءلات اتجاه جادا حتى ولو كان حادا بعض الشيء، كون المسرح نفسه هو أكبر مجال للتساؤلات.
ثمة ارتباط بين اتجاهات مضامين العروض، والحالة العروبية وما تعيشه الامة العربية من معاناة، حيث يجيء المهرجان ليعمق أواصر الاخوة من جهة، ويستعيد التنوير ويستأنفه من جهة أخرى. ولعل الحديث عن العروض يحتاج أن نفرد حديثا خاصا له.
كذلك، فقد أغنت الندوات التطبيقية مشاهدة العروض، خصوصل للمسرحيات المتنافسة على جائزة صاحب السمو د. سلطان القاسمي، راعي المهرجان، وراعي المسرح العربي اليوم.
لقد كان المهرجان الذي ضم الفنانين العرب والعربيات بمثابة أمل حقيقي في استنهاض الأمة عبر فن المسرح، لقد كنا من الدول العربية، لكن كان كل مشارك يشعر بعروبته وإنسانيته، عبر الجمال الفني والإنساني.
أزعم ان هذه الدورة جمعت الجانب البحثي عبر أسلوب ابداعي، كما قدمت عدة عروض مسرحية إبداعية شابة تثبت فعليا بان الموهبة والاحتراف موجودة وتحتاج فقط من يرعاها ويشجعها، والفضل لصاحب الفضل صاحب السمو دكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة وشيخ المفكرين والفنانين العرب، وللهيئة العربية للمسرح من خلال فرسانها الذين يمتلكون مصداقية وابداعا وجدية الارتقاء بالمسرح العربي.
تتويجا وتأسيسا..هكذا هو جوهر هذا المهرجان، بل وهويته، كونه يأتي كحصاد إبداعي على مدار العام، كذلك يأتي تاليا لعدد من مهرجانات المسرح القطرية، في عدة بلدان عربية. وهو في الوقت نفسه، من خلال هذا المنطلق الإبداعي يؤسس دوما، بعد كل دورة، لنهوض مسرحي، خاصة لدى الفئات الشابة التي تبحث عن مضامين وأشكال جديدة، حتى داخل الشكل المسرحي العالمي نفسه.
وبإمكان المثقفين والمسرحيين العرب متابعة هذا المنجز من خلال مواقع التواصل، أكلن عن الندوات أو العروض، لأن ما يقدم هنا يأتي بالشكل الملائم فكريا وبحثيا من خلال أساتذتنا البررة والبارات بحب المسرح العربي.
ولفرسان الهيئة العربية كل احترام، الفنانين إسماعيل عبد الله الأمين العام، ورفاقه الفنان غنام غنام، والمبدع الحسن النفالي والمخرج عبد الجبار خمران، وباقي أفراد الطاقم الذين قدموا كل ما باستطاعتهم تقديمه.

تحسين يقي – فلسطين

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح