أخبار عاجلة

مهرجان المسرح العربي بالأردن عروض مسرحية تؤثث للحب ، للتراث وللإنسانية -بــقـلـم : عــبـاسـيـة مــدونــي – الــجـزائــر

  ثلاث حكايا من سوريا …. كوميديا دي لارتي الموجعة

    العرض المسرحي من سوريا لفرقة المسرح القومي ، ثلاث حكايا وبالرغم من اشتغاله على ثلاثة مدارس متباينة الطرح والرؤى وذات اشتباكات معينة في مراحل متقدّمة ، مزجت بين الطبع الحكائي ، ومسرح ” برشت” والمسرح داخل المسرح أو كما يعرف بــ”ميتاتياترو” ، ومع ذلك وجدنا أنفسنا كمتلقين صامتين ، موجوعين ، مغمورين بالسؤال وبالصمت الموجع .

   كانت العرض وجعا ثلاثيا ، لثلاث شخصيات متباينة من حيث الطرح والزمان والمكان ، وحتى من حيث اللون والجنسية والتوجه ، لكن تجتمع على وجع واحد وجرح وحيد ، فالعمل المسرحي الذي كان أمامنا لــ” أيمن زيدان” و” محمود جعفوري” عن الأرجنتيني ” أزوالدو دراغون ” جاء إنسانيا محضا بكل أبعاده وتشكيلاته .

   ثلاث حكايا ، ببعد متباين وقصة مختلفة عن قرينتها ، كانت الأولى لبائع متجول يكدّ لكسب لقمة العيش ، إلا أن وجع ضرسه يقف عائقا أمام الخروج والعمل ، ليقف في منتصف الصراع بين وجعه وبين ضرورة الخروج والعمل ، ومع تفاقم الألم والآه ينتهي به المطاف إلى موت محتوم ، فبالرغم من بساطة الألم إلا أنه كان أكثر وجعا بالنسبة لطبقة من الفقراء تناضل لكسب لقمة عيش .

   ثاني حكاية جاءت متقاطعة مع سابقتها ، بطلها شاب يدرس الهندسة حالما بمستقبل غير الراهن المؤلم ، فعسر الحال وقهر الأيام ، تجبره على الاشتغال والعمل عند قريب زوجته الفاسد ، ليقتحم هو الآخر بدوره عالم الفساد ، لتغيّر المادة شخصيته وتركيبته ويغرق في قاع الفساد ، ليقبل في آخر المطاف على الانتحار كخلاص مما يعيشه ويعايشه .

  حكاية ثالثة تتلاقى مع سابقتيها ، لرجل بسيط وعاديّ يسعى للعيش الكريم ، بوظيفة حارس ليلي ، فيتقمص دور كلب الحراسة ، ليتنازل ويتنازل ن كرامته وكثير من المبادئ فقط ليعيل أهله ويسكت جوعهم ، ليتحول في النهاية إلى كلب حراسة حقيقي .

  تيمة المسرح الشعبي السوري ، وتوجه المسرح داخل المسرح جميعها كسرت الجدار الرابع ، فالحكايات الثلاث كانت لمتجولين ثلاث ، بملابس المهرجين حضروا المتلقي لاإراديا إلى أن يتماشى وحكاياهم ، مزج المخرج بين المدارس الثلاث من مسرح شعبي وبرشت والمسرح داخل المسرح كان أمرا سلسا ومباشرا ، بشكل مضبط وإيقاع واضح ، واعتماد تقنية التغريب في سرد الحكايا ، لتكون ” كوميديا دي لارتي” شاخصة وموجعة وساخرة إلى حد الألم ، كما استعان المخرج في عمله بالأغنيات بين مشهد وآخر ، مع حضور الحكواتي الشعبي السوري ، واللعب بالدمى والسرد .

   كانت السينوغرافيا بعرض ” ثلاث حكايا” هي الأخرى تحمل قصة أخرى ، فالانتقال من حكاية إلى أخرى أوجب وجود سينوغرافيا معينة ، مع اعتماد ديكور وظيفي يعايش الحالة ويمكّن الممثل من التفاعل مع السينوغرافيا ، بوجود عدّة عوالم تعكس طابع والحكايات الثلاث .

  ثلاث حكايا ذا زخم إنساني موجع وأليم ، حمل همه الممثلون بحيوية وطاقة ، فشخصيات المهرج أتت أكثر مرونة وأكثر إيقاعا لشدّ انتباه المتلقي وحمله على التفاعل مع الحكايات الثلاث بوجعها وزخمها وسخريتها    اللاذعة .

   أيام صفراء ….إضاءة صراعات الحروب

ثاني العروض المسرحية كان ” أيام صفراء” لمسرح الهناجر من مصر ، وأضاء العرض أبعاد الصراعات بخاصة منها الدموية التي تفرزها الحروب ، مع ضرورة إدانة القتل وهته الحروب التي من مخلفاتها صراعات قائمة لن  تنتهي ،  ” أيام صفراء” وبسينوغرافيتها البصرية حاولت أن تفكك تيمات العرض المسرحي ، ليكون الصراع ذا اشكال والوان حاملا دلالات معينة ومتباينة .

  ليكون ملعب الرياضة كإسقاط على كل صراع حاصل في ظل اللاإنسانية والمصالح الشخصية ، محاولين الغوص في مكنونات الذات الإنسانية وملامسة أبعادها الثقافية والاجتماعية والايديولوجية ، فالحرب تبقى حربا سواء على صعيد نفسي أو فكري أو حضاري وحتى التكالب على المصالح من بين أهم مسببات الانفجار الحاصل ، موسيقى العرض أتت حاملة دلالات الحزن والقهر ، مع أنها في أغلب لوحات العرض كانت تعلو وتحجب صوت الممثلين أحيانا ، مع استحداث رقصات تعبيرية كجماليات كان بالإمكان الاستغناء عنها في العرض ، وإن حددت تلكم اللوحات مسار الحرب واستعداد الرجال لخوضها تحت أي ظرف .

  وبين لوحات ومشاهد العرض ، لامسنا حوارا يكشف مدى الصراع والتناحر والمناداة باللاإنتماء ، وفي غالبيته كان حوارا ذات روتين واحد لم يصل إلى نقطة التأثير في المتلقي ،مع الأخذ بعين الاعتبار جهد الممثلين وتمكنهم من اللعب الدرامي ومدى التمكّن من شخوصهم والعمل على طرح قضاياهم ببعد مسرحي واعد وإنساني يرفض الصراعات الدموية والحروب .

  مـجـاريـح ….. استحضار للتراث وانتصار للحرية

  ثالث العروض كان عرض ” مجاريح ” من دولة الإمارات ، تأليف” إسماعيل عبد الله”  وإخراج ” عبد الله العامري” ، اتّشح العرض بالسواد في رقصة السجّان وبنغمات من التراث الإماراتي والشعر الذي تداوله الممثلون بالتناوب فوق الركح ، مع زخم من المؤثرات الصوتية وإيقاعات الناي .

  تناول العرض عدة أزمات إنسانية لعل أهمها العبودية وحرية المرأة المغتصبة ، وكيف لنا أو متى سنلامس الحرية بمفهومها المطلق ، مع تسليط الأضواء على سطوة وجبروت الرجل الخليجي وقبضته على المرأة واستغلالها وإذلالها ، مع محاولة ربط العلاقات بين شخوص العمل المسرحي بأسلوب حواري كشف عن توجهات شخصيات العرض بالعمل المسرحي .

 طرح ” العامري ” أو حاول أن يطرح عديد الاتجاهات الإخراجية التي غالبا نأت عن التوجه العام للعرض المسرحي ، وإن كانت المشاهد مترابطة إلى حد ما من اللوحة المشهدية الأولى كاستهلال التي اتسمت بطرح غامض في محاولة شدّ انتباه المتلقي وحمله على الترقب والانتظار ، معتمدا أسلوب الجوقة الذي يقتحم المشاهد واللوحات المسرحية بأزيائهم التراثية ، محاولا قدر الإمكان طرح تيمة العرض أو تيماته بما فيها العبودية وربطها تاريخيا وحداثيا ، من خلال الأزياء ذات الإيحاءات التاريخية والرمزية ، لتطوير فكرة النص وطرح الرؤية الإخراجية التي أرادها .

  وفي حقل تقمص الشخصيات وطرح أفكار النص وكيفية إدارة هذا الممثل لطرحها ، اللغة الشاعرية كانت حاضرة بدلالاتها التراثية ، معتمدين ههنا على فنية الإلقاء في المسرح ، واعتماد الأداء الحركي والإنفعالي ، أداء أنفعالي قد غيّب غالبا مع روتين العرض   المسرحي  إلا مع بعض الشخصيات التي أثبثت قدرة على الانسجام والتفاعل .

  الصورة السينوغرافية كتقنية كانت حاضرة بعرض ” مجاريح ” لكن بشكل مبالغ فيه في بعض لوحات العرض ومشاهده ، من أول لوحة حتى آخر مشهد ، حتى وإن كان دورها في تفعيل وتعزيز الخطاب المسرحي ، فالحبال الملقاة والمعلقة كانت دلالة التسلط والعبودية ، مع مشهدية بصرية للتراث ، مع الإضاءة التي كان رابطا ومحفزا بأسلوب وظيفي  وسيميائي ، مع حضور مكثف للموسيقى حسب طبيعة العرض التراثي والموسيقى الحيّة على الركح ، وغالبا ما أتت تلكم الموسيقى تحفيزا لشخوص العرض وحملها على الانفعال والتفاعل .

عن عباسية مدوني