أخبار عاجلة
الرئيسية / الهيئة العربية للمسرح / مقالات / مسرح الدمى وإشكالية التجريب / بقلم: د. زينب عبد الامير

مسرح الدمى وإشكالية التجريب / بقلم: د. زينب عبد الامير

 

 

في عالم العرائس او الدمى تُمحى الحدود !! نحن هنا في ارض مسحورة : الحلم خبزها اليومي، والخيال قوتها، والمدهش الباهر طعامها المباح … هذا ما قاله العرائسي ( جاك شزنيه) في محاولة منه لملامسة جوهر الدمية ومعنى وجودها الحيوي ، فقانونها الأساس هو اللاقاعدة واللاحدود!!
لم تبقَ فنون الدمى رهينة التقليد والنمطية ، بل أخذت تتخطى المألوف لتثبت وجودها المعاصر المحايث لروحية الفكر المعاصر وجمالياته والتي يُعد التجريب فيها ضرورة ملحّة في زمن اللامركزية واللااستقرار واللا مقدس !! ونقصد بفنون الدمى هنا أنها فنون فرجوية قائمة بذاتها تتسيدها الدمى المتحركة بوصفها عنصراً اساسياً باثاً بشتى أنواعها وأشكالها وأحجامها، يغلب عليها طابع الفكاهة والامتاع والتشويق وموجّهة لجميع الشرائح العمرية من المتلقين وفقاً لمستوى مدركاتهم العقلية في التأليف والاخراج، يتنوع مضمون خطابها الجمالي ما بين (الاجتماعي، والسياسي، والتربوي، والتعليمي، والديني…) بالاستعانة بمهارات المختصين من مؤلفين، ومخرجين، وتقنيين، ومصممي الدمى ومحركيها، اما مصطلح التجريب فهو وفقاً لمعجم المعاني يعرّف بانه احد مراحل عملية تبني الأفكار المستحدثة يحاول فيها الفرد تطبيق الفكرة المستحدثة وتجديد فائدتها ، فشخصية الدمية او العروسة عبر بعديها المادي – المتجسد في هيئتها وبكل ماهو مرئي من صفاتها- والفكري ( المعنوي)- المتجسد في كل ماهو مستتر ( غير مرئي) من صفاتها ، لاتخضع الى نظام القولبة وهذا بدوره يتيح لها الانطلاق نحو فضاءات ومديات جمالية وتقنية شاسعة من الابتكار بل والإبداع عبر التجريب المسرحي والتلفزيوني والسينمائي ، وهنا يكمن سحر الدمية ودورها الفاعل المتجدد عبر العصور بوصفها من اقدم الفنون .
لما كان مسرح الدمى احد اشكال وألوان الفنون المسرحية بشكل عام وفنون الدمى على وجه التحديد ، لذا فهو لايتحدد بفئة عمرية معينة من المتلقين ، بل وينطلق عبر لامحدوديته نحو مغادرة كل ما من شأنه ان يقوض البعد الفكري والجمالي لخطابه المسرحي متخذاً من الدمية مقوماً أساسياً في التجسيد ، الاّ ان ذلك يتطلب من الفنان المشتغل في هذا المجال ان يمتلك أدوات الفنان التجريبي المبدع ومنها :

١- ( الموهبة ) والتي تعني القدرة او الاستعداد الفطري الطبيعي الذي يمكّن الفنان من وضع الفكرة في حيز التطبيق ،

٢-(الخيال اللامحدود) والذي يقوم على التطور والمرونة والقدرة على الخروج من الواقع نحو استحداث بدائل واحتمالات ومعالجات لتحقيق النتائج ،

٣-(الخبرة) والتي تنتج بالتراكم المعرفي والميداني (العملي)،

٤-(القدرة الذهنية او العقلية) اي القدرة على تنظيم الأفكار ضمن تكوين جديد ينشد التجريب عبر الابتكار او الاكتشاف.
ان اجتماع الأدوات أعلاه تُجيز للفنان المختص في مسرح الدمى ان يحقق التجريب بعيداً عن العشوائية التي يتذرع بها كل من هبَّ ودبَّ لتحقيق مايسميه بالإبداع او الابتكار ، والتجريب في مسرح الدمى يقترب من الرمزية التي تجسّد عبر إيحاءاتها بُعداً فلسفياً في الخطاب المسرحي الموجّه للمتلقي الكبير ، بينما يقترب التجريب في مسرح الدمى عبر خطابه المسرحي الموجّه للطفل ، من التقريرية في دلالاتها الفكرية والجمالية ، وفي كلتا الحالتين فإن الخوض في التجريب يُعد ضرورة وغاية تَنشد خلق المغايرة في الخطاب الجمالي لاسيما بالنسبة للمتلقي الطفل الذي اصبح في ظل العولمة ومعطيات التكنولوجيا المتسارعة في تطورها ، يتمتع بذاكرة بصرية وقدرات ومدركات عقلية متطورة تختلف عن سابقتها لدى طفل الامس، لذا فطفل اليوم يحتاج الى مغايرة عبر التجريب في مقومات هذا اللون المسرحي ومنها شكل الدمية وآليات تحريكها فضلاً عن التقنيات المسرحية المصاحبة للعرض ، وهناك العديد من التجارب المسرحية العربية منها والأجنبية قد شهدت تجريباً على المستوى التقني الفني والمستوى الجمالي ، أما في العراق فلم نشهد تجارب مسرحية دشنت التجريب تقنياً على مستوى آليات صناعة وتحريك الدمى، وعلى المستوى الجمالي للعرض المسرحي ، وهذا يعود الى العديد من الأسباب من أهمها :

١-محدودية آفاق الرؤية وضعف الوعي بأهمية هذا اللون المسرحي بشكل خاص وفنون الدمى بشكل عام .

٢-ضعف الدعم المادي.

٣-الافتقار الى وجود مركز وطني لمسرح الدمى يستقطب المعنيين والمختصين في هذا المجال.

٤-ضعف الاحتكاك بالتجارب العربية منها والأجنبية.

٥-عدم تضمين فنون الدمى في مفردات المناهج الدراسية لكليات ومعاهد الفنون الجميلة وغيرها من المؤسسات التعليمية المعنية.

٦-عدم توافر نصوص مسرحية تفجّر طاقات الدمية وتشاكس المألوف في عالمها ذلك انها اي النصوص تعاني المحدودية والبساطة، وغيرها من الأسباب الأخرى التي جعلت وتجعل التجارب المسرحية في هذا الجانب تعاني الضعف والنمطية والتقليد بعيداً عن التجريب بوصفه تياراً ومنهجاً ورؤية جديدة ومغايرة للعالم جاء نتيجة حتمية ابداعية للانتقال بالمتلقي لعوالم جديدة ونمط مسرحي حداثوي جديد نطمح اليه يضمن لنا هوية مسرحية في خارطة المسرح العراقي .

عن محمد سامي

محمد سامي عضو نقابة الفنانين العراقين - وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين ييعمل لدى مركز روابط للثقافة والفنون ومحرر في موقع الخشبة و موقع الهيئة العربية للمسرح