مهرجان السودان الوطني للمسرح ديسمبر 2019 دورة الفاضل سعيد – محمد سيد احمد مصطفى

     انطلقت مساء السبت الموافق 21 ديسمبر 2019 بالمسرح القومي بأمدرمان فعاليات الدورة الثانية لمهرجان السودان الوطني للمسرح والذي يندرج تحت المبادرة الكريمة لسمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الاعلى حاكم الشارقة والرئيس الاعلى للهيئة العربية للمسرح الرامية لتنظيم مهرجانات مسرحية وطنية في عدد من الدول العربية.

افتتح الحفل بتشريف وزير الثقافة الاستاذ فيصل محمد صالح والامين العام للهيئة العربية للمسرح الاستاذ اسماعيل عبد الله. في البدء قام الوزير بصحبة الامين العام بافتتاح معرض الكتاب المسرحي المصاحب لفعاليات المهرجان. في الحفل الرسمي تحدث الوزير شاكرا سمو الشيخ والهيئة العربية على دعمهم ورعايتهم للمهرجان وقال احسست بالمهابة وانا أقف على هذا المسرح الذي وقفت عليه اجيال من المسرحيين والمسرحيات السودانيين قدموا خلاله أجمل الاعمال وعملوا في ظروف صعبة وفى احايين كثيرة كانت تقف ضد حركة المسرح كما عبر عن سعادته بتزامن افتتاح المهرجان مع ذكرى الاستقلال وذكرى ثورة ديسمبر المجيدة.

الاستاذ اسماعيل عبد الله نقل تحيات سمو الشيخ سلطان الذي يتابع مجريات المهرجان وكذا رجاء سموه ان يتكلل بالتوفيق وان يسهم في رد الروح للمسرح السوداني. واضاف لعل الاثر الذي تركته مسرحية المك نمر لخير دليل على تغلغل المسرح في المج السوداني وكيف لا والملايين كانت تحفظ ولازالت الابيات الشهيرة في تاريخ المسرح السوداني والتي تدعو لنبذ القبلية وتدعو للوحدة على لسان العبادي القائل:

جعلي دنقلاوي وشايقي ايه فأيداني

غير ورثت خلاف خلت اخوى عاداني

خلون البينا يسرى مع البعيد والداني

يكفي النيل ابونا والجنس سوداني

اشارة انطلاق المهرجان جاءت رمزية برفع العلم السوداني بواسطة الوزير الاستاذ فيصل محمد صالح والامين العام الاستاذ اسماعيل عبد الله.

في الجانب الفكري قدم الاستاذ محمد سيد احمد ورقة بعنوان قراءة في اصدارات الهيئة العربية للمسرح عن المسرح السوداني باستعراض 25 كتابا عن المسرح السوداني تنوعت بين الجانب التوثيقي لعدد 16 كتابا وعدد 5 نصوص مسرحية وكتاب عن المكان المسرحي واخر عن الديكور وكتاب شهادة علمية وكتاب ببيوغرافيا المرآة في المسرح السوداني وكتاب ببيوغرافيا شخصيات في المسرح السوداني.

هذه الاصدارات تعتبر أكبر عدد من الاصدارات وثق لمجال من مجالات الفنون في السودان وهو المسرح مقارنة بإصدارات التوثيق في فنون الموسيقى والفن التشكيلي والسينما في السودان. تميزت الاصدارات بتوثيق نوعي لموضوعات تخصيصه في المسرح السوداني مثل توثيق التأليف وتوثيق النقد وتوثيق دور المسرح الجامعي وتوثيق الفرق والجماعات المسرحية.

كذلك قدمت في الندوة الفكرية جلسة عن الراحل المسرحي الكبير الفاضل سعيد تحدث فيها رفيق دربه الفنان المسرحي عثمان حميدة الشهير بشخصية ود ابو دليبة. وعدد من المسرحيين عن الفاضل سعيد وبداياته في المدرسة الابتدائية مع الاستاذ الرائد خالد ابو الروس والذي شجعه وتنبأ له بمستقبل كبير في التمثيل ثم بعد انتقاله لمدرسة الاقباط الاعدادية ثم مدرسة فاروق تأثر بالمسرحي المصري امين هنيدي ابو لمعة وعمل معه لتمتد مسيرته الفنية 50 عاما عمل فيها مخرجا ومؤلفا وممثلا لما يزيد عن 15 عرضا مسرحيا طاف بها كل ارجاء السودان ليصل الى قرى ومدن لم ترى مسرحا. مجسدا ثلاث شخصيات نمطية أشهرها شخصية بت قضيم العجوز صاحبة الحكمة والفكاهة وشخصية العجب وهو الفتى الغرير الساذج الذكي صاحب الضمير والمحدث بالحقيقة الكاشف لعيوب المجتمع وسلبيات شخصياته والنمط الثالث شخصية شيخ كرتوب الرجل القروي في المدينة. نجح الفاضل بعصامية وجهد في تدوين اسمه في خارطة المسرح السوداني وظل وفيا لعشقه المسرح حتى سقط ميتا على خشبة مسرح بورتسودان.

اصدرت ايام المهرجان ثلاثة اعداد من مجلة المهرجان (بعنوان المنضرة) والمنضرة باللهجة السودانية تعنى المرآة وهي اسم لمسرحية سودانية ذائعة الصيت. عبرت المجلة عن نبض المهرجان بالحوارات والاستطلاعات والمواد النقدية.

اعقبت العروض المسرحية ندوات تطبيقية في اليوم التالي للعرض المسرحي تقدم فيها اوراق نقدية بمشاركة النقاد د عبد الحفيظ على الله. بوطالب محمد. محمود فكاك ميسون محمد احمد. هيثم مضوي. محى الدين الخليفة. محمد على مخاوى. ياسمين عثمان. ايهاب السر. عبد الله عبد الرحيم. سهير عبد الرحمن.

شهدت خشبة المسرح عشرة عروض في المنافسة هيبنات نعش، حكاية العم تيه، لحن النساء، جبال تورو، علامة فارقة. حق المشوار دبل، نداء النقارة، زنزانة 89, سيد الرصة، فى اى بى, ومسرحية تجنيد إجباري خارج المسابقة. نتائج المهرجان جاءت على النحو التالي أفضل ممثلة دور ثاني امنة امين أفضل ممثلة دور اول مناصفة هبد الرحمن محمد ونضال اسحاق أفضل نص جبال تورو لعمر عقال أفضل ممثل دور اول بوبكر فيصل أفضل اخراج عمر عقال وعبد الرحمن مهدى أفضل موسيقى مهند الماحي وأفضل عمل متكامل مسرحية جبال تورو.

 

مسرحية تجنيد إجباري.. او كيف يختبئ البستان في الوردة

 

مسرحية تجنيد إجباري قدمت في يوم الافتتاح خارج المسابقة من اخراج الاستاذ ياسر عبد اللطيف نتاج ورشة دراماتورجيا الممثل تمارين في الارتجال والكتابة المشهدي ومن اداء نصر الدين عبد الله، حمد النيل خليفة، رفعت السر، على يونس، جسور ابو القاسم، حسين عثمان، غازي عثمان، محمد فاروق، محمد جابر، بشير عبد الرحمن، وامنة امين. المسرحية من نوع المسرح التوثيقي التسجيلي لحدث معروف وهو اغتيال عدد 150 طالب في معسكر العيلفون لتجنيد الشباب بتاريخ 2 ابريل 1998 قبل ايام قليلة من عيد الأضحية المبارك.

قبل رفع الستار نستمع الى عزف موسيقى عذب من الة الساكسفون. قسم بناء العرض الى ستة مشاهد تبدأ بمشهد دخول ممثل يذكر اسمه الحقيقي رفعت السر عثمان ثم يسرد معلومات عن اسرته اطفاله الاولاد والبنات، ثم يظهر حسين ادم، محمد بشير محمد جابر. حسين عثمان، محمد فاروق، على يونس، حمد النيل يحكى كل واحد عن حياته الخاصة لنكتشف انهم جاءوا من كل مدن السودان المختلفة الخرطوم امدرمان بورتسودان، نيالا، الابيض، الحاج يوسف، سنار، يحكون حكايات بسيطة عن ذكريات صغيرة مثل مشاهدة المسلسلات في التلفزيون وحياة دون كهرباء وسقوط المطر في الابيض وسبل كسب العيش في سنار. مشهد افتتاحي تبدو فيه ملامح شخصيات العرض وشخصيات المعسكر.

المشهد الثاني داخل معسكر التدريب والشباب يرددون جلالات الجيش:

الليلة وى وى يابنية

زاندوية يا بنية

الليلة انا جيت يا بنية

شغل بدمو يابنية غلبني صمو يا بنية

شغل بى صوفوه يا بنية غلبنى اشوفو يا بنية

ثم مرة اخرى منولوجات كل واحد منهم يحكى كيف تم اعتقاله وسوقه لمعسكر التجنيد الإجباري. قصص بسيطة وصادقة وعفوية أحدهم يحكى عن ذهابه لشراء الصعود لخاله فيقع في الاعتقال واخر يحكى عن ذهابه مع صديقه لتناول فتة البوش. وثالث يحكى عن خروجه مع والدته بحثا عن الدواء.  ورابع يبحث عن اكمال الكيف بفنجان قهوة في السوق يقوده للاعتقال.

المشهد الثالث بأسلوب تقريري يدخل الممثل ومخرج العرض ياسر عبد اللطيف متقمصا دور المذيع ويبدا بقراءة خبر وتعليق عن مجزرة العلفون بصوته الدرامي الرعاش يقرا في الثاني من ابريل من العام 1998 حصد الرصاص ارواح عدد 150 من مجندي معسكر العليفون ويصرح الجدير بالذكر ان قائد المعسكر هو القيادي في المؤتمر الوطني كمال عبد اللطيف والذى تمت مكافاته بترقيته كأمين عام للمؤتمر الوطني بولاية الخرطوم ثم مندوبا للسودان بالجامعة العربية…والمعروف ان جرائم القتل لا تسقط بالتقادم ويحاكم عيها كما حدث في سيراليون ورواندا من قبل محكمة العدل الدولية.

في المشهد الرابع اختلطت السخرية بالحزن وقائد التدريب يستعرض خصوصية الافراد من خلال تفتيش اغراضهم الشخصية. يعاقب أحدهم على حمله نشا ((وهو مشروب شعبي)) اهدته اليه خالته بالطواف في ارجاء المعسكر وهو يردد خالتي الخرقاء سوت لي نشا. وعقوبة أكثر قسوة على شاب حمل معه فتيل جلسرين ان يتجرع الجلسرين. وسخرية من وجود كتاب للطيب صالح وكتاب لعلى الملك في بعض الحقائب ليعلن قائد المعسكر هنا لا نحتاج لكتب ونعرف كتاب واحد فقط هو القران الكريم.

في المشهد الخامس وفى استراحة من التدريب تنثال الحكايات والذكريات. أحدهم يحكى عن حلمه بالزواج من ممثلة سورية جميلة ظهرت في مسلسل. وحكاية عن حلم أحدهم بوالده وامامه جثث مقطعة واشلاء ودماء وكأنه يتنبأ بالكارثة القادمة للمعسكر…وحكاية عن حلم بدراسة السينما في الهند. وحكاية عشق اغنيات الفنان الراحل خوجلي عثمان. واحدهم يفاضل بين الاطعمة أحب الطحينة ومديدة الحلبة ومديدة الدخن وأكره ملاح ام تكشو وام رقيقة…وقصيدة شعر غزلية تتلى في السمر.

في المشهد السادس يدخل رجل الدين المؤدلج يخاطبهم ارى وجهكم النيرة وارى فيكم مشاريع شهداء والحور العين في انتظاركم.

في المشهد السابع يجلسون على الارض واما كل واحد منهم صحن كبير من الالمنيوم يقسمون فيه قطع الخبز لتجهيز وجبة البوش الفقيرة والمكونة من ماء الفول وبعض البهارات…ومع اقتراب ايام عيد الأضحية المبارك تتداعى ذكرياتهم عن العيد والطعام الدسم العامر بالشواء واللحوم في مفارقة مع واقع حالهم في اعداد وجبة البوش يتذكرون ايام العيد والشواء والشراب والتجمع مع الجيران. بصوت خافت وايقاع بطيء يرددون اغنية الفنان النور الجيلاني جانا العيد وانت بعيد ابيت ما تعود ما تبارك العيد يتصاعد ايقاع الغناء ويدخل عزف الساكسفون يصاحب الاداء بلحنه الشجي يدخلون في نوبة من الانسجام والتصفيق والرقصي. فجاءة يدخل صائحا الداعية المؤدلج غناء في المعسكر يصدر فورا اوامره الى قائد التدريب بأرسالهم الى مناطق الحرب والعمليات يرفض قائد المعسكر محتجا بانه يستلم الاوامر فقط من ادارة المعسكر.

في المشهد الثامن يعود الداعية المؤدلج مرتديا زيا عسكريا ويصدر الاوامر في اشارة ذكية لاندماج السلطة الدينية والسلطة العسكرية.

في المشهد التاسع يذكر أحدهم زملائه بأحد زملائهم سب الدين للمدرب وقدا سلك ((قدا سلك تعنى هروبه عبر السلك الشائك للمعسكر)).. يحملون شطنهم الحديدية ويبذؤن في الطرق بقوة على اسلاك المعسكر اشارة لاستعدادهم للهروب.

بقعة ضوئية قوية متزامنة مع مؤثر صوتي قوى يرقدون على خشبة المسرح جثث مغاطاه بالأكفان البيضاء.

المشهد العاشر والاخير الممثلة امنة امين معلقة على سور المعسكر وفى منولوج باكي ومؤثر تندب ابنها عوض من ضمن ضحايا المعسكر تنوح الليلة حي ووب الليلة حي وووب الرصاص مطر مطر مطر.

ومع ابتهالات العيد الله الله الله أكبر لا إله الا الله

الله أكبر كبيرة وسبحان الله بكرة واصيلا

تختم مشاهد المأساة

العرض لامس وترا سياسيا طازجا والجمهور مشحون بأحداث الثورة والجمهور شاهد على مجزرة اعتصام القيادة نجح المخرج في وضع مرآة امام مجزرة العيلفون عكست صورتها مجزرة القيادة لتخاطب جرحا لم يزل ينزف في ذاكرة جمهور تفاعل مع العرض بالهتاف والتصفيق.

لم تكن التقريرية والتوثيق في العرض خصما على جودته الفنية فانقضاء فترة زمنية طويلة من الحدث مكن من نضوجه فنيا لدى المؤلف والمخرج.

البناء الدرامي لنص العرض اختصر الحوار واستعاض عنه بمنولوجات للشخصيات في المشهد الافتتاحي وكل شخصية تقدم نفسها وفى مشهد رواية كل شخصية عن طريقة اقتياده للمعسكر وفى مشهد حديث الذكريات عن ايام العيد في كل هذه المنولوجات نجد طرفي معادلة الاتصال والانفصال ففي الحديث عن ذكريات العيد نجد الانفصال في اختلاف تفاصيل كل ذكرى عن الاخرى وفى الاتصال نجد خيط رابط بينها وهو الاشتياق والفرحة وبهجة الاعياد وفى الحديث عن وقائع الوقوع في قبضة العسكر للالتحاق بالمعسكرات نجد الانفصال في احداث وطريقة الاعتقال ونجد الاتصال في انسانية وبساطة ما يطلبه الشباب من فنجان قهوة او وجبة جماعية مشتركة او شراء دواء للحبوبة. المنولوجات وان بدأت ظاهريا كحالات فردية او خطاب مبتور ولكنها في سياق عام عبرت عن عقل مشترك ومشاعر متقاربة.

نسج المخرج عرضه عبر ثنائيات ضدية متعددة كبرى وصغرى مثل ثنائية الفرد وحريته وذاتيته في مقابل جماعية قمع السلطة وهي تسحق الفردية بالقمع والقهر لينام بالأوامر ويأكل بها ويصحو بها. ثنائية المطالب البسيطة في حق التمتع بإجازة العيد في مقابل سلطة المنع والحرمان…ثنائية ضدية ثقافية بين حق المواطن في اختيار الكتب التي يحبها مقابل سلطة تفرض كتابا واحدا هو القران الكريم. ثنائية ضدية بين محاولة سلمية للهروب مقابل سيل منهمر من الرصاص او غرق في النيل فالبحر من الامام والرصاص من الخلف.  

اجاد طاقم الاداء وبرز على نحو خاص الممثل المخضرم نصر الدين في دور رجل الدين الداعية والممثل حمد النيل في دور قائد التدريب والممثل رفعت السر في دور مجند والفنانة القديرة امنة امين في منولوج الختام.

اقتصد المخرج في استخدام عناصر العرض فالسينوغرافيا اختصرت في سرير للنوم يتحول الى خيمة تارة والى سور المعسكر تارة أخرى. وقطع إكسسوارات بسيطة من شنطة حديدية قديمة وعدد من صحون الالمونيوم، الملابس زي تدريب المجندين من الدمورية الرخيصة باهتة الالوان وزى عسكري للمجند والداعية. الموسيقى شكلت عنصرا ايجابيا في العرض بالة الساكسفون وعزفها الحي الشجي المصاحب.

من المشاهد التي اختصرت وكثفت كثيرا من الجمال في لحظات قليلة وتماهت مع عبارة شاعرنا الكبير محمد المكي ابراهيم عن اختباء البستان في الوردة.

مشهد دخول الداعية مرتديا الذي العسكري ليختصر مأساة استمرت 30 عاما من استبداد سلطة جمعت بين الديكتاتورية العسكرية والادلجة السياسية الاخوانية.

ومشهد طرق الشباب على سلك المعسكر تسقط بقعة ضوء وصوت مؤثر صوتي قوى ثم اكفان بيضاء. بأدوات بسيطة وفى ثوان قليلة أشعل المخرج ذاكرة المتفرج بشريط احداث طويلة فيها الهروب وإطلاق النار والصرخات والصعود الى المراكب ومحاولات السباحة والغرق في النيل وثكلات الامهات وبكاء الاباء واليتم في ليلة العيد.

ومشهد منولوج امنة امين وهي تنوح وتبكي لفقدان ابنها الليلة حي ووب الليلة حي ووب الرصاص مطر الرصاص مطر كتلوهم كتلوهم.

شكرا ياسر على هذه الوردة التي يفوح اريجها وعطرها وهي تتفتح عن خباء الحديقة.

مسرحية جبال تورو

تأليف واخراج عمر عقال واداء عمر عقال ونضال اسحاق وياسر محمد ادم

بهتافات وصراخ من قوات النظام الإسلامي وغناء من ثوار دارفور يقول:

مشينا فوق جبل

ياى ياى ياى

كان تجيبوا طيارات ما بهمنا

كان تجيبوا دبابات ما بهمنا

نحنا جيش تحرير

يضعنا المخرج في صراع المسرحية المركزي بين ثوار دارفور وقوات الحكومة المتأسلمة قبل رفع الستار. وبعد ارتفاعها نشاهد ديكور واقعى ضخم لعدد من الجبال وفوقها الاشجار وفى ساحتها احجار وشجيرات صغيرة والممثل عمر عقال في دور تورو ونضال اسحاق في دور زوجته تستى الحامل لتبدا حوارات فيها الإنساني وفيها السياسي الثوري.حوارات في جانبها الإنساني يعبر فيها تورو عن حبه لزوجته بطريقته الخاصة فبعد ما ينتفض محتجا على سؤال زوجته انت بتر يدنى أي هل تحبني يقدم مرافعة شاعرية يشرح فيها كيف يجسد حبه عمليا ويقول لا انام الا بعد ان تنامى وسط قسوة حجارة الجبل افرش لك ملابسي كي  تنامى لو طعنك شوكة أتألم اكثر منك. ويقارن لها بين كيفية الولادة في مستشفيات العاصمة حيث الرعاية الطبية والتمريض والاجهزة الحديثة وكيفية الولادة في الجبال والتي يحاكيها في مشهد كوميدي لولادة عن طريق الحبل يلف حول وسط المرأة وهي تأن وتصرخ، يحدثها عن حلمه في ان يصنع لها فرحا اوان الولادة واعدا بإحضار العطور والملابس الجديدة ونذره بذبح خروف يقنع زوجته بالذهاب الى القرية لتعود بعد قصف من الطائرات. وتبدأ بتقديم دفوعات منطقية في لحظة ضعفها الإنساني تطالبه بالعودة لحياته الطبيعية ليكتسب الحوار حرارته وصدقه فهو ايضا يقدم حججه عن الثورة والنضال والحق في حياة كريمة والوفاء للشهداء والبحث عن المستقبل. حوار المسرحية بالرغم من طوله واستمراره في مشهد سينوغراف لم يتغير كان عنصرا اساسيا في البناء الدرامي وفى النجاح بالإمساك بلحظات تواصل حميم مع الصالة والجمهور. مع نكهات الكوميديا النظيفة وهو يطلب منها تردد سورة يسين ألف مرة وتردد عبارة حسبنا الله ونعم الوكيل ثلاثون ألف مرة والله أكبر عشرون ألف مرة لمساعدتها في تجنب الالام الولادة.   وفى مشهد كوميدي اخر يأخذ قشة من الارض ويكسرها ردا على سؤال زوجته هل تحبني ويقول كسرت حبك كما اكسر هذه القشة.. وتسخر في حوارها من حرصه على اصلاح راديو عتيق يعمل بالشحن اليدوي. ليجيب هذا الراديو هام جدا اسمع به اصوات طيارين الانتونوف وهم يحددون اماكننا للقصف وحرق القرى استمع منه لبيانات الثورة استمع منه لأغنيات فناني المفضل.

وفى قرار مفاجئ تلقى بما تحمله على الارض وتعلن انها لن تغادر, وتبدا في الغناء  ليصيح بالسؤال  المستنكر تغنين, فتجيب صارخة اغنى لماذا لا اغنى وان اموت اذا انجبت واموت اذا ذهبت واموت في كل حالة, يحدث قصف ويتسلل ضابط من قوات الحكومة الى موقع تورو ليقع في اسر تورو, يقيده ويستجوبه وتنفعل الزوجة بعد معرفة مقتل والداها في الحرب ويحاول الانتقام من الضابط, يحاور تورو الضابط المعتقل بعبارات تبين موقفه السياسي واسباب حمله للسلاح ويستنكر التفرقة في المعاملة داخل الجيش الحكومي بين ابناء الهامش وهم ابناء هامش دارفور والضباط ابناء المركز في الوسط. وفى اشارة ذكية تعكس سعة افاق الاجيال الجديدة في ثورة دارفور فلم يكتفى بمطلب منصب في السلطة وجزء من مال الدولة بل طالب بان يجد صورته في تلفزيون المركز وصوته في اذاعة المركز وخبر عن مواطن دارفور في صحف المركز. جاءت بعض الحوارات بطريقة تقريرية مباشرة ولكنها صادقة وفقا لوقائع الحرب وماسي القتل والدمار.

تميز العرض بسينوغرافيا واقعية بسيطة وغفل المخرج عن امكانية استخدام المستويات الى اعلى فوق كتل الجبال، وان استخدم كهفا أسفل الجبل في اختباء زوجته اثناء القصف. مع اكسسوارات بسيطة من قطعة بندقية وبقجة الملابس التي تحملها الزوجة والراديو العتيق ومجموعة من الاحجبة احاطت وسط تورو وذراعيه وبملابس بسيطة ارتداها تورو فنلة بيضاء وبنطال جنود واكتفت الزوجة بثوب منزلي سوداني بسيط.

تميز اداء عمر عقال في دور تورو مستعرضا جسده الرشيق الطويل وموهبته في الرقص ونجحت نضال في دور تستى وهي تحافظ على جسد المرأة الحامل طوال فترة العرض في حركة المشي والجلوس والقيام وصعود الجبل لتحصل عن استحقاق مناصفة على جائزة أفضل ممثلة في المهرجان كما حصل عمر عقال على جائزة أفضل اخراج وأفضل نص نجح في الوصول للمشاهد بلهجة اهل دارفور وارتكز على عنصر الحوار.

ملاحظات عامة حول عروض المهرجان

1- احتشاد معظم عروض المهرجان بموضوعات سياسية راهنة مثل حدث ثورة سبتمبر فأقحمت شعارات الثورة وهتافاتها ومشاهدها في النصوص خصما على السياق الدرامي فبذات وكأنها معلقة من الخرج ومنفصلة عن نسيج النص. باستثناء عرض تجنيد إجباري الذي تناول موضوع سياسي مرت سنوات على حوثة في قالب مسرحي جيد الصنع جمع بين تفاصيل الحياة اليومية البسيطة وموضوعات ومقولات سياسية كبرى. كذلك عرض جبال تورو فبالرغم من مقولاته السياسية الصارخة الا انها مزجت بحكاية اسرة عن زوج وزوجة في حلمهم بأنجاب طفل في اجواء السلام.

2- في معظم العروض ظهر الضعف في جماليات عناصر العرض الفنية من اضاءة ومكياج وديكورات وان عزى البض ذلك لقصور التجهيزات الفنية المتواضعة لخشبة المسرح عقبة في وجه المخرجين والفنيين كذلك بعض العقبات الادارية في تسليم الديكور والمعينات الفنية قبل فترة كافية.

3- ظهور عدد كبير من المواهب المسرحية فمع تألق المخضرمة امنة امين برزت هبة الرحمن محمد ونضال القاضي.

4- تميزت الاوراق النقدية المقدمة عن العروض في الندوات بعمقها وطابعها العملي مما يبشر بجيل مبشر من النقاد الشباب رجالا ونساء.

5-عالجت عروض المهرجان مشكلة من أكبر مشكلات المسرح السوداني وهي الانتاج…لتتألق عشرة عروض مسرحية جيدة تستحق ان تقدم على كل مسارح الاقاليم في جولات فنية ينتظرها جمهور كبير عاشق للمسرح فشكرا لسمو الشيخ سلطان وللهيئة العربية في جعل هذا ممكنا.

 

محمد سيد احمد مصطفى: ناقد وباحث مسرحي


هوامش:

*مفردة صعود: بالعامية تعنى نوع من التبغ المخمر يضع تحت الشفاه.

*فتة البوش: وهي وجبة شعبية فقيرة مكونة من الرغيف وماء الفول مع البهارات والزيت.

*نشا: مشروب شعبي يصنع من دقيق الذرة والسكر.

*قدا سلك: مفردة يستخدمها الشباب تعنى اختراق السور والهروب.

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح