من الرقص المسعور حول الذّات المفقودة إلى التفكير العابر للحدود.. ومن النقد المزدوج إلى الانتفاء من وصاية أسطورة التفوق الثقافي د. عبد المجيـد أهـرى

من الرقص المسعور حول الذّات المفقودة إلى التفكير العابر للحدود.. ومن النقد المزدوج إلى الانتفاء من وصاية أسطورة التفوق الثقافي 

د. عبد المجيـد أهـرى

شكلت العلاقة بين المسرح من جهة ودراسات الفرجة من جهة أخرى، إحدى الروابط التي تستوعب المقاربات الجديدة التي يتعين تبنيها في قراءة مجموعة من العلاقات الفرجوية بين الشرق والغرب، ودراسة جوانب أخرى من الإشكال الثقافي لكل المسارح التي ترفع ستارها وتكسر جدارها من أجل التأثير والتأثر بمختلف الثقافات، كما تسمح باستيعاب لكل الخصوصيات الثقافية المتعددة، وتعطي شرعية ما إلى كل أشكالها الإبداعية بعيدا عن أية وصاية لأساطير التفوق الثقافي.

وإذا كانت هذه العلاقة تعد مشروعا نقديا مفتوحا على آفاق معرفية جديدة، تشكل عوالم الحداثة وآفاق ما بعد الحداثة إحدى مرتكزاتها ومنطلقاتها، فإنها تشتغل بشكل أو بآخر، وتبلور في الآن نفسه خطابا نظريا وإجرائيا متعدد المفاهيم من قبيل: النظرية الثقافية، والعلاقات الجديدة بين الأنا والآخر، وأشكال الهويات المتعددة، والثقافات المسيطْـِرة والمسيطَـَر عليها، وإشكاليات الحدود والعتبات، والتشابك الثقافي وما يفرضه من تناحر أو اندماج أو آليات التفاوض، ومأزق المركز وحركية الهامش، وخريطة الهجرة والانزياح والشتات وإعادة التموقع، وإجراءات الانفصال والقوانين الجديدة للوصل، وخريطة الفضاء الثالث، والرحلة نحو الشرق والجنوب، ومعاني الهجنة المسرحية، وتحديات المنعطف الفرجوي، وإشكالات مسرح المثاقفة وتناسج ثقافات الفرجوية، وكل أشكال الما بعد: من المنظور ما بعد الكولونيالي بشكل عام إلى جماليات ما بعد الدراما بشكل خاص، مرورا بحالات البين بين والتحول.

ومن بين المراكز الثقافية الرصينة التي تحاول أن تفك الضفائر التي تشكل النسيج التام لكل تلك الأنساق المعرفية، وتحلل الخطاب المصاحب لها، نجد المركز الدولي لدراسات الفرجة، ويشكل د. خالد أمين من بين أهم الأصوات النقدية والأكاديمية التي تدلو بدلوها في آبار النظرية الثقافية وتكشف زيف الحوار بين الحدود وتدعو إلى إقامته بين ثنايا العتبات.

وظل في مجمل مشروعه النقدي منذ قراءته لـ “ما بعد بريشت” من منشورات سندي بمكناس سنة 1996، إلى كتابه القيم “الفن المسرحي وأسطورة الأصل” من منشورات كلية الآداب تطوان سنة 2002، مرورا بدراسته القيمة “مساحات الصمت –غواية المابينية في متخيلنا المسرحي” من منشورات اتحاد كتاب المغرب سنة 2004، وصولا إلى العديد من الدراسات القيمة والمؤلفات الجماعية الرصينة والمقالات النقدية التي تفتح للباحث أفقا للتفكير ودروبا للبحث، ومن ضمنها مقالته القيمة “تناسج ثقافات الفرجة في محك التفكير العابر للحدود.. من يخاف التناسج؟” المنشورة في موقع الهيئة العربية للمسرح.

إن المتابع لكل التصورات التي أسس لها الدكتور خالد أمين في مختلف كتاباته بشكل معمق، سيحتاج معه إلى نواميس لضبط إشاراته وتنبيهاته، سيجد نفسه وهو يطلع على هاته المقالة الرصينة أمام زبدة المشروع النقدي لخالد أمين، ومعه يمكن أن تشعر بأن الرجل يقف على عتبة أخرى تستدعي الحسم في العديد من الإشكاليات السابقة، حتى يتسنى الولوج إلى عتبة درب جديد.

في هاته المقالة ينسج خالد أمين ضفيرة من نوع خاص، نحددها في عنوان خاص ” من الرقص المسعور حول الذّات المفقودة إلى التفكير العابر للحدود، ومن النقد المزدوج إلى الانتفاء من وصاية أسطورة التفوق الثقافي.” فيؤكد خالد أمين، ومن خلاله يطل علينا كل من الأكاديمي الأرجنتيني ولتر مينيولو صاحب “العصيان المعرفي والتفكير المستقل والحرية الديكولونيالية” والمفكر المغربي عبد الكبير الخطيبي في “نقده المزدوج”، وينتصر للتناسج الثقافي بوصفه مشروعا قابلا لاحتواء كل الثقافات، ولا يضع ذاك الغرب في كفة، وباقي الثقافات في كفة أخرى، بقدر ما يسعى إلى إقامة هذا التناسج (الديمقراطي) بين مختلف الثقافات.

ومن ثم، يحاول أن يضع نهاية لمسلسل أسطورة التفوق الغربي، بإنزال هالتها إلى حالات الما بين، حيث يصبح كما قال: “تاريخ المسرح الغربي ـ وبداياته الإغريقية المزعومة – مجرد سرد أوروبي محلي، تم تسويقه على أساس أنه كوني على حساب سرود أخرى وبدايات أخرى..” ويدعو إلى التمعن في “التفكير العابر للحدود”

ويؤكد بأن مسرحنا لا يمكن أن يتطور بمعزل عن الاحتكاك مع الآخر، ومواجهة النموذج المحلي الغربي من خلال إبداع تفكير عابر للحدود، وذلك إزاحة الحالة الاستعمارية عن المعرفة، والتوجه نحو بناء تواريخ محلية ممانعة تعيد الكرامة للملايين من الناس الذين سلبتهم إياها الفكرة الغربية للتاريخ الكوني.

ويدعو بصريح العبارة إلى أن تصور تناسج ثقافات الفرجة هو مقترن بالأساس بمسألتين منهجيتين وهما “النقد المزدوج” مثلما اتجه إلى ذلك المفكر المغربي عبد الكبير الخطيبي، و”التفكير العابر للحدود” وفق تصور الأكاديمي الأرجنتيني ولتر مينيولو، وهما معا أفقان لمحو المركزية الغربية دون السقوط في مطبات جوهرانية أخرى، سواء فيما أدعوه بالسقوط الفاشل في إنكار الثقافة الغربية التي “لن يشكل ـ كما اتجه إلى ذلك عبد الله العروي ـ في حد ذاته ثقافة، ولا الرقص المسعور حول الذّات المفقودة، فلن يجعلها تنبعث من رمادها. أو بفتح المجال لْمَ يسميه عالم الاجتماع المغربي عبد الكبير الخطيبي في <النقد المزدوج> بـ “الاختلاف المتوحش الذي يتسم بالانفصال الزائف، والذي يقذف بالآخر في خارج مطلق. والاختلاف الوحشي يؤدي بشكل حتمي إلى ضلال الهويات المجنونة: الثقافوية، التاريخوية، القوموية، التزمتية الوطنية، العرقية..

ومن ثم، ينبغي ـ يقول خالد أمين ـ على مسرحيينا ومنظرينا أن يخوضوا في استفزاز إبستيمولوجي يبرز موقعهم العابر للحدود بين ما هو غربي وما هو عربي وأمازيغي وغير ذلك مما يشكل فسيفساء الثقافة الواحدة المتعددة الروافد. وأن لا يعيد رجل المسرحي إنتاج صيغ الماضي القريـب ذاتها التي راوحت بشكل عام بـين “تأورب مطلق” يعيد إنتاج الأسئلة نفسها للغـرب الآخر دون مساءلتها بين “اغـتراب في الماضي” يفضي إلى رقص مسعور حول ذات مفقودة.

في مشرعه لدراسات الفرجة، نحن ـ يقول خالد أمين ـ في حاجة إلى إعادة الكتابة، وإلى تفكيك كل أشكال التمركز سواء كانت غربية أو شرقية أو محلية.  وهو بذلك يدعو بطريقة ما أو بأخرى إلى الوعي التام بغياب ثقافة نقية، وبكون الحديث عن هوية ثابتة هو ضرب من الوهم والخيال في عالم كل شيء فيه مسافر ولا يستقر على حال، ويمارس تأثيره وتأثره بين مختلف رياح العولمة.

وأن موقع الثقافة اليوم ـ كما اتجه إلى ذلك هومي بابا ـ لا يقع في لباب نقي من التراث، بل على حواف التماس بين الحضارات حيث تنطلق بينية وهجنة وهويات جديدة. وهو موقع جديد يعيد الاختلاف الثقافي للإفصاح عن محصلة المعرفة من منظور موقع الأقلية الدال الذي يقاوم إضفاء الطابع الكلياني دون أن يكون محليا أو خصوصيا، والذي يمكن منه إنتاج أشد أشكال الثقافة استنطاقا ومساءلة.  

وأختتم قراءتي السريعة والمتواضعة للمقال بإشكاليات من صميم الموضوع والنسيج ذاته: فهل توجد فعلا القطيعة بين الشرق والغرب كما يوهمنا البعض؟ وما نزال نتساءل ـ يقول عبد الكبير الخطيبي ـ ما الغرب المعني؟ ما الغرب الذي نعارضه بنا، فينا نحن؟ ومن نحن؟ هل لا تزال هناك فجوة بين الشرق والغرب فيما يخص الممارسة المسرحية؟ وألا يشكل فرض أشكال الثقافة والحضارة المسيطرة على الثقافات الأخرى مخاطرة في فقدان البلدان المستضعفة لثقافاتهم القديمة والغنية؟ وألا يمكن أن نعتقد وبتبصر ـ كما اعتقد أرطو كذلك من خلال منظر الشباب الفرنسي ـ وبأن نقول جنائزيا بأن أوروبا ضلت الطريق؟ وهل يمكن أن نستجيب إلى دعوة (أنطونان أرطو) في <خطابات ثورية> بالتخلي عن الحضارة الأوروبية التي يعتبرها مفلسة، ولم تعد تملك شيئا تقدمه لنا وللعالم ما خلا غبارا وهميا للثقافات؟ ومعه، هل يمكن أن نستجيب إلى دعوة أخرى لـ (فرانس فانون) في <المعذبون في الأرض> برفض الشكل الأوروبي والتوقف بالانشغال باللغة الأوروبية والابتعاد عنها إلى الأبد؟

أوليست هذه الصرخات وهما ـ كما قال عبد الكبير الخطيبي ـ ما دامت أوروبا تقيم في كياننا؟ هل توجد إمكانية الانفصال عن هذا الغرب؟ هل المقصود هو التخلي عن المسرح في صيغته الغربية بعد أن تجذر في متخيلنا الفرجوي وأصبح جزءا من تراثنا؟ وهل المسرح الغربي واحد ومنسجم ومتجانس؟ هل يحق لنا الآن، أن ننكر إسهامات المسرح الغربي في تطوير منجزنا المسرحي وخصوصياتنا الثقافية؟ هل هناك حدود فاصلة بين ما يشكل المسرح الغربي الخالص في مقابل التقاليد المسرحية الخاصة ببقية الشعوب والثقافات؟

ونتساءل ما موقع ثقافتنا اليوم؟ هل على حواف التماس بين الحضارات؟ أم على الهامش؟ أم المركز؟ ومن الذي يستطيع ـ الآن ـ أن يحدد هويتنا الثقافية المتعددة والمتنوعة الروافد التي تصدعت وتمزقت كما قال (عبد الكبير الخطيبي)؟ وهل يمكن للهوية الأصلية وخصوصياتنا الثقافية أن تحدد وحدها العالم؟ لماذا نشعر بالإقصاء والتهميش حينما نفكر بالآخر/ الغرب؟ من يهمش من؟ من يقضي على من؟ إلى أي حد يمكن اعتبار التناسج والمثاقفة فئتان تستبعد إحداهما الأخرى كما قال (روستم باروتشا)؟ وكيف يمكن لفكرة التناسج أن تولد انقلابا حول أساطير التفوق الثقافي للأبيض النرجسية؟

د.عبد المجيد أوهرى – المغرب

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح