الرئيسية / عين على المسرح العربي / «مجاريح».. انتصار لقيم المساواة والحرية

«مجاريح».. انتصار لقيم المساواة والحرية

 

لشارقة: علاء الدين محمود

قدمت «فرقة مسرح الشارقة الوطني»، أول أمس، ضمن «مهرجان أيام الشارقة المسرحية»، عرضها «مجاريح»، والذي حمل تفاصيل الوفاء والعرفان والامتنان للفنان الراحل حميد سمبيج، الذي كان ضمن الفريق العامل في العرض، وأنزلت من أعلى المسرح صورة كبيرة له، كما تم عرض فيلم قصير، يوجه خلاله سمبيج التحية للفرقة والجمهور، وكانت تلك اللوحة المشهدية الحية، عرضاً مسرحياً قائماً بذاته، وهو الشيء الذي تفاعل معه الجمهور كثيراً، كما حملت مطوية العرض الترويجية صوراً لسمبيج، ونعياً، وكلمة وفاء في حقه.
العرض من إخراج محمد العامري، وتأليف إسماعيل عبد الله، ورغم أنه شارك في شهر يناير/‏كانون الثاني الماضي من هذا العام في «مهرجان الشارقة للمسرح الخليجي»؛ إلا أن المخرج أضاف كثيراً من الرؤى، والحلول الإخراجية الجديدة على مستوى النص والسينوغرافيا والديكور والحوارات، الأمر الذي أثرى العرض على صعيدي الدراما والفرجة.
ومثل أدوار العرض: موسى البقيشي «فيروز»، وبدور «ميثاء»، وحبيب غلوم «النوخذة غانم بن سيف»، ومحمد غانم «العريس»، ومحمد طرار «خيري عازف الهبان»، وناجي جمعة «مال الله»، وسارة «البنت عذية»، إلى جانب عدة ممثلين لعبوا دور الجوقة.

ويحكي العرض عن قصة العبد فيروز، والذي يقع في حب ابنة سيده النوخذة «ميثاء»، وتبادله الفتاة ذات المشاعر، خاصة أنه قام بتحريرها من الخطف؛ لكن الحب يصطدم بالأب والمجتمع؛ لكون أن فيروز ينتمي إلى طبقة العبيد، لينشأ نوع من الصراع المتعدد الاتجاهات، فمن جهة هو صراع من أجل الزواج والدفاع عن الحب، ومن جهة أخرى هو ضد التقاليد الاجتماعية، التي تحرم مثل هذا الزواج، فوالد العروس يدافع عن موقفه، ويعده صحيحاً، ويتسق مع القيم المتوارثة، ويعد بأن يزوج ابنته برجل من طبقة السادة؛ لكن فيروز لا يستسلم، فقد عمل من أجل أن ينال صك حريته حتى يقبل به والد ميثاء، ولجأ إلى قومه حتى يناصروه ويساعدوه في هذا الزواج، ويجد المساعدة من «مال الله»، و«خيري»، فيعملان على نسج حيلة؛ من أجل إبطال زواج ميثاء من الرجل الذي أراد والدها أن يجبرها عليه، وينجحان في ذلك الأمر، وتهرب ميثاء مع فيروز، ويتزوجان بعيداً عن المجتمع
والأب الذي يموت بحسرته.
وتتكرر القصة مرة أخرى، بعد عشرين عاماً، مع اختلاف الأدوار، عندما ترفض «عذية»
ابنة فيروز قرار والدها بتزويجها من ابن عمها «خيري»، ورغم محاولات فيروز تذكيرها بالدور الكبير الذي قام به خيري في إنجاح زواجه من والدتها؛ إلا أن الفتاة ترفض أن تنصاع لقرار والدها، وتقابله بطرح العديد من الأسئلة، مذكرة إياه كيف أنه ناضل، واجتهد من أجل أن يتزوج بمن يحب.
والقصة في مجملها تحاكم بجرأة بعض العادات التي شكلت نظماً اجتماعية، تقوم على فكرة التفاوت الطبقي الاجتماعي، وتتكرس هذه الحالة؛ عبر توظيف زائف لكثير من القيم الفاضلة، وإفراغها من معناها ومحتواها الحقيقي، فهي تتحرك في محورين: قضية العبودية، وحقوق المرأة ونضالها ضد الهيمنة الذكورية، وعلى الرغم من أن فيروز انتصر لنفسه في معركة التحرر من العبودية، والزواج من ابنة السيد؛ إلا أنه فشل في أن يمضي إلى النهاية، وتحول إلى شخص محافظ؛ عندما أراد أن يرغم ابنته على شيء لا تريده، وعندما منعها من إكمال دراستها، وكأنه هنا يغلق الطريق أمام أي حركة تحرر الابنة.
استعان العامري في حلوله الإخراجية بإضاءة وسينوغرافيا مقتصدة، كما قدم العرض حوارية فكرية مع قضية تحرر المرأة، في صورة بصرية رائعة، وحمل كثيراً من الرؤى الفكرية والفلسفية في قالب استجاب لشروط المسرح، ومنطقه الخاص، فقد كانت الحوارية ذات طابع شاعري وعاطفي، وجاءت الاستعانة بالموسيقى الشعبية «الهبان»؛ لتخدم العرض، وكذلك الرموز والدلالات، التي لعبت دوراً رئيسياً في عملية البناء الدرامي، كما لجأ المخرج إلى توظيف تقنية العودة إلى الماضي «الفلاش باك» بصورة مميزة، بينما كان الأداء هو النقطة الأقوى؛ حيث قدم الممثلون حركية موزونة ومنضبطة.
وفي الندوة التطبيقية التي تلت العرض، وأدارها عبد الستار ناجي «الكويت»، أشار الناقد هشام زين الدين إلى أن العمل كان عالي المستوى، فقد جاء النص وهو مكثف بالمعاني والدلالات، وكان من الصعب تتبع الكم الهائل من الإيحاءات والأفكار التي احتواها، فيما تناول المسرحي فاضل الجاف العملية الإخراجية، وانطلق من واقع أن لكل مخرج نقطة قوة، وتتمثل عند العامري في السينوغرافيا وصياغتها، وفي تعامله مع الفضاء، فهو يعمل على ما يُسمى بالتشكيل المسرحي في التعامل مع المجاميع الكبيرة في حركة دائمة، ومن هنا تأتي سيطرته على الإيقاع العام.
وأشار محمد شرشان إلى أن النص فيه الكثير من الثرثرة، الأمر الذي جعل من الممثل بوقاً يلقي من دون أن يؤدي، وهذه مشكلة في معظم المسارح العربية، فالفعل اللفظي يأسر الممثل، ولا يتركه يذهب نحو الفعل المسرحي. فيما تناول حمادة الوهيبي مسألة الجوقة في العرض، وقدم عدداً من التساؤلات عن جدوى وجودها في العمل، وقدم عصام أبو القاسم إضاءة لأنثروبولوجيا الثقافة في الإمارات فيما يختص ببعض الدلالات والرموز الموجودة في العرض، وشرح توظيف المخرج لهذه الدلالات، التي لم تأت من أجل الزينة.- See more at: http://www.alkhaleej.ae/

عن Administrator