أخبار عاجلة
الرئيسية / عين على المسرح العربي / مسرحية “بويا عمر” عالم فني يمتطي الجنون – د.لعزيز محمد #المغرب

مسرحية “بويا عمر” عالم فني يمتطي الجنون – د.لعزيز محمد #المغرب

مسرحية “بويا عمر” عالم فني يمتطي الجنون
لعزيز محمد
قدمت فرقة فضاء اللواء للإبداع البيضاوية مؤخرا بالمركب الثقافي مولاي رشيد العرض الأول لمسرحيتها “بويا عمر” للمؤلف عبدو جلال دراماتورجيا لعزيز محمد واخراج بوسرحان الزيتوني و تشخيص كل من جواد العلمي ويونس شارا.
يعد عنوان “بويا عمر” مدخلا ملتبسا لتلقي العمل الفني ، ذلك أن الحمولة التي يحملها بويا عمر كضريح وكملتقي للمرضى النفسيين والمتشردين والمشدودين الى الضريح ومدينته المتخلقة حديثا طوعا أو كراهية ،والمرجعية التي تلتبس بها الطقوس المرافقة من قبل آل الضريح أو زواره ، وما روجه المجتمع عن الممارسات الطقوسية المصاحبة لزيارات هؤلاء المرضى ، آو ما روجه الإعلام المرئي على الخصوص كل ذلك يجعل من عنوان “بويا عمر” لعمل ثقافي وفني مدخلا مغريا يلجه المتلقي وهو محمل بكل هذه الأفكار والتخمينات .والحقيقة أن مخرج المسرحية بوسرحان الزيتوني راهن على تكسير آفاق انتظار المتلقين الحاضرين الذين عولوا على العنوان لإدراك معاني العمل ودلالاته.

    وإذا كان الجمهور ينتظر من المسرحية الحديث عن فضاء بويا عمر، ومعاينة مجانينه واعتقالهم ومرتاديه ومعتقداتهم وزواره وطقوسهم في وسط الضريح او حواشيه أو داخل السوق وحوانيته أو مشعوذوه وآلاعيبهم وتجاره وسلعهم ، كما هو معروف ومألوف في الأوساط الشعبية وبين المغاربة في تعاملهم مع الأضرحة والمزارات الموروثة والمنتشرة في كل ربوع مملكة الأولياء والصالحين، فإن المسرحية نحت منحى مخالفا باتكائها على حادث إغلاق الضريح من قبل وزارة الصحة ومصير “معتقليه”، واتخذ منها محفزا للخوض في غمار تيمة الجنون وأثرها في حياة الفرد والمجتمع ، فبين 1656 تاريخ إنشاء مستشفى باريس، وتغيير طريقة احتجاز المرضى النفسيين والمجانين وتاريخ 2014 تاريخ إقدام وزارة الصحة المغربية على إغلاق ضريح بويا عمر وتوزيع مرضاه على مستشفيات لا تزال في حاجة إلى بركة بويا عمر لتدرك ان الجنون حالات متباينة الأبعاد من الاضطراب العقلي المندرجة في مجال الأمراض النفسية بدل الطب الكهنوتي والتداوي بالسحر والدين.

    لقد سمى اليونانيون الجنون ب”مرض الروح ” من هنا كان القبض على تيمة “بويا عمر” للبحث في أمراض روح المجتمع المغربي ، والبحث عن المظاهر التي لا يفضحها غير هؤلاء الذين يملكون جرأة الفضح والكشف، من تم توسل مبدعو العمل المسرحي بالحديث على لسان هؤلاء لقول حقيقتهم وتعرية واقعهم، لذلك غاصت تيمات العمل في ضروب شتى من الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بما فيها تلك التي يصعب تناولها من قبل العقلاء .

    وإذا كانت الكتابة عن الجنون ليس هو تمثيل الجنون، فإن نجاح المسرحية أو فشلها تأسس على طريقة لعب الممثلين يونس شارا وجواد العلمي فعلى عاتقهما كانت محاولة إعادة صياغة الجنون كتابة بالجسد واستحضاره تمثيلا ، من هنا تحول الجنون من واقعة إلى حمولات لغوية، والى تمثلات تمتد من المرض العقلي والاختلال النفسي إلى الاعتقال الرمزي كما عبرت عنه التقنيات الموظفة في العمل من ملابس توحي بالاعتقال والتي تتقاطع مع ملابس السجناء المجرمين المكبلين بالسلاسل والقيود التي تشد هؤلاء إلى الخلف المرير وتشدهم أيضا إلى واقعهم ومعيشهم الأشد مرارة ،فضلا عن الشرك الذي نصب لهم كي يمتد استغلالهم، ويطول نهش أجسادهم، ونهب جيوب ذويهم في تجارة بشعة سلعتها جسد الإنسان وروحه ، كل ذلك إلى جانب تقنيات الإضاءة وجمالياتها التي أبدع خلالها الفنان ياسين الحور منظومة ضوئية متنوعة في مساقطها وخطوطها والمسالط التي استجلبها لخشبة مسرح مولاي رشيد المتهالكة والفقيرة والمحتاجة إلى التفاتة لصيانتها وتعويض المعطل منها شأن كل مسارحنا الوطنية … هي أشكال من الأنوار والظلال شكلت إلى جانب التقنيات الرقمية التي أبدع خلالها مخرج المسرحية مدنا مقلوبة تتهاوى عماراتها ، وأجزاء بشرية تتناثر هنا وهناك،وأفواها مضاعفة تصرخ وتبوح ، وشوارع افتراضية تقود إلى متاهات لانهائية، كل ذلك وغيره شحن العمل الفني بدلالات كثيفة وسعت من فضاء الخشبة وجعلته ممتدا إلى آفاق متنوعة ومتباينة وهو ما مكن “بويا عمر” من التحلي بأبعاد معمارية وهندسية يوحي بعضها بأجواء نفسية منفتحة تارة، وضيقة تارة أخرى،وتتراوح بين الدرامي المأساوي والكوميدي ، وبين السخرية الساذجة الحمقاء، والسخرية السوداء في أعمق تجلياتها.

    في هذا الصدد تجب الإشارة إلى أن مجموعة قليلة من المخرجين المغاربة التفتوا إلى عالم الرقميات أو الرقمنة وعمدوا إلى توظيفها في بعض أعمالهم المسرحية وإن بشكل محتشم ومتقطع إلا أن الأمر الذي صار منتشرا في البلاد الغربية واستفاد مسرحيو تلك البلدان المتطورة تكنولوجيا مثل أمريكا واليابان وألمانيا وغيرها كثير ممن توافرت فيها إمكانات تحديث الممارسة المسرحية بفضل التطورات التكنولوجية وانتشار الانترنيت الذي غير عالم الإنسان اليوم رأسا على عقب ـ فإنه في مجال الفن المسرحي قد وفر تقنيات وإمكانات جديدة واستكشافات هائلة لا يزال طموحنا كبيرا كي يلتفت المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي إلى تزويد طلبته بحصص دراسية في المجال، وتوفير أساتذة متخصصين، كي نحقق نحن أيضا الطفرة الرقمية في فننا المسرحي الذي لا يتوانى عن فرض نفسه في الساحة العربية على الأقل.
ومع ذلك يمكن القول إن اللحظات التي استمتع خلالها الجمهور بهذه التقنية منحت بويا عمر ملامح جمالية وعضدت جوانبه الفكرية والثقافية ،خصوصا وأنها تواشجت مع موسيقى والحان عبد الفتاح نكادي المعتمدة في صميمها على آلات موسيقية متنوعة تحمكت فيها بالأساس آلات نفخية مغربية ذات ألحان صوفية شجية ونغمات عالم الجدبة والرقص المنفلت من ضوابطه الأكاديمية وهو ما وفر للعمل اجواء درامية لواقع تراجيدي امتد عبر المشاهد الأربعة مستحضرا جحافل المجانين الذين مروا من هنا – من ضريح بويا عمر – حكم عليهم مجتمعهم باللاتوازن والحمق والخروج عن حافة المجتمع وعن الاختلاف عن الإنسان”العاقل” غير أن خطابها اللغوي يمتلك من أسباب الحكمة والتعقل ما هو جدير بطرح سؤال الجنون داخل مجتمعنا، وطرح سؤال أهم هو سؤال أوضاع المعيش اليومي سياسيا واجتماعيا التي كانت سببا في هذا المآل المأساوي وسبل الخروج منه .

    ولأن بوسرحان ليس اول مسرحي وظف الجنون في المسرح، وأن هناك العديد من المسرحيين الطلائعيين الذين وجدوا في الجنون والحلم والموت مواضيع بمقدورها سبر أغوار الواقع المتشظي وامتطوا خباياه وخلفياته لرصد مختلف جوانب حياة الإنسان وواقعه منذ غوغول صاحب “يوميات مجنون” مرورا بعشرات الدراميين الغربيين والعرب ، غير أن هذا النوع من الثيمات يملك مشروعيته الفنية من جهة، وآثاره الجمالية من جهة ثانية إذا ما توافرت لفريق العمل القدرة الإبداعية، والاجتهاد التقني والتمثل القرائي لردود أفعال الجمهور

    بين نص عبدو جلال الذي يكتب عن الجنون ونص العرض الذي جعل فيه بوسرحان الزيتوني الشخصية المسرحية تكتب جنونها وفق رؤية اخراجية فيها الكثير من الفكر والتفكير حول حكايات أو خرافات “بويا عمر” تلك الاسطورة المشبعة في الوسط الشعبي المغربي بغير قليل من الماورئيات والادهاش والرعب ..غير أن طاقم العمل كان حريصا على الحفاظ على الخط الإيديولوجي والفكري لفرقة ” اللواء” الذي يحفر في الواقع المغربي، ويتطلع إلى التفاعل مع قضايا المهمشين والحمقى والضعفاء وكل المنتسبين ل”التحت” والأسفل ومساءلة الذات والوضع والأفق من أجل خلق الشروط والمتطلبات الممكنة للعرض المسرحي الذي يساهم في تنويع فرجاتنا المغربية، ويدفع بها نحو الحداثة المسرحية التي نسير في افقها تصاعديا منذ زمن الهواة الأول …

د.لعزيز محمد

(المصدر الهيئة العربية للمسرح)

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح