مسرحية النمس.. جو احتفالي كوميدي مستوحى من فن الحلقة –  حليم زدام #مهرجان_المسرح_العربي12

تبدو مسرحية ” النمس” لمخرجها أمين ناسور تجربة جديدة بالنسبة لفرقة المسرح المفتوح بالمغرب ، و هي نتاج عمل ورشة تجارب عاشها أعضاء الفرقة و كل طاقمها الفني ، تهدف الى الولوج في العالم الحلقة والتفاعل و التناغم  المتبادل  مع الجمهور ، من خلال مشاهدتنا للعرض نبدي بالتعقيبات التالية،

  1. في نص المسرحية عبد الإله بنهدار فرجة ،

تم اقتباس نص مسرحية “النمس” من رواية مغربية بعنوان ” هوت ماروك  hot Maroc  ” لكاتبها الإعلامي المغربي ياسين عدنان و هي كوميديا حيوانية كما وصفها كاتبها تحكي الواقع بكل سلبياته، بطلها شخصية “الرحال عوينة” الجبان الذي يصبح جبّارًا بقوة العالم الافتراضي من وراء شاشة الكمبيوتر فهو يرى نفسه سنجابا بطلا مطلقا للرواية يفرغ كل مكبوتاته التي عاشها في طفولته تحت اسم مستعار، تحيط به شخصيات أعطى كاتب الرواية لكل منها قرين حيواني لينتقل كاتب الرواية بها من البشر إلى الحيوان و يسرد وقائع المجتمع و يستعرض السياسة اليومية للبلاد .

لكن الكاتب المسرحي المغربي عبد الإله بنهدار مسْرح الرواية و اشتغل عليها واستوحى نصها من خلال اقتباسها مسرحيا، أصبح بطلها يسمى “النمس” وهو اسم لحيوان يرمز للذكاء اشتهر ببراعته في القضاء على الأفاعي، كما اعتبره المصريون القدامى مقدسا كونه كان يتغذى من بيض التماسيح ليقلل من تكاثرها،..الخ  كلها دلالات على أن تسمية شخصية ” النمس” في المسرحية هي امتداد للقوة الافتراضية التي كان يترجاها كاتب المسرحية في انفصام شخصية “الرحال العوينة” ، و تحويله من سنجاب في الرواية إلى نمس أليف و هزلي في المسرحية يحاكي واقع تراجيدي لمجتمع افتراضي ، النمس كان يعيش صراع مع الذات منذ طفولته في الأحياء الشعبية لمدينة مراكش المغربية التي نما وترعرع فيها مع أقرانه، مرورا بسنوات الجامعة وحصوله على شهادة ، ثم عاطلا عن العمل، ليعمل في مقهى إنترنيت في أخر المسار، ويدخل في عالم شبكة التواصل و موقع ” هوت ماروك” الافتراضي و يحقق رغبة الانتصار في معارك كان دائما منهزما فيها .

نص العرض كما قدمه الممثلون على الخشبة ، كان مكتوبا بلغة شعبية و بأسلوب فكاهي سلس و قريب من الجمهور المتفرج للعرض ، وكان النص يبدو مصمما خصيصا للتمثيل و مبنيا على أسس درامية و سردية أعطت أكثر حرية للمخرج الذي يبدو أن الاشتغال علي الشخصيات مع الممثلين كان عبارة عن ورشة مفتوحة على الارتجال و البحث في المفردات و الأغاني الشعبية للوصول إلى الفرجة المسرحية المرجوة مع العمل على دراسة ردة فعل الجمهور مع المشاهد و اللعبة الفرجوية التي اعتمدت لتصميم العرض في إطار تراثي مغربي و رؤية إخراجية مميزة . 

  1. في سينوغرافيا العرض لطارق الربح،

شكلت السينوغرافيا الرمزية لعرض ” النمس ” ببساطتها و خفتها ، صور بصرية ممتعة وذكية ساهمت في سهولة بناء اللوحات و تعزيز المشهدية المسرحية من حيث الحركات والألوان المقترحة من خلال إضاءة صاخبة أحيانا و التي أعطت تكاملا جماليا للفرجة المرجوة ، كما اشتغل مصممها على الفكرة العامة للمسرحية و قدم رؤية فضائية للعالم الافتراضي وهندس الفضاء الركحي عبر أشكال توحي بالثنائية الالغوريتمية في فضاء مفتوح ذي عوالم واقعية و متنوعة الأشكال، حيث يتعامل الممثلين فوق الخشبة مع عالم غير واقعي متكون من نوافذ رمزية و افتراضية كتلك الموجودة في الحاسوب و التي تفتح عند الحاجة ، و تتغير و تتحول معالمها عبر المشاهد و اللوحات، أعطت الفرجة المسرحية بعدا جماليا و شكلت تكامل للمشاهد المقدمة للجمهور، كما تم الاستثمار في الأشكال و الفضاءات المقترحة  بما فيها الفضاء خارج الجدار أي  قاعة العرض مع الجمهور الحاضر الذي كان في وسط الحدث و المشهدية، و هو ما يعزز أسلوب الحلقة المسرحية و التفاعلية مع الجمهور و غياب الحاجز بين الممثل و المتلقي.

صممت السينوغرافيا بأسلوب حديث ، استجابت لوظيفتها الدراماتورجية في العرض ، حيث تصبح متكاملة و متفاعلة و متغيرة مع أحداث العرض ، و أعطت للفرجة التراثية بعدا جديدا مستحدثا، و كانت شخصية إضافية في العرض.

 كما تم الاشتغال على الملابس في تصميمها على مزيج من الزى المغربي التقليدي و المعاصر حسب تطور الأحداث و التي كانت كاشفة عن الشخصية و محددة لهوتها بحيث كانت متلونة برسومات  تارة    و صاخبة تارة أخرى و أحيان أخرى تم توظيف الاكسيسوارات بطريقة مفرطة و متعمدة حتى تدعم السخرية من الشخصيات المقدمة، خلال المشاهد المتعاقبة.

كل هذه الصور المشهدية المتغيرة حسب الأحداث و المشاهد كانت في الفضاء المفتوح على لجمهور ، حتى يكون عنصرا من عناصر العرض.

  1. في توظيف موسيقى العرض من أداء ياسر الترجماني و عبد الكريم شبوبة،

الموسيقى كانت متجانسة مع العرض و كذا الحركات المتصاعدة لممثلين في العرض . الملفت للانتباه أن مخرج العرض اعتمد على الموسيقى الحية غلبت عليها إيقاعات متصاعدة، حتى يعطي حضورا جماليا و قويا في العرض لتصبح الموسيقى عنصرا أساسيا في دراماتورجيا المسرحية . ساهمت الموسيقى في شد و ضبط إيقاع العرض و الاحتفاظ بتصاعد الأحداث و المشاهد، كما ساهمت الأغاني التراثية المغربية بأداء جميل للعازفين و طاقات صوتية قوية و متناغمة للممثلات و المثلين في  إثراء الفرجة خلال العرض و ساهمت في إدماج الجمهور معه ، هذا الذي يتماشى تماما مع النظرة الإخراجية للفرجة المسرحية و أسلوب الحلقة على العموم المبنى على الاحتفالية المسرحية و تجاوب الجمهور معه.

  1. في أداء الممثلين و تشخيص الأدوار لكل من عبد الله ديدان، عبد الله شيشة، حسن مكيات ، هاجر الشركي و مونية لمكيمل ،

لقد كان الممثلين بمثابة الوسيط الفاعل بين فكرة مصممي العرض و الجمهور و هذا بالنظر لـ«باروميتر” ردة فعله و تفاعله مع أحداث و مجريات العرض، خاصة في المشاهد المباشرة مع الجمهور ، و حتى المقاطع المرتجلة خلال العرض التي تعتمد أساسا على طاقة ايجابية للممثل للتحكم في ردة فعل الجمهور ، الممثلين أبدعو وأمتعوا و أاستمتعوا كل حسب مستواه و في مقامه، فكان الانسجام بين بعضهم يوحي بالتحكم التام في الأدوار الموكلة لهم. 

     5.في إعداد و إخراج لأمين ناسور،

النظرة الإخراجية للعرض اعتمدت على الفرجة المسرحية في إطار الحلقة .

الحلقة تعتمد على الطاقات الفنية و إمكانيات الممثلين للعب أكثر من دور و تبادل الأدوار بينهم بكل سلاسة و احترافية و هذا الملاحظ من خلال عرض ” النمس “لمخرجه أمين ناسور.

اشتغل المخرج على  نظرة إخراجية ذكية استعمل أدواته الفنية مع الاعتماد على فضاء مفتوح واسع ومتغير مكنه من التحكم في الفكرة العالم الافتراضي مع خلق تجانس لعناصر العرض من خلال سينوغرافيا رمزية متحركة وموسيقى حية مرافقة لقصص شخصية “النمس” والشخصيات المحيطة به. كل هذا في جو احتفالي كوميدي مستوحى من فن الحلقة لكن برؤية معاصرة، تجعل الجمهور يتفاعل مع الممثلين خلال مجريات العرض، دون الوقوع في الابتذال أو السهولة في الطرح القضية ، طبعا مع إدماج الموسيقى و الأغاني المغربية التراثية بأصوات حية يستجيب لها الجمهور ليجعله احد عناصر العرض .

 الإيقاع في العرض كان متصاعدا شدته و ضبطته الموسيقى الحية للموسيقيين فوق الركح.

حليم زدام  من الجزائر

(ورقة نقدية / تعقيب عن العرض ضمن فعاليات الدورة 12 لمهرجان المسرح العربي بالاردن 2020)

*”النمس” لفرقة المسرح المفتوح  –  المغرب  – 

نص عبد الإله بنهدار عن رواية هوت ماروك لياسين عدنان – إعداد وإخراج أمين ناسور.

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح