أخبار عاجلة
الرئيسية / الهيئة العربية للمسرح / مقالات / ملف / المسرح الأردني.. مفترق طرق بين البقاء والفناء – #الأردن

ملف / المسرح الأردني.. مفترق طرق بين البقاء والفناء – #الأردن

 

يقف المسرح اليوم على مفترق طرق بين البقاء والفناء، خاصة بعد ابتلائه بدُخلاء يكتفون بتقليد الآخرين واجترار نصوص أبعد ما تكون عن قضايا مجتمعاتهم وبيئاتهم، وعدم اهتمام الجهات المعنية به، وتصدُّر أشباه النقاد في تناول المسرح وتحليل خطابه، مما جعل هذا الفن النبيل في مرمى سهام القطيعة والتواري.

ويتساءل المسرحي الغيور على هذا الفن عن كيفية خلق فضاءات تعيد الاعتبار للمبدع الحقيقي بعيداً عن ممارسات التسليع والتزييف التي طالت «أبا الفنون»، وصولاً إلى شكل جمالي يمنح للمسرح ألقه وحضوره.

ويبدو واضحاً أن بصر المسرح الأردني يقصُر عن رؤية القضايا الاجتماعية والإنسانية للمجتمع الذي يُفرز له جمهوره ومريديه، الأمر الذي ولّد قطيعة بين الفن وحواضنه، فغاب الدعم، وكفّت يد الكاتب، وسافر الممثل باحثاً عن فرصة للتعبير خارج حدود الوطن، وانشغل المخرج بفنون أخرى تمكّنه من توفير حياة كريمة له بعد أن تعطّلت خشبات المسرح إلّا في المهرجانات التي غدت تظاهرات احتفالية.

ولا جديد في القول إن المنهاج المسرحي يغيب في المدرسة والجامعة على حد سواء، وأن المسرح يحضر على استحياء في مديريات الأنشطة بوزارة التربية والتعليم، الأمر الذي انعكس على مخرجات التربية والمنظومة القيمية، وكذلك على العلاقة بين المسرح وجمهوره والتي لم تُبنَ على جذور راسخة أهمها الوعي بدور المسرح في الحياة وفي تشكيل الهوية الإنسانية.

ولأنّ المسرح هو الفن المقاوم الذي يقوم على التأمّل والتحليل من أجل إنتاج موقف إنساني وأخلاقي يؤثر في تكوين شخصية الفرد ووية المجتمع، فقد كان الأجدر بالدولة إعادة الاعتبار له في مواجهة المجموعات التي لا تتردد في نشر خطاب العنف والكراهية.

في هذا الملف، تقدم $ آراء عدد من المسرحيين الأردنيين في المشهد المسرحي عبر محاور تغطي مفاصل هذا المشهد، وتقف على أهم ما يواجه هذا الفن الأصيل وما يعانيه من إشكاليات في طريق البقاء كفن مؤسِّس للفضائل والقيم السامية.

النقد الأكاديمي يعاني غياب التخصص

عمّانشروق العصفور

هل يؤسس غياب النقد الأكاديمي القائم على التجربة، لمشهد مسرحي ضعيف وهامشي؟ ولماذا يوصف النقد السائد بأنه انطباعي؟ حول هذه المسألة قال الناقد والأكاديمي د.عمر النقرش إن الطرح الموضوعي لهذه الإشكالية النقدية «طرح شاق تعترضه الانزلاقات الفكرية، التي تحكم مسـاره وارتباطاته سواء بوعيٍ أو بغير وعي». وأضاف أن إلقاء الضوء على طبيعة الممارسة النقدية في المشهد المسرحي الأردني يقودنا إلى الكشف عن الوعي النقدي وتأرجحه بين الذاتية والموضوعية، تبعاً لتباين المستوى الفكري والثقافي عند النقاد. مشيراً في هذا السياق إلى أن التباين بين الممارسات النقدية يعود إلى التباين في مستوى الوعي المصاحب لكل عمل نقدي.

لذلك بقي النقد الأكاديمي «يصارع ويجاهد» –وفقاً لتعبير النقرشليفرض حضوره في الساحة المسرحية، في خضم التجارب المسرحية الزاخرة بالمتناقضات، وكثرة الألوان الى درجة الخلط أو التداخل.

ويضيف النقرش أن الحسم في مسألة اختيار المنهج المناسب لنقد أيّ أثر إبداعي، في ظل تنوع المناهج والأساليب المسرحية، يقتضي العودة إلى ما يشتمل عليه هذا الأثر من خطاب، وذلك لضبط أهم مرتكزاته، و«هذه العودة من شأنها أن تساعد الناقد على تحديد دعائم المنهج النقدي الملائم، الذي بإمكانه أن يفي بممارسة نقدية علمية، مستوحاة أصلاً من طبيعة العمل المسرحي المنقود».

ويقر النقرش أن النقد لم يبلغ حتى الآن اكتساب الصفة العلمية بالمعنى الصحيح والدقيق، فرغم وجود الاتجاهات النقدية الجديدة، إلا أنّ أيّ عمل مسرحي سيظل يحتفظ بجملة عناصر لا سبيل إلى استقرائها إلا باعتماد ذوق وحس جمالي عند الناقد، ولكن هذا لا ينبغي أن يحجب عنا أهمية النقد المنهجي.

بناء على ذلك، يرى النقرش أنه من الراجح والأجدر أن يستقر الرأي بالناقد على توظيف منهج نقدي مركب ومتكامل، لأن الاكتفاء بمنهج واحد لن يفضي بالناقد إلى الغاية المنشودة.

ويمثل المنهج التكاملي بحسب النقرش، أداة تستقي قوتها من ممارسة نقدية مركبة، تجمع بين المعطيات الفنية والتاريخية، والأبعاد النفسية والاجتماعية والدينية وغيرها، موضحاً أن الشرط الوحيد في بناء هذا المنهج النقدي، هو الارتكاز على رؤية شمولية واحدة، والأخذ بكل أداة منهجية صغرى تستجيب لهذه الرؤية.

ويرى النقرش أن هذا الخيار يسمح للناقد بممارسة وتوظيف قراءة نقدية عميقة، دون إغفال، أو إقصاء لأيّ مكون من مكونات العرض المسرحي. مع مراعاة أنّ نضج النقد مرهون بدوره بنضج المشروع المسرحي وتجديداته من الناحيتين الجمالية السياسية والاجتماعية بعيداً عن حدود القوالب التقليدية. وعليه فإن غياب النقد الأكاديمي المتخصص عن المشهد المسرحي يضعفه ويجعله فعلا هامشيا بالنسبة للملتقي والمتذوق.

ويشدد النقرش على أهمية معرفة الإشكال الذي نعاني منه وتشخيصه، بغية الوقوف عليه والخروج بالنقد المسرحي من دائرة الاجترار والتقليد إلى مراتب أرقى، لنصل إلى نقد بنّاء يسعى إلى معالجة التجربة المسرحية علاجاً يكشف عن أفكارها وقيمها.

ويوضح أن المشكلة تكمن في غياب التخصص وقلة المهتمين بالمجال النقدي مقارنة بالحركة الإبداعية المسرحية، ومن هذا المنطلق فَرض النقد الانطباعي (أو ما يسمّى «الصحفي») نفسه بالقوة على الخطاب المسرحي، وكان ذلك كفيلا بتكريس معالجات نقدية منحرفة عن مسارها، ودليل ذلك الاعتباطية في توظيف المصطلحات والمفاهيم النقدية، كاستعمال الحداثة مرادفا للحديث.

ويتابع النقرش بقوله إن النقد قد يأتي في صورة نقد صحفي يتوكأ على المواجهة الصريحة للنص والعرض من دون الاستعانة بمنهج معين، مما يدفعه أحيانا إلى رفع السطحي وإجهاض القيم.

ويوضح أن المجاملة بالمدح والثناء والاعتماد على الانطباع الشخصي يمكن أن تفرز لنا النقد المجامل، وهذه الظاهرة لا يمكن إغفالها أو التغافل عنها في الحركة الثقافية والفنية والمسرحية، خاصة أن النقد «الانطباعي الصحفي» اتخذ من الندوات التي تعقب الأعمال الفنية منبراً له، وهو الأمر الذي ساهم في تكريس المفاهيم الخاطئة والمضللة على المنصات ممن يقومون بدور النقاد حالياً، مستغلّين غياب الناقد أو الإعلامي المختص القادر على التعامل بشكل أكاديمي مع العملية الإبداعية.

ويستدرك النقرش بقوله إن هذا لا يعني إنكار أهمية التغطية الصحفية، أو إنكار دورها في دعم التجارب المسرحية العملية، لكن مثل هذه التغطية لا تغني عن مساهمة الناقد الأكاديمي الذي يبني آراءه بأسلوب علمي.

مسرح المهرجانات يستحوذ على اهتمام المسرحيين والداعمين

عمّانفاتن الكوري

تقيم تجربة المسرح الأردني، وأين موقعه على الساحة المسرحية العربية في ظل فقر الإنتاج وبُعد الممثلين عن خوض غمار التجربة المسرحية؟ وهل ما تزال إشكالية المسرح في الأردن تدور حول أزمة النص والبحث عن صيغة لمسرح أردني عربي أم تمّ تجاوزها؟ أسئلةطرحتها $ على أصحاب الشأن المسرحي:

السيد:أزمة النص الجيد

يقول المخرج والناقد المسرحي حاتم السيد إن التجربة المسرحية الأردنية من أنشط التجارب المسرحية العربية من حيث الإنتاج وكذلك الجودة في بعض الأحيان. ويضيف أن هذه التجربة تخطّت المحلية إلى الأفق العربي قبل أكثر من أربعين سنة، وأصبحت تحوز الجوائز من المهرجانات، وغدا لها مكانة كبيرة بعد أن كانت تجربة محلية متقوقعة في إطار ضيق.

وأكد السيد أن الممثل الأردني خاض غمار التجربة المسرحية وما زال على هذا المسار بكل إقدام دون اهتمام بالبعد المادي، وأن المسرح الجاد (القطاع الرسمي للمسرح) يتسم بالجدية ومناقشة الأمور السياسية والاجتماعية، كمسرح «سمعة» وربيع شهاب، وهشام ونبيل، وهو مسرح نظيف يصدَّر للخارج، حيث أن المسرحيات تباع خارج الأردن في أنحاء الوطن العربي وما زال الطلب عليها دون النظر للمسرح التجاري (القطاع الخاص).

ويوضح السيد أن أزمة النص كانت موجودة بشكل حاد، فمثلا كنا نحتاج أربعين نصا مسرحيا على خشبة المسرح الأردني سنويا مقارنة ببلدان أخرى يوظَّف فيها نص واحد لإقامة عروض تمتد من خمس سنوات إلى عشر سنوات.

ويضيف السيد بأنه كان هناك كتّاب مسرح على سوية عالية جدا، مثل توفيق عبد الحكيم ونعمان عاشور ومحمود ذياب وميخائيل رومان وألفريدو فرج ومحفوظ عبد الرحمن، لكن إنتاج كتّاب المسرح انحسر مع موجة ازدهار الإنتاج التلفزيوني في فترة السبعينات وما بعدها، وأصبح المسرح يعاني من أزمة النص الجيد.

ويبين السيد أنه حتى يكون هناك مسرح أردني، يجب أن يكون هناك كاتب ومؤلف نص أردني، عوضا عن الاعتماد على الإعداد والاقتباس للنصوص المسرحية والعالمية.

شمّا: نفتقد لمسرح وطني

يقول الكاتب والمخرج الأردني عبد اللطيف شما إن تقييم تجربة المسرح الأردني يستدعي الوقوف عند أهم المحطات التي مر بها هذا المسرح، بدءاً من انطلاقته الرسمية في أواسط ستينات القرن الماضي، حيث توالت مواسم أسرة المسرح الأردني حتى نهاية الستينات، وكان ذلك على مسرح مدرج سمير الرفاعي في الجامعة الأردنية المجهز بوسائل الصوت والإضاءة على خلاف الصالات التي كانت تُعرض عليها المسرحيات من قبل، مما أكسب عروض الأسرة القدرةَ على ترسيخ أصول متينة لحركة مسرحية أردنية. إضافة إلى أن مسرح الجامعة الذي بدأ مع انطلاقتها وفّر للمخرج المسرحي هاني صنوبر، العائد من دراسة الماجستير في المسرح من الولايات المتحدة الأميركية، فرصة الكشف عن مواهب عدد من الطلبة ممن احترفوا الحياة الفنية في ما بعد.

ويبين شما أن مرحلة السبعينات من القرن الماضي، اتسمت بتحول الممثلين المتمرسين على يدي هاني صنوبر إلى الإخراج، ودخول عدد من المخرجين الأكاديميين بروح جديدة حيث قدموا الأعمال المحلية والعربية إلى جانب المسرحيات العالمية، فظهرت مسرحيات حظيت بنصيب وافر من المتابعة والاستقبال الجيد، وهي مسرحيات يجمع بينها اهتمامها بالهم الإنساني وقضاياه والبحث عن مجتمع إنساني سليم.

ويضيف قائلاً إن عدة فرق مسرحية تكرست في تلك الفترة، فكانت عروضها المسرحية تساند عروض مسرح الجامعة وأسرة المسرح الأردني، ثم ظهر الاهتمام بمسرح الطفل الذي تبنته دائرة الثقافة والفنون، بخاصة بعد أن تأسس نادي أصدقاء الطفل.

ويرى شما أن الحركة المسرحية الأردنية شهدت في نهاية السبعينات «هبّةً وعرساً مسرحياً تواصلت لياليه في مواسم مسرحية تعيد للأذهان صورة انطلاقته أواسط الستينات من حيث الزخم والالتزام بالديمومة»، موضحاً أن العروض المسرحية تنوعت ما بين العالمية والعربية والمحلية، منتميةً في تركيباتها إلى معظم المدارس المسرحية، فضلاً عن أن المسرح انطلق في تلك الفترة إلى خارج حدود مسارح العاصمة.

ويشهد شما لحركة مسرح السبعينات رفدها للمسيرة بعدد من الكتّاب المسرحيين، مثل أمين شنار، وجمال أبو حمدان، ومحمد الظاهر، ومحمود الزيودي، وكمال كيلاني، وسعد الدين زيدان. ويضيف أن ما يميّز مسرح السبعينات ازدياد الاهتمام بالمسرح المحلي على مستوى المتابعات الصحفية والنقدية، وظهور عدد من الكتاب المهتمين بالمسرح ممن تابعوا العروض المسرحية وتراوحت كتاباتهم ما بين النقد الانطباعي والأدب الإنشائي والنقد المتفهم الواعي المكتسَب بالممارسة والمطالعة الذاتية لشؤون المسرح.

ويشير إلى أن فترة الثمانينات يمكن النظر إلى المسرح فيها من خلال تتبع أعمال المسرح الرسمي المتمثل بما قدمته دائرة الثقافة والفنون، وإنجازات رابطة الفنانين الأردنيين، وأعمال المسرح الجامعي، وأعمال الفرق المسرحية الخاصة,

فبحسبه، شهد المسرح الرسمي في الثمانينات حالة مد وجزر، وأحيانا بياتاً مسرحياً، فتكرست لدى دائرة الثقافة فكرة الاكتفاء بتقديم التسهيلات اللوجستية للمسرحيين واتخذت لنفسها دورا آخر غير الإنتاج المباشر، ثم شهدت فترة الثمانينات انتعاشا في الحركة المسرحية انعكس في استقطاب الجمهور حول ما قدمه الفنانون من مسرح وهم يأخذون على عاتقهم مهمة إنتاج مسرحياتهم من خلال مجموعات متفاهمة أو من خلال روابط ثقافية أو جمعيات خيرية.

ويوضح شما أن رابطة الفنانين منحت مظلتها لعدد من المسرحيات، فتكرس مفهوم المسرح الجماهيري الذي استقطب فئات كثيرة من الجماهير المتعطشة للمسرح في أرجاء المملكة، ولم يقتصر ارتياد المسرح على جمهور العاصمة، وبرز نجم ربيع شهاب كنجم شبّاك في أعمال كتبها له كل من عبد الإله رشيد، وعبداللطيف شما، ومصطفى صالح. كما شهدت الساحة المسرحية عودة الشاعر عبد الرحيم عمر في مسرحية «طريق الآلام» ومسرحية «وجه بملايين العيون»، وبرزت في تلك الفترة فرقة مسرح الفوانيس بجهود الثلاثي عامر ماضي ونادر عمران وخالد الطريفي، وقدمت أعمالاً مميزة، كما برز كتاب مميزون مثل جبريل الشيخ الذي قدم «تغريبة زريف الطول»، ود.ماهر أبو الحمص مؤلف «ثورة السنابل» و«مدينة لا تعرف الحدود».

ويتابع شما قائلاً إن فترة التسعينات وما تلاها شهدت نشاطاً ملحوظاً للمسرحيين الأردنيين على الصعيدين الجماهيري وما عُرف بمسرح المهرجانات، واستمر نجاح تجربة المسرح الجماهيري وخاصة مع تأسيس مسرح نبيل المشيني ثم ظهور نجومية حسن إبراهيم وموسى حجازين وغسان المشيني وحسين طبيشات ومحمود صايمة، وكسب المسرح كاتباً مسرحياً مميزاً هو محمد الشواقفة، فصارت المسرحيات تُعرض لفترات طويلة.

ومع اقتراب الألفية الثالثة، بدأ مسرح المهرجانات وفقاً لشما، يستحوذ على اهتمام المسرحيين والجهات الداعمة للمسرح، فازداد عدد المهرجانات المسرحية، وتقلّص الاهتمام بالمسرح الجماهيري، ومن تلك المهرجانات: مهرجان مسرح الشباب، ومهرجان مسرح الطفل، ومهرجان أيام عمان المسرحية لفرقة الفوانيس، ومهرجان بترا لنقابة الفنانينن ومهرجان ليالي المسرح الحر، ومهرجان طقوس؟ واتخذ المسرح الأردني لنفسه مكانة مميزة بين المهرجانات المسرحية العربية وأصبح منافساً حقيقياً يحصد الجوائز، واستعاد جمال أبو حمدان مكانته ككاتب مسرحي من خلال أعمال هذه المهرجانات، وتكرّس نادر عمران ككاتب مسرحي علاوة على إنجازه المميز على صعيد السينوغرافيا، وبرز غنام غنام ككاتب مسرحي مثابر.

وحول إشكالية أزمة النص المسرحي يقول شما: «لا أعتقد أن إشكالية المسرح الأردني تكمن في أزمة النص، بدليل أن المراحل التي مر بها المسرح الأردني أفرزت عدداً لا يستهان به من كتاب النصوص التي لاقت نجاحات واضحة، فكانت نصوصهم قادرة على استقطاب الجمهور، وما زال هؤلاء موجودين بيننا، وفي كل محاولة جادة لترسيخ المسرح يزداد عددهم، ولا ينضب عطاؤهم، بدليل أن مسرحية لموسى حجازين كتبها له أحمد الزعبي استمر عرضها شهوراً عديدة».

ويؤكد شما أن الأزمة تكمن في أننا منذ صعدنا خشبة مسرح المهرجانات أصبحنا ننظر للتقديم في الخارج ولم نعد نولي الاهتمام للداخل، والهاجس ها هنا هو «التفنن في تشكيل الفضاء المسرحي والشقلبات والإعتام والبهرجة في الإضاءة التي صارت تُصرف بالمجان لننال استحسان لجان التحكيم»، فاقتصر الحضور على فئة من الجمهور المحلي والضيوف من المسرحيين العرب. وجعلنا طغيان مسرح المهرجانات نهجر الجمهور الحقيقي للفعل المسرحي.

ويستدرك شما بقوله إن هذا لا يعني التقليل من أهمية الجهود المبذولة في إنجاز فعاليات تلك المهرجانات، لكن «من المستحيل وجود المسرح من غير ممثل، ومن المستحيل وجود المسرح من غير الجمهور، فهما شريكان في العملية الإبداعية، مرتبطان مع بعضهما بعضاً ارتباطاً وثيقاً».

ويختم شما حديثه قائلاً: «لقد تجاوزنا أزمة النص، لكن أزمتنا في ابتعادنا عن البحث في صيغة مسرحية أردنية عربية، والسبب الكامن وراء أزمتنا أننا نفتقد لمسرح وطني أو مؤسسة مسرحية أردنية تعزز مفهوم أنّ المسرحَ هو أحد أهمّ قلاعِ القوى الضاغطة نحو الإصلاحِ والتغيير، فهو ليس مجردَ لعبةٍ فنيةٍ لشَغلِ وقتِ الفراغِ أو إشباعِ الرغبات، وإنما هوكما أُريدَ له منذُ النشأةِ الأولى للمسرححاملٌ لمشعلِ الحريةِ والعدالةِ والكرامةِ وأحلامِ المهمشينَ والبسطاءِ، لا يتجاهلُ الأحداثَ على الأرض».

المسرح لا يمكن أن ينفصل عن محيطه الثقافي والاجتماعي

عمّانشروق العصفور

يرى البعض ان المسرح بشكل عام خرج من المنافسة لصالح الفنون المرئية الأخرى تلفزيون وسينما ويوتيوب وغيره؟ وان المسرح اصبح للنخبة فقط، وانه لا يمكن أن يجاري ما هو سائد بالمجتمع وان يقدم بشكل يومي قضايا الناس ويتفاعل معها؟ أسئلة طرحتها $ على عدد من المختصين:

النوباني: دور مؤثر في بناء المجتع

قال الفنان زهير النوباني إن لكل حقل فني جمهوره وسماته، لكن المسرح الذي يسمّى «أبو الفنون» له خصوصية تنطلق من جماهيريته الكبيره وقيمته الفنية العالية. حيث أن المتعة الذهنية والنفسية والتأثير والأثر الكبير الذي يتركه على المتلقي لا يجاريه فيه أي حقل فني آخر. ومثال ذلك واضح في الكثير من الدول التي يحتل فيها المسرح مكانة كبيرة.

وأوضح النوباني أن أسباب تراجع الإقبال على المسرح في الأردن، متعددة، داعياً إلى بحثها من قِبل متخصصين في مؤتمر عام يكرَّس لهذه الظاهرة مشيراً إلى دور المسرح وتأثيره الفعال في التغيير والتنوير داخل المجتمعات، حيث عرف العالم المتقدم الحضاري والديمقراطي هذا الدور مبكراً وأدرك قيمة المسرح في بناء الإنسان والمجتمعات والدول.

نشوان: تحوُّل أنماط التلقي

من جانبه، قال الكاتب والإعلامي حسين نشوان إن المسرح لا يمكن أن ينفصل عن المحيط الثقافي والاجتماعي والاقتصادي وتحولاته التقنية من ناحية، وارتباطه من ناحية أخرى بنمط إنتاج المعرفة الذي تحوّل في حقبة الحداثة وما بعد الحداثة والعولمة إلى معايير السوق والربحية.

وأضاف أن هذا النمط حول فكرة التلقي هو من تقاليد «الضيافة» التي كانت تتصل بالمسرح، حيث يسعى الجمهور ويأتي للمسرح وفق طقوس العرض وتقاليده، بغرض التنوير إلى طريقة «الغزو» الذي تداهم فيه (الميديا) ومنها الفضائيات وشبكة التواصل، الجمهورَ حيثما كان وفي أيّ زمان لشراء وقته.

ويرى نشوان أن الموضوع لا يتعلق بالمنافسة والنخبة، وإنما في تحوُّل أنماط التلقي التي ترتبط بالوقت الذي غدا قيمةً اقتصادية تتحرك بديناميات السوق.

عياد: المسرح الناجح ليس نخبوياً

قال الناقد المسرحي جمال عياد إن دور المسرح في الحياة الإنسانية لم يتضاءل في شكله «الطقسي» منذ ظهوره في المجتمعات الإنسانية الأولى، ومنذ ذلك الوقت بقي حاضراً ضمن جميع الفترات التاريخية وحتى الزمن الراهن.

وأضاف أن المسرح يعدّ محتوىً جمالياً، يمتلئ بالأشكال الفنية السائدة بانتظام هارموني، تعكس فكراً معيناً في كل عصر يمرّ فيه، ابتداءً من الطقسي، ومروراً بالتراجيدي المأساوي، وانتهاءً بالعبثية والحداثة وما بعد الحداثة وما بعد الدراما وإلى غير ذلك من الأسمماء المشابهة التي يتكيّف فيها المسرح مع واقع تشظيات المجتمعات الرأسمالية بفعل أزماته الرأسمالية المتلاحقة، على اعتبار أن الأشكال المسرحية الراهنة جُلّها منبثق من البنية الفوقية للمجتمعات الغربية التي تعبّر عن واقع البنية التحتية للمجتمعات الرأسمالية منذ الثورة الصناعية وإلى راهنها المعاش.

ولفت إلى أن وجود المسرح في كل مرحلة من التاريخ؛ يقترن بوجود الفنون البصرية؛ كالنحت والرسوم وحركات الجسد للرقص الفردي والجماعي، وكذلك الفنون السمعية؛ من مؤثرات صوتية وموسيقية وحوارات منطوقة وغير منطوقة. وبالتالي، فإن المسرح لا يخرج من المنافسة لصالح الفنون الأخرى؛ لأنه ملازم للمجتمعات الإنسانية، لأنه يحاكي وجودها، ولا يزول أو يختفي إلا بزوال هذه المجتمعات.

ويؤكد عياد أن المسرح يظهر بقوة ويشع في أيّ مجتمع دون سواه، في حال إشاعة الحريات العامة والعدل والقيم المدنية.

ويبدي عياد تحفظه على فكرة الترويج للمسرح على أنه نخبوي دائماً، موضحاً أن هذه المسألة متعلّقة بأسلوب النص الدرامي المؤَلَّف، والصياغة الإخراجية للمسرحية في آن، ومؤكداً أن قوة بناء المسرحية، لجهة قدرتها على جذب الجمهور، ترتبط بمعطيات البساطة والعفوية والعمق، وبمثل هذه المعطيات تأتي قوة ومتانة البناء، ومن جهة أخرى جمالية المعنى.

ويتوقف عياد عند تجارب وزارة الثقافة في المهرجانات المسرحية مثالاً، فجُلها نخبوي كما يرى، لأن فضاءاتها مُهندسة درامياً وفق الفضاء الغربي تقنيةً ومعنى دون تجسير مع الفضاء الإنساني المحلي أو انطلاق منه، لأنه من دون عدم مراعاة العرض المسرحي أمزجة وهواجس الناس في راهنهم المعاش، فإنهم سيغادرون قاعة العرض بعد فترة وجيزة لا محالة.

وفي المقابل، يطرح عياد تجربة المسرح اليومي الكوميدي في عمّان، والذي انطلق وازدهر في التسعينات من القرن الماضي ويصنف في خانة «غير النخبوي»، فقد لعب هذا المسرح دورا مهما في الحراك المسرحي المحلي، ابتداء من العروض التي بدأها زهير النوباني في نهاية الثمانينات، ومرورا ببداية التسعينات، في مسرح نبيل المشيني، والثنائي هشام يانس ونبيل صوالحة، وأمل الدباس ممثلة، والثنائي محمد الشواقفة مؤلفاً ومخرجاً وموسى حجازين ممثلاً، وحسن إبراهيم، والثنائي عبد اللطيف شما وربيع شهاب، وانتهاء بالفترة اللاحقة لما بعد التسعينيات، في نتاج د.مخلد الزيودي وحسين طبيشات ومحمود صايمة وحسن سبايلة، وغيرهم.

ويرى عياد أن قوة الجذب في هذا المسرح، تتمثل في أنه لعب دوراً لا يستهان به في الحراك الفني والترويج السياحي؛ إذ استقطب سياحاً عرباً وأجانب، ولعب دوراً توعوياً وترفيهياً بالنسبة للمواطن، وجلب البهجة والبسمة له، في الوقت الذي تعز فيه هذه البسمة في أحايين كثيرة بسبب الظروف الاقتصادية والسياسية في المنطقة الجغرافية المتوترة التي نعيش فيها.

ويشير إلى أن آخر عرض لهذا النوع من المسرح «اليومي» غير النخبوي، كان في عام 2011 للتجربة المشتركة للثلاثي؛ المخرج محمد الضمور، والمؤلف أحمد حسن الزعبي، والممثل موسى حجازين، في مسرحية «الآن فهمتكم»، والتي استقطبت جمهوراً عريضاً من جميع شرائح المجتمع، ببطاقات مدفوعة وليس مجاناً.

وبالتالي، يذهب عياد إلى أن أول مقتل للمسرح هو في «نخبويته الشكلانية»، التي تهرب من اشتراطات الواقع لجهة غياب الحريات العامة والعدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق، وهي الأدوات الحضارية التي يستخدمها المجتمع المدني من أجل لفت النظر إلى حقوقه التي تغيب عن رسائل المسرح النخبوي، فضلاً عن تخفف جمالياته من فنون الفضاء الثقافي والاجتماعي للمتلقي، وفي الوقت نفسه إثقال جمالياته من فنون المجتمعات الغربية.

ويرى عياد أن السبب في اختفاء المسرح اليومي (غير النخبوي) يعود لجملة عوامل تضافرت معاً؛ أهمها غيابه عن استراتيجيات الدولة، ولذلك تجد جهود وزارة الثقافة، التي يُفترض بها فتح طرق سالكة لجميع نشاطات المسرح في البلاد، «لا تطاول الفراغ الكبير المدوي لغياب المسرح»، وتبدو مهرجاناتها «نشاطات إدارية مكرورة»، فامتلاء مسارح صغيرة بأهل المهرجان فقط مؤشر على أن العرض معزول عن باقي شرائح المجتمع.

ويؤكد عياد أن الاشتغال على «مسرح غير نخبوي، يمكن أن تتواصل معه معظم فئات المجتمع»، لا ينجح مع بيروقراطية المؤسسات الحكوية وتعثراتها منذ التسعينات، مدللاً على ذلك بأن الجهود الحكومية لم تثمر حتى الآن عن إنشاء فرقة وطنية للمسرح، كما هو معمول به في كثير من بلدان العالم.

»أبو الفنون« لا يموت فهو متجدد في استمراريته وحضوره

عمانشروق العصفور

في سياق البحث عن علاقة المسرح بجمهوره والتحديات التي تواجهها، طرحت $ أسئلة على عدد من المعنيين بالشأن المسرحي: هل مات المسرح؟ أم إن العلاقة مع هذا الفن تحتاج لشروط أخرى أكثر نضجا في التعامل معه؟ وما علاقة ذلك بانشغال الكاتب المحلي بصياغة الموضوع أكثر من انشغاله بابتكار شكل فني مسرحي لموضوعه، مما يخلق علاقة غير مريحة بين الكاتب والمسرح؟

نافع: نصوص سطحية ومباشرة

يقول المخرج المسرحي حسين نافع إن المسرح لم يمت بعد، لكن من الممكن أن يموت إذا انتهى الصراع في الحياة، مضيفا أن الصراع قائم ما دام الإنسان موجودا.

ويتابع بقوله: «من الممكن أن يموت المسرح إذا توارت رغبة الإنسان في اللقاء الحي الجماعي، ورؤية ذاته/ ذواتنا في المرآة، وإذا كف العقل عن السؤال». ويزيد: «تاريخ المسرح هو تاريخ موت وحياة. فقد مات المسرح في فترات من التاريخ لكي يولد ويحيا من جديد. وتثل قدرة المسرح على الموت والميلاد من جديد سرَّ ديمومته ومعجزته».

أما عزوف الجمهور عن المسرح في بلدان العالم الثالث عموما، وتحديدا العالم العربي، باستثناءات محدودة، فهو بالنسبة لنافع «ليس مؤشرا على موت المسرح»، كما لا يمكن فصله عن أزمة الثقافة بمجملها. ويستعير نافع مقولة بابلو بيكاسو: «إن الناس يبتعدون أكثر فأكثر عن الفن التشكيلي، عن النحت وعن الشعر. ورغم المظاهر الخادعة فإن قلوب الناس تخفق لأشياء أخرى مخالفة تماما، وهي: الآلية، الاكتشافات العلمية، التقنية، الثراء، السلطة وحب السيطرة. لم نعد نستشعر الفن كحاجة حيوية وكضرورة فكرية وروحية».

ويقول نافع إن تطور المسرح قبل ظهور المخرج في منتصف القرن التاسع عشر وبعد ظهوره لعقود، كان يعتمد على تطور كتابة النص المسرحي، فالكاتب عبر التاريخ، هو الذي دفع المسرح ليتطور ويتجدد.

ويوضح أن الكاتب فيكتور هيجو هو أول مَن تمرد على المفهوم الكلاسيكي في المسرح والالتزام بالوحدات الثلاث في مسرحيته «هرناني». وأن الكاتب لويجي بيرندلو هو من ابتكر شكل «المسرح داخل المسرح». وأن الكاتب والمفكر «برتولت برخت» أضاف لفن المسرح على مستوى الكتابة والعرض المسرحي من خلال نظريته المعروفة بالملحمية، حيث كانت نصوصه نماذج تطبيقية لنظرياته.

ويقرّ نافع أن المؤلفين المسرحيين العرب الذي أقنعوه بأسلوبهم وتقنيتهم في الكتابة قليلون. ويرد على من يقول إن النص الدرامي يمثَّل على الخشبة ولا يُقرأ، بقوله إن النص الحقيقي نستمتع بقراءته أولا قبل أن تُطرح علينا ضرورة نقله إلى مكانه الطبيعي الذي هو خشبة المسرح.

ويضيف أن النص المسرحي هو إنتاج أدبي قائم بذاته، مستقل، ويفرض نفسه علينا قبل إخراجه وتجسيده على خشبة المسرح. فالنصوص المسرحية الجميلة تظل قائمة، ولا يعمل المخرجون إلا على خدمتها وتأوليها وتفسيرها وتقديمها برؤى جديدة في كل زمان ومكان. ويتابع بقوله: «فمن منا لم يستمتع أولا بقراءة نصوص، بل بإعادة قراءتها، لشكسبير، ولوركا، وتشيخوف، وبرخت، ويوجين أونيل، وأوسكار وايلد؟».

ولا يتردد نافع في القول إن أغلب النصوص المحلية، كمثيلاتها العربية، «إما نصوص سطحية ومباشرة، أو تفتقر إلى اللغة الفنية الجميلة وعنصر التشويق والبناء الدرامي المتماسك والحبكة المسرحية المتطورة، أو تفتقد البعد الفني الجمالي وتخلو من العمق الفكري والفلسفي الإنساني». ويرى أن الواقعية الفجّة والخطاب المباشر التقريري هما العنصران اللذان يهيمنان على أغلب النصوص المسرحية العربية، وإن هذ النصوص «غير ممتعة وغير مقنعة» لأنها تركز على المضمون وعلى الخطابات والرسائل وتغيّب الشكل الفني ولا تبالي بالبعد الشعري أو الموسيقي أو الجمالي. فضلا عن أنها تستحضر الصراع الطبقي والإيديولوجيا والسياسة والشعارات على حساب الشكل والمتعة الفنية، لهذا «لا يمكن لها أن تسمو بمشاعرنا وبذوقنا الفني».

ويخنم نافع بالقول إن غياب النص المسرحي الحقيقي والجيد «هو السبب الأول والأساس في محنة المسرح العربي عامة، والمحلي خاصة».

العدوان: يبقى المسرح حيا

يقول الكاتب المسرحي مفلح العدوان إن السمة المميزة للمسرح أنه «أبو الفنون»، وهو متجدد في استمراريته وحضوره، وهو بالضرورة يتطور بحسب الحالة المحيطة به، وبحسب وعي المشتغلين به، وبحسب حمله الرسالة التي يعليها ويسير بها منذ كان العرض الأول، ومنذ كانت الكتابة الأولى للنص في حاضنته البكر.

ويضيف العدوان: «يبقى المسرح حيا، ربما تمر به مراحل انكفاء، وقد يكون هناك طموح للأفضل يجعلنا نحمل مكنونات عدم الرضا لأننا نريد الأفضل والأكمل لهذا الفن الراقي والجماهيري، النخبوي والشعبي، العريق والحداثي، فكل هذه الصفات تجتمع في هذا الفن».

ويوضح العدوان أن الكاتب المحلي قدم الكثير للنص المسرحي، وطوّر ذاته وأدواته، وعرف وخبر التجارب العربية والعالمية، وتأثر وأثّر بها، وتمت مسرحة نصوصه، وعُرضت في مهرجانات ونافست في مسابقات، وعُقدت حولها ندوات وكُتبت دراسات، وصار له جمهور ومريدون، وكل هذا ما كان ليكون لولا المغامرة والتجريب والتطوير والتحديث الذي ينشغل به الكاتب.

ويشير العدوان إلى ميزة يراها موجودة في الكاتب المحلي، وهي أنه في أحيان كثيرة يبحث في موضوع خصوصيته، وما يحيط به، لكنه لا يستطيع تقديم تلك الموضوعات إن لم يقدمها بصيغ وقوالب حداثية ملهمة وأحيانا صادمة في شكلها الفني، وهنا «تكون الحوارات حول: أولوية الفن والتجديد والتحديث، أم أولوية الموضوع والموقف والمجتمع.. وإلى أيهما ينحاز الكاتب».

ويقول إن هناك تجارب مهمة في الأردن لكتّاب قدموا النص المسرحي بأبهى صوره فنيا وحداثيا، وكانوا مغامرين في اجتراح هذا الدرب، ونجحوا، ولمع نجمهم خارج حدود المحلية. ولكنه مع ذلك يؤكد أنه من الصعب التعميم في تقييم النص المسرحي وكتابه، فكل تجربة ونص وكاتب، لها اشتراطاتها، ومحدداتها، وفضاءاتها لتي تختلف من كاتب إلى آخر.

ويرى العدوان أن الكاتب الذي يكتب المسرح، هو الذي يبني هذه العلاقات مع الأبعاد الفنية، وأشكالها المغايرة في كتابة النص، فكل نص هو عالم مسرحي جديد، وكل كاتب هو مبدع وخالق مختلف في كل نص جديد يكتبه، والعلاقة بين الكاتب والنص متجددة في كل تجربة كتابية يخوضها.

ويتابع بقوله إن الكاتب في إطار «أبو الفنون»، له شركاء في مرحلة ما بعد كتابة النص، هم هؤلاء الذين يبثون في ما خطّه من كلمات وأفكار، روحهم وحركتهم وتقمصاتهم لشخصياته، فهناك شركاء عند العرض المسرحي، أيْ في نص العرض، حيث ما كتبه الكاتب نصا مسرحيا يأخذ في التشكل روحا نابضة فاعلة تكون من خلالها شراكة مع الجمهور، لتكتمل الدائرة بين الكاتب والنص وبين بقية عناصر المسرح أو العرض. وعند هذه المرحلة يمكن الحكم على النص وعلى الكاتب وعلى العلاقة بين الكاتب والمسرح بكل تجلياته.

إدارة الحالة المسرحية تركز على الكم وتغفل النوع

عمانأمل نصير

تقييم تجربة الفرق المسرحية المحلية، ودورها في تطوير المسرح المحلي، وأسباب فشل المسرح في الوصول إلى القاعدة الجماهيرية العريضة؟ اسئلة يطرحها هذا المحور على المختصين بالشأن المسرحي:

مصطفى: المسرح ضرورة اجتماعية

يقول المخرج زيد مصطفى إن على أي مجموعة مسرحية متآلفة (فكريا وفنيا) تنوي تأسيس فرقة مسرحية في الأردن، أن تتعامل مع ذاتها بوصفها مؤسسة تنموية، أي أن تؤمن بأن الفعل المسرحي وتنشيط حراكه جزء من المنظومة التنموية في المجتمع، وبالتالي لا بد من قياس جدوى وأثر البرامج والخطط والورش والعروض والمهرجانات التي تقيمها على المجتمع، ليصبح المسرح ضرورة اجتماعية.

ويرى مصطفى أن تجربة الفرق المسرحية في الأردن عموما بدأت تأخذ مكانها الريادي في جعل المسرح وسيلة اتصال جماهيري حقيقي. ويؤكد أنه ليس هناك فشل في وصول المسرح للجمهور، مضيفاً: «لا شك أن هناك فترة ساد فيها الركود والفتور في علاقة المسرح بالناس، وهذا متعلق بعدد من المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية مثل تفشي قيم الاستهلاك في المجتمع، مما سطّح علاقة الجمهور بكل شيء ومن ضمن ذلك المسرح والفنون».

إلاّ أن مصطفى يعرب عن تفاؤله بجهود بعض الفرق الطليعية «والتي تحمل مشروعا مسرحيا تنمويا شاملا يضع أسئلته، ويغوص في مجتمعه باحثا عن إجابات تجسّر هذه العلاقة وتمتّن روابطها».

حرب: فكرة المسرح الجوال

من جهته، يؤكد المخرج حكيم حرب أن الفرق المسرحية المحلية قطعت شوطاً طويلاً في علاقتها بالمسرح، وحققت حضوراً متميزاً في المهرجانات المحلية، وحصدت جوائز عربية مهمة. ويستشهد بفرقة مسرح الرحالة التي قام بتأسيسها عام ١٩٩١ مع مجموعة من المسرحيين، إذ ما زالت تعمل حتى اليوم وقدمت منذ تأسيسها ما يزيد عن عشرين عملا مسرحيا شارك معظمها في مهرجانات محلية وعربية ودولية.

ويؤكد أن الفرقة تحظى بتقدير الجمهور الذي يقبل على متابعة عروضها بشغف, فالجمهور الأردني يحترم ويقدّر التجربة المسرحية الأردنية ويقبل عليها بشغف.

لكن المشكلة بحسب حرب، تكمن في إدارة الحالة المسرحية داخل الأردن، وهذه ليست مسؤولية الفنان أو المسرحي، فالمسرحي واجبه أن يقدم مسرحاً جميلاً ومبدعاً يتفاعل معه الجمهور، لكن إدارة الحالة المسرحية وتنظيمها والترويج لها إعلامياً وجماهيرياً وتسويقياً هي مهمة المؤسسات المعنية في هذا الأمر. إذ يرى حرب أن هنالك إصرارا من قبل هذه المؤسسات على حصر المسرح بالمهرجانات والنخبة والعاصمة، وهذا أمر جيد، لكنه لا يصنع جمهور وسيبقى المسرحيون وحدهم يتابعون عروض بعضهم بعضا.

ويؤكد حرب أن فرقة مسرح الرحالة انتبهت لهذا الأمر مبكراً، ولهذا لم تقتصر عروضها على المهرجانات، فذهبت إلى الجمهور ولم تنتظر حضوره اليها، فقدمت مسرحها في الشارع والمقهى وداخل السجون وحققت فكرة المسرح الجوال.

قبيلات: الحصول على التمويل

المخرج د. عبد السلام قبيلات يرى ان الفرق المسرحية في الاردن على اغلبها تمارس نشاطاً معيشياً وليس نشاطاً فنياً، وذلك لان الهم الأساسي في هذا النشاط هو الحصول على تمويل او النجاح في بيع العروض للمؤسسات المختلفة، وبالتالي فان اعجاب الجمهور ليس هدفاً لهذه الفرق، وهذا يترك اثره السلبي على المستوى الفني والفكري للعروض المقدمة.

إذن، لايمكننا ان نعول على هذه الفرق في مجال تطوير المسرح الاردني او تشكيل حركة مسرحية أردنية.

من جهة اخرى فان النشاط المسرحي عموماً اصبح مقتصراً على المهرجانات، التي يتشكل جمهورها من الفنانين أنفسهم، وبالتالي فالمهرجانات ايضاً تركت الجمهور بلا اهتمام.

لقد تخلص القائمون على النشاط المسرحي من الجمهور، لإعفاء أنفسهم من العمل على عروض مسرحية نوعية.

وبالطبع لا تخدم هذه المهرجانات ايضاً فكرة النهوض بالمسرح الاردني.

وبشكل عام فلا يمكننا بناء على كل ما سبق الإقرار بوجود حركة مسرحية أردنية. كل ما في الامر اننا في الاردن نقيم نشاطات وفعاليات مسرحية.

وبالطبع الإشكالية الاساس تكمن في غياب استراتيجية عند الدولة تجاه الفن والثقافة عموماً، وبالتالي عدم الاهتمام بالمعايير الفنية لتقييم الاعمال المنتجة، بالاكتفاء بعروض تحدث كماً وليس نوعاً، من حيث المستويين الفني والفكري.

المسرح المدرسي فضاء للتعبير ومنبر للتنوير

عمانفرح العلان

ما دور الجهات الرسمية المعنية في التعاطي مع المسرح؟ وهل قلّصت الحكومة دعمها للمسرح كونه يمنح فسحة للتعبير عن الرأي ويخلق حالة ثقافية متنورة وناقدة؟ وما دور الدولة في تقديم الدعم للمسرح المدرسي والجامعي ونشر الثقافة المسرحية لدى الاجيال الشابة؟ اسئلة طرحتها «الرأي» على المشاركين في هذا الملف:

الضمور: نشر المسرح في المحافظات

يقول الفنان والمخرج المسرحي محمد الضمور إن قيام الحكومة بتقليص موازنات مؤسساتها لا علاقة له بتقليص دعمها للمسرح، بل إنهاعلى العكستقوم بوضع موازنة لوزارة الثقافة التي من مهامها فتح المنابر من خلال المسارح والكتب والنشاطات الفنية وغيرها من الوسائل الثقافية لفتح المجال للتنوير.

ويوضح بخصوص تقديم الدولة الدعم للمسرح المدرسي، أن هذا المسرح موجود، وأن هناك نشاطات عديدة تقام على المسارح المدرسية، مؤكداً أن الأردن من أوائل الدول التي اهتمت بالمسرح المدرسي وأقامت مهرجانات وما زالت تقيمها، ولكن المأمول أن ينتشر هذا المسرح أكثر ليصل إلى المحافظات ولا يظل مقتصراً على العاصمة».

ويلفت الضمور إلى وجود قرار قديم بأن تكون مادة الدراما أساسية تدرَّس في المدارس، معبّراً عن أسفه لعدم المباشرة بتنفيذ هذا القرار، ومبيناً أن الحكومة لديها مشاكل عديدة متعلقة بشحّ الموازنات وعدم إعطاء الأولوية للثقافة مما إدى إلى التأثير بشكل غير مباشر على المسرح.

الشرع: تفعيل النشاط المسرحي

يؤكد رئيس قسم المسرح والموسيقى في وزارة التربية والتعليم د.محمد الشرع أن الوزارة مستمرة في دعم المسرح المدرسي ولم تقلص من دعمها له إيماناً منها بأهمية المسرح المدرسي كفضاء للتعبير ومنبراً للتنوير.

ويوضح أن ذلك يشمل تنظيم مسابقات في مجالي المسرح المدرسي ومسرح المناهج في مديريات التربية والتعليم وبشكل سنوي، كما تنظّم مهرجانات سنوية تتويجا للفائزين بالمسابقات المسرحية بمشاركة الطلبة وبإشراف المعلمين وبالشراكة مع نقابة الفنانين الأردنيين ووزارة الثقافة.

ويضيف الشرع بقوله إن الوزارة عينت عشرات المعلمين المختصين بالمسرح في مدارسها لتفعيل النشاط المسرحي، ونفذت العديد من الدورات والورش في مجال المسرح المدرسي على المستويين المحلي والعربي بالتعاون مع الهيئة العربية للمسرح، موجهة للمعلمين من غير المختصين في المسرح، وجهزت العديد من المسارح المدرسية وتزويدها بأنظمة ضوئية وصوتية في ضوء الإمكانات المتاحة، إلى جانب استقبالها عروضا مسرحية بالتعاون مع القطاع الخاص لعرضها أمام طلبة المدارس بعد تحكيمها من اللجان المختصة بالوزارة.

القصص: تراجع ميزانية وزارة الثقافة

توضح المخرجة مجد القصص أن ميزانية وزارة الثقافة تقلصت منذ ٨ سنوات، وأن هذا انعكس على المنتج الثقافي وجودته باستثناء إنتاج مهرجانات الوزارة الثلاث المكرسة للأطفال والشباب والمحترفين.

وتشير إلى أن وزارة الثقافة تقدم دعما بسيطا لعرضين على الأغلب من الفرق المرخصة من خلالها.

وتضيف القصص: «حتى الأعمال المنتَجة من الوزارة بعد أن كانت عشرة أعمال تتنافس أصبحت أربعة أو خمسة أعمال سنويا لكل مهرجان، وهذا لن ينتج إلا ثقافة موسمية وليست فعلا دائمَ التأثير».

وتلفت القصص إلى ضرورة اعتماد وزارة التربية والتعليم مادة الدراما مادةً أساسية في مناهجها لتنمية الخيال لدى الطالب، مؤكدة على دور الوزارة في استخدام الدراما لمسرحة المناهج بالإضافة إلى تشجيع المسرح المدرسي.

وتدعو الجامعات وخاصة التي ليس لديها تخصص مسرح أو سينما وتلفزيون، إلى تشجيع الطلبة على حضور أكبر عدد من المسرحيات داخل الجامعة مما قد يبعدهم عن العنف وينمّي ذوقهم الفني.

غياب معايير الجودة أدى إلى ضعف المنتوج المسرحي المحلي

عمّانأمل نصير

تبرز أهمية المهرجانات في أنها تعمل على صناعة حالة مسرحية جديرة بالتعميم. في الوقت الذي يقول فيه مسرحيون أن الحكومة حولت المهرجانات المسرحية إلى استعراضات إعلامية تهدف إلى تحسين سمعتها، وأن المهرجانات المسرحية فتحت الباب أمام الكثير من أدعياء المسرح للدخول إليه، على حساب الفنان الحقيقي المبدع تساؤلات يجيب عليها المشاركون في هذا الملف:

الأسعد: المهرجانات تظاهرات احتفالية

يقول نقيب الفنانين الأسبق ساري الأسعد إن المهرجانات المسرحية الأردنية لا تفرز أعمالاً ذات علاقة بالناس وواقعهم، بل تذهب نحو الاحتفالية أكثر من تقديمها فعلاً مسرحاً حقيقياً يشتبك مع القضايا الراهنة والحساسة في الأردن.

ويرى الأسعد أنه من الضروري إيجاد مشهد مسرحي فعّال طوال العام يذهب نحو الجمهور، حيث أن العروض التي تقدَّم في المهرجانات تبتعد عن الواقع ولا تعكس حياة الناس وآلامهم وتطلعاتهم.

وحول أن الحكومة حولت المهرجانات المسرحية إلى استعراضات إعلامية، يؤكد الأسعد أن هذه الظاهرة أصبحت واقعاً، وأن المهرجانات لا تضيف جديداً، بل إنها بالعكس «ساهمت في تراجع الحركة المسرحية»، الأمر الذي أدى إلى زيادة العبء على المسرحيين الذين هم بحاجة إلى مسرح يومي يحكي هموم المواطن وقضاياه.

ورداً على سؤال حول المهرجانات المسرحية؛ هل فتحت الباب أمام أدعياء المسرح للدخول إليه على حساب الفنان الحقيقي، يقول الأسعد: «نعم، هذه حقيقة. كثر المدّعون، وأصبحوا يجلسون في الصف الأمامي، وتراجع المبدعون للخلف. عدد كبير من زملائنا هجروا المسرح وسافروا إلى دول أخرى ليمارسوا مهنة التدريس».

ويتابع الأسعد بقوله: «نحن بحاجة إلى الزمن الجميل لكي نفهم ماذا يريد كل عمل مسرحي ومدى يتناوله للقضايا التي تهم المواطن. العروض المسرحية المنتشرة الآن ليس لها معنى. المسرح أصبح لـ(السحيجة) الذين يعادون الفنان، وأصبح المهرجان لتبادل الزيارات. منذ عشر سنوات ونحن ننظم مهرجانات تذهب جميع جوائزها للعروض المسرحية العربية، فأين المسرح الأردني؟».

الريموني: مهرجانات إبداعية نوعية

يرى المخرج والأكاديمي د.فراس الريموني أن المهرجانات المسرحية التي تنظمها وزارة الثقافة هي «مهرجانات حقيقية» وأثرها واضح في الوسط الفني.

ويستعرض الريموني طبيعة هذه المهرجانات، فالأول مهرجان مسرح الشباب ومهمته تقديم الشباب الجدد في مجال الإخراج والتمثيل والسينوغرافيا، وهو «بوابة الاحتراف لكل هذه المجالات وليس فيه أي استعراضات إعلامية».

أما المهرجان الثاني الذي تنظمه وزارة الثقافة، فهو مهرجان مسرح الأطفال وفيه «تدفع الوزارة المخرجين المحترفين لتقديم عروض مسرحية للأطفال»، ويتمنى الريموني أن تتبنى وزارة التربية والتعليم هذه الأعمال لتقديمها في مدارس المملكة كافة، لما فيها من فائدة للطلبة على صعيد القيمة الجمالية والتربوية والثقافية.

وبالنسبة للمهرجان الثالث، فهو مهرجان المسرح الأردني، ويعدّ بحسب الريموني في صدارة المهرجانات العربية على صعيد التنظيم ومستوى العروض والفعاليات المرافقة من ورش وندوات فكرية، وهو «نافذة للمسرحي الأردني على المسرح العربي».

ويشير الريموني إلى المهرجانات التي تقدمها الفرق المسرحية، مثل مهرجان عشيات طقوس المسرحية، ومهرجان ليالي المسرح الحر، ومهرجان صيف الزرقاء، حيث تقدم هذه المهرجانات إبداعات نوعية مع مراعاة أن لكل مهرجان خصوصيته.

وفي الوقت الذي ينفي فيه الريموني وجود استعراضات إعلامية في المهرجات، فإنه يؤكد أن هذه التظاهرات تحتاج إلى الإعلام في تسويقها ونقلها للجمهور والإعلان عنها، لافتاً إلى أن الإعلام، وتحديداً التلفزيون الأردني، «مقصِّر» في هذا المجال.

ويرى الريموني أن المهرجانات نشاط للإبداع المسرحي مهمتها تقديم الطاقات الشابة والجديدة وهي تمثل فرصة للاحتكاك الثقافي والفني مع الفنانين المحترفين، فضلاً عن أنها رافد من روافد الوسط المسرحي، ومعظم المشاركين فيها من طلبة أقسام المسرح في الجامعات الأردنية أو من الموهوبين بالإضافة للمحترفين الذين يتم تدريبهم وتأهيلهم وإعطاؤهم الفرصة للمشاركة مع المحترفين، و«مَن ينجح يستمر ويحترف، ومَن يفشل من الأدعياء يرحل، ولا مجال للواسطات أو المحسوبيات في الإبداع».

غنام: الفنان الحقيقي نبتٌ صعب الاقتلاع

من جهته، يؤكد المسرحي غنام أن الحديث عن تحويل الحكومة المهرجانات المسرحية إلى استعراضات إعلامية، اتهام من باب تبرئة النفس وإلقاء كل شيْ على الحكومة.

ويضيف أن الحكومة عندما أطلقت المهرجانات وأولها مهرجان المسرح الأردني في عام 1991، كانت تفعل ذلك استجابة لحوارات مع المسرحيين خاصة والفنانين عامة، والذين كانوا قد تضرروا من توقف سوق العمل التلفزيوني لأسباب سياسية. وقد انطلق المهرجان بتضافر جهود الوزارة ورابطة الفنانين الأردنيين في حينها، وقد كانت الدورة الأولى حدثاً مميزاً.

ويوضح غنام أن المهرجان رغم أنه جاء لأسباب التشغيل وإثبات الذات وإيجاد فرص ودوافع إنتاج المسرحيات، ولم يأتِ كنتيجة لنضج الفعل المسرحي ومواسمه، إلا أنه أصبح موعداً سنوياً مهماً للمسرحيين.

ويوضح غنام أن التغيرات التي طرأت على المهرجان في دورات لاحقة، بجعله مهرجاناً دولياً تارة وعربياً تارة أخرى، ودخول العروض العربية للتنافس، قلص عدد العروض المسرحية الأردنية، وأهدر قدراً كبيراً من الميزانية على استضافة العروض الخارجية، لكن المهرجان ظل رغم ذلك أهمّ باعث لإنتاج المسرح. وحين تعرض في سنوات لاحقة إلى تقليص ميزانيته واتخذت وزارة الثقافة قراراً مرة بإيقافه، خاض المسرحيون معركة ضد ذلك، وتم تثبيت المهرجان كدورة معنية بالمسرح المحلي، ونجحت تلك الدورة أيما نجاح، ثم عاد المهرجان ليصبح عربياً من جديد.

ويرى غنام أنه كان الأجدر أن يظل المهرجان محلياً بامتياز، ليحقق أهدافه التي انطلق من أجلها؛ من هنا فقد جاء مهرجان رم للمسرح الأردني الذي ينظم بمبادرة ودعم من الهيئة العربية للمسرح، ليرمم هذا النقص، فهو بحسب غنام «مهرجان يعنى بالمسرح المحلي فقط، ويذهب إليه فقط».

ويدعو غنام الأردن وزارةً ومسرحيين إلى التقاط هذا المهرجان والعمل بما يضمن استمراره كمناسبة مسرحية وطنية، والابتعاد عن الرضوخ لضغوطات التشغيل وتناوب الفرص، وأن تكون الجودة والتميز هما المعيار لكي يكون المهرجان معيار الجودة. ويقر أن تناوب الفرص يحكم العمل في بعض الأحيان، وهذا ما لا يجب أن يكون.

أما هل فتحت المهرجانات المسرحية الباب أمام الكثير من أدعياء المسرح للدخول اليه، على حساب الفنان الحقيقي المبدع، فيرفض غنام توصيف «أدعياء المسرح» معتبرا أنه مجحف وغير دقيق، فالمهرجانات لا تفتح الباب للأدعياء، فالدعيّ لا يمكنه أن يصنع ما يمكن وصفه بأنه مسرح، ولكن من المؤكد أن المهرجانات عانت من ضعف المنتوج المسرحي في دوراتها ومناسباتها المختلفة، وهذا الضعف ليس ذنب المهرجانات، لكن ذنبها بحسبه، يكن في قبول هذا الضعف، وفي عدم تطوير آلياتها لتكفل عدم مرور الضعيف، لتكفل الجودة.

ويسأل غنام: ألا يجدر بالفنان الحقيقي أن يأخذ الأمر بيده، وأن لا يترك الساحة فارغة، وأن لا يكون عالة على الوزارة والمهرجانات؟ مضيفاً: «الفنان الحقيقي نبتٌ صعب الاقتلاع، يعيش في أصعب الظروف ويعطي ثمار إبداعه في أحلك الظروف ولا يستطيع شيء طمسه».

 

http://alrai.com/

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح