أخبار عاجلة
الرئيسية / الهيئة العربية للمسرح / مقالات / مسرحية “جي بي إس” ..لمحمد شرشال أو عندما يرتفع المعنى يختفي الكلام – ابتسام بودريس #الجزائر

مسرحية “جي بي إس” ..لمحمد شرشال أو عندما يرتفع المعنى يختفي الكلام – ابتسام بودريس #الجزائر

مسرحية جي بي إس لمحمد شرشال

جي بي س إنتاج المسرح الوطني 2019
تصميم و إخراج محمد شرشال

” عندما يرتفع المعنى يختفي الكلام”

من هذه الرؤية ينطلق العرض المسرحي ” GPS” هذا العرض الذي يحاول مخرجه محمد شرشال التقرب لرؤى عالمية عديدة لعل أهمها.. بيتر بروك الذي قدم المهاربهارتا والتي معها أدرك معنى الممثل القديس الذي يقدم جسده أشبه بقربان للحظة الخلق المسرحية…

    جي بي س هرمونية فنية متناسقة و فلسفة وجودية مجسدة بطريقة إبداعية..على ركح جي بي س تخوض الشخصيات الممثلة لأغلب شرائح المجتمع حربا بين الوجود و اللاوجود زادها التمرد و إثبات الذات هي مجموعة منحوتات تبحث عن كينونتها تتمرد على نحاتها و على طبيعتها و تتمكن لإرادتها لتصبح إنسانية تتحرك و تشعر تحب وتكره وتمارس أفعال الخير والشر في آن واحد تعكس هذه المنحوتات عالم النحات البوهيمي الذي حاول تمثيله بوضوح من خلالها عالم تظهر فيه النفس البشرية هشة و مفككة عالم لا يتوقف من أجل أحد مصورا فلسفته الوجودية حول هذا القرن حاملا همومه في عالم لا طائل من ورائه.. لتتراجع هذه المنحوتات فيما بعد عن قرراها عندما تكتشف أنها مسيرة و تقرر العودة إلى طبيعتها الحقيقة عبر مراحل عديدة خاضتها ك الولادة من جديد و البحث عن الملامح.. إلى الأنسنة التي تكتشف فيها خبايا البشر وحقيقتهم، لكن في هذا الأثناء يكون الموت سبق الجميع و الوقت إنتهى ووحده الموت هو سيد الموقف والحقيقة الوحيدة في حياة البشر…

    حاول المخرج في هذا العرض أن يرسم خطوط الفرجة الجمالية بشكل أقرب إلى الإبهار مستخدما التشكيلات اللونية والبصرية بشكل ملموس في سياق الفعل المسرحي إذ ترتسم الصورة الحية لحركة الممثلين على خشبة المسرح تلك الصورة التي يُعاد تشكيلها كلما تحرك ممثل من مكانه..و إن دل ذلك على شيء فإنه يدل على وعي المخرج فالمخرج الواعي المتمرس هو من يضع في حسابه رسما لخريطة الحركة على الخشبة، هذه الخريطة تتغير بين لحظة و أخرى…

    إلا أن الإطار العام للتشكيل ساهم أيضا من خلال الإضاءة – الألوان-المكياج-الأزياء-الموسيقى) حيث أن التفنن في التشكيل الجمالي كان النغمة المسيطرة على العرض كما أن الحركة انقسمت إلى جزئين داخلي و خارجي وقد حدث تداخل بينهما و تشابه بمعنى أن الحركة الداخلية للممثل مبينة على التوتر و التساؤل والقلق لينعكس ذلك على الأداء الخارجي بالصدق والإيمان.. وهذا يدل على قدرات الممثلين فهؤلاء الممثلين بخبراتهم المتراكمة وفهمهم الواعي بالأعباء الداخلية والخارجية للشخصيات تحكموا بإيقاع العرض كما تميزوا بحركاتهم و استخدامهم للجسد بوعي، ونلاحظ من أدائهم تدربهم بشكل تقني عالمي على الحركة عبر تعبير جسدي ونفسي شديد التركيز لدرجة أن فريق العمل كله أبدع في الإستخدام الواعي لفزياء الجسد بشكل فردي في إطار جماعي فبشكل واضح سيطرت الحركة والتعبير الجسدي في شتى أركان العرض المسرحي حيث تشكلت من خلالها صورة جمالية متناسقة القوام مما يتضح أن محمد شرشال ركز في هذا العرض على أن يرسم صورة فوق خشبة المسرح لها تأثير مباشر وفعال.. فهي تتواصل مع فضائها من خلال علاقات قوية بعناصر تشكيل الصورة مثل الملابس و الديكور و الألوان وخاصة أن الصورة ليست هي الشكل فقط و إنما ما ورائها من إيماءات جمالية و فكرية تكونت عبر توظيف واعي للجسد من خلال فهم جديد ومختلف للجسد وفق المنظور الجمالي للمسرح الذي يقوم على علاقة الجسد بالأجساد المحيطة وهي علاقة تعتمد في الأساس على التوافق مرتكزا على البعد الإنساني للجسد في عموميته…

    نستخلص من خلال هذا أن المخرج أعد عمله الإبداعي إعداد مبني على الصورة البصرية و الحركة التعبيرية وجعلها في صورة أدت إلى ثراء الرؤية وبالتالي العرض كله..حيث حدث تناغم واضح بين مختلف عناصر العرض بداء من الممثلين فيما بينهم إلى التعبير الحركي ولغة الجسد إلى باقي عناصر السينوغرافيا فهي الأخرى ساهمت في طرح شكل جديد بإستخدام الجسد من خلال الإضاءة المعبرة عن حالات الحزن و الفرح و الترقب و الصراع…

بعد إسدال ستار النهاية تغادر المسرح و في نفسك ألاف الأسئلة الوجودية التي لم تخطر ببالك يوما أو خطرت و تجاهلها ربما جي بي س ليست عرضا فقط جي بي س طريقة حياة نحياها كل يوم ونتخبط في تفاصيلها جي بي س هي حقيقتنا…

ابتسام بودريس

(المصدر : ابتسام بودريس)

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح