الرئيسية / الهيئة العربية للمسرح / دراسات / كيمياء‭ ‬الحكي : حازم كمال الدين

كيمياء‭ ‬الحكي : حازم كمال الدين

 

 

المصدر : الجديد: نشر محمد سامي موقع الخشبة

الصفة‭ ‬الأساسيّة‭ ‬للحكواتي‭ ‬هي‭ ‬أنّ‭ ‬عروضه‭ ‬قابلة‭ ‬للتغيّر‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬ردود‭ ‬أفعال‭ ‬الجمهور‭. ‬فردود‭ ‬الأفعال‭ ‬تقوده‭ ‬إلى‭ ‬تغيير‭ ‬الدراماتورغي‭ ‬والخطة‭ ‬الإخراجية‭ ‬‭(‬إذا‭ ‬صحّت‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المسمّيات‭)‬‭. ‬وهذه‭ ‬الصفة‭ ‬الجوهريّة‭ ‬تسمح‭ ‬له‭ ‬بالحوار‭ ‬مع‭ ‬المشاهد‭ ‬بطرق‭ ‬عديدة‭ ‬أطرفها‭ ‬توزيع‭ ‬شخصيات‭ ‬الحكاية‭ ‬أو‭ ‬إسقاطها‭ ‬على‭ ‬المشاهدين‭.‬

كلمة‭ ‬حكواتي‭ ‬مشتقة‭ ‬من‭ ‬حكى‭ ‬وحاكى‭.‬

حكى‭ ‬تعني‭ ‬قصّ‭ ‬وأخبر،‭ ‬وحاكى‭ ‬تعني‭ ‬قلّد‭ ‬أي‭ ‬جرى‭ ‬على‭ ‬منوال‭. ‬وبهذا‭ ‬السياق‭ ‬فإنّ‭ ‬كلمة‭ ‬الحكواتي‭ ‬تعني‭ ‬الشخص‭ ‬الذي‭ ‬يقص‭ ‬ويشخّص‭. ‬والحكواتي‭ ‬أدواته‭ ‬الصوت‭ ‬والحركة‭ ‬تساعده‭ ‬ملابس‭ ‬وإكسسوارات‭. ‬إنّه‭ ‬مقلّد‭ ‬ممتاز‭ ‬لسلوك‭ ‬الناس‭ ‬رجالا‭ ‬ونساءً،‭ ‬وللّهجات‭ ‬الدارجة،‭ ‬يشق‭ ‬البطون‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬أضحك‭ ‬وينتزع‭ ‬الدموع‭ ‬والعويل‭ ‬إذا‭ ‬حكى‭ ‬عن‭ ‬كارثة‭.‬

أما‭ ‬قصصه‭ ‬فهي‭ ‬متنوعة؛‭ ‬منها‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مكتوب‭ ‬ومرتجل،‭ ‬متداول‭ ‬وغير‭ ‬متداول،‭ ‬ديني‭ ‬ودنيوي،‭ ‬غنائي‭ ‬وسردي‭.. ‬والحكواتيون أنواعٌ‮ ‬منهم الديني‮ ‬والدنيوي‮ ‬والنسائي‭ ‬والرجالي‭ ‬والتشخيصي‭ ‬والتجريدي‭.‬

ولكن،‭ ‬لحظة‭ ‬واحدة‮…‬

ماذا‭ ‬يعني‭ ‬كل‭ ‬هذا؟

ماذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬نحكي‭ ‬حكاية؟

طقوس التأويل الأولى

ما هي‮ ‬الحكاية؟

سأتسلسل‭ ‬بهدوء‭ ‬فأقول‭ ‬إنّ‭ ‬التاريخ‭ ‬حين‭ ‬يذكر‭ ‬الماضي‭ ‬فإنّه‭ ‬يحكي‭ ‬حكاية‭.‬

وإنّ‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬المستقبل‭ ‬حكاية‭ ‬أيضا‭.‬

وإنّ‭ ‬تذكرنا‭ ‬للماضي‭ ‬حكايات‭.‬

إنّ‭ ‬حركة‭ ‬الزمان‭ ‬روي،‭ ‬والدراما‭ ‬حكاية‭.‬

والفعل‭ ‬خبر‭ ‬عن‭ ‬الدوافع‭ ‬لأنّه‭ ‬نتاج‭ ‬لدوافع‭ ‬محددة‭.‬

التاريخ‭ ‬يخبرنا‭ ‬عن‭ ‬أحداث‭ ‬الماضي‭.‬

والعلم‭ ‬يخبرنا‭ ‬عن‭ ‬الذي‭ ‬سيحدث‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭.‬

الدوافع‭ ‬هي‭ ‬أخبار‭ ‬عن‭ ‬أحداث،‭ ‬أو‭ ‬أفعال‭ ‬داخلية‭ ‬أو‭ ‬خارجية‭.‬

التراجيديا‭ ‬رواية‭ ‬عن‭ ‬أحداث‭ ‬دموية‭.‬

الذاكرة‭ ‬قصة‭ ‬ماض‭ ‬منفعل‭.‬

حركة‭ ‬الزمن‭ ‬قصة‭.‬

والتعليقات‭ ‬سرد‭ ‬لموقف‭ ‬محدد‭.‬

الحدث‭ ‬عملية‭ ‬خبرية‭ ‬لما‭ ‬يجري‭ ‬داخل‭ ‬الإنسان‭ ‬أو‭ ‬خارجه‭.‬

الألم‭ ‬عملية‭ ‬خبرية‭ ‬عن‭ ‬قضية‭ ‬ما‭.‬

الغضون‭ ‬خبر‭ ‬عن‭ ‬التقدم‭ ‬في‭ ‬العمر،‭ ‬والمبتدأ‭ ‬خبر‭ ‬للخبر‭ ‬ذلك‭ ‬أننا‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬نعرف‭ ‬المبتدأ‭ ‬لن‭ ‬نتمكن‭ ‬من‭ ‬معرفة‭ ‬الخبر‭.‬

النوبة‭ ‬القلبية‭ ‬رسالة‭ ‬عن‭ ‬تراجع‭ ‬أو‭ ‬تدهور‭ ‬جسدي‭.‬

الصداع‭ ‬تعليق‭ ‬حول‭ ‬نوعية‭ ‬كحول‭ ‬الليلة‭ ‬الماضية‭ ‬أو‭ ‬نوعية‭ ‬أصدقاء‭ ‬الليلة‭ ‬الماضية‭.‬

المدرسة‭ ‬الفنية‭ ‬خبر‭ ‬عن‭ ‬مرحلة‭ ‬ثقافية‭ ‬تمرّ‭ ‬بها‭ ‬مجموعة‭ ‬ما‭.‬

الأمر‭ ‬نفسه‭ ‬مع‭ ‬الهندسة‭ ‬المعمارية‭ ‬والفلسفة‭.‬

الحفريات‭ ‬قصة‭ ‬ومختبر‭ ‬التشريح‭ ‬حالة‭ ‬إخبارية‭.‬

التأويل‭ ‬خبر‭ ‬عن‭ ‬نص‭ ‬ما‭.‬

كلّ‭ ‬ما‭ ‬يتحرك‭ ‬في‭ ‬الزمان‭ ‬والمكان‭ ‬هو‭ ‬حكاية‭ ‬عن‭ ‬حدث‭ ‬داخلي‭ ‬أو‭ ‬خارجي‭ ‬أو‭ ‬كليهما‭.‬

الروي‭ ‬هو‭ ‬حركة‭ ‬الزمان‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭.‬

المسرح‭ ‬الذي‭ ‬أعمل‭ ‬على‭ ‬تطويره‭ ‬يحكي‭ ‬عن‭ ‬المفردات‭ ‬التي‭ ‬تناولتها‭ ‬للتو‭. ‬فالعملية‭ ‬المسرحية‭ ‬ليست‭ ‬نصا‭ ‬على‭ ‬خشبة‭ ‬وإنّما‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬بين‭ ‬طرفي‭ ‬العرض‭ ‬في‭ ‬اللحظة‭ ‬والمكان‭ ‬المعيّنين‭. ‬المسرح‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأوّل‭ ‬عرض‭ ‬حيّ‭ ‬وليس‭ ‬نصّا‭ ‬ولا‭ ‬نظرية‭ ‬أو‭ ‬طريقة‭ ‬إخراج‭. ‬التاريخ‭ ‬الحقيقي‭ ‬للمسرح‭ ‬هو‭ ‬تاريخ‭ ‬فن‭ ‬العرض،‭ ‬تاريخ‭ ‬سيرورة‭ ‬التفاعل‭ ‬بين‭ ‬الممثل‭ ‬والجمهور،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬أفضّل‭ ‬أن‭ ‬أسمّيه‭ ‬‮«‬اللقاء‮»‬‭.‬

لكنّنا‭ ‬لم‭ ‬نتعلم،‭ ‬للأسف،‭ ‬إلاّ‭ ‬القليل‭ ‬عن‭ ‬تاريخ‭ ‬العرض‭ ‬المسرحي‭ ‬إبّان‭ ‬دراستنا،‭ ‬رغم‭ ‬اطّلاعنا‭ ‬على‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬نصوص‭ ‬العرض‭ ‬المدوّنة؛‭ ‬أعني‭ ‬النص‭ ‬الأدبي‭.‬

في‭ ‬البلاد‭ ‬التي‭ ‬ولدت‭ ‬فيها‭ ‬مارتزال‭ ‬ثمّة‭ ‬شواهد‭ ‬عن‭ ‬تاريخ‭ ‬العرض‭: ‬طقوس‭ ‬بدائية،‭ ‬دينية‭ ‬ودنيوية،‭ ‬تعتمد‭ ‬علاقة‭ ‬التفاعل‭ ‬بين‭ ‬المشاهد‭ ‬والممثل‭.‬‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬هذه‭ ‬العروض‭ ‬المتعددة‭ ‬فنون‭ ‬الحكي‭ ‬والكراكوز‭ ‬والمولد‭ ‬والدرباشة‭ ‬والزورخانه،‭ ‬لكني‭ ‬سأحدّد‭ ‬نفسي‭ ‬حتّى‭ ‬كتابة‭ ‬السطور‭ ‬بفنون‭ ‬الحكي‭ ‬التي‭ ‬تستخدم‭ ‬فيها‭ ‬الموسيقى‭ ‬والأزياء‭ ‬والإكسسوارات‭.‬

طقوس دينية القاري والملّة

هو‭ ‬حكواتي‭ ‬ديني‭ ‬ينتقل‭ ‬بشكل‭ ‬عضوي‭ ‬بين‭ ‬فنون‭ ‬القص‭ ‬المختلفة‭ ‬سردا‭ ‬وفعلا‭ ‬وغناءً‭ ‬وترتيلا‭ ‬وتجويدا‭ ‬ومعايشة‭. ‬يلجأ‭ ‬لإلقاء‭ ‬الشعر،‭ ‬وينتقل‭ ‬إلى‭ ‬الغناء،‭ ‬ثم‭ ‬ينعطف‭ ‬ليستخدم‭ ‬استعارات‭ ‬ورموزا‭ ‬تعضّد‭ ‬التواصل‭ ‬مع‭ ‬جمهوره‭. ‬و‮»‬القاري‮»‬‭ ‬يقرّب‭ ‬نفسه‭ ‬لمشاهد‭ ‬ويتجنّب‭ ‬آخر‭ ‬ويبعد‭ ‬ثالثا‭. ‬إنّه‭ ‬يوائم‭ ‬كذلك‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬طرق‭ ‬السرد‭. ‬والحركة‭ ‬عنده‭ ‬هي‭ ‬إشارة‭ ‬وطقس‭ ‬ورقص‭ ‬تشخيصي‭.‬

جمهور‭ ‬‮«‬القاري‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬الملّة‮»‬‭ ‬يعرف‭ ‬مسبقا‭ ‬أحداث‭ ‬القصة‭. ‬ولهذا،‭ ‬ما‭ ‬أن‭ ‬يرد‭ ‬اسم‭ ‬البطل‭ ‬حتى‭ ‬يبدأ‭ ‬بالهرج‭ ‬والصراخ‭ ‬أو‭ ‬بالبكاء‭ ‬والعويل،‭ ‬تعاطفا‭ ‬مع‭ ‬البطل‭ ‬أو‭ ‬سخطا‭ ‬على‭ ‬أعدائه‭.‬

القاري،‭ ‬في‭ ‬صيغته‭ ‬المعروفة‭ ‬وسط‭ ‬وجنوب‭ ‬العراق‭ ‬يتناول‭ ‬غالبا‭ ‬واقعة‭ ‬مقتل‭ ‬الحسين‭ ‬حفيد‭ ‬النبي‭ ‬محمد‭ ‬في‭ ‬كربلاء‭. ‬وهي‭ ‬واقعة‭ ‬معروفة‭ ‬يؤدي‭ ‬تكرارها‭ ‬السنوي‭ ‬إلى‭ ‬تطهّر‭ ‬عنصري‭ ‬العرض‭: ‬الممثل‭ ‬والمشاهد‭.‬

يتنقّل‭ ‬‮«‬القاري‮»‬‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العرض‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الغناء‭ ‬واللّاغناء،‭ ‬بين‭ ‬القص‭ ‬والندب،‭ ‬بين‭ ‬الطقس‭ ‬‭(‬الفعل‭)‬‭ ‬والإخبار،‭ ‬ويستخدم‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الشعر‭ ‬لمختلف‭ ‬الأغراض‭.‬

إليكم‭ ‬تكثيفا‭ ‬للكثير‭ ‬من‭ ‬صفاته‭ ‬هنا‭:‬

تتّشح‭ ‬مدينة‭ ‬كربلاء‭ ‬برايات‭ ‬سود‭ ‬فوق‭ ‬السطوح‭ ‬وفي‭ ‬الشوارع‭ ‬والساحات‭ ‬والأسواق‭. ‬تملأ‭ ‬الطرقات‭ ‬نشرات‭ ‬ضوئية‭ ‬وخزانات‭ ‬ماء‭ ‬معطّر‭ ‬بالورد‭. ‬ترتدي‭ ‬الأسواق‭ ‬الشعبية‭ ‬حلّة‭ ‬عاشورائية‭ ‬ولا‭ ‬تكتفي‭ ‬بالرايات‭. ‬ثمّة‭ ‬مجالس‭ ‬حسينية‭ ‬تعدّ‭ ‬في‭ ‬قاعات‭ ‬كبيرة‭ ‬‭(‬تكايا‭)‬‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬باحات‭ ‬جوامع‭ ‬أو‭ ‬ساحات‭ ‬عامة‭. ‬يستأجر‭ ‬التجّار‭ ‬طباخين‭ ‬لإعداد‭ ‬الطعام‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭ ‬والساحات‭ ‬العامة‭ ‬ولتقديمه‭ ‬مجاناً‭ ‬للجمهور،‭ ‬ويستأجر‭ ‬الواحد‭ ‬منهم‭ ‬‮«‬قاري‮»‬‭ ‬يرى‭ ‬أنّه‭ ‬الأفضل‭.‬

في‭ ‬التكايا‭ ‬يبدأ‭ ‬‮«‬القاري‮»‬‭ ‬عادة‭ ‬بتلاوات‭ ‬من‭ ‬القرآن‭ ‬يعقبها‭ ‬حداء‭ ‬انفرادي،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتناول‭ ‬هذا‭ ‬البطل‭ ‬أو‭ ‬ذاك،‭ ‬مستخدما‭ ‬أساليب‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬شدّ‭ ‬الجمهور‭. ‬‮«‬القاري‮»‬‭ ‬لا‭ ‬يحكي‭ ‬القصة‭ ‬بطريقة‭ ‬سردية‭ ‬فقط‭ ‬كما‭ ‬أسلفنا‭. ‬بل‭ ‬يستخدم‭ ‬طرقاً‭ ‬لشدّ‭ ‬الانتباه،‭ ‬وللإثارة‭ ‬الدرامية‭ ‬ومزج‭ ‬المتوقع‭ ‬باللامتوقع‭.‬

عين‭ ‬‮«‬القاري‮»‬‭ ‬مركزة‭ ‬باستمرار‭ ‬على‭ ‬رد‭ ‬فعل‭ ‬الجمهور‭. ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يجعله‭ ‬يعدّل‭ ‬سياقات‭ ‬حكايته‭ ‬بما‭ ‬يتناسب‭ ‬وحالة‭ ‬المتلقي‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظات‭. ‬فإذا‭ ‬أحسّ‭ ‬بتراخي‭ ‬الجمهور‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬ينتقل‭ ‬بالموضوع‭ ‬إلى‭ ‬حدث‭ ‬غير‭ ‬متوقّع‭. ‬فيعلن‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬أنّ‭ ‬فاطمة‭ ‬الزهراء‭ ‬قد‭ ‬ظهرت‭ ‬يوم‭ ‬القيامة‭ ‬وهي‭ ‬تنادي‭ ‬الملائكة‭ ‬أن‭ ‬يجلبوا‭ ‬لها‭ ‬ولدها‭ ‬الحسين‭ ‬القتيل‭. ‬وحين‭ ‬يلمح‭ ‬عودة‭ ‬الانتباه‭ ‬إلى‭ ‬المشاهدين‭ ‬ويسمع‭ ‬نحيب‭ ‬بعضهم‭ ‬يوغل‭ ‬في‭ ‬فجائعية‭ ‬حكايته‭ ‬المرتجلة‭ ‬فيقول‭ ‬إنّ‭ ‬الملائكة‭ ‬أتت‭ ‬بجسد‭ ‬مقطوع‭ ‬الرأس‭ ‬سجّته‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬أمام‭ ‬فاطمة‭ ‬التي‭ ‬ناحت‭ ‬وضجّت‭ ‬الملائكة‭ ‬معها‭ ‬بالنواح‭!‬

هكذا‭ ‬يكون‭ ‬متأكدا‭ ‬أن‭ ‬خط‭ ‬التوتر‭ ‬بينه‭ ‬وبين‭ ‬المشاهد‭ ‬عاد‭ ‬بقوة‭. ‬وفي‭ ‬مثل‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬قد‭ ‬يصمت‭()‬‭ ‬ليسبر‭ ‬أغوار‭ ‬الجمهور‭ ‬ويعرف‭ ‬فيما‭ ‬لو‭ ‬أنّ‭ ‬الجميع‭ ‬مندمج‭ ‬بالطقس‭ ‬أم‭ ‬مازال‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يرتجل‭ ‬شيئا‭ ‬آخر‭! ‬بهذه‭ ‬الطريقة‭ ‬يرسم‭ ‬‮«‬القاري‮»‬‭ ‬مسارا‭ ‬غير‭ ‬متوقع‭ ‬لحكايته‭.‬

يخضع‭ ‬تقديم‭ ‬‮«‬القاري‮»‬‭ ‬للحكاية‭ ‬أحيانا‭ ‬لمبادئ‭ ‬التداعي‭ ‬أو‭ ‬تيار‭ ‬الوعي‭ ‬رغم‭ ‬الطابع‭ ‬المتسلسل‭ ‬للقصة‭. ‬وتتم‭ ‬التداعيات‭ ‬والتأويلات‭ ‬هذه‭ ‬بخاصة‭ ‬في‭ ‬الأيام‭ ‬الأولى‭ ‬لطقس‭ ‬الأيام‭ ‬الثلاثة‭ ‬عشر‭. ‬ولكن‭ ‬كلّما‭ ‬اقترب‭ ‬اليوم‭ ‬العاشر‭ ‬كلّما‭ ‬أزيحت‭ ‬التداعيات‭ ‬واحتلت‭ ‬المادة‭ ‬الملموسة‭ ‬‭(‬التاريخية‭)‬‭ ‬للفاجعة‭ ‬مكانها‭ ‬وصولا‭ ‬لـ‮»‬المقتل‮»‬‭ ‬يوم‭ ‬العاشر‭ ‬من‭ ‬محرّم‭.‬

الميزات‭ ‬المهمة‭ ‬لـ‮»‬القاري‮»‬‭ ‬هي‭ ‬القدرة‭ ‬الصوتية‭ ‬الفائقة‭ ‬التي‭ ‬تسمح‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يتنقّل‭ ‬بين‭ ‬حالة‭ ‬وأخرى‭ ‬بحرفيّة‭ ‬عالية‭ ‬تفهم‭ ‬أصول‭ ‬المقامات‭ ‬الموسيقية‭ ‬وتعي‭ ‬التوتر‭ ‬النفسي،‭ ‬وتربط‭ ‬الروي‭ ‬بالحداء‭ ‬وبالقص‭ ‬الحيادي‭.‬

أمّا‭ ‬الميزة‭ ‬الأخرى‭ ‬فهي‭ ‬أنّه‭ ‬يجيد‭ ‬الإيماء‭ ‬ويعرف‭ ‬أنثروبولوجيا‭ ‬الحركة‭ ‬ومحاكاة‭ ‬سلوك‭ ‬الناس‭ ‬بغرض‭ ‬إذكاء‭ ‬الحزن‭ ‬والعويل‭ ‬في‭ ‬المشاهدين‭.‬

أمّا‭ ‬معرفة‭ ‬الجمهور‭ ‬المسبقة‭ ‬بالحكاية‭ ‬فتمنح‭ ‬‮«‬القاري‮»‬‭ ‬فرصة‭ ‬التنقل‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬أنواع‭ ‬اللعب‭ ‬‭(‬التمثيل‭)‬‭ ‬حركيا‭ ‬وصوتيا،‭ ‬معايشة‭ ‬وتغريبا‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬المشاهد‭ ‬متفرجا‭ ‬وحسب‭. ‬بل‭ ‬ومشاركا‭ ‬تفاعليا‭ ‬متعاطفا‭ ‬مع‭ ‬شخصية‭ ‬ومعاديا‭ ‬لشخصية‭ ‬ثانية،‭ ‬مندفعا‭ ‬أحيانا‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬الهجوم‭ ‬على‭ ‬ممثل‭ ‬يمتطي‭ ‬حصانا‭ ‬ويلعب‭ ‬دور‭ ‬عدوّ‭ ‬البطل،‭ ‬في‭ ‬موكب‭ ‬تشابيه‭ ‬في‭ ‬الشوارع،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يدفع‭ ‬‮«‬القاري‮»‬‭ ‬للتدخل‭ ‬بين‭ ‬الممثل‭ ‬والجمهور‭ ‬ويدفع‭ ‬الممثل‭ ‬للرد‭ ‬على‭ ‬الجمهور‭ ‬بهجوم‭ ‬مضاد‭!‬

طقوس دينية العدّادة والملاّية

الراوية‭ ‬الأنثوية‭ ‬هي‭ ‬ممارسة‭ ‬طقسية‭ ‬أشهر‭ ‬أنواعها‭ ‬‮«‬الملاّية‮»‬‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬العراق،‭ ‬و‮»‬الـﮔواله‮»‬‭ ‬في‭ ‬الجنوب،‭ ‬و‮»‬العدّادة‮»‬‭ ‬في‭ ‬بغداد‭. ‬أقول‭ ‬العراق‭ ‬لسبب‭ ‬وحيد‭ ‬هو‭ ‬قصور‭ ‬معرفتي‭ ‬بممارسة‭ ‬هذا‭ ‬الطقس‭ ‬وعدم‭ ‬تعدّيها‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬موجود‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬الأخرى‭.‬

فن‭ ‬‮«‬العديد‮»‬‭ ‬هو‭ ‬طقس‭ ‬غير‭ ‬علني‭ ‬يُمارس‭ ‬خلف‭ ‬أبواب‭ ‬مغلقة‭ ‬وله‭ ‬مضامين‭ ‬دينية‭ ‬هدفها‭ ‬التجلي‭. ‬وفي‭ ‬عروض‭ ‬العدّادة‭ ‬يصل‭ ‬التجلّي‭ ‬حدودا‭ ‬بعيدة‭.‬

ويتكوّن‭ ‬‮«‬العديد‮»‬‭ ‬من‭ ‬أساليب‭ ‬أداء‭ ‬أهمها‭ ‬إلقاء‭ ‬الشعر‭ ‬والغناء‭ ‬والتجويد‭ ‬والردّات‭ ‬والقصّ‭ ‬واللطم‭ ‬والرقص‭ ‬‭(‬الجولة‭)‬‭ ‬والتمثيل‭.. ‬أدناه‭ ‬ألخّص‭ ‬وصف‭ ‬الناقد‭ ‬العراقي‭ ‬الشهير‭ ‬علي‭ ‬مزاحم‭ ‬عباس‭ ‬لهذا‭ ‬العرض‭.‬

‮«‬العديد‮»‬‭ ‬ضرب‭ ‬من‭ ‬ضروب‭ ‬الطقوس‭ ‬التشخيصية‭ ‬ترتدي‭ ‬فيه‭ ‬الراوية‭ ‬زيّا‭ ‬يسمّى‭ ‬‮«‬هاشمي‮»‬‭ ‬والنساء‭ ‬ثياب‭ ‬حداد‭. ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬موقع‭ ‬‮«‬العديد‮»‬‭ ‬باحات‭ ‬بيوت‭ ‬توظّب‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬مربع‭ ‬أو‭ ‬دائرة‭ ‬غير‭ ‬مكتملة‭ ‬تحتوي‭ ‬صحون‭ ‬مليئة‭ ‬بالسجائر،‭ ‬وعلى‭ ‬رأس‭ ‬المربّع‭ ‬أو‭ ‬الحلقة‭ ‬كرسي‭ ‬عال‭ ‬مجلل‭ ‬بالسواد‭ ‬هو‭ ‬منبر‭ ‬العدّادة‭ ‬أو‭ ‬‮«‬الملاّية‮»‬‭. ‬تعلّق‭ ‬على‭ ‬الجدران‭ ‬أقمشة‭ ‬سوداء‭ ‬عليها‭ ‬كتابات‭ ‬من‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬يا‭ ‬حسين،‭ ‬يا‭ ‬شهيد،‭ ‬يا‭ ‬مظلوم‮»‬‭ ‬ويعلّق‭ ‬سيف‭ ‬أو‭ ‬بضعة‭ ‬سيوف‭. ‬‮«‬العدّادة‮»‬‭ ‬تتأبّط‭ ‬مخطوطات‭ ‬مغطاة‭ ‬بقماش‭ ‬أسود‭ ‬أو‭ ‬أخضر،‭ ‬ولها‭ ‬مساعدة‭ ‬تتولّى‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬الطقس‭ ‬كمثل‭ ‬الندب‭ ‬وتحفيظ‭ ‬النساء‭ ‬مقاطع‭ ‬يرددنها‭ ‬أثناء‭ ‬العرض‭ ‬كالكورس‭.‬

تبدأ‭ ‬العدّادات‭ ‬عروضهنّ‭ ‬عادة‭ ‬بإنشاد‭ ‬عبارة‭ ‬‮«‬وي‭ ‬يا‭ ‬حسين‮»‬‭ ‬بجلال،‭ ‬تتبعهنّ‭ ‬أشعار‭ ‬شعبية‭ ‬وحكايات‭ ‬مختلفة‭ ‬أهمها‭ ‬واقعة‭ ‬مقتل‭ ‬الإمام‭ ‬الحسين‭ ‬بن‭ ‬عليّ‭ ‬بن‭ ‬أبي‭ ‬طالب‭. ‬أمّا‭ ‬النساء‭ ‬الجالسات‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬حلقة‭ ‬أو‭ ‬مربّع‭ ‬فسرعان‭ ‬ما‭ ‬يتركن‭ ‬أوضاعهنّ‭ ‬حين‭ ‬تبادر‭ ‬واحدة‭ ‬بالوقوف‭ ‬في‭ ‬الوسط‭ ‬وتنثر‭ ‬شعرها‭ ‬وتكشف‭ ‬صدرها‭ ‬وترقص‭ ‬‭(‬أو‭ ‬تجول‭)‬‭ ‬بحركة‭ ‬متموّجة‭ ‬يمينا‭ ‬ويسارا‭ ‬بساقين‭ ‬مضمومتين‭ ‬ورأس‭ ‬يتذبذب‭. ‬ويتصاعد‭ ‬رقصها‭ ‬على‭ ‬إيقاع‭ ‬صوت‭ ‬‮«‬العدّادة‮»‬‭. ‬وفي‭ ‬لحظة‭ ‬ما‭ ‬تتّجه‭ ‬بعينيها‭ ‬إلى‭ ‬امرأة‭ ‬فتقف‭ ‬الأخيرة‭ ‬لتقابلها‭ ‬بالرقص‭. ‬ترقص‭ ‬المرأتان‭ ‬وتلطمان‭ ‬أو‭ ‬تجريان‭ ‬واحدة‭ ‬وراء‭ ‬الأخرى‭ ‬تساوقا‭ ‬مع‭ ‬تصاعد‭ ‬أداء‭ ‬‮«‬العدّادة‮»‬،‭ ‬ثمّ‭ ‬تهبّ‭ ‬بقية‭ ‬النساء‭ ‬ليرقصن‭ ‬فيقذفن‭ ‬بأجسادهنّ‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬بطريقة‭ ‬غريبة‭ ‬ويضربن‭ ‬الأرض‭ ‬بأرجلهن‭ ‬تقابلهنّ‭ ‬‮«‬العدّادة‮»‬‭ ‬بتصعيد‭ ‬في‭ ‬‮«‬العديد‮»‬‭ ‬والغناء‭ ‬وصرخات‭ ‬الـ‮»‬يبووه‮»‬‭.‬وحين‭ ‬ترى‭ ‬أنّ‭ ‬التجلّي‭ ‬بلغ‭ ‬الذروة‭ ‬المطلوبة‭ ‬تخفّف‭ ‬‮«‬العدّادة‮»‬‭ ‬من‭ ‬حماسة‭ ‬النساء‭ ‬عبر‭ ‬تغيير‭ ‬الألحان‭ ‬والخروج‭ ‬عن‭ ‬الحكاية‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬وجدت‭ ‬حكاية‭ ‬بالطبع‭! ‬وحين‭ ‬يعود‭ ‬الهدوء‭ ‬تبدأ‭ ‬استراحة‭ ‬تتخللّها‭ ‬طقوس‭ ‬فيها‭ ‬يُرشّ‭ ‬ماء‭ ‬ورد‭ ‬أو‭ ‬يوزّع‭ ‬خبز‭ ‬يُسمّى‭ ‬‮«‬خبز‭ ‬العباس‮»‬،‭ ‬أو‭ ‬يتمّ‭ ‬تبادل‭ ‬حكايات‭ ‬من‭ ‬الإرث‭ ‬الديني‭ ‬والدنيوي،‭ ‬وقد‭ ‬يُقدّم‭ ‬مشهد‭ ‬مسرحي‭ ‬بدائي‭ ‬يشخّص‭ ‬واقعة‭ ‬‮«‬عرس‭ ‬القاسم‮»‬‭. ‬وهي‭ ‬واقعة‭ ‬تحكي‭ ‬عن‭ ‬زفاف‭ ‬مفترض‭ ‬لـ‮»‬القاسم‮»‬‭ ‬ابن‭ ‬أخ‭ ‬الحسين‭ ‬الذي‭ ‬تقرر‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يتزوج‭ ‬من‭ ‬ابنة‭ ‬الحسين‭ ‬أثناء‭ ‬الحصار‭ ‬المضروب‭ ‬عليهم‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬جيش‭ ‬الخليفة‭ ‬الأموي‭ ‬يزيد‭ ‬بن‭ ‬معاوية‭ ‬لكنّ‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يتمّ‭ ‬لأنّ‭ ‬القاسم‭ ‬يستشهد‭ ‬قبل‭ ‬الزواج‭. ‬تلعب‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬النساء‭ ‬دور‭ ‬العروس‭ ‬وأخرى‭ ‬دور‭ ‬العريس،‭ ‬فيسدل‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬العروس‭ ‬خمار‭ ‬أبيض،‭ ‬وترتدي‭ ‬الأخرى‭ ‬زياً‭ ‬رجالياً‭ ‬ويقدّم‭ ‬مشهد‭ ‬العرس‭ ‬وكأنّه‭ ‬مأتم‭.‬

بعد‭ ‬الاستراحة‭ ‬تمزج‭ ‬‮«‬العدّادة‮»‬‭ ‬الحكاية‭ ‬بتعليقات‭ ‬حول‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬وغير‭ ‬ذلك‭ ‬وتنتقل‭ ‬بسلاسة‭ ‬لـ‮»‬العديد‮»‬‭ ‬فتتوسط‭ ‬امرأة‭ ‬بقية‭ ‬النساء‭ ‬وتجول‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬بينما‭ ‬البقية‭ ‬يلطمن‭ ‬أو‭ ‬يرقصن‭. ‬وعندما‭ ‬يحمي‭ ‬وطيس‭ ‬الطقس‭ ‬تبدأ‭ ‬النساء‭ ‬بالضرب‭ ‬على‭ ‬صدورهنّ‭ ‬المكشوفة‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬أكتافهنّ‭ ‬وذلك‭ ‬على‭ ‬إيقاع‭ ‬غناء‭ ‬‮«‬العدّادة‮»‬‭ ‬وسردها،‭ ‬وأثناء‭ ‬ذلك‭ ‬تبادر‭ ‬امرأة‭ ‬أخرى‭ ‬بالوقوف‭ ‬وسط‭ ‬البقية‭ ‬لترقص‭ ‬تتبعها‭ ‬أخرى‭ ‬وأخرى‭.‬

ذات‭ ‬لحظة‭ ‬تغيّر‭ ‬‮«‬العدّادة‮»‬‭ ‬خط‭ ‬السرد‭ ‬والغناء‭ ‬فتأخذ‭ ‬بقراءة‭ ‬قصيدة‭ ‬ترثي‭ ‬الحسين‭. ‬عندها‭ ‬تنقسم‭ ‬جوقة‭ ‬النساء‭ ‬إلى‭ ‬مجموعتين‭ ‬تقابلان‭ ‬بعضهما‭ ‬البعض،‭ ‬فتلطمان‭ ‬على‭ ‬الصدور‭ ‬والخدود‭ ‬والجبين‭. ‬المجموعتان‭ ‬تقودهما‭ ‬امرأتان‭ ‬تتقابلان‭ ‬في‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الكوريوغرافي‭ ‬البدائي،‭ ‬فترقصان‭ ‬وتلطمان‭ ‬على‭ ‬الجبين‭ ‬وعلى‭ ‬الصدور‭ ‬تتبعهما‭ ‬المجموعتان‭ ‬ثمّ‭ ‬تتركان‭ ‬موقع‭ ‬القيادة‭ ‬لنسوة‭ ‬أخريات‭. ‬وهكذا‭ ‬تتوالى‭ ‬النسوة‭ ‬على‭ ‬لعب‭ ‬دور‭ ‬القيادة‭ ‬بينما‭ ‬نساء‭ ‬المجموعتين‭ ‬تتبادلان‭ ‬مواقع‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬صفوف‭ ‬مجموعة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى‭ ‬حتّى‭ ‬تتداخل‭ ‬المجموعتان‭ ‬بطريقة‭ ‬يصعب‭ ‬فيها‭ ‬معرفة‭ ‬حركة‭ ‬الانتقال‭. ‬تمزّق‭ ‬النساء‭ ‬ثيابهن‭ ‬ويصل‭ ‬الطقس‭ ‬مستوى‭ ‬محموما‭ ‬شبيها‭ ‬بالفوضى‭ ‬لكنّه‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬منظّمٌ‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬تشرف‭ ‬عليها‭ ‬‮«‬العدّادة‮»‬‭ ‬بدقة‭. ‬فعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أنّ‭ ‬‮«‬العدّادة‮»‬‭ ‬مندمجة‭ ‬كليّا‭ ‬‭(‬trance‭)‬‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬تشبه‭ ‬الغيبوبة،‭ ‬إلاّ‭ ‬أنّها‭ ‬لا‭ ‬تفقد‭ ‬تركيزها‭ ‬على‭ ‬مراقبة‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬بدقة‭! ‬فاندماجها‭ ‬هو‭ ‬محاورة‭ ‬لغرائز‭ ‬وأحاسيس‭ ‬النساء،‭ ‬وتركيزها‭ ‬هو‭ ‬قيادة‭ ‬لمسار‭ ‬الطقس‭.‬

طقوس شعريةسوق عكاظ أو خطوة نحو فهم التأويل

كانت‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬قبل‭ ‬التدوين‭ ‬ثقافة‭ ‬غير‭ ‬حكائية‭. ‬أي‭ ‬أنّها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تخضع‭ ‬لتقنيات‭ ‬ثقافة‭ ‬القص‭ ‬والحكايات‭ ‬والسرد‭. ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬ثقافة‭ ‬عاطفية‭ ‬شعرية‭ ‬وصفية‭ ‬روحانية‭. ‬لهذا‭ ‬كانت‭ ‬فنون‭ ‬العرض‭ ‬ذات‭ ‬طابع‭ ‬آخر،‭ ‬كمثل‭ ‬الخطابة‭ ‬والإلقاء‭ ‬والترتيل‭ ‬والتجويد‭ ‬والتنغيم‭ ‬في‭ ‬الأشعار‭ ‬والخطب‭ ‬وطقوس‭ ‬العبادة‭ ‬عمودها‭ ‬الفقري‭ ‬الحسّ‭ ‬والغريزة‭.‬

بل‭ ‬وحتّى‭ ‬الأصنام‭ ‬كانت‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬المفاهيم‭ ‬التشخيصية‭ ‬والسردية،‭ ‬ماعدا‭ ‬‮«‬هبل‮»‬‭!‬

كانت‭ ‬‮«‬اللاّت‮»‬‭ ‬مثلا‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬صخرة‭ ‬بيضاء‭ ‬مربعة،‭ ‬أصلها‭ ‬جرم‭ ‬هبط‭ ‬من‭ ‬السماء،‭ ‬بني‭ ‬فوقها‭ ‬بناء‭ ‬وتحتها‭ ‬حفرة‭. ‬وكانت‭ ‬‮«‬العزّى‮»‬‭ ‬شجيرات‭ ‬في‭ ‬الطريق‭ ‬بين‭ ‬مكة‭ ‬والعراق‭ ‬بنوا‭ ‬عليها‭ ‬بيتاً‭. ‬أمّا‭ ‬‮«‬مناة‮»‬‭ ‬فكانت‭ ‬صخرة‭ ‬تمنى‭ ‬عندها‭ ‬دماء‭ ‬النساك‭ ‬‭(‬أي‭ ‬تراق‭ ‬دماؤهن‭)‬‭. ‬وكذا‭ ‬الأمر‭ ‬مع‭ ‬‮«‬إساف‭ ‬ونائلة‮»‬‭ ‬اللذين‭ ‬كانا‭ ‬حجرين‭ ‬موضوعين‭ ‬على‭ ‬الصفا‭ ‬والمروة‭. ‬والصفا‭ ‬بدوره‭ ‬حجر‭ ‬عريض‭ ‬أملس‭ ‬طوله‭ ‬ستة‭ ‬أمتار،‭ ‬وعرضه‭ ‬ثلاثة،‭ ‬وارتفاعه‭ ‬نحو‭ ‬مترين‭. ‬والمروة‭ ‬حجر‭ ‬أبيض‭ ‬طوله‭ ‬أربعة‭ ‬أمتار،‭ ‬وعرضه‭ ‬وارتفاعه‭ ‬متران،‭ ‬بينما‭ ‬كان‭ ‬‮«‬‭ ‬هُبَل‮»‬‭ ‬الوحيد‭ ‬في‭ ‬هيئة‭ ‬إنسان‭.‬

واللافتُ‭ ‬أنّ‭ ‬‮«‬هبل‮»‬‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬الأصل‭ ‬لا‭ ‬ينتمي‭ ‬للثقافة‭ ‬العربية‭. ‬إنّه‭ ‬تمثال‭ ‬روماني‭ ‬استورد‭ ‬من‭ ‬بلاد‭ ‬العماليق‭ ‬‭(‬بلاد‭ ‬الشام‭ ‬آنذاك‭)‬‭. ‬وهو‭ ‬إله‭ ‬تبرع‭ ‬به‭ ‬العماليق‭ ‬لعمرو‭ ‬بن‭ ‬لُحَى‭ ‬فجلبه‭ ‬إلى‭ ‬مكة‭. ‬وكان‭ ‬إلها‭ ‬‭(‬سرديا،‭ ‬مجسّدا‭)‬‭ ‬على‭ ‬صورة‭ ‬إنسان‭ ‬من‭ ‬عقيق‭ ‬أحمر‭ ‬مكسور‭ ‬الذراع‭ ‬اليمنى‭ ‬صنع‭ ‬لها‭ ‬العرب‭ ‬بديلا‭ ‬من‭ ‬الذهب‭. ‬وكان‭ ‬ينتصب‭ ‬في‭ ‬جوف‭ ‬الكعبة‭ ‬وأمامه‭ ‬سبعة‭ ‬أقداح‭.‬

سوق‭ ‬عكاظ‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬فنون‭ ‬العرض‭ ‬غير‭ ‬السردية‭ ‬أيضا‭.‬

لقد‭ ‬كان‭ ‬السوق‭ ‬منتدى‭ ‬أدبيا‭ ‬ينعقد‭ ‬سنويا‭ ‬ويؤّدي‭ ‬دورًا‭ ‬مهمًّا‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬العرب‭ ‬الثقافية‭. ‬إنّه‭ ‬سوق‭ ‬ثقافي‭ ‬يجتمع‭ ‬فيه‭ ‬العرب‭ ‬لتبادل‭ ‬القصائد،‭ ‬وتقدّم‭ ‬عروضه‭ ‬الشعرية‭ ‬في‭ ‬سهل‭ ‬بين‭ ‬مكة‭ ‬والطائف،‭ ‬وسط‭ ‬واد‭ ‬فسيح‭ ‬يرفل‭ ‬بالمياه‭ ‬والنخيل،‭ ‬ويبعد‭ ‬عن‭ ‬مكة‭ ‬ثلاث‭ ‬ليال‭ ‬بالجمل‭ ‬وعن‭ ‬الطائف‭ ‬ليلة‭ ‬واحدة‭.‬

كانت‭ ‬عروض‭ ‬عكاظ‭ ‬تقدم‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬كل‭ ‬سنة‭ ‬هكذا‭: ‬يجتمع‭ ‬الشعراء‭ ‬العرب‭ ‬ممثلين‭ ‬عن‭ ‬قبائلهم‭ ‬في‭ ‬عرض‭ ‬احتفالي‭. ‬يقفون‭ ‬على‭ ‬التلال‭ ‬ويتجمع‭ ‬الناس‭ ‬حولهم‭. ‬فيرتجل‭ ‬كل‭ ‬شاعر‭ ‬قصيدة‭ ‬يلقيها‭ ‬بأسلوب‭ ‬مميز‭. ‬أمّا‭ ‬الجمهور‭ ‬فيحفظون‭ ‬القصيدة‭ ‬في‭ ‬الحال‭ ‬وينطلقون‭ ‬إلى‭ ‬التلال‭ ‬الأخرى‭ ‬لكي‭ ‬ينقلوها‭ ‬ويصبحون‭ ‬ممثلين‭ ‬بدورهم‭ ‬أو‭ ‬حكواتيين‭. ‬فتكتسب‭ ‬قصيدة‭ ‬الشاعر‭ ‬بهذه‭ ‬الطريقة‭ ‬لونا‭ ‬وتأويلا‭ ‬جديدا‭. ‬فثمّة‭ ‬من‭ ‬الحفاظ‭ ‬من‭ ‬ينقل‭ ‬القصيدة‭ ‬كاملة‭ ‬غير‭ ‬منقوصة‭ ‬وثمّة‭ ‬من‭ ‬ينقل‭ ‬ما‭ ‬تمكن‭ ‬من‭ ‬حفظه‭ ‬حيث‭ ‬تصيب‭ ‬القصيدة‭ ‬تأويلات‭ ‬الناقل‭/‬الممثل‭/‬المشاهد‭.‬

سوق‭ ‬عكاظ‭ ‬بهذا‭ ‬المعنى‭ ‬هو‭ ‬فضاء‭ ‬عرض‭ ‬‭(‬location‭)‬‭ ‬يأتيه‭ ‬العارضون‭ ‬‭(‬performance‭)‬‭ ‬يتناشدون‭ ‬فيه‭ ‬الأشعار‭ ‬ويتفاخرون‭ ‬ويتنافرون‭ ‬ويترجمون‭ ‬شكلا‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬الصراع‭ ‬أو‭ ‬التوتر‭. ‬وللشعراء‭ ‬المتنافسين‭ ‬محكّمون‭ ‬يفصلون‭ ‬بينهم‭ ‬ومن‭ ‬أشهرهم‭ ‬النابغة‭ ‬الذبياني‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬تضرب‭ ‬له‭ ‬قبة‭ ‬حمراء‭ ‬من‭ ‬أدَم‭ ‬فيحكم‭ ‬بين‭ ‬الشعراء‭ ‬‭(‬الممثلين‭)‬‭ ‬الذين‭ ‬يعتبرون‭ ‬أبطال‭ ‬قبائلهم‭ ‬التي‭ ‬تفتخر‭ ‬بهم‭ ‬وتتمنى‭ ‬أن‭ ‬يتفوق‭ ‬على‭ ‬الشعراء‭ ‬الآخرين‭.‬

القصائد‭ ‬التي‭ ‬تلقى‭ ‬هناك‭ ‬تأخذ‭ ‬أبعادا‭ ‬أخرى‭. ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الموقع‭ ‬يصبح‭ ‬التلّ‭ ‬مكانا‭ ‬والسهل‭ ‬فضاء‭ ‬وصورة‭ ‬الحضور‭ ‬والطبيعة‭ ‬سينوغرافيا‭ ‬ويصبح‭ ‬الجمهور‭ ‬حفاظين‭ ‬ومنتجين‭ ‬جدد‭ ‬للقصائد،‭ ‬ويصبح‭ ‬الشعراء‭ ‬‭(‬الممثلون‭)‬‭ ‬جمهورا‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬الليل‭ ‬حيث‭ ‬يستمعون‭ ‬للقصائد‭ ‬وهي‭ ‬تنتشر‭ ‬كالهواء‭ ‬في‭ ‬الصحراء‭.‬

الممثلون‭ ‬هنا‭ ‬هم‭ ‬الشعراء‭ ‬المتنافسون‭ ‬الذين‭ ‬يستخدمون‭ ‬الحركة‭ ‬والإيماءة‭ ‬والصوت‭ ‬الجهوري‭ ‬وتلويناته‭ ‬للتأثير‭ ‬في‭ ‬الجمهور‭.‬

إمرؤ القيس

قفا‭ ‬نبك‭ ‬من‭ ‬ذِكرى‭ ‬حبيبٍ‭ ‬ومنزلِ‮ ‬‭ ‬بسِقطِ‭ ‬اللِّوى‭ ‬بينَ‭ ‬الدَّخول‭ ‬فحَوْملِ

فتوُضِحَ‭ ‬فالمِقراةِ‭ ‬لم‭ ‬يَعفُ‭ ‬رسمُهاَ‮ ‬‭ ‬لِما‭ ‬نسَـجَتْها‭ ‬مـن‭ ‬جَـنُوبٍ‭ ‬وشـمألِ

وفي‭ ‬قول‭ ‬اللاّتشخيص‭ ‬يوجد‭ ‬شيء‭ ‬ثالث‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬غير‭ ‬القصائد‭ ‬والأصنام‭. ‬أعني‭ ‬الخطابة‭.‬

فقد‭ ‬عرف‭ ‬العصر‭ ‬الجاهلي‭ ‬ضربا‭ ‬من‭ ‬النثر‭ ‬اسمه‭ ‬الخطابة‭. ‬والخطابة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬أقل‭ ‬منزلة‭ ‬من‭ ‬الشعر،‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬يتوفَّر‭ ‬من‭ ‬نصوصها‭ ‬الموثّقة‭ ‬إلا‭ ‬ما‭ ‬ندر‭. ‬خطبة‭ ‬قس‭ ‬بن‭ ‬ساعدة‭ ‬الإيادي‭ ‬على‭ ‬ناقته‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬أشهر‭ ‬تلك‭ ‬العروض‭. ‬وهي‭ ‬خطبة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تشخيصية‭. ‬بل‭ ‬ذهنية‭ ‬ووجدانية‭ ‬في‭ ‬آن‭. ‬وقس‭ ‬بن‭ ‬ساعدة،‭ ‬هو‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬خطب‭ ‬على‭ ‬شرف‭ ‬‭(‬مكان‭ ‬عال‭)‬‭ ‬وأول‭ ‬من‭ ‬اتكأ‭ ‬أثناء‭ ‬العرض‭ ‬على‭ ‬سيف‭ ‬تارة‭ ‬وعلى‭ ‬عصاً‭ ‬تارة‭ ‬أخرى‭.‬

خطبة قس بن ساعدة الإيادي

‮«‬أيّها‭ ‬الناس‭ ‬اسمعوا‭ ‬وَعُوا،‭ ‬وإذا‭ ‬وعيتم‭ ‬فانتفعوا،‭ ‬إنّ‭ ‬من‭ ‬عاش‭ ‬مات‭ ‬ومن‭ ‬مات‭ ‬فات،‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬آتٍ‭ ‬آت،‭ ‬إنّ‭ ‬في‭ ‬السماء‭ ‬لخبراً،‭ ‬وإنَّ‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬لعبراً،‭ ‬مهاد‭ ‬موضوع،‭ ‬وسقف‭ ‬مرفوع،‭ ‬ونجوم‭ ‬تمور،‭ ‬وبحار‭ ‬لن‭ ‬تغور،‭ ‬ليل‭ ‬داج،‭ ‬وسماء‭ ‬ذات‭ ‬أبراج‭.. ‬ما‭ ‬لي‭ ‬أرى‭ ‬الناس‭ ‬يذهبون‭ ‬ولا‭ ‬يرجعون‭. ‬أرضوا‭ ‬بالمقام‭ ‬فأقاموا؟‭ ‬أم‭ ‬تركوا‭ ‬فناموا؟‮»‬‭.‬

وعروض‭ ‬الخطابة‭ ‬تناغي‭ ‬البديهة‭ ‬والذهن‭ ‬والمشاعر،‭ ‬بحيث‭ ‬يسعى‭ ‬الخطيب‭ ‬إلى‭ ‬الإقناع‭ ‬الذهني‭ ‬والاستمالة‭ ‬الوجدانية‭. ‬وقد‭ ‬مارس‭ ‬العرب‭ ‬فن‭ ‬الخطب‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬وفي‭ ‬الحروب‭ ‬وفي‭ ‬الأعراس‭ ‬وفي‭ ‬مناسبات‭ ‬القبيلة‭ ‬الكبرى،‭ ‬وما‭ ‬سوق‭ ‬عكاظ‭ ‬سوى‭ ‬أحد‭ ‬الأمثلة‭ ‬على‭ ‬ذلك‭.‬

طقوس دنيوية الحكواتي‮ ‬‭(‬الراوي‭)‬

يعد‭ ‬هذا‭ ‬الحكواتي‭ ‬أحد‭ ‬أهمّ‭ ‬وآخر‭ ‬الأشكال‭ ‬الحيّة‭ ‬المستمدة‭ ‬من‭ ‬التقاليد‭ ‬الشفاهية‭.‬‮ ‬وهو راويةٌ‮ ‬دنيويٌ‮ ‬أشهر‭ ‬أشكاله‭ ‬تتموضع‭ ‬في‭ ‬المقاهي‭.‬

وتعني‭ ‬كلمة‭ ‬حكواتي‭ ‬باللغة‭ ‬العربية‭ ‬الشخص‭ ‬الذي‭ ‬يروي‭. ‬كما‭ ‬أنّ‭ ‬أصل‭ ‬فعل‭ ‬‮«‬حكى‮»‬‭ ‬كما‭ ‬أسلفتُ‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬عملية‭ ‬دمج‭ ‬الحكي‭ ‬والمحاكاة‭. ‬بمعنى‭ ‬أنّ‭ ‬الحكواتي‭ ‬فنان‭ ‬يعبّر‭ ‬عن‭ ‬شيء‭ ‬كلاميا‭ ‬وحركيا،‭ ‬وفي‭ ‬حالتنا‭ ‬يستخدم‭ ‬أيضا‭ ‬أزياء‭ ‬وإكسسوارا‭ ‬وآلة‭ ‬موسيقية‭.. ‬إلخ‭.‬

وللحكي‭ ‬مفهومان‭ ‬أحدهما‭ ‬قصصيّ‭ ‬وآخر‭ ‬لاقصصي،‭ ‬وكذا‭ ‬الأمر‭ ‬مع‭ ‬المحاكاة‭ ‬التي‭ ‬لها‭ ‬مفهومان‭ ‬تشخيصيّ‭ ‬ولاتشخيصيّ‭.‬

أحد‭ ‬أهم‭ ‬المفاهيم‭ ‬التشخيصية‭ ‬هو‭ ‬ترجمة‭ ‬واقعة‭ ‬ما‭ ‬إلى‭ ‬عرض‭ ‬حيّ‭.‬

القص‭ ‬وإلقاء‭ ‬الشعر‭ ‬والغناء‭ ‬والترتيل‭ ‬وأساليب‭ ‬القول‭ ‬الدينية‭ ‬والكلام‭ ‬الملحّن‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬والحركة‭ ‬والإيماءة‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬ثانية‭ ‬هي‭ ‬الوسائط‭ ‬التي‭ ‬تحوّل‭ ‬الكلمات‭ ‬من‭ ‬سطور‭ ‬على‭ ‬ورق‭ ‬أو‭ ‬كلمات‭ ‬في‭ ‬الخاطر‭ ‬إلى‭ ‬واقعة‭ ‬فنيّة‭ ‬حيّة‭. ‬لهذا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تتوفر‭ ‬في‭ ‬من‭ ‬يحمل‭ ‬هذه‭ ‬المهمة‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬محاكاة‭ ‬السلوك‭ ‬الإنساني‭ ‬بمختلف‭ ‬أبعاده‭.‬

عليه‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مؤثرا‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬حالة،‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬كوميديا‭ ‬حينما‭ ‬يقوم‭ ‬بسرد‭ ‬نكتة‭ ‬ومبكيا‭ ‬عندما‭ ‬يروي‭ ‬حكاية‭ ‬محزنة،‭ ‬وأن‭ ‬يوظّف‭ ‬تلاوين‭ ‬صوته‭ ‬ولغته‭ ‬الإيمائية‭ ‬بغية‭ ‬الوصول‭ ‬للتأثير‭ ‬المنشود‭ ‬بالمشاهد،‭ ‬وأن‭ ‬يتلاعب‭ ‬بسياقات‭ ‬الحكايات‭ ‬وتسلسلها‭ ‬لكي‭ ‬يدفع‭ ‬المشاهد‭ ‬إلى‭ ‬البكاء‭ ‬والضحك‭ ‬والتخيل‭ ‬وتأمل‭ ‬واقع‭ ‬الحال‭ ‬والرغبة‭ ‬في‭ ‬تغييره‭. ‬والحكواتي‭ ‬يتلاعب‭ ‬بعدّته‭ ‬القصصية‭ ‬وسياقاتها‭ ‬بطرق‭ ‬تكفل‭ ‬بقاء‭ ‬جمهوره‭ ‬مشدودا‭ ‬ومستمتعا‭.‬

تتنوّع‭ ‬المواد‭ ‬التي‭ ‬يتناولها‭ ‬الحكواتي‭ ‬بشكل‭ ‬واسع‭. ‬فثمّة‭ ‬قصص‭ ‬مكتوبة‭ ‬وأخرى‭ ‬شفاهية‭ ‬وثمة‭ ‬حكايات‭ ‬شهيرة‭ ‬وأخرى‭ ‬مجهولة،‭ ‬وتوجد‭ ‬سير‭ ‬دينية‭ ‬وغير‭ ‬دينية‭ ‬أو‭ ‬قصص‭ ‬غنائية‭ ‬وأخرى‭ ‬نثرية‭.‬

من‭ ‬أهم‭ ‬صفات‭ ‬الحكواتي‭ ‬هي‭ ‬قابلية‭ ‬عروضه‭ ‬على‭ ‬التغيّر‭ ‬الخاضع‭ ‬لتأثير‭ ‬الجمهور‭. ‬ففي‭ ‬كل‭ ‬عرض‭ ‬يقوم‭ ‬الممثل‭ ‬‭(‬إذا‭ ‬صحّت‭ ‬تسميته‭ ‬ممثلا‭)‬‭ ‬بارتجال‭ ‬سياق‭ ‬درامي‭ ‬للحكاية‭ ‬وبإعداد‭ ‬خطة‭ ‬إخراجية‭ ‬لكي‭ ‬يتلاءم‭ ‬العرض‭ ‬مع‭ ‬الجمهور‭ ‬ذلك‭ ‬العرض‭ ‬تحديدا‭. ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬يدفعه‭ ‬أحيانا‭ ‬للربط‭ ‬بين‭ ‬قصص‭ ‬مختلفة‭ ‬معتمدا‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬تسلسلها‭ ‬على‭ ‬إحساسه‭ ‬الشخصي‭ ‬بالجمهور‭.‬

هذه‭ ‬الصفة‭ ‬الجوهريّة‭ ‬تسمح‭ ‬له‭ ‬بالتفاعل‭ ‬مع‭ ‬المشاهد‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مستويات‭ ‬عديدة‭ ‬أطرفها‭ ‬توزيعه‭ ‬لشخصيات‭ ‬الحكاية‭ ‬أو‭ ‬إسقاطها‭ ‬على‭ ‬المشاهدين‭.‬

إنّ‭ ‬عمليتي‭ ‬بناء‭ ‬خط‭ ‬التوتر‭ ‬للحكاية‭ ‬وإسقاط‭ ‬الشخصيات‭ ‬المرويّة‭ ‬على‭ ‬الجمهور‭ ‬هما‭ ‬العمود‭ ‬الفقري‭ ‬لعروض‭ ‬الحكواتي‭.‬

ولكن‭ ‬ما‭ ‬معنى‭ ‬إسقاط‭ ‬الشخصية؟

يوزّع‭ ‬الحكواتي‭ ‬بعض‭ ‬شخصيات‭ ‬الحكاية‭ ‬‭(‬إذا‭ ‬صحّت‭ ‬تسمية‭ ‬توزيع‭ ‬الشخصيات‭)‬‭ ‬على‭ ‬المشاهدين‭ ‬بطرق‭ ‬مختلفة‭ ‬سآخذ‭ ‬منها‭ ‬هنا‭ ‬مثالين‭ ‬إيضاحيين‭.‬

المثال‭ ‬الأول

‮ ‬توجد‭ ‬في‭ ‬الحكاية‭ ‬شخصية‭ ‬عاشق‭ ‬ويوجد‭ ‬بين‭ ‬الجمهور‭ ‬فتى‭ ‬وسيم‭ ‬أو‭ ‬شاب‭ ‬تمت‭ ‬خطوبته‭ ‬حديثا‭. ‬يعمد‭ ‬الحكواتي‭ ‬عندما‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬العشق‭ ‬إلى‭ ‬إسقاط‭ ‬شخصية‭ ‬العاشق‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬الشخص‭ ‬ويتحدث‭ ‬معه‭ ‬وكأنّه‭ ‬الشخصية‭ ‬التي‭ ‬يحكي‭ ‬عنها‭. ‬وهو‭ ‬يقوم‭ ‬بذلك‭ ‬بالطريقة‭ ‬التالية‭: ‬حين‭ ‬يصل‭ ‬في‭ ‬الرّوي‭ ‬إلى‭ ‬العاشق‭ ‬يوجّه‭ ‬تركيزه‭ ‬فجأة‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬الشخص‭ ‬بالاقتراب‭ ‬منه،‭ ‬أو‭ ‬بالحديث‭ ‬معه‭ ‬أو‭ ‬الإشارة‭ ‬إليه‭ ‬أو‭ ‬الحديث‭ ‬عنه‭ ‬إلى‭ ‬الآخرين‭ ‬على‭ ‬أنّه‭ ‬العاشق‭ ‬في‭ ‬القصة‭.‬‭ ‬وقد‭ ‬يطلب‭ ‬منه‭ ‬أن‭ ‬يأتي‭ ‬ليقف‭ ‬إلى‭ ‬جانبه‭.. ‬إلخ‭. ‬بمعنى‭ ‬آخر‭ ‬إنّ‭ ‬الحكواتي‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬المشاهد‭ ‬‮«‬مركز‭ ‬انتباه‭ ‬في‭ ‬خط‭ ‬الفعل‮»‬‭. ‬وإذا‭ ‬تحدث‭ ‬الراوي‭ ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬عن‭ ‬الحبيبة‭ ‬وكانت‭ ‬تمّت‭ ‬خطوبة‭ ‬ذلك‭ ‬المشاهد‭ ‬حديثا،‭ ‬فإنّ‭ ‬الجميع‭ ‬سيعرف‭ ‬أنّ‭ ‬المقصود‭ ‬بالعشيقة‭ ‬هو‭ ‬مزيج‭ ‬من‭ ‬شخصية‭ ‬الحكاية‭ ‬وخطيبة‭ ‬ذلك‭ ‬المشاهد،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يدفع‭ ‬الحكواتي‭ ‬للحذر‭ ‬والتغيير‭ ‬عند‭ ‬تحديد‭ ‬صفات‭ ‬العشيقة‭ ‬ومسار‭ ‬الحكاية‭ ‬بطريقة‭ ‬لا‭ ‬تتعرض‭ ‬بالمساس‭ ‬بذلك‭ ‬المشاهد‭ ‬وخطيبته‭.‬

المثال‭ ‬الثاني

توجد‭ ‬في‭ ‬الحكاية‭ ‬شخصية‭ ‬بغيضة‭ ‬ويوجد‭ ‬بين‭ ‬الجمهور‭ ‬شخص‭ ‬لا‭ ‬يروق‭ ‬للحكواتي‭ ‬لسبب‭ ‬شخصيّ‭ ‬أو‭ ‬بسبب‭ ‬عدم‭ ‬اهتمام‭ ‬ذلك‭ ‬المشاهد‭ ‬بالقصة‭. ‬يعمد‭ ‬الحكواتي‭ ‬إلى‭ ‬إسقاط‭ ‬الشخصية‭ ‬البغيضة‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬المشاهد،‭ ‬ولكن‭ ‬بطريقة‭ ‬فيها‭ ‬لباقة‭ ‬لا‭ ‬تدفع‭ ‬ذلك‭ ‬المشاهد‭ ‬لمغادرة‭ ‬المكان‭. ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬يروي‭ ‬بها‭ ‬الحكواتي،‭ ‬إذن‭ ‬هي‭ ‬عملية‭ ‬مزيج‭ ‬مستمر‭ ‬بين‭ ‬خط‭ ‬الحكاية،‭ ‬والنص‭ ‬الجواني‭ ‬وطبيعة‭ ‬الجمهور‭ ‬وموقفه‭ ‬الشخصي‭ ‬من‭ ‬النص‭ ‬ومن‭ ‬الجمهور‭.‬

وجمهور‭ ‬الحكواتي‭ ‬ليس‭ ‬سلبيا‭ ‬بالطبع،‭ ‬بل‭ ‬يشارك‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬مسالك‭ ‬الحدث‭. ‬فعندما‭ ‬يبدأ‭ ‬الراوي‭ ‬بسرد‭ ‬حكاية‭ ‬عن‭ ‬بطل‭ ‬معروف‭ ‬ينقسم‭ ‬الجمهور‭ ‬إلى‭ ‬مجاميع‭ ‬إحداها‭ ‬تتخذ‭ ‬جانب‭ ‬البطل‭ ‬والأخرى‭ ‬تتخذ‭ ‬موقفا‭ ‬مغايرا‭. ‬وقد‭ ‬تلعب‭ ‬أحيانا‭ ‬انتماءات‭ ‬الجمهور‭ ‬العائلية‭ ‬دورا‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬المجموعة‭ ‬التي‭ ‬يصطفّ‭ ‬إليها‭ ‬شخص‭ ‬ما‭ ‬وبخاصة‭ ‬في‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية‭. ‬فإذا‭ ‬كانت‭ ‬الشخصية‭ ‬تعود‭ ‬بالنسب‭ ‬إلى‭ ‬عائلتي‭ ‬فأنا‭ ‬أقف‭ ‬منذ‭ ‬البداية‭ ‬إلى‭ ‬جانبها‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬الحكاية‭ ‬سلبيا‭ ‬كان‭ ‬أو‭ ‬إيجابيا‭!‬

يركّز‭ ‬الراوي‭ ‬وبفراسة‭ ‬أثناء‭ ‬سرد‭ ‬الحكاية‭ ‬على‭ ‬معرفة‭ ‬موقف‭ ‬الجمهور‭ ‬‭(‬الأيديولوجي‭!‬‭)‬‭ ‬لكي‭ ‬يتمكن‭ ‬من‭ ‬تقديم‭ ‬حكايته‭ ‬لهم‭ ‬بطريقة‭ ‬متوازنة‭ ‬بعد‭ ‬تخمين‭ ‬ردود‭ ‬أفعالهم‭ ‬ومواقفهم‭. ‬ولتحقيق‭ ‬ذلك‭ ‬يعتمد‭ ‬بشكل‭ ‬خاص‭ ‬على‭ ‬قدراته‭ ‬في‭ ‬تغيير‭ ‬خط‭ ‬الحكاية‭ ‬أو‭ ‬الحدث‭ ‬أو‭ ‬تعديل‭ ‬صفات‭ ‬الشخصية‭ ‬أو‭ ‬تقديم‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬على‭ ‬ذاك‭. ‬ولتحديد‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬بدقة‭ ‬يعمد‭ ‬إلى‭ ‬اختبارات‭ ‬غير‭ ‬مباشرة‭ ‬يحدّد‭ ‬على‭ ‬ضوئها‭ ‬طبائع‭ ‬الجمهور‭.‬

وتصل‭ ‬مشاركة‭ ‬الجمهور‭ ‬التفاعلية‭ ‬في‭ ‬عرض‭ ‬الحكواتي‭ ‬إلى‭ ‬مديات‭ ‬لافتة‭ ‬للانتباه‭. ‬ففي‭ ‬المقهى‭ ‬كثيرا‭ ‬ما‭ ‬يقوم‭ ‬الجمهور‭ ‬بتهيئة‭ ‬أجواء‭ ‬المكان‭ ‬بشكل‭ ‬مسبق‭ ‬اعتمادا‭ ‬على‭ ‬عنوان‭ ‬الحكاية،‭ ‬فيصفّون‭ ‬أماكن‭ ‬الجلوس‭ ‬بطريقة‭ ‬توحي‭ ‬وكأّنهم‭ ‬يصممون‭ ‬ديكورا،‭ ‬فينقسمون‭ ‬إلى‭ ‬جماعات‭ ‬تشجع‭ ‬البطل‭ ‬أو‭ ‬الغريم‭. ‬وتستثير‭ ‬هذه‭ ‬الجماعات‭ ‬بعضها‭ ‬البعض‭ ‬وإذا‭ ‬ما‭ ‬اندلعت‭ ‬مصادمات‭ ‬في‭ ‬الحكاية‭ ‬فقد‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬مصادمات‭ ‬حقيقية‭ ‬بينهما‭.‬

في‭ ‬مثل‭ ‬تلك‭ ‬المواقف‭ ‬قد‭ ‬يتوقف‭ ‬الحكواتي‭ ‬عن‭ ‬السرد‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬للسيطرة‭ ‬على‭ ‬الموقف،‭ ‬أو‭ ‬يلملم‭ ‬أغراضه‭ ‬ويذهب‭ ‬إلى‭ ‬منزله‭ ‬أملا‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬ينشغل‭ ‬الطرفان‭ ‬بقضية‭ ‬ذهابه‭ ‬وينهيان‭ ‬الموقف‭ ‬المأزوم‭.‬

ولكن‭ ‬ذهابه‭ ‬قد‭ ‬يقود‭ ‬العرض‭ ‬في‭ ‬مسالك‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬في‭ ‬حسبان‭ ‬أحد،‭ ‬كأن‭ ‬يندفع‭ ‬بعض‭ ‬المشاهدين‭ ‬الذين‭ ‬يرون‭ ‬أنّهم‭ ‬خاسرون‭ ‬في‭ ‬الموقف‭ ‬إلى‭ ‬بيت‭ ‬الحكواتي‭ ‬فيطرقون‭ ‬بابه‭ ‬ويلتمسون‭ ‬منه‭ ‬أن‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬المقهى‭ ‬لكي‭ ‬ينهي‭ ‬الموقف‭ ‬المأزوم‭ ‬ذلك‭ ‬أنّهم‭ ‬غير‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬النوم‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬تلك‭ ‬الأزمة‭! ‬هكذا‭ ‬تتماهى‭ ‬حكاية‭ ‬الحكواتي‭ ‬مع‭ ‬حكاية‭ ‬المشاهد‭.‬

إنّ‭ ‬فنون‭ ‬الحكواتي‭ ‬كما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نستنتج‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬هي‭ ‬مزيج‭ ‬من‭ ‬خط‭ ‬الحكاية‭ ‬الأصلي،‭ ‬وما‭ ‬بين‭ ‬سطور‭ ‬النص،‭ ‬وعلاقة‭ ‬الحكواتي‭ ‬بالنص‭ ‬وبالجمهور‭ ‬وعلاقته‭ ‬بنفسه‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬نستطيع‭ ‬مقاربة‭ ‬الحكواتي‭ ‬باعتباره‭ ‬ممثلا‭ ‬تشخيصيا‭ ‬أو‭ ‬تأويليا‭.‬

هذه‭ ‬المميزات‭ ‬الحكواتية‭ ‬وكثير‭ ‬غيرها‭ ‬كانت‭ ‬محور‭ ‬بحثنا‭ ‬في‭ ‬مسرحيتي‭ ‬‮«‬ساعات‭ ‬الصفر‮»‬‭ ‬و‮»‬شجرة‭ ‬الألم‮»‬‭. ‬فبعد‭ ‬أن‭ ‬درسنا‭ ‬الراوي‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬مفهوم‭ ‬الأصالة‭ ‬صرنا‭ ‬نبحث‭ ‬عن‭ ‬إمكانيات‭ ‬أخرى‭ ‬لتطويره‭ ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬سؤال‭ ‬عن‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬تلعبه‭ ‬أساليب‭ ‬العرض‭ ‬آنفة‭ ‬الذكر‭ ‬في‭ ‬عالمنا‭ ‬اليوم،‭ ‬عالم‭

عن محمد سامي

محمد سامي عضو نقابة الفنانين العراقين - وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين ييعمل لدى مركز روابط للثقافة والفنون ومحرر في موقع الخشبة و موقع الهيئة العربية للمسرح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.